تجاوز إلى المحتوى

شرح عمدة الفقه

الدرس الأول — كتابُ الطَّهارةِ، بَابُ أَحْكَامِ المِيَاهِ

ملفات PDF ١ ملف

دروس جامع البواردي الطهارة 11 درسعرض PDF ↗تنزيل PDF٣٫٤ م.ب
الفقرة ١ من ٦٧

النص المقروء

عناوين هذا الدرس
  1. الدَّرْسُ الأَوَّل
  2. كتابُ الطَّهارةِ
  3. بَابُ أَحْكَامِ المِيَاهِ

[الدَّرْسُ الأَوَّل]

رابط الفقرة 1

[كتابُ الطَّهارةِ]

رابط الفقرة 2

[بَابُ أَحْكَامِ المِيَاهِ]

رابط الفقرة 3

إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيِّئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، ﴿ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ١٠٢ ﴾ [آل عمران] ﴿ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍۢ وَٰحِدَةٍۢ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًۭا كَثِيرًۭا وَنِسَآءًۭ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًۭا ١ ﴾ [النساء] ﴿ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًۭا سَدِيدًۭا ٧٠ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ٧١ ﴾ [الأحزاب].

رابط الفقرة 4

أيها الأخوة الأكارم، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته وحياكم الله في مجلسٍ من مجالس العلم، ومجلسٍ من مجالس الذكر في بيتٍ من بيوت الله نتدارس ما ينفعنا في فقه العبادات، في فقه مذهب الإمام المبجل «أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل» قدس الله روحه في الجنان، هذا الإمام الفذ الإمام الذي هو خاتمة أئمة المذاهب التي بقيت، ودرسها وتعلمها أجيالٌ بعد أجيال في هذه الأمة، هذا الإمام الذي جمع الله له الإمامة في ثماني خصال، أعظمها الإمامة في الحديث والفقه، فهو إمام من أئمة المسلمين في الحديث وفي الفقه، جمع الله له ما لم يجمع لغيره من الأئمة السابقين حتى قال به شيخ الإسلام رحمه الله : «إنَّه -يعني الإمام أحمد- أعلمُ الأمة بالكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين»، وقال أيضًا: «لا تكاد تجد قولًا له يخالف نصًا».

رابط الفقرة 5

وليس بمعصوم رحمه الله ؛ لكنه حوى من السنة ووعى ما فاق غيره من العلماء والأئمة السابقين حتى قال له شيخه الإمام الشافعي: «إذا صح الحديث فأخبرني».

رابط الفقرة 6

ومن ثم فقد انفرد عن الأئمة بمسائل كثيرة؛ بسبب علمه بالسنة وظهور الأحاديث له أكثر من غيره، وقد اعتنى الأئمة على مر العصور والدهور من زمنه إلى يومنا الحاضر بمذهبه بيانًا وتوضيحًا وتأليفًا وتدريسًا، ومن أعظم من خدم هذا المذهب «موفق الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد ابن قدامة المقدسي» شيخ الإسلام وقدوة الأنام، شيخ المذهب إذا أطلق، فإذا أطلق الحنابلة الشيخ انصرف إليه، وإذا كان ذلك كذلك فإنه جديرٌ بدراسة مؤلفاته وكتبه وقد وفقه ربه وسدده وكان له من هذا اللقب أكبر نصيب فهو موفق الدين.

رابط الفقرة 7

مؤلفاته:

رابط الفقرة 8

ألف في فقه الحنابلة أربعة كتبٍ جعلها على طبقات المتعلمين، بدأها بهذا المتن المختصر المشهور الذي هو محل درسنا وهو العمدة وهو على اسمه، جرده عن الدليل وجعله في المذهب في القول المشهور، ثم ألف بعده كتابه الثاني الشهير المقنع، ذكر فيه الروايتين وجرده أيضًا عن الدليل وجعله لطبقات فوق المبتدئين، ثم اعتنت الأمة والعلماء بهذا الكتاب عناية فائقة بالشرح والاختصار، فشرح بعدة كتبٍ منها «الإنصاف» للمرداوي، و«الشرح الكبير» لابن أبي عمر، و«المبدع»، وهي شروحٌ عظيمةٌ ودواوينٌ من دواوين الفقه، واختصره أبو النجا الحجاوي رحمه الله في كتابٍ شهيرٍ ومتنٍ صغيرٍ من أشهر متون الحنابلة وأكثرها مسائل وهو «متن زاد المستقنع في اختصار المقنع» هذا المتن الذي يدرس في هذا المسجد المبارك، والذي تجاوز شارحه أكثر الكتاب ووصل إلى العِدَد كما بلغني، وهو متنٌ نفيسٌ مشهورٌ اعتنى أهل العلم بشرحه وإيضاحه وحفظه وممن اعتنى بشرحه البهوتي رحمه الله في كتابه «الروض المربع في شرح زاد المستقنع» وهو كتابٌ شهير.

رابط الفقرة 9

ثم ألف رحمه الله كتاب «الكافي» في أربعة مجلدات، ذكر فيها الروايات عن الإمام أحمد وأدلتها ثم ألف موسوعة الإسلام، الموسوعة الكبرى في الفقه الإسلامي «المغني» ذكر فيه الروايات عن الإمام وأقوال الأئمة والأدلة، وهو بحق مفخرةٌ للفقهاء وللعلماء ليس في مذهب الحنابلة فحسب بل لفقهاء الإسلام قاطبة، ولم يزل هذا الإمام نفع الله به في كتبه وفي جهاده وصبره ومجاهدته وقتاله الصلبيين.

رابط الفقرة 10

مولده:

رابط الفقرة 11

حيث ولد رحمه الله في سنة خمسمائة وإحدى وأربعين في إحدى مدن فلسطين ثم انتقل به أبوه إلى دمشق لما غزا الصليبيون فلسطين، ودرس في دمشق على كبار علمائها، ثم حج سنة خمسمائة وأربعة وسبعين، واستقر به المقام بعد ذلك في دمشق فألف كثيرًا من الكتب، وقاتل مع صلاح الدين الصلبيين وطردهم من بيت المقدس.

رابط الفقرة 12

وفاته:

رابط الفقرة 13

واستمر في هذا البذل والعطاء والتأليف والتدريس حتى قبض الله روحه في صبيحة يوم عيد الفطر في سنة ستمائة وعشرين، نسأل الله أن يغفر له وأن يرحمه وأن ينزله منازل الصديقين والشهداء والصالحين وأن يجمعنا به مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ووالدينا وذرارينا وأحبابنا ومن له حق علينا.

رابط الفقرة 14

اليوم نبدأ في شرح متنه في قسم العبادات، وقسم العبادات يحتاجه كل مسلم، إذ الفقه قسمان: فقهٌ لا بد منه، وهو فرض عينٍ كفقه الطهارة والصلاة والزكاة لمن له مالٌ يزكي، والصيام والحج لمن وجب عليه الصيام والحج، فهذا القدر لا بد من فقهه وفهمه وإتقانه وهو من فروض الأعيان، وما زاد على ذلك فهو من فروض الكفايات.

رابط الفقرة 15

فضل العلم:

رابط الفقرة 16

إلّا أنَّ العلم أشرفُ ما تبذل فيه الأوقات، وأفضل ما يتقرب به العباد كما قال الإمام أحمد رحمه الله في فضل العلم وشرفه: «إنه أفضل ما يتقرب به لمن صحت نيته»، ولم يفضّل عليه رحمه الله سوى الجهاد والنفقة فيه، ثم العلم تعلمًا وتعليمًا، فالعلم عظيم المنزلة وعظيم الشأن، والله يرفع به كما أخبر في كتابه أقوامًا، ولم يأمر جل شانه نبيه ومصطفاه أن يسأله الزيادة أو التزود من شيء غير العلم ﴿ وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْمًۭا ١١٤ ﴾ [طه]، وقال جل شانه: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ ﴾ [الزمر: ٩] أي لا يستوون، لا في الدنيا ولا في الآخرة، فمنازل العلماء خير منازل العُباد، وقال جل شانه: ﴿ يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ دَرَجَـٰتٍۢ ﴾ [المجادلة: ١١] وبشَّر صلى الله عليه وسلم أهل العلم عامة، العلوم الشرعية والفقه على وجه الخصوص ببشارة عظيمةٍ يعلم العبد فيها من الآن هل أراد الله به خيرًا أم لم يرد به، فقال صلى الله عليه وسلم فيما خرَّجه الشيخان من حديث معاوية رضي الله عنه : «من يُرِدِ اللهُ به خيرًا يُفَقِّهْهُّ في الدينِ»() هذه بشارةٌ عظيمةٌ وتاجٌ على رؤوس العلماء عامة والفقهاء على وجه الخصوص، ويدخل في هذا الحديث كل علوم الشريعة، من التفسير، تفسير كلام الله جل شانه وفهمه، ومن الحديث رواية ودراية، ومن العقيدة ما يجوز فيها وما لا يجوز، ومن الفروع، بل ما يهذب النفوس ويصلحها ويزكيها، كل ذلك داخل في هذا النص العام، لكنَّ الفقه الذي ندرسه والفقه الخاص من أوائل العلوم دخولًا وأشرفها، إذ المقصود به معرفة كيف يتعبد العبد ربه، وكيف يؤدي العبادة، وكيف يتعامل المعاملة فيسلم من الحرام، من البدعة في الدين وإدخال الحرام في مكسبه.

رابط الفقرة 17

إذن لا يمكن للعباد أن يتعبدوا الله على علم وبصيرة إلا بالفقه في دينه والتفقه في شريعته، وكذلك في معاملاتهم بل في أحوالهم كلها «من يُرِدِ اللهُ به خيرًا يُفَقِّهْهُّ في الدينِ» وبشّر صلى الله عليه وسلم طالب العلم بأنه إذا «سلَكَ طريقًا يلتمسُ فيهِ علمًا سَهَّلَ اللهُ لَهُ طريقًا إلى الجنَّةِ»() كما في حديث أبي هريرة عند الإمام مسلم، وهذا من أعظم الحوافز والمشجعات والمرغبات، أن يعلم العبد أنه متى سلك طريقًا من طرق العلم، كحضور الدروس واستماعها والقراءة في الكتب ومراجعتها والدراسة النظامية في الجامعات ونحوها، كل طريق يوصل إلى العلم، فمن سلكه بنية خالصة، نية صحيحة صالحة فإن هذا طريق يوصل إلى مرضات الله وجنته، وأخبر صلى الله عليه وسلم أنه: «من خرجَ في طلبِ العلمِ فَهوَ في سبيلِ اللهِ حتَّى يرجعَ»() كما جاء عند الترمذي بسندٍ حسنٍ من حديث أنسٍ رضي الله عنه ، فهذه البشائر وغيرها كثير تحفزنا أيها الإخوة إلى التعلم، وثني الركب في مجالس العلم، وحث الأهل من الأولاد بنين وبنات والزوجات والأخوات والأمهات على حضور هذه الدروس.

رابط الفقرة 18

ومن فضل الله علينا أن يوجد مثل هذا الجامع المبارك الذي فيه دروس وحلقات فينعم أهل الحي ويستفيدوا من هذه الخيرات المترادفة، كان العلماء يضربون أكباد الإبل طلبا للعلم وطلبا للحديث اليوم يسَّر الله السبل وسهلها فما على طالب العلم إلا أن يجد ويجتهد ويأخذ نفسه من أول درس بالجد والحضور والانضباط والالتزام لحضور الدرس حضورًا ينفع، بأن يحضر ومعه الكتاب ويعلق على الكتاب، ويسأل عما أشكل، ويراجع بعد الدرس حتى يؤتي الدرس ثمرته، وحتى يتخرج الطالب وقد انتفع نفعًا عظيمًا وأتقن هذه المعلومات التي يدرسها في هذا الكتاب، فتعلقون على الكتاب وتسألون عما أشكل، بعد نهاية كل فقرة أو فصل من كان عنده سؤال يسأل سواءٌ كان السؤال شفهيًا أو مكتوبًا لا حرج في ذلك، والمقصود كله أن نتعلم ونتفقه وألا يخرج أحد منا من الباب إلا وقد فهم ما سمع، وما أشكل عليه فيسأل حتى يتبين له أمره وحتى يتفقه في دين الله، أسأل الله أن يريد بي وبكم خيرًا وأن يجعلنا ممن يرفع بهذا العلم رأسًا فيرفعهم الله في دنياهم وأخراهم.

رابط الفقرة 19

مقدمة المتن:

رابط الفقرة 20

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبيينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين اللهم اغفر لشيخنا ولنا والسامعين.

رابط الفقرة 21

قال الإمام موفق الدين أبي محمد عبد الله بن أحمد رحمه الله :

رابط الفقرة 22

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

رابط الفقرة 23

الحمدُ للهِ أهلِ الحمدِ ومستحِقِّهِ حمدًا يفضُلُ على كلِّ حمدٍ كَفَضلِ اللهِ على خلقِهِ وأشهدُ أنْ لا إلهَ إِلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ لَهُ شَهادةَ قائمٍ للهِ بحقِّهِ وأشهدُ أنَّ محمّدًا عَبدُه ورسُوله غيرَ مُرتابٍ في صدقهِ صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وصحبِه وسلم ما جَادَ سَحابٌ بوَدقِهِ، وما رَعدَ بعد بَرقِهِ.

رابط الفقرة 24

أما بعد؛ فهذا كتابُ أحكامٍ في الفِقه اختَصرتُه حَسَبَ الإمْكَان واقتصَرتُ فيه على قولٍ واحد ليكونَ عُمدةً لقارئِه فلا يَلتبِسَ الصَّوابُ عليه باختلاف الوُجوهِ والرِّواياتِ.

رابط الفقرة 25

سأَلني بعضُ أصحابنا تلخيصَهُ؛ ليقرُبَ على المتعلِّمِين، ويسهُلَ حِفظُه على الطَّالبين فأَجبتُهُ إلى ذلك، مُعْتمِدًا عَلَى اللهِ سُبحَانَهُ في إِخلاصِ القَصدِ لِوجههِ الكَريم والمعُونةِ على الوصول إلى رِضوانِهِ العظيم وهو حَسبُنَا ونعم الوكيلُ.

رابط الفقرة 26

وأودعتُهُ أحاديثَ صحيحةً تَبرُّكًا بها، واعتِمادًا عليها، وجعلتها من الصِّحَاح لأَستغني عن نسبتها إليها.

رابط الفقرة 27

نعم هذه مقدمة المؤلف رحمه الله ، والمقدمة كما يقول أهل العلم: آخر ما يكتب وأول ما يقرأ وفيها فوائد عظيمةٌ، أي مقدمة قبل أن تقرأ الكتاب أقرأها فإنك تعرف الكتاب ومنهجه والقصد من تأليفه وغير ذلك من المسائل التي لا تخلو من المقدمة، افتتحها رحمه الله بالبسملة والحمدلة كما افتتح الله جل شأنه كتابه بذلك، وجاء في الحديث: «كل عمل ذي بال لا يبدأ فيه بالحمدلة -وفي رواية بالبسملة- فهو أبتر»() أي ناقص البركة، وقد أخذ أهل العلم بذلك أن يصدروا كتبهم بذلك؛ تأسيًا بالكتاب العزيز وبمكاتبات النبي صلى الله عليه وسلم ونيلًا لهذه البركة العظيمة وسلامةً من النقص والقصور فيما لم يُبدأ فيه ببسم الله أو بالحمد لله.

رابط الفقرة 28

حمد الله جل شأنه وهو أهل الحمد، والحمد أشمل من المدح، قالوا: المدح ذكر أوصاف المحمود، فإن أضفت مع ذكر الأوصاف التعظيم والإجلال والتألُّه فهو حمد وليس مدح، إذن الله جل شأنه دون غيره يستحق الحمد وأما الناس يمدحون، إذا مدحت كريمًا على كرمه وذكرت خصاله فقد مدحته، لكن الله جل شأنه تذكر خصاله وأسمائه الحسنى وصفاته العلى وتتألَّه له وتعظمه فتكون جمعت بين مدحه بذكر خصال الجمال والجلال وتألهت له وخضعت له وعبدته دون ما سواه (الحمدُ للهِ أهلِ الحمدِ ومستحِقِّهِ حمدًا يفضُلُ على كلِّ حمدٍ) إذن يحمد الله جل شانه حمدًا يليق بجلاله وعظيم سلطانه يفضل على حمد كل أحد كفضل الله جل شأنه على خلقه، إذ الله جل شانه لا شبيه له ولا ند ولا نظير، وحمده والثناء عليه أخص من حمد كل أحد والثناء عليه، ثم ثنى بالشهادة، شهادة التوحيد ألَّا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم (غيرَ مُرتابٍ في صدقهِ) صلى الله عليه وآله وسلم وجمع بين الصلاة عليه وآله وصحبه، وهذا نهج أهل السنة، إذا ذكروا النبي صلى الله عليه وسلم صلوا عليه وثنوا بالصلاة والسلام على آله وصحبه، وقد اعتنى أهل العلم ببيان أحكام الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عناية فائقة حتى أفردوها بالمؤلفات، ومن أحسن من ألف في ذلك وكتب العلامة ابن القيم رحمه الله في كتباه القيم «جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام» في مجلد ذكر فيه أحكام وقبل ذلك فضائل الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وتتأكد الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم كلما ذكر اسمه في قراءة أو مكتوب أو سماع، فكلما ذكرت اسمه أو كتبت اسمه صليت عليه صلى الله عليه وآله وسلم، قد نبه أهل العلم إلى أنه لا يجوز أن يرمز إلى ذلك بـ(ص) أو (صلعم) أو غير ذلك من الرموز، بل تكتبها كاملة ولا تعجز عنها وتنطقها كذلك كاملة، وأما المبتدعة الضلال فإنهم يوالون الآل ويسبون الصحب، وهذا من أعظم شعار ابتدعوه ومخالفة لأهل السنة خالفوا فيها، حيث أنهم يوالون الآل ويعادون الصحب رضي الله عنهم وأرضاهم وهذا من أقبح جهالات الرافضة عليهم من الله ما يستحقون.

رابط الفقرة 29

قال رحمه الله بعد ذلك: (أمَّا بَعْد) وهذه فصل خطاب أو انتقال من أسلوب إلى أسلوب، وهو أن يدخل الآن في المراد من هذا الكتاب قال: (أمَّا بَعْد؛ فهذا كتابٌ في الفِقه) الكتاب اسم لجملٍ من العلم مجتمعة وأصله: من تكتب بنو فلانٍ اجتمعوا، ومنه قيل لكتيبة الخيل كتيبة، ومنه المكتوب، وهذا المراد هنا، أن هذا كتابٌ: أي مكتوب ٌجامعٌ لأحكام الفقه، وكتابُ الطهارة مكتوبٌ جامعٌ لأحكام الطهارة وهكذا، قال: (كتابٌ في الفِقه) فبين أن هذا الكتاب في نوع من علوم الشريعة وهو الفقه، والفقه بلغة العرب: بمعنى الفهم والإدراك والعلم، فكل فهمٍ وعلمٍ وإدراكٍ فهو فقه، وغلب على علم الدين لشرفه وسيادته وإلا فإنه إذا قيل فقه ينصرف إلى الفهم مطلقًا -مطلق الفهم- كما قال جل شانه: ﴿ وَٱحْلُلْ عُقْدَةًۭ مِّن لِّسَانِى ٢٧ يَفْقَهُوا۟ قَوْلِى ٢٨ ﴾ [طه] ﴿ فَمَالِ هَـٰٓؤُلَآءِ ٱلْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًۭا ٧٨ ﴾ [النساء].

رابط الفقرة 30

فالفقه بلغة العرب يأتي بمعنى الفهم والإدراك والعلم بالشيء، وقد استعمل في القرآن بهذا المعنى وكذلك في السنة في حديث قصة الرجل من أهل نجد الذي جاء يسأل النبي صلى الله عليه وسلم في البخاري، قالوا: «نَسْمَعُ دَوِيَّ صَوْتِهِ، ولا نَفْقَهُ ما يقولُ»()؛ يعني ما يفهم ما يقول؛ لأنه كان يتكلم من بعد، وفي مسند الإمام أحمد في وصف كلام النبي صلى الله عليه وسلم : «كان كلامُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فَصلًا يَفقَهُه كلُّ أحدٍ، لم يكنْ يَسرُدهُ سَردًا»() فالفقه يستعمل في لغة العرب وفي كتاب الله جل شأنه وفي سنة النبي صلى الله عليه وسلم بمعنى الفهم المطلق ومطلق الفهم والفهم الدقيق، لكنه في الشرع وهو المراد عندنا هنا يطلق على معنيين: المعنى العام الشامل لأمور الدين كلها وعلوم الدين كلها وهو الذي كان يطلق صدر الإسلام، إذا أطلق الفقه ينصرف إليه، ولهذا الإمام الحسن البصري قال في تعريف الفقه: «معرفة النفس ما لها وما عليها»، وهذا معنى عام شامل وعليه تنزَّلُ النصوص الواردة في فضل الفقه كقوله جل شانه: ﴿ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍۢ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌۭ لِّيَتَفَقَّهُوا۟ فِى ٱلدِّينِ ﴾ [التوبة: ١٢٢] وقوله صلى الله عليه وسلم : «من يُرِدِ اللهُ به خيرًا يُفَقِّهْهُّ في الدينِ»() هذا عام في العلوم الشرعية كلها، تدخل فيه العلوم الشرعية والعلم الخاص الفقه هذا يدخل دخولًا أوليًا، ثم لما شاع التخصص وتمايزت العلوم أصبح أهل العلم يحتاجون أن يفردوا كل علم من علوم الشريعة بتعريف خاص فعرّفوا الفقه الخاص بمعرفة الأحكام الشرعية الفرعية من أدلتها التفصيلية معرفة الأحكام الشرعية ليست كل الأحكام بل الأحكام الشرعية التي مصدرها الشرع، الفرعية؛ ليخرجوا الأحكام الأصولية والأحكام الاعتقادية فإن الأصولية مبحثها في علم الأصول، والاعتقادية في كتب العقيدة وكتب التوحيد وكتب السنة، العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية، هذا نظر الفقيه فإنه ينظر للأدلة التفصيلية ويستنبط منها الأحكام الفقهية، وهذه كتب الفقه في هذه العلوم الفرعية المستنبطة من أدلتها التفصيلية، أضاف بعضهم قيد بالقوة أو بالقرينة، يعني العلم بالأحكام الشرعية الفرعية المستنبطة من أدلتها التفصيلية بالفعل أو بقوة القريبة، بالفعل، قالوا: أن يكون فقيهًا متمكنًا إذا أوردت عليه مسألة قال حكمها كذا ودليلها كذا سواء كان مجتهدًا أو عنده استطاعة أن يصل إلى العلم أو بالقوة القريبة من العلم بأن يكون عنده استطاعة أن يبحث ويراجع ويصل إلى النتيجة، قالوا: ولا يكون فقيهًا إلا بالفعل متمكن أمكن إذا أوردت عليه المسألة قال حكمها كذا ودليلها كذا أو عنده قدرة أن يراجع كلام أهل العلم ويصل للنتيجة، قالوا: ومن دون ذلك عامي، إذا لم يصل للعلم ولا للفقه بنفسه مباشرة ولا بالرجوع إلى أهل العلم والرجوع إلى الكتب ومظانها ومعرفة أين يبحثون وكيف يصل إلى الحكم الشرعي فإنه حين إذ يعد عاميًا فرضه ﴿ فَسْـَٔلُوٓا۟ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ٤٣ ﴾ [النحل].

رابط الفقرة 31

قال رحمه الله : (فهذا كتابٌ في الفِقه)، ثم قال: (اختَصرتُه حَسَبَ الإمْكَان) فبيَّن أنه كتاب مختصر أي متن، وبيَّن سبب اختصاره؛ أنه اختصر فيه على قول واحد في مذهب الإمام أحمد، ليكون عمدة لقارئه حتى يبدأ به ولا يتشوش، يعرف القول الأول المعتمد في المذهب ثم يترقى في درجات العلم، ولهذا ألف بعده «المقنع» ثم «الكافي» ثم «المغني»، قال: (فلا يَلتبِسَ عليه الصَّوابُ باختلاف الوُجوهِ والرِّواياتِ) يعني هذا في سنِّ المبتدئين يبدؤون بالمتون المختصرة، والمختصر: هو ما جمع معنًى كبيرًا بلفظ وجيز، هذا هو المختصر، ويدل عليه وعلى أهميته أنه سهل الحفظ والاسترجاع بخلاف الشروح والحواشي، إذا حفظ طالب العلم المتن استرجعه متى شاء واستظهره، ولهذا قال الرحبي رحمه الله : «فاحفظ فكل حافظ إمام»، وقيل: «من حفظ المتون حاز الفنون».

رابط الفقرة 32

فإذا قدَّر اللهُ لطالب العلم من حفظ كتابه العزيز وما تسير من سنة النبي صلى الله عليه وسلم ، فإنه ينبغي له أن يحفظ شيئًا من متون العلم، وإن تيسر له أن يحفظ في كل فن متنًا فهذا مناسب، ومن أحسن المتون وأيسرها وأسهلها عبارةً، هذا المتن الذي معنا -متن العمدة- ولعل بعض الأخوة الراغبين في الحفظ يعتنون فيحفظون المقرر شرحه وهذا يسير طوال الأسبوع، لا يكلفهم كثيرا من الجهد، ويجمعون بين الحفظ للمتن ثم الاستماع للشرح.

رابط الفقرة 33

قال رحمه الله : (سأَلني بعضُ إخواني تلخيصَهُ) إذن الباعث على التأليف سؤال بعض إخوانه من طلاب العلم أو تلاميذه، وهذا يدل على أنهم لا يقصدون بالتأليف الشهرة ولا النفع المادي، لم يكن عندهم معروف (حقوق الطبع محفوظة)، ولم تكن عندهم الشهادات العليا من ماجستير أو دكتوراه أو ترقية يحصِّلونها من وراء الكتب، كانوا يؤلفون لنفع العباد، ولهذا تجد جل كتبهم يصدرونها بأنه سأله أحد طلابه أو سأله من تعينت عليه الإجابة، أو نحو ذلك من العبارات الدالة على أنهم لا يؤلفون استكثارًا ولا رغبة في التأليف لذات التأليف، ولا يقال المؤلف الفلان والعالم الرباني ونحو ذلك، ما كانوا يقصدون هذا، ولهذا نفع الله بكتبهم وعلومهم فبقيت قرونًا متطاولة يقرؤها الناس ويترحمون عليهم ويستفيدون منها، إذن سأله بعض إخوانه تلخيصًا (ليقرُبَ على المتعلِّمِين) فإنه إذا اختصر سهل (ويسهُلَ حِفظُه على الطَّالبين فأَجبتُهُ) وهو أهل لذلك، هو إمام ألف متنًا وشرحًا ومطولاتٍ، قال: (فأَجبتُهُ إلى ذلك، مُعْتمِدًا عَلَى اللهِ سُبحَانَهُ في إِخلاصِ القَصدِ لِوجههِ الكَريم والمعُونةِ على الوصول إلى رِضوانِهِ العظيم) ولم يقل بقدرتي وعلمي بل فوَّض الأمر إلى الله وتوكل عليه وجعله حسبه؛ ليكفيه ويعينه على ما أهمه وأتم به من تأليف هذا الكتاب وضمَّنه أحاديث، وصفها بأنها من الصحاح؛ ليستغني عن نسبتها فلا يحتاج أن ينسبها للأئمة؛ لأنه التزم على نفسه ألا يورد في الكتاب إلا الأصح عن النبي صلى الله عليه وسلم وهذا شأن المتون المختصرة، يقتصر فيها على الأحاديث الصحيحة ولا يحتاج للتطويل، لا لذكر الروايات والأقوال، ولا لذكر الأحاديث التي قد يكون في بعضها مقال.

رابط الفقرة 34

هذه إطلالةٌ موجزةٌ على المقدمة ولعلنا نبدأ بالكتاب بداية أيضًا يسيرة حتى إن شاء الله الأسبوع القادم نواصل.

رابط الفقرة 35

قال المؤلف رحمه الله :

رابط الفقرة 36

كتابُ الطَّهارةِ

رابط الفقرة 37

بَابُ أَحْكَامِ المِيَاهِ

رابط الفقرة 38

خُلِقَ المَاءُ طَهُوْرًا يُطَهِّرُ مِنَ الأَحْدَاثِ وَالنَّجَاسَاتِ فَلا تَحْصُلُ الطَّهَارَةُ بِمَائِعٍ غَيْرِهِ، فَإِذَا بَلَغَ المَاءُ قُلَّتَيْنِ أَوْ كَانَ جَارِيًا، لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ، إِلاَّ مَا غَيَّرَ لَوْنَهُ، أَوْ طَعْمَهُ، أَوْ رِيْحَهُ وَمَا عَدَا ذلِكَ يَنْجُسُ بِمُخَالَطَةِ النَّجَاسَةِ.

رابط الفقرة 39

وَالقُلَّتَانِ: مَا قَارَبَ مِائَةً وَثَمَانِيَةَ أَرْطَالٍ بِالدِّمَشْقِيِّ، وَإِنْ طُبِخَ فِي المَاءِ مَا لَيْسَ بِطَهُوْرٍ وكذلك ما خَالَطَهُ فَغَلَبَ عَلى اسْمِهِ أَوْ اسْتُعْمِلَ فِيْ رَفْعِ حَدَثٍ سَلَبَ طَهُوْرِيَّتَهُ.

رابط الفقرة 40

وَإِذَا شَكَّ فِيْ طَهَارَةِ المَاءِ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ نَجَاسَتِهِ، بَنَى عَلى اليَقِيْنِ، وَإِنْ خَفِيَ مَوْضِعُ النَّجَاسَةِ مِنَ الثَّوْبِ أَوْ غَيْرِهِ، غَسَلَ مَا يَتَيَقَّنُ بِهِ غَسْلَهَا، وَإِنِ اشْتَبَهَ مَاءٌ طهور بِنَجِسٍ وَلَمْ يَجِدْ غَيْرَهُمَا تَيَمَّمَ وَتَرَكَهُمَا، وَإِنِ اشْتَبَهَ طَهُوْرٌ بِطَاهِرٍ تَوَضَّأَ مِنْ كُلِّ واحد مِنْهُمَا، وَإِنِ اشْتَبَهَتْ ثِيَابٌ طَاهِرَةٌ بِنَجِسَةٍ صَلَّى فِيْ كُلِّ ثَوْبٍ بِعَدَدِ النَّجِسِ، وَزَادَ صَلاةً.

رابط الفقرة 41

قال رحمه الله : (كتابُ الطَّهارةِ) مر بنا قبل قليل تعريف الكتاب: وأنه اسم لمكتوب، جامع لمكتوب ومسائل، خص هنا بالطهارة ثم بعده الصلاة وهكذا، قال: (كتابُ الطَّهارةِ) عندنا تعريف الطهارة وسبب البدء بها، فأما الطهارة: فهي مصدر طَهُرَ يطهُر طهارة، وهي في لغة العرب بمعنى النظافة والنزاهة عن الأقذار الحسية أو المعنوية، وأما في الشرع: فهي رفع الحدث وزوال الخبث.

رابط الفقرة 42

إذن الطهارة رفع الأحداث؛ حدث أصغر بالوضوء أو التيمم أو أكبر بالغسل أو التيمم، وإزالة النجاسة عن البدن والثوب والبقعة التي يصلي عليها وهذه كلها شروط من شروط الصلاة -رفع الحدث وإزالة الخبث- وسيأتي تفصيلها، لماذا بدأ المؤلف رحمه الله كتابه بكتاب الطهارة؟ لأنها شرط من شروط صحة الصلاة، من أوكدها، إذن الأصل أن يبدأ بالشهادتين، لكنا كما ذكرنا قبل قليل، لما تمايزت العلوم وشاع التخصص أصبح لكل فن مؤلفاته، فأصبح أهل العلم يتكلمون عن الشهادتين والتوحيد والإيمان في كتب خاصة سموها علم التوحيد أو علم العقيدة أو علم السنة، في مؤلفات خاصة، وإن كان بعض المتقدمين كان يجمع بين هذه، في أول كتب الفقه يذكر طرفًا من هذه المسائل، لكن اليوم أصبحت هذه المسائل من مسائل العقيدة في مؤلفات خاصة تسمى علم التوحيد أو السنة أو العقيدة، فكان الأصل أن يبدأ بأول ركن من أركان الإسلام وهو الشهادتان، فلما كان هذا خاصًا في كتب العقيدة انتقلنا إلى الركن الثاني وهو الصلاة، كان الأصل أن يبدأ بها، فلماذا لم يبدأ بها؟ نقول بدأ بشرطها الأعظم، لما كانت الطهارة من أوكد شروط الصلاة ناسب البدء بها، لقوله جل شانه: ﴿ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغْسِلُوا۟ وُجُوهَكُمْ ﴾ [المائدة: ٦]، وقوله صلى الله عليه وسلم : «لا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلاةَ أحَدِكُمْ إذا أحْدَثَ حتَّى يَتَوَضَّأَ»() فالبدء بالطهارة ليس لذاتها وإنما لأنها تراد للصلاة فكأنها مقدمة بين يدي الصلاة لعظم شأن الصلاة؛ ولأن الطهارة أيضًا مفتاح الصلاة كما قال صلى الله عليه وسلم : «مِفتاحُ الصلاةِ الطُّهورُ وتحريمُها التَّكبيرُ وتحليلُها التَّسليمُ»() والأصل أن يُبدأ بالمفتاح، وكأن المحدث قد قُفِلَ عليه وأغلق عليه، فلا يصلي ولا يمس المصحف ولا يطوف، فإذا تطهر انحلت هذه الأحداث وحل له أن يصلي ويطوف بالبيت ويمس المصحف ويفعل ما يفعله المتطهرون، إذن ناسب أن يبدأ بالطهارة لكونها مفتاحًا للصلاة، والأصل أن يُبدأ بالمفتاح قبل المفتوح؛ ولأنها شرط من شروط صحة الصلاة والأصل أن يبدأ بالشرط قبل المشروط، قال بعض أهل العلم: «ولأن التخلية تسبق التحلية» فكأن الصلاة تحلية، يسبقها التنظيف والتطهير فيتخلى ثم يتحلى بالصلاة.

رابط الفقرة 43

قال رحمه الله : (كتابُ الطَّهارةِ، بَابُ أَحْكَامِ المِيَاهِ) الباب في لغة العرب: اسمٌ لمدخل الشيء، كالباب الحسي الذي يدخل معه الناس ويخرجون، وفي الاصطلاح: اسم لجملة من العلم تحته فصول ومسائل غالبًا، (بَابُ أَحْكَامِ المِيَاهِ) المياه: معروفة جمع ماء ولا تحتاج إلى تعريف، وإن كان بعض أهل العلم اعتنى وعرف الماء، وقال: «الماء جوهر سيال بطبعه لونه لون إناءه»، لكن الماء معروف، أشهر من أن يعرَّف، لماذا بدأ بالمياه وجمعها أيضًا؟ أما جمع المياه؛ فلأنها أنواع، وأما سبب البدء بها لأن الطهارة المائية هي الأصل، والأصل أن يبدأ بالأصل، فالطهارة بالماء هي الأصل ثم بعد أن يفرغون من الماء والوضوء والغسل، يأتون بباب التيمم، وإذا قلنا أنه لا تحصل الطهارة بغير الماء أشكل هذا حينما يعدم الماء، أو لا يقدر على استعماله فإن الطهارة تحصل بالتيمم.

رابط الفقرة 44

إذن نقول: بدأ المؤلف رحمه الله كتاب الطهارة بالماء؛ لأن الطهارة بالماء هي الأصل فناسب البدء به، صدَّر رحمه الله هذا الباب بقوله: (خُلِقَ المَاءُ طَهُوْرًا يُطَهِّرُ مِنَ الأَحْدَاثِ وَالنَّجَاسَاتِ) إذن هذا الأصل في الماء، وهذا من فضل الله ورحمته ونعمته على عباده أنَّه خلق لهم الماء وجعله طهورًا، وامتن عليهم بذلك في آيتين من كتابه، في قوله جل شانه: ﴿ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ لِّيُطَهِّرَكُم بِهِۦ ﴾ [الأنفال: ١١]، وقوله: ﴿ وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ طَهُورًۭا ﴾ [الفرقان: ٤٨] أي مطهِّرًا، إذن جل شانه وتقدس اسمه امتن على عباده بهذه النعمة العظيمة، أنَّه نزَّل عليهم الماء وجعله طهورًا، وجاء في السنة ما يدل على ذلك في قوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: «اللهم طهرني بالماء والثلج والبرد»() وقوله: «أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات أيبقى من درنه شيء؟ قالوا: لا. قال: فذلك مثل الصلوات»() فجعل النهر مطهر، وقال صلى الله عليه وسلم في البحر: «هوَ الطَّهورُ ماؤُهُ، الحلُّ ميتتُهُ»() وقال في البير لما سئل عنه: «الماءُ طَهُورٌ لا يُنجِّسُه شَيءٌ»() ولما سئل عن الماء في الفيافي والفلاة من الأرض تناله السباع قال: «إذا بلغ الماءُ قُلّتَينِ لم يُنَجِّسْه شيءٌ»() أو «لَمْ يَحْمِلِ الخَبَثَ»() فجاءت النصوص عامةٌ في الكتاب والسنة بهذه الخاصية والميزة وهو أن الله جل شانه وتقدس اسمه خلق الماء طهورًا، فعولًا أي متعدي، طهور في نفسه مطهر لغيره، ولهذا قال: (يُطَهِّرُ مِنَ الأَحْدَاثِ وَالنَّجَاسَاتِ فَلا تَحْصُلُ الطَّهَارَةُ بِمَائِعٍ غَيْرِهِ) والطهارة كما اتفقنا قسمان، رفع حدث وإزالة خبث، فقوله رحمه الله : (لا تَحْصُلُ الطَّهَارَةُ بِمَائِعٍ غَيْرِهِ) هل هذا في القسمين أم في قسم منهما؟

رابط الفقرة 45

نقول: أما القسم الأول: وهو رفع الحدث، فإنه لا تحصل الطهارة بمائع غير الماء، على الصحيح أو إجماعًا؟ نقول: كالإجماع، لم يعرف في ذلك خلاف إلا خلافًا ضعيفًا أو شاذًا للحنفية في النبيذ، وما سوى ذلك فإن أهل العلم قاطبة يقولون إنه لا يحصل الوضوء ولا الغسل بغير الماء من المائعات، ما الدليل على ذلك؟ أنه ما يمكن للإنسان أن يتوضأ لا بببسي، ولا بعصير، ولا بشاي، ولا بلبن، ولا بأي شيء من المائعات على وجه البسيطة.

رابط الفقرة 46

ما الدليل على ذلك؟ الدليل: ﴿ فَلَمْ تَجِدُوا۟ مَآءًۭ ﴾ [المائدة: ٦] وجه الدلالة من الآية ظاهر بيَّن، أنَّ الله جل شانه نقلنا عند عدم الماء إلى التراب، لو كان ثمة مائع يمكن الوضوء به أو الغسل لنقلنا إليه، إذن عندنا يابسة أو رطبة، إما ماء وإما تراب، ما في مائع آخر يمكن أن ينقل إليه العباد في الوضوء أو الغسل، فلما نقلنا جل شانه عند عدم الماء إلى التراب علمنا أنه لا يوجد على وجه الأرض مائع يمكن الوضوء أو الغسل به قال: ﴿ فَلَمْ تَجِدُوا۟ مَآءًۭ فَتَيَمَّمُوا۟ ﴾ [المائدة: ٦]، يعني انتقلوا إلى الصعيد، وهذا كما قلت كالإجماع، لا يُعلم فيه خلاف إلا خلافًا شاذًا للحنفية، والخلاف الضعيف نعرض عنه لكن الخلاف الشهير الذي له ثمرة يمكن أن نَعرضَه هنا ونأتي بالراجح فيه.

رابط الفقرة 47

أما القسم الثاني: وهو إزالة النجاسات، فهذا فيه خلاف معتبر ليس خلافًا شاذًا، المشهور عند الحنابلة أن إزالة النجاسات كرفع الأحداث، فكما أنَّه لا يرفع الحدث بغير الماء، لا تُزال النجاسة بغير الماء، ولهذا المؤلف هنا أطلق وهو يريد ذلك؛ لأن هذا هو المشهور في المذهب بل عند جمهور العلماء من المالكية والشافعية كذلك، أنه لا تزال النجاسة إلا بالماء من المائعات، ما دليلهم؟ دليلهم قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عباس المخرج في الصحيحين في قصة الأعرابي الذي بال في المسجد، قال صلى الله عليه وسلم : «صبوا على بوله ذنوبًا من ماء»() قالوا: فعين الماء فتعين وتحدد وعلم أنه لا يمكن أن يطهر بغير الماء، كذا قالوا رحمهم الله ، وقالوا أيضًا إن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين لما سألته أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها عن دم الحيض يصيب الثوب قال: «حُتِّيهِ ثمَّ اقرُصيهِ ثمَّ اغسليهِ بالماءِ»() قالوا: فحدد الماء فتعين، هذا قول الجمهور وهذا دليلهم، وبعضهم قال قياسا على الوضوء فكما أنَّ رفع الحدث لا يحصل إلا بالماء فكذلك إزالة النجاسة، لأنَّ كلًا منهما يقال له طهارة، ولكن قياس ضعيف.

رابط الفقرة 48

القول الثاني: أن النجاسات تزال بالماء وبغير الماء من المائعات وهو قول الحنفية ورواية عن الإمام أحمد واختيار جمع من المحققين كشيخ الإسلام ابن تيمية وهو الصحيح الذي تدل عليه النصوص؛ وذلك لأن الله جل شانه لم يتعبدنا بالماء في إزالة النجاسة كما تعبدنا بها في رفع الحدث، في رفع الحدث واضح الدليل، قال جل شانه: ﴿ فَلَمْ تَجِدُوا۟ مَآءًۭ فَتَيَمَّمُوا۟ ﴾ [المائدة: ٦] ولكن في إزالة النجاسة لم يرد شيء من ذلك، فإن قالوا: ما تقولون في حديث أسماء وحديث ابن عباس؟ نقول: حديث أسماء وحديث ابن عباس رضي الله عنهم أحاديث صحاح ولا طعن فيها، لكن النبي صلى الله عليه وسلم حددها لأنها أيسر موجود ولأنها أبلغ مطهر وأسرع في التطهير وهذا لا خلاف فيه، أنَّ الماء أبلغ المطهرات وأسرعها وأيسرها، ونحن نقول لمن أصاب ثوبه نجاسة: اغسله بالماء، لكن أرأيتم إنسان لم يجد ماء وعنده شيء من الطاهرات غير الماء كـبنزين أو كلوركس أو سفن أب أو ببسي، نقول: عنده مائع غير الماء، هل يصلي وفي ثوبه نجاسة لأنه لم يجد الماء أو يزيلها بهذه الطاهرات؟ نقول: بل يزيلها بهذه الطاهرات؛ لأن الله لم يتعبدنا بالماء هنا، لكن إذا أحدث ولم يجد إلا ببسي أو عصير أو شاي أو توت، هل يتوضأ؟ نقول: أبدًا لا يتوضأ به، بل يعمد إلى التراب فيتيمم به، لكنَّ إزالة النجاسة لم نتعبد بها، والفرق بين إزالة النجاسة ورفع الحدث من وجوه عدة، فإن رفع الحدث من المأمورات وإزالة النجاسة من التروك، الأصل في المسلم البعد عن النجاسة ومن ثم لا يشترط فيها نية، لو أن إنسان توضأ أو اغتسل بدون نية هل يصح وضوءه أو يرتفع حدثه؟ نقول: لا أبدًا، هل يتصور أن يتوضأ بدون نية؟ نقول: نعم، لو أن مسلمًا جديدًا أسلم فجاء أحدهم، قال: أخبرك كيف تتوضأ؟ قلدني، وتوضأ أمامه ثم لما فرغ من الوضوء، أذن المؤذن فقال: هل أصلي بهذا الوضوء؟ نقول: أنت علمت المسلم الجديد قبل قليل أو الصغيرَ الوضوءَ، هل نويت رفع الحدث؟ قال: لا ما خطر في بالي إلا أني أعلم هذا الصغير أو ذاك المسلم الجديد، نقول: لك أجر تعليمه لكن لم يرتفع حدثك لعدم النية، والنية شرط لطهارة الأحداث بالإجماع، فنقول: في رفع الحدث لا بد من نية لكن إزالة النجاسة، هل لابد من نية؟ نقول: أبدًا، لو أن إنسانًا أصاب ثوبه نجاسةٌ فجعله في فناء البيت أو في سطح البيت فنزل المطر وغسله، هل يقول والله ما نويت؟ نقول: أبدًا -الحمد لله- زالت النجاسة وهذا هو المقصود الأعظم، كما أنه أيضًا لو نسي فصلى بدون طهارة وجبت عليه الإعادة ولو مضى على ذلك سنون، هل يتصور بعد سنين أن يتذكر؟ نقول: نعم يمكن الإنسان يستضيف آخر ويقدَّم له لحم -ما شاء الله- مستوي، فأكل ولم يشعر ما نوعه، بعد سنين قابله وجاء حديث بينهما، قال: أتذكر المأدبة التي عزمتك عليها؟ ما رأيك في ذاك اللحم -ما أحسنه، هذا لحم حاشي-؟ قال: ما دريت أنا ولا توضيت! نقول: ولو مضى سنون، الصلاة هذه يلزمك إعادتها، توضأ وصلِّ؛ لأنك صليت بدون طهارة، «لا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلاةَ أحَدِكُمْ إذا أحْدَثَ حتَّى يَتَوَضَّأَ»() ولا أثم عليك ولا مؤاخذة لأنك ناس، ولكن ولو أنه صلى وفي ثوبه أو بدنه نجاسة ولم يعلم بها إلا بعد الفراغ من الصلاة أو علم قبل الصلاة ثم نسي لما أراد أن يصلي نسي، جاء يتوضأ قال: إذا قمت أتوضأ غسلت النجاسة، فلما جاء يتوضأ نسي ثم صلى وتذكر بعد الصلاة، نقول: صلاته صحيحة.

رابط الفقرة 49

فدلت هذه المسائل وهي مسائل مؤثرة، على الفرق الكبير بين رفع الحدث المأمور به وبين اجتناب النجاسة، ومن ثم فإنا نقول: يشترط في رفع الحدث الماء ولا يتشرط في إزالة النجاسة على الصحيح، لكن -وما أدراك ما لكن- من وجد الماء لا يعمد إلى غيره يعني إنسان عنده -ما شاء الله- ماء متوفر يقول: أغسل بالببسي ولا بالعصير ولا بالسفن أب، نقول: اغسل بالماء لأنك إذا غسلت بالماء، أولًا هو أبلغ المطهرات وأنظفها، ثانيًا أن النجاسة زالت عند جميع أهل العلم، وإذا أزلتها بغير ذلك فبعض أهل العلم بل جمهورهم يقول: ما زالت النجاسة، فأنت لا تترك القول المتوجه والذي دلت عليه الأدلة وتعمد إلى قول وإن كان هو الراجح لكن لا تعمد عليه وتدخل نفسك في الخلاف ما دمت تستطيع الخروج منه، وهو خلافٌ معتبرٌ ، الخلاف المعتبر ينبغي الخروج منه.

رابط الفقرة 50

شرع رحمه الله بعد ذلك في مسألة شهيرة، وهي مسألة القلتان، قال رحمه الله : (فَإِذَا بَلَغَ المَاءُ قُلَّتَيْنِ أَوْ كَانَ جَارِيًا، لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ، إِلاَّ مَا غَيَّرَ لَوْنَهُ، أَوْ طَعْمَهُ، أَوْ رِيْحَهُ وَمَا عَدَا ذلِكَ يَنْجُسُ بِمُخَالَطَةِ النَّجَاسَةِ، وَالقُلَّتَانِ: مَا قَارَبَ مِائَةً وَثَمَانِيَةَ أَرْطَالٍ بِالدِّمَشْقِيِّ) هذا بيان لمسألة القلتين وما يترتب عليه، وإنما نصُّوا رحمهم الله على القلتين لأنهما ذكرتا في الحديث، فبحديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الماء في الفلاة يعني في البر، في البراري والخلاء وما ينوبه من السباع، فقال صلى الله عليه وسلم : «إذا بلغ الماءُ قُلّتَينِ لم يُنَجِّسْه شيءٌ» وفي رواية: «لَمْ يَحْمِلِ الخَبَثَ»() فجعل أهل العلم يعتنون عناية فائقة بالقلتين وبيان قدرها ورتبوا عليها مسائل، أما قدرها، فإن المؤلف ذكر أنهما تقاربان: (المِائَةً وَثَمَانِيَةَ أَرْطَالٍ بِالدِّمَشْقِيِّ) وفي المطولات يذكرونها بكل مكاييل معروفة في زمنهم، لكننا نقدِّرها اليوم بالمكاييل أو بالموازين المعروفة عندنا أو التقديرات العصرية، ومن أحسنها ما ذكره مرعي وغيره من أهل العلم في «دليل الطالب» وغيره من الكتب، ذكروا أنها ذراع وربع طولًا وعرضًا وعمقًا؛ يعني تأتي بصفيحة من الزنك أو غيره ضلعها ذراع وربع في الطول والعرض والعمق، هذا قدر القلتين أو قرابة (سبعة وخمسين سنتيمتر ونصف مكعب) طول ضلعه (سبعة وخمسين ونصف) أو بالموازيين المعروفة اليوم، قرابة مئتي لتر، بعضهم يقول: (مائة خمسة وتسعين لتر) وبعضهم يقول: (مائة اثنين وتسعين لتر)، نقول: لا حرج في هذا؛ لأن المقدار الذي أشار إليه صلى الله عليه وسلم بالقلتين مختلَف فيه، هل هو تحديد أو تقريب وتقدير؟ والأقرب أنه تقريب؛ لأن ابن جرير قال: رأيت القلتين فرأيت القلة تَسَع قربتين وشيئًا، قالوا: الاحتياط أن نجعل الشيء نصف، ولهذا قالوا: أن القلتين تَسَعَ خمسَ قرب تقريبًا، قربتين وشيء، وقربتين وشيء، قالوا: الشيء نصف، لا نجعلها أقل ولا أكثر لكننا نقول: هذا القدر معروف ومدرك سواء قلنا (سبعة وخمسين سنتيمتر ونصف مكعب) أو قلنا ذراع؛ لأن الذراع يتفاوت -ما شاء الله- بعض الناس ذراعهم طويل، وبعضهم ذراعه قصير، ولهذا قالوا متوسط، الذراع المتوسط أو بالـ(سم) أدق (سبعة وخمسين سنتيمتر ونصف مكعب) أو بالألتار وهو أكثر شهرة اليوم ومعرفة (مائة خمسة وتسعين لتر) أو (مائة اثنين وتسعين لتر)، هذا مقدار القلتين، قال: (فَإِذَا بَلَغَ المَاءُ قُلَّتَيْنِ أَوْ كَانَ جَارِيًا، لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ، إِلاَّ مَا غَيَّرَ لَوْنَهُ، أَوْ طَعْمَهُ، أَوْ رِيْحَهُ) كأنَّه يقول رحمه الله : إذا كان الماء كثيرًا بأن بلغ قلتين فأكثر أو كان جاريًا، ليس واقفًا ولا راكدًا فإنه يدفع عن نفسه النجاسة فلا ينجس إلا بالتغيِّر.

رابط الفقرة 51

ماذا يتغير؟ أحد أوصافه أو كلها، تغير لونه أو طعمه أو ريحه، وأما إذا كان دون القلتين فإنهم قالوا: ينجس بمجرد مخالطة النجاسة له، هذا القول الذي ذكره المؤلف هنا هو قول جمهور العلماء، أن الماء إذا كان دون القلتين وأصابته نجاسة ينجس بمجرد وقوع النجاسة ولو لم يتغير، لماذا؟ قالوا: لمفهوم حديث القلتين، قالوا: مفهوم حديث القلتين أن الماء إذا بلغ دون القلتين أنه ينجس بمجرد وقوع النجاسة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا بلغ الماءُ قُلّتَينِ لم يُنَجِّسْه شيءٌ»() يعني أنَّه كثير فيدفع عن نفسه، وإذا كان دون القلتين فمفهومه أنه لا يدفع عن نفسه وأنه ينجس بمجرد وقوع النجاسة ، والقول الثاني: وعليه جمع من المحققين في كل المذاهب، أن الماء لا ينجس إلا بالتغيِّر قليلًا كان أو كثيرًا، ويدل عليه عموم النصوص، وقد أوردنا طرفًا منها في أن الله جل شانه خلق الماء طهورًا، نحن عندنا قاعدة الآن، الماء طهور ﴿ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ لِّيُطَهِّرَكُم بِهِۦ ﴾ [الأنفال: ١١] ﴿ وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ طَهُورًۭا ٤٨ ﴾ [الفرقان] «هوَ الطَّهورُ ماؤُهُ الحلُّ ميتتُهُ»() «اللهم طهرني بالماء والثلج والبرد»() نصوص عامة مطلقة في أن الماء طهور، فنبقى على هذا الأصل حتى يأتينا ما ينقلنا عنه ولم يأتنا، بل جاء ما يؤكد هذا في حديث أبي سعيد وهو حديث أصح من حديث أبي هريرة -حديث القلتين-، حديث القلتين فيه كلام لأهل العلم وإن كان الصحيح أنه حسن يصلح الاحتجاج به، لكن عندنا حديث أبي سعيد مثله بل أصرح منه، فإن في حديث أبي سعيد أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن بئر بضاعة وما يلقى فيها من الحيض والكلاب والنتن، لاحظوا بئر، ليست أرض فلاة كما في حديث أبن عمر، بئر ويلقى فيها الحيض أي الخرق التي تستعملها النساء في الحيض -وهذا نجاسة- والكلاب، والكلب نجس، والنتن القذر والوسخ والنجاسة، فقال صلى الله عليه وسلم : «الماءُ طَهُورٌ لا يُنجِّسُه شَيءٌ»() إذن هذا حديث صحيح وصريح في أن الماء لا ينجس حتى لو وقعت فيه نجاسة إلا إذا تغير، إذا تغير بالنجاسة هذا لا خلاف فيه بين أهل العلم أنه ينجس. ما دليل أن الماء إذا تغير بنجاسة ينجس؟ نقول: أولًا الإجماع، هذا ما فيه خلاف، سواء قل الماء أو كثر، أي ماء وقعت فيه نجاسة فغيرت طعمه أو لونه أو ريحه فهو نجس إجماعًا، ما دليل ذلك؟ نقول: الإجماع، والإجماع لا ينعقد إلا على دليل من كتاب أو سنة، والإمام أحمد رحمه الله لما سُئل عنه قال: ليس فيه حديث، يعني حديث صحيح صريح في أن الماء ينجس بالتغير، وأعرض رحمه الله عن حديث أبي أمامة عند ابن ماجه أنه صلى الله عليه وسلم قال: «الماءُ طهورٌ لا يُنجِّسُه شيءٌ إلا ما غلب على لونِهِ أو طعمِهِ أو ريحِهِ»() هذا صريح، لكن الإمام أحمد تركه؛ لأن الحديث ضعيف؛ فيه رشدين ابن سعد ضعيف، فالإمام أحمد أعرض عنه، قال: ليس فيه حديث لكن الله يقول: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ ﴾ [المائدة: ٣] فكأنه يرفعك إلى استدلالٍ أعظم، يقول الله جل شانه يقول: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ ﴾ فلو وقعت الميتة في الماء يكون الماء حرامًا؛ لأنه تغيَّر بميتة أخذ حكمها في التحريم والنجاسة، ولهذا نقول: الماء المتغير بنجاسةٍ نجسٌ إجماعًا، دل على ذلك الكتاب، في قول الله جل شانه: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ ﴾ فإذا وقعت الميتة بالماء فتغير بها طعمه أخذ حكمها نجاسةً وتحريمًا، هذا أمر.

رابط الفقرة 52

الدليل الثاني: السنة، في حديث أبي أمامة عند ابن ماجه لكن فيه ضعف وهو أنه صلى الله عليه وسلم قال: «الماءُ طهورٌ لا يُنجِّسُه شيءٌ إلا ما غلب على لونِهِ أو طعمِهِ أو ريحِهِ» الدليل الثالث: الإجماع ولهذا ما عندنا إشكال في أنَّ الماء المتغير بنجاسة نجس، لكن الإشكال بالماء الذي لم يتغير وهو قليل، أما الماء الذي لم يتغير وهو كثير فهذا لا خلاف فيه، الماء الذي فوق القلتين يعني ماء (200) لتر أو (250) أو (300) أو (1000) لتر أو أكثر من ذلك، فوق القلتين، هذا إذا وقعت فيه النجاسة ولو لم يتغير بها، بالإجماع طهور، إذن الخلاف منحصر في ماء قليل وقعت فيه نجاسةٌ ولم يتغير، الخلاف منحصر في هذا الماء وهو الماء القليل الذي دون القلتين ووقعت فيه نجاسة ولم يتغير.

رابط الفقرة 53

ونعيد هذا إعادة ثانية نقول: ما حكم الماء إذا وقعت فيه نجاسة؟ نقول: لا يخلو الماء الذي وقعت فيه نجاسة من حالتين:

رابط الفقرة 54

الحالة الأولى: أن يتغير بها، فهذا حكمه نجسٌ إجماعًا قل أو كثر بدليل قول الله جل شأنه: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ ﴾ وقول النبي صلى الله عليه وسلم : «إلا ما غلب على لونِهِ أو طعمِهِ أو ريحِهِ» وبدليل الإجماع، وهذا بالإجماع قل أو كثر ما دام أنه تغير بالنجاسة.

رابط الفقرة 55

الحالة الثانية: ألَّا يتغير بها فهذا لا يخلو من احتمالين:

رابط الفقرة 56

الاحتمال الأول: أن يكون كثيرا كـ(200) لتر فأكثر فهذا لا خلاف بين أهل العلم بأنه طهور؛ لأنه كثير ولم يتغير.

رابط الفقرة 57

الاحتمال الثاني: أن يكون قليلا كـ(100) لتر أو (150) أو (170) أو (180)، المقصود أنه دون القلتين، فوقعت فيه نجاسة ولم يتغير شيء من لونه ولا طعمه ولا ريحه، نقول: هنا وقع الخلاف، فجمهور العلماء على أنه نجس ويستدلون بمفهوم -وليس بمنطوق- حديث القلتين فإنه صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الماء في الفلاة وما ينوبه من السباع، قال: «إذا بلغ الماءُ قُلّتَينِ لم يُنَجِّسْه شيءٌ» قالوا: منطوقه أن الماء إذا بلغ قلتين يدفع عن نفسه النجاسة، نقول لهم: هذا المنطوق أرأيتم لو تغير؟ يقولون: نجس، نقول: المنطوق منطوق بالتغيِّر، فالمفهوم من باب أولى، قالوا: لكن مفهوم الحديث أن الماء إذا كان دون القلتين ينجس وإلا ما فائدة ذكر القلتين؟ يقولون: فائدة ذكر القلتين أن ما دونهما ينجس بمجرد وقوع النجاسة، يعني لقلته لا يدفع عن نفسه النجاسة؛ لأن الكثير وصفه صلى الله عليه وسلم بأنه لا يحمل الخبث، يدفع النجاسة عن نفسه لكن القليل ينجس، نقول: هل هذا منطوق أم مفهوم؟ قالوا: مفهوم، نقول: إذن عندنا منطوق أصرح منه وأوضح دلالة وأقوى، وهو حديث أبي سعيد في بئر يلقى فيها نجاسة من الحيض ولحوم الكلاب والنتن، ومع ذلك قال صلى الله عليه وسلم : «الماءُ طَهُورٌ لا يُنجِّسُه شَيءٌ» وعندنا عمومات وعندنا أصل، فنحن نحافظ على هذا الأصل ونبقى عليه حتى يأتينا ما ينقلنا عنه ولا ناقل، إذن الراجح من قول أهل العلم أن الماء لا ينجس إلا بالتغير قليلًا أو كثيرًا، فإن قالوا لنا: ما فائدة حديث القلتين على هذا؟ وهذا إشكال، إذ قد يقولون: نحن نعمل بالأحاديث كلها، نحن نعمل بحديث أبي سعيد في الماء الكثير نحمله على الكثير أو على الجاري كما يقولون رحمهم الله ، ونعمل بحديث القلتين في القليل أنه ينجس بمجرد وقوع النجاسة وأنتم تعملون بحديث أبي سعيد وعمومات وتتركون حديث القلتين، فهل نسلِّم لهم بهذا الإيراد؟ هذا إيراد يوردونه يقولون: أنتم الآن ما تعملون بحديث القلتين كأنكم تعملون ببعض الأحاديث وتتركون بعض، نقول: أبدًا نحن مثلكم نعمل بالأحاديث كلها لكن عملنا أقرب من الصواب، كيف؟ نقول: نحن نعمل بالنصوص كلها، فالنصوص العامة المطلقة التي جاءت في أن الماء طهور نعمل بها ونحافظ عليها، ونقول: هذا الماء الأصل فيه الطهورية حتى يأتينا ناقل ولا ناقل، فإن قلتم: ما تعملون بحديث القلتين؟ قلنا: نعمل به في الاحتياط في القليل فقط؛ في فرق بين أن نقول: القول بالنجاسة أو الاحتياط، نقول: الاحتياط بمعنى أنك رأيت ماءً قليلًا في جركن أو حاوية ماء فيها خمسين لتر أو سبعين أو بانيو فيه سبعين لتر أو خمسين أو دون ذلك أو أكثر ورأيت صبيًا بال فيه أو ألقى فيه نجاسة، نقول: انتبه لهذا الماء، ترى وقعت فيه نجاسة، تحرى فيه، دقق فيه، لا تستعمله حتى تتأكد وتتيقن أنه ليس بنجس لا طعمًا ولا لونًا ولا ريحًا، فإن وجدت طعمه أو لونه أو ريحه متغير فاتركه؛ لأنه وقعت فيه نجاسة وغيِّرته، وإن وجدت أنه لم يتغير فاستعمله، فإن قال: نفسي تعافه، كيف أستعمله هذا الماء وقد وقعت فيه نجاسة؟ نقول: إن وجدت غيره فاتركه ولا تبالي به بل لا تستعمله؛ لأن النفس فعلًا تعافه والصحة تقتضي البعد عن شيء ملوث، لكن أرأيت لو لم تجد إلا هذا الماء فهل يباح لك أن تتيمم مع وجود هذا الماء غير المتغير؟ نقول: أبدًا لا يباح لك ذلك، وفيه فرق بين نفسك تعافه، وبين أنك شرعًا تتوضأ منه، إن وجدت غيره فاتركه، لو عندك إناء آخر طهور بيقين أقول هذا الماء لا تقربه، كيف وقد علمت أن النجاسة وقعت فيه؟ اسكبه أو اسقِ به الزرع أو غير ذلك، اتركه، لا تستعمله ما دام أن عندك غيره أو طهور بيقين، لكن إنسان ما عنده إلا هذا الماء في بر أو في قرية أو في مكان ناء، ما عنده إلا هذا الماء، وتسلط أحد الصغار فبال فيه وأدركتهم الصلاة ولا ماء إلا هذا، نقول: على رسلكم تأكدوا الماء تغير أم لم يتغير، إن وجدوا فيه أثر تغيِّر سواء في لونه أو طعمه أو ريحه، نقول: اتركوه وتيمموا وإلَّا تجدوا شيئًا من التغير وجب عليكم أن تستعملوه ولا يحل لكم أن تتيمموا؛ لأن الله جل شانه وتقدس اسمه قال: ﴿ فَلَمْ تَجِدُوا۟ مَآءًۭ فَتَيَمَّمُوا۟ ﴾ [المائدة: ٦] وأنتم واجدون للماء وهو طهور غير متغير، هذا خلاصة ما يمكن أن يقال في حديث القلتين، والكلام فيها يطول جدًا لكن يكفينا هذا الملخص.

رابط الفقرة 58

قال رحمه الله : (وَإِنْ طُبِخَ فِي المَاءِ مَا لَيْسَ بِطَهُوْرٍ وكذلك ما خَالَطَهُ فَغَلَبَ عَلى اسْمِهِ أَوْ اسْتُعْمِلَ فِيْ رَفْعِ حَدَثٍ سَلَبَ الطَهُوْرِيَّة).

رابط الفقرة 59

هذا الآن شروع منه رحمه الله في بيان القسم الثاني: الطاهر في نفسه غير المطهر لغيره يعني طاهر لا يطهر، طاهر لا يرفع الحدث وإنما يستعمل في سائر وجوه الاستعمال، مثل الأكل والشرب والطبخ ونحوه، ما هو هذا الماء؟ يدخل تحت أنواع عدة منها: ما طبخ فيه ما ليس بطهور يعني طبخ فيه خضروات فتحول إلى مرق أو وضع فيه كمية من الشاي الورق فأصبح شايًا أو كمية من مسحوق العصير فأصبح عصيرًا، هذا لا يجوز الوضوء به بلا خلاف إلا خلاف شاذًا في النبيذ مر ذكره، لكن هل يسمى ماء؟ نحن نقول: نحن نتفق على أن هذا الماء لا يجوز الوضوء به، ما حد يجوز يتوضأ بعصير ولا بلبن ولا بشاي ولا بمرق، وإن كان هو أصله ماء طهور، لكن لما وضعنا معه خضروات وطبخناه تحول من ماء إلى مرق، ولما وضعنا مسحوق العصير أصبح عصيرًا، ولما وضعنا ورق الشاي أصبح شايًا، فنقول الآن: ما يجوز الوضوء به، لكنكم تسمونه ماء طاهرًا، ونحن نقول: لا يجوز الوضوء به؛ لأنه ليس بماء وحينئذ فنحن نسلم لهم أنه لا يجوز الوضوء به لكن لا نسلم لهم بأنه يسمى ماء؛ لأنه ما نحتاج أن نقول: هذا ماء طاهر بل نقول: هذا شاي وهذا عصير وهذا توت وهذا لبن وهذا مرق، والله جل شانه تعبدنا بالوضوء بالماء فقال: ﴿ فَلَمْ تَجِدُوا۟ مَآءًۭ ﴾ هل هذا ماء؟ ليس بماء، فلماذا ندخله بباب المياه ونقول: لا يجوز الوضوء به؟ لأنه ماء طاهر غير مطهر! فنقول: لا ليس بماء وحينئذ فإن النوع الأول من أنواع الماء الطاهر في نفسه غير المطهر لغيره، نقول: نحن نسلم لكم بأنه لا يجوز الوضوء به، لكننا نقول لكم: فضلًا وتكرمًا أخرجوه من باب المياه، ليس في المياه أصلًا، هذا مرق وهذا عصير وهذا لبن وهذا توت وهذا شاي، هذا ليس بماء أصلًا، والله قال: ﴿ فَلَمْ تَجِدُوا۟ مَآءًۭ ﴾ هذا ما يُسمى ماء، ولهذا أنتم ما تسمونه ماء، تقول: مرق، شاي، عصير، فلا تتوضؤون به، ولا تسمونه ماء طاهرًا غير مطهر، فإن هذا يلبس الناس ويشكل على الصغار، كيف يسميه ماء طاهر لا يجوز الوضوء به؟ نقول: ليس بماء.

رابط الفقرة 60

قال رحمه الله : (وكذلك ما خَالَطَهُ فَغَلَبَ عَلى اسْمِهِ) مثله، خالطه من الطاهرات، أي مادة طاهرة خالطت الماء فغلبت على اسمه فأصبح الذي يراه يقول: هذا عصير، وهذا شاي، وهذا توت، نقول: هذا ليس بماء، خرج عن اسم الماء فلا يجوز الوضوء به، لا لأنه ماء طاهر وإنما لأنه ليس بماء، بشرط أن يغلب على اسمه ويصبح مسلوب الاسم ما يقال له ماء، لكن لو أن إنسان غسل كوب الشاي أو القهوة أو العصير بماء فأصبح الذي يراه يقول: هذا ماء فيه أثر الشاي، فيه أثر العصير، نقول: هو ماء فيتوضأ منه ولو تغير شيء من لونه أو طعمه أو ريحه بهذه المادة الطاهر، نقول: لا يسلبه الطهورية ولا يخرج عن اسمه ماء، لأن الذي يراه يقول: هذا ماء لكن فيه أثر عجين، فيه أثر شاي، فيه أثر عصير، لكن متى خرج عن اسم الماء وأصبح الذي يراه يقول: هذا عصير أو هذا شاي أو هذا مرق، نقول: لا يجوز الوضوء به.

رابط الفقرة 61

قال رحمه الله : (أَوْ اسْتُعْمِلَ فِيْ رَفْعِ حَدَثٍ) هذه مسألة، إذا استعمل الماء في رفع الحدث، ما هو الماء المستعمل؟ الذي مر على أعضاء المتوضئ واجتمع، أو انغمس فيه وعليه حدث وخرج، يعني مر على الأعضاء في الوضوء، أو إنسان جنب فانغمس في البانيو ثم خرج، وجاء آخر يريد أن يتوضأ من هذا الماء أو مسبح صغير وإن كان نادرًا هذا المسبح، اللي ما فيه أقل من (200) لتر لكنهم يقولون: ماء قليل، الماء القليل الذي رفع به حدث، يقولون: هذا الماء يخرج من الطهورية ويدخل في باب الماء الطاهر لنفسه غير المطهر لغيره، ما الدليل على ذلك؟ قالوا: لأنه ارتفع به حدث فلا يرفع به حدث آخر، نقول: هذا ما يكفي، الله جل شانه قال: ﴿ وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ طَهُورًۭا ٤٨ ﴾ [الفرقان] ﴿ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ لِّيُطَهِّرَكُم بِهِۦ ﴾ [الأنفال: ١١] فهو باق على هذا الوصف حتى يأتي ما ينقله ولم توردون ما ينقله، ولهذا نقول: هذا الماء الذي رفع به حدث طهور مطهر بنص الكتاب والسنة فلا يمكن أن ننقله من طهور مطهر إلى طهور غير مطهر إلا بدليل ولا دليل، مع أن أهل العلم في هذه المسألة وهذه من غرائبهم اختلفوا فيها على أقوال ثلاثة:

رابط الفقرة 62

القول الأول: أنَّه طهور مطهر، وأن الماء الذي رفع به حدث باقٍ على طهوريته؛ لأنه غاية ما فيه أنه لاقى جسدًا طاهرًا، ماءٌ طهور ولاقى جسدًا طاهرًا، فإن المؤمن مهما أحدث من حدث أصغر أو أكبر جسده طاهر -سبحان الله- المؤمن لا ينجس، فالحدث ليس نجاسة، هو وصف معنوية يقوم بالبدن يمنع من الصلاة ومس المصحف والطواف، ومن ثم فليس الحدث نجاسة، نقول: هذا الماء طهور مطهر ولاقى بدنا طاهر، فأي إشكال؟ ونقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا توضأ كاد الصحابة يقتتلون على وضوءه، يأتون يأخذون أثر الماء إذا غسل رأسه ويديه، لا يقع على الأرض، ولأنه صلى الله عليه وسلم صب على جابر من وضوءه لما أغمي عليه، فدل على أن هذا الماء طهور مطهر، والحنابلة رحمهم الله يوردون هذه الأدلة يردون بها على الحنفية؛ لأن الحنفية رحمهم الله أبعدوا النجعة حينما قالوا: إن هذا الماء نجس، لاحظوا، القول بعيد جدًا عن الصواب، يقولون: الماء المستعمل في الطهارة نجس نقول: - سبحان الله - على رسلكم، من أين قلتم بالنجاسة؟ ولهذا الحنابلة يشتدون في الرد على الحنفية، يقولون: إن هذا الماء طاهر يعني غير نجس بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم صب على جابر من وضوءه، وإذا توضأ كاد الصحابة يقتتلون على وضوءه، ولأن المتوضئ وهو يغسل وجهه ويديه يتراش الماء على ثيابه، فإذا قلتم بالنجاسة - وهذا قول بعيد - يلزمكم أن تقولوا: أن الإنسان إذا جاء يتوضأ يخلع ملابسه وينتبه لا يقع شيء من قطرات الماء على بدنه أو على ثيابه، نقول: هذا قول بعيد.

رابط الفقرة 63

لكن الحنابلة، نقول: أنتم تردون على الحنفية بالقوة، تقولون: إن هذا الماء طاهر غير مطهر، نقول: ونحن نقول لكم أيضًا: قولكم بأنَّه طاهر غير مطهر غير صحيح، لا دليل عليه، فيبقى في الدائرة الأولى وهو أنه طهور مطهر؛ لأن الله خلقه طهور ولأنه لاقى بدنًا طاهرًا، فكيف تقولون بسلبه الطهورية؟

رابط الفقرة 64

أقوى دليل عند القائلين بأنه مسلوب الطهورية وأنه طاهر غير مطهر أن فيه خلافًا، قالوا: وإذا كان فيه خلاف فإنه يستحب الخروج منه، نقول: - سبحان الله - هذا الخلاف معتبر أو ليس بمعتبر؟ هذا الخلاف غير معتبر؛ لأنه ليس له حظ من النظر فلا يستحب الخروج منه، ولا نقول بكراهية استعماله، ولا نقول بسلبه الطهورية، بل نقول: هذا الماء طهور مطهر؛ لأنه في الأصل خلق طهورًا ولاقى بدنًا طاهرًا فلا حرج فيه، سواءً استعمل في طهارة واجبة كرفع حدث أو استعمل بطهارة مستحبة كما لو اغتسل به غسل جمعة على القول بأنها مستحبة نقول: هو أيضًا باق على طهوريته وغير مكروه.

رابط الفقرة 65

أسأل ربي بمنه وكرمه وجوده وإحسانه أن يمن علينا بالعلم النافع والعمل الصالح، وأن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، وأن يوفقنا لما يحبه ويرضاه، وأن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا.

رابط الفقرة 66

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

رابط الفقرة 67

الحواشي

  1. (1)

    أخرجه البخاري (3116)، ومسلم (1037) مطولاً.

    العودة إلى موضع الحاشية
  2. (2)

    أخرجه مسلم (2699)، والترمذي (2945)، وابن ماجه (225) مطولاً، وأحمد (8316) واللفظ له.

    العودة إلى موضع الحاشية
  3. (3)

    أخرجه الترمذي (2647) باختلاف يسير، والبزار (6520)، والعقيلي في الضعفاء الكبير (2/17) واللفظ لهما، والحديث حسنه لغيره الألباني في صحيح الترغيب (88).

    العودة إلى موضع الحاشية
  4. (4)

    أخرجه أبو داود (4840) بلفظ: «كلُّ أمر ذي بالٍ لا يُبدَأُ بالحمد للهِ فَهوَ أقطعُ، وفي روايةٍ: بالحمدِ فَهوَ أقطعُ، وفي روايةٍ: كل كلامٍ لا يُبدَأُ فيهِ بالحمد للهِ فَهوَ أجذَمُ، وفي رواية: كلُّ أمرٍ ذي بالٍ لا يبدأُ فيهِ ببسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ فَهوَ أقطعُ»، الحديث قال عنه النووي في الأذكار: حسن روي موصولًا ومرسلًا، ورواية الموصول إسنادها جيد، ولكن ضعفه الألباني في ضعيف الجامع (4216).

    العودة إلى موضع الحاشية
  5. (5)

    أخرجه البخاري (2678)، ومسلم .(11)

    العودة إلى موضع الحاشية
  6. (6)

    أخرجه أبو داود (4839) باختلاف يسير، وأحمد (25077) واللفظ له، والحديث حسن إسناده شعيب الأرناؤوط في تخريج المسند.

    العودة إلى موضع الحاشية
  7. (7)

    أخرجه البخاري (3116)، ومسلم (1037) مطولاً.

    العودة إلى موضع الحاشية
  8. (8)

    أخرجه البخاري (6954) واللفظ له، ومسلم (225).

    العودة إلى موضع الحاشية
  9. (9)

    أخرجه أبو داود (61)، والترمذي (3)، وابن ماجه (275)، وأحمد (1006)، والحديث صححه الألباني في صحيح أبي داود.

    العودة إلى موضع الحاشية
  10. (10)

    أخرجه مسلم (476) بلفظ: «اللهمَّ لكَ الحَمْدُ مِلْءُ السَّماءِ، ومِلْءُ الأرْضِ، ومِلْءُ ما شِئْتَ مِن شيءٍ بَعْدُ اللهمَّ طَهِّرْنِي بالثَّلْجِ والبَرَدِ، والماءِ البارِدِ اللهمَّ طَهِّرْنِي مِنَ الذُّنُوبِ والخَطايا».

    العودة إلى موضع الحاشية
  11. (11)

    أخرجه البخاري (528)، ومسلم (667) عن أبي هريرة بلفظ: «أَرَأَيْتُمْ لو أنَّ نَهْرًا ببَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ منه كُلَّ يَومٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، هلْ يَبْقَى مِن دَرَنِهِ شيءٌ؟ قالوا: لا يَبْقَى مِن دَرَنِهِ شيءٌ، قالَ: فَذلكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ، يَمْحُو الله بهِنَّ الخَطَايَا».

    العودة إلى موضع الحاشية
  12. (12)

    أخرجه أبو داود (83)، والترمذي (69)، والنسائي (59)، وابن ماجه (386)، وأحمد (8735)، الحديث صححه البخاري في تهذيب التهذيب (4/42).

    العودة إلى موضع الحاشية
  13. (13)

    أخرجه أبو داود (66)، والترمذي (66)، والنسائي (326)، وأحمد (11275) مطولاً، الحديث صححه السيوطي في الجامع الصغير (2089)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (1925).

    العودة إلى موضع الحاشية
  14. (14)

    أخرجه أبو داود (63)، والترمذي (67)، والنسائي (52)، وابن ماجه (517) واللفظ له، وأحمد (4961)، والحديث صححه الألباني في صحيح الجامع (417).

    العودة إلى موضع الحاشية
  15. (15)

    أخرجه أبو داود (63)، والترمذي (67)، والنسائي(52)، والحديث صححه السيوطي في الجامع الصغير (510)، وأيضًا صححه الألباني في صحيح الترمذي.

    العودة إلى موضع الحاشية
  16. (16)

    أخرجه البخاري (220) أنَّ أبَا هُرَيْرَةَ، قالَ: قَامَ أعْرَابِيٌّ فَبَالَ في المَسْجِدِ، فَتَنَاوَلَهُ النَّاسُ، فَقالَ لهمُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم : «دَعُوهُ وهَرِيقُوا علَى بَوْلِهِ سَجْلًا مِن مَاءٍ، أوْ ذَنُوبًا مِن مَاءٍ، فإنَّما بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ، ولَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ».

    العودة إلى موضع الحاشية
  17. (17)

    أخرجه البخاري (227) عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها قال: «جَاءَتِ امْرَأَةٌ النبيَّ صلى الله عليه وسلم فَقالَتْ: أرَأَيْتَ إحْدَانَا تَحِيضُ في الثَّوْبِ، كيفَ تَصْنَعُ؟ قالَ: تَحُتُّهُ، ثُمَّ تَقْرُصُهُ بالمَاءِ، وتَنْضَحُهُ، وتُصَلِّي فِيهِ».

    العودة إلى موضع الحاشية
  18. (18)

    أخرجه البخاري (6954) واللفظ له، ومسلم(225).

    العودة إلى موضع الحاشية
  19. (19)

    سبق تخريجه.

    العودة إلى موضع الحاشية
  20. (20)

    سبق تخريجه.

    العودة إلى موضع الحاشية
  21. (21)

    سبق تخريجه.

    العودة إلى موضع الحاشية
  22. (22)

    سبق تخريجه.

    العودة إلى موضع الحاشية
  23. (23)

    سبق تخريجه.

    العودة إلى موضع الحاشية
  24. (24)

    أخرجه ابن ماجه (521)، والطبراني (8/123) (7503)، والبيهقي (1271) باختلاف يسير، والحديث قال عنه الزيلعي في تخريج الكشاف (2/463): فيه كلام، وقال عنه الرباعي في فتح الغفار (15/1): اتفق الحفاظ على ضعفه.

    العودة إلى موضع الحاشية