تجاوز إلى المحتوى

شرح عمدة الفقه

الدرس الثالث — كتابُ الطَّهارةِ، بَابُ الآنِيَةِ

ملفات PDF ١ ملف

دروس جامع البواردي الطهارة 11 درسعرض PDF ↗تنزيل PDF٣٫٤ م.ب
الفقرة ١ من ٤٤

النص المقروء

عناوين هذا الدرس
  1. الدَّرْسُ الثَّالِث
  2. كتابُ الطَّهارةِ
  3. بَابُ الآنِيَةِ

[الدَّرْسُ الثَّالِث]

رابط الفقرة 1

[كتابُ الطَّهارةِ]

رابط الفقرة 2

[بَابُ الآنِيَةِ]

رابط الفقرة 3

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم مالك يوم الدين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على البشير النذير والسراج المنير، نبينا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.

رابط الفقرة 4

أما بعد؛ أيها الأخوة والأخوات سلام الله عليكم ورحمته وبركاته وحياكم الله في الدرس الثالث من دروس شرح عمدة الفقه للإمام «ابن قدامة» غفر الله له ورحمه وجمعنا به في دار كرامته.

رابط الفقرة 5

قد أنهينا في الدرسين الماضيين «باب المياه» واليوم نبدأ في باب الآنية.

رابط الفقرة 6

قال المؤلف رحمه الله :

رابط الفقرة 7

بَابُ الآنِيَةِ

رابط الفقرة 8

لا يَجُوْزُ اسْتِعْمَالُ آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ فِيْ طَهَارَةٍ وَلا غَيْرِهَا؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ صلى الله عليه وسلم : «لا تَشْرَبُوْا فِيْ آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَلا تَأْكُلُوْا فِيْ صِحَافِهَا؛ فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَكُمْ فِي الآخِرَةِ»() وَحُكْمُ المُضَبَّبِ بِهِمَا حُكْمُهُمَا إِلَّا أَنْ تَكُوْنَ الضَبَّةُ يَسِيْرَةً مِنَ الفِضَّةٍ، وَيَجُوْزُ اسْتِعْمَالُ سَائِرِ الآنِيَةِ الطَّاهِرَةِ وَاتِّخَاذُهَا، وَاسْتِعْمَالُ أَوَانِي أَهْلِ الكِتَابِ وَثِيَابِهِمْ مَا لَمْ تُعْلَمْ نَجَاسَتُهَا.

رابط الفقرة 9

وَصُوْفُ المَيْتَةِ وَشَعْرُهَا طَاهِرٌ، وَكُلُّ جِلْدِ مَيْتَةٍ دُبِغَ أَوْ لَمْ يُدْبَغْ فَهُوَ نَجِسٌ، وَكَذلِكَ عِظَامُهَا وَكُلُّ مَيْتَةٍ نَجِسَةٌ إِلاَّ الآدَمِيَّ، وَحَيَوَانَ الماءِ الَّذِيْ لا يَعِيْشُ إِلاَّ فِيْهِ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي البَحْرِ: «هُوَ الطَّهُوْرُ مَاؤُهُ، الحِلُّ مَيْتَتُهُ»().

رابط الفقرة 10

وَمَا لا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةً إِذَا لَمْ يَكُنْ مُتَوَلِّدًا مِنَ النَّجَاسَاتِ.

رابط الفقرة 11

هذا باب الآنية، الباب سبق تعريفه وأنه اسمٌ لجملةٍ من العلم وهو في الأصل في اللغة: اسمٌ لمدخل الشيء، لكنه في الاصطلاح عندهم: اسمٌ لجملة من العلم تحته مسائل غالبًا، أما الآنية: فهي جمع إناءٍ، إذن الإناء يجمع على آنية، وأما الأواني فهي جمع آنية، هي جمعُ جمعٍ، والإناء في اللغة وفي الاصطلاح: هو الوعاء الذي يحفظ فيه الشيء ويوعى فيه الشيء.

رابط الفقرة 12

لماذا ذكر المؤلف رحمه الله باب الآنية عقب باب المياه؟ نقول: سبب ذكر باب الآنية عقب باب المياه، أن الماء كما لا يخفى: جوهرٌ سيالٌ بطبعه فاحتاج إلى إناءٍ يحفظه فناسب ذكر الآنية وأحكامها عقب باب المياه من حيث الحل والحرمة والطهارة والنجاسة، إذ قد يكون الماء طهورًا والإناء نجسًا فينجسه أو محرمًا فيحرم استعماله، وهذه أول مناسبةٍ لذكر الآنية وله مناسبةٌ ثانيةٌ وهي في باب الأطعمة والأشربة، وإذا كان للباب مناسبتان فالأولى أن يذكر عند أولهما، وإذا جاءت المناسبة الثانية يحال إلى ما سبق، فيقال تقدمت الإشارة إليه في أول كتاب الطهارة.

رابط الفقرة 13

باب الآنية: قال رحمه الله : (لا يَجُوْزُ اسْتِعْمَالُ آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ فِيْ طَهَارَةٍ وَلا غَيْرِهَا) ثم أورد الدليل حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تَشْرَبُوْا فِيْ آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَلا تَأْكُلُوْا فِيْ صِحَافِهَا؛ فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَكُمْ فِي الآخِرَةِ» إذن أول مسألةٍ صدر بها الباب: حكم آنية الذهب والفضة، فبيَّن أنه لا يجوز استعمالها أي الآنية المصنوعة من ذهب أو من فضة بأن تكون الآنية كلها من ذهبٍ خالصٍ أو فضةٍ خالصةٍ، والذهب والفضة معروفان، جوهران معروفان لا يحتاجان لتعريف، فبين رحمه الله أنه لا يجوز استعمال هذه الآنية المصنوعة من ذهبٍ أو من فضةٍ، وقبل ذلك لا تجوز صنعتهما فلا يجوز للمسلم أن يصنع إناءً من ذهبٍ أو فضةٍ، ولا يجوز بيعهما ولا يجوز شرائهما، إذن تحرم الصنعة، وتحرم التجارة، ويحرم الاتخاذ والاقتناء، حتى لو قال أنا لا استعمل، قال معاذ الله أن استعمل أو أشرب أو آكل في إناء ذهب أو فضة والنبي صلى الله عليه وسلم حرمه، نقول: لا يجوز لك حتى مجرد الاقتناء، يقول أنا فقط أتخذها تحف أجمل بها بيتي، نقول: يحرم ذلك.

رابط الفقرة 14

إذن يحرم في هذه الآنية، أولًا: صنعتها، ثانيًا: بيعها وشرائها أي التجارة فيها، ثالثًا: اقتنائها واتخاذها، رابعًا: استعمالها، المؤلف نصَّ على الاستعمال وعلمنا تحريم ما سبق باللازم، إذن يحرم استعمال هذه الآنية المتخذة من ذهب أو فضة في طهارةٍ أو في غير الطهارة، والذي يهمنا الآن في الباب في الطهارة وغيرها كالأكل والشرب المنصوص عليهما في الحديث وسائر وجوه الاستعمال عند الأئمة الأربعة، ما دليل ذلك؟ نهيه صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الصحيح المخرج في الصحيحين «لا تَشْرَبُوْا فِيْ آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَلا تَأْكُلُوْا فِيْ صِحَافِهَا -ليس في البخاري وَلا تَأْكُلُوْا فِيْ صِحَافِهَا- فَإِنَّهَا -أي هذه الآنية من ذهب أو فضة- لَهُمْ -أي للكفار- فِي الدُّنْيَا وَلَكُمْ فِي الآخِرَةِ» هذا حديثٌ صحيحٌ صريحٌ ينهى فيه صلى الله عليه وسلم عن استعمال آنية الذهب والفضة في الأكل والشرب، وإنما نصَّ على الأكل والشرب؛ لأنه الغالب وعدي إلى سائر وجوه الاستعمال لأنه في معناه، وهذا مذهب الأئمة الأربعة أن سائر وجوه الاستعمال ملحقة بالأكل والشرب، كما يدلُّ على ذلك أيضًا حديث أم سلمة رضي الله عنهما : الذي يشرب في آنية الذهب والفضة «فإنَّما يُجرجِرُ في بطنِه نارَ جهنَّمَ»() [الحديث متفق عليه] وليس في البخاري ذكر الذهب، الذي يشرب في آنية الذهب والفضة فإنما يجرجر في بطنه نار جهنم، هذا يؤكد التحريم ويقويه فإن فيه هذا الوعيد الشديد الذي يدل على أن استعمالها ليس محرمًا فقط بل كبيرة؛ لأنه متوعدٌ عليه بالنار قال صلى الله عليه وسلم : «فإنَّما يُجرجِرُ في بطنِه نارَ جهنَّمَ» إذ الجزاء من جنس العمل، قالوا الجرجرة صوت البعير إذا هاج فهو يجرع الماء ويتجرعه لكنه من نار جهنم -نسأل الله السلامة والعافية- وهذا الوعيد لا يكون إلا على فعل محرم بل كبيرة من كبائر الذنوب.

رابط الفقرة 15

قال رحمه الله : (وَحُكْمُ المُضَبَّبِ بِهِمَا حُكْمُهُمَا) أي حكم الذي فيه جزء من ذهب أو فضة حكم الإناء المصنوع من ذهب أو فضة إلا أن تكون ضبة يسرة من الفضة، سنأتي لهذا المستثنى، إذن يحرم أن يكون الإناء كله من ذهب أو فضة أو بعضه فيه ذهب أو فضة بل يحرم المموه بهما، ما هو التمويه؟ التمويه: أن يُذاب الذهب والفضة، يماع ثم يجعل فيه الإناء ليكسب من لونه، يُقال: هذا إناء مموه بذهب أو بفضة فيكون محرمًا مع أنه لم يكسب إلا من لونه، وهذا قد يكون في الإناء وقد يكون في الساعة وقد يكون في القلم وقد يكون في الميدالية وقد يكون في الكبك وقد يكون في الثريا إلى غير ذلك، نقول: إذا موَّه الإناء أو غيره بالذهب أو الفضة فإنه يأخذ حكم التحريم؛ لأن فيه شيءٌ من ذهبٍ أو فضةٍ، وكذلك الطلاء وهو المطلي بهما بأن يُصبغ بذهبٍ أو فضةٍ أو يُجعل الذهب أو الفضة كالورق ثم يلصق على الإناء، نقول: هذا إناءٌ مطليٌ بذهبٍ أو بفضةٍ مثل الورق الآن المصنوع من الألمنيوم، ماذا يسمى؟ قصدير، هذا حلال ما فيها شيء؛ لأن مادته من الألمونيوم لكن لو وضع مثله من ذهب أو فضة ولُبّس الإناء وكُسي به وطُلي به أو لُصق عليه، نقول: هذا إناء محرمٌ؛ لأنه مطليٌ بذهب أو فضةٍ، ومثله كذلك المطعم بذهب أو فضةٍ بأن يحفر في الإناء حفر فيرصع بقطعٍ من ذهبٍ أو فضةٍ، يوضع في الإناء حفر ثم يؤتى بقطعٍ من ذهبٍ أو فضة فترصع فيه، نقول: هذا مطعم بذهب أو فضة فيحرم كذلك، وكذلك المكفت بالذهب أو الفضة بأن يبرد الإناء ويكون فيه شبه المجاري ثم يؤتى بقطعة من ذهب أو فضة كالزيق فتلصق في هذا المكان ويكون من باب التجميل، نقول: هذا كله محرمٌ؛ لأن فيه شيء من ذهب أو فضة، قد جاء عند الدارقطني من حديث ابن عمر: «الذي يشرب في آنية الذهب والفضة أو إناءٍ فيه شيء من ذهب أو فضة فإنما يجرجر في بطنه نار جهنم»() والحديث فيه كلامٌ لكنه يصلح للاحتجاج به لاسيما أن أصله في الصحيحين، فيحرم على المسلم إذن أن يتخذ أو يقتني إناء ذهبٍ أو فضةٍ أو يستعمله في أكلٍ أو شربٍ أو سائر وجوه الاستعمال، وكذلك أن يستعمل إناءً مموَّهًا بذهبٍ أو فضةٍ أو مطلي بذهبٍ أو فضةٍ أو مكفت أو مطعم، نقول: أي شيء فيه ذهبٌ أو فضةٌ اجتنبه، هل هذا على العموم في كلِّ شيء؟ نقول: إلا ما استثني، ما المستثنى؟ استثني الحلي للنساء، وهل الحلي آنية؟ نقول: أبدًا، فهل يحل للمرأة أن تستعمل آنية الذهب والفضة؟ نقول: أبدًا، الأصل العموم والنصوص عامةٌ فتشمل الرجال والنساء على حدٍّ سواء، وإنما أُبيح للنساء التحلي فقط؛ لعموم قول الله جل شأنه: ﴿ أَوَمَن يُنَشَّؤُا۟ فِى ٱلْحِلْيَةِ وَهُوَ فِى ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍۢ ١٨ ﴾ [الزخرف] فأبيح للمرأة أن تتحلى بذهبٍ وفضةٍ في حدود العرف، أي ما جرت العادة بلبسه للنساء فلو تجاوزت المرأة في لبس الذهب فوق العرف والعادة بأن فصَّلت ثوب ذهب، نقول هذا يمنع؛ لأنه تجاوز العرف والعادة ولأن فيه أيضًا ثوب شهرة هذا، لكن ما جرت عادة النساء بلبسه في حلقهن وآذانهن ومعاصمهن وأقدامهن هذا كله جائزٌ سواءٌ كان محلقًا أو غير محلقٍ خلافًا لمن منع الذهب المحلق للنساء، فالصحيح إباحته وجوازه لكن هذا في حدود الحلية وأوسع أبواب الذهب والفضة التحلي فأبيح للمرأة التحلي به وأبيح للرجل من الفضة الشيء اليسير كالخاتم وأبيح في السلاح ما هو أوسع من ذلك من شيء من ذهب أو فضة ويأتي إن شاء الله في باب اللباس أكثر من هذا التفصيل.

رابط الفقرة 16

إذن لا يجوز للمسلم أن يستعمل آنية الذهب والفضة لا في طهارة ولا غيرها، لو تطهر في إناء ذهبٍ أو فضةٍ، فما حكم الطهارة؟ ما حكم طهارة من توضأ في إناء ذهبٍ أو فضةٍ؟ اغترف بإناء ذهبٍ أو فضةٍ أو كان البانيو كله -كما يفعل المترفون- كله ذهب أو فضة قد تكون دورة المياه كلها عنده مرصعةٌ بذهبٍ أو فضةٍ والبانيو والخلاطات ونحوها، فما حكم استعمال هذا الإناء؟ إذن يأثم لمخالفته نهي النبي صلى الله عليه وسلم لكن طهارته صحيحة، نقول: الوضوء صحيح والغسل صحيح لكنك تأثم، لماذا، مع أنه قد نهي عنه؟ نقول: لأن النهي هنا ليس عائدًا لذات العبادة ولا لشرطٍ من شروطها وإنما عاد لأمرٍ خارج، النهي إما أن يعود لذات العبادة فيبطلها أو يعود لشرط من شروطها فيبطلها على الصحيح أو يعود لأمر خارجٍ فلا يبطلها.

رابط الفقرة 17

مثال النهي العائد لذات العبادة: مثل الصلاة في أوقات النهي بدون سببٍ، إنسانٌ لما صلى الأمام العصر قام يصلي، قال له من بجواره: لم تصلِّ يا فلان؟ قال: تنفل تطوع تزود من الخير، نقول له: لا يصح لك ذلك، قد نهى الشارع عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، فلو صليت أثمت ولم تصح صلاتك إلا أن تكون من ذوات الأسباب، ومثله لو صام يوم العيد سواء قضاءً أو نفلًا أو كفارةً، نقول: لا يصح صوم يوم العيد، قد نهى الشارع عنه، فلا يصح لك أن تصوم يوم العيد ولا أيام التشريق إلا للمتمتع والقارن إذا عدما الهدي فإن لهما أن يصوما ثلاثة أيامٍ في الحج ولهما أن تكون هذه الأيام أيام التشريق كما يأتي إن شاء الله في بابه، إذن هذا مثالٌ لنهيٍ عائدٍ لذات العبادة فيعود عليها بالإبطال.

رابط الفقرة 18

مثالٌ على النهي العائد للشرط: مثل الوضوء بالماء المغصوب، والصلاة في الأرض المغصوبة وستر العورة بثوبٍ مغصوب، فلو غصب الإنسان ماءً فتوضأ به، نقول: أثمٌ ووضوؤه غير صحيح، ومثله لو ستر عورته بثوبٍ مغصوبٍ أو صلى بأرضٍ مغصوبةٍ، نقول: أثم وصلاته غير صحيحة؛ لأنه قد نُهي عنه، والنهي عائد إلى شرط العبادة من ستر العورة والطهارة بالماء فيعود على العبادة بالإبطال على الصحيح من قول أهل العلم.

رابط الفقرة 19

أما إذا كان النهي عائدٌ إلى أمرٍ خارجٍ عن ذات العبادة وشرطها أمرٌ منفكٌ عنها فإنه يأثم ولا تبطل عبادته مثل ما معنا هنا، هل الإناء شرطٌ في الطهارة؟ نقول: ليس بشرطٍ يتوضأ ولو بدون إناء، فالإناء ليس شرطًا في الطهارة ومن ثم فإذا استعمل إناءً محرمًا مغصوبًا أو مسروقًا أو منتهبًا أو من ذهبٍ أو فضةٍ، نقول: يأثم لكن وضوءه صحيح، ومثله لو صلى وعليه خاتمُ ذهبٍ، نقول: صلاته صحيحة؛ لأن الخاتم ليس ساترًا للعورة.

رابط الفقرة 20

قال رحمه الله : (إِلَّا أَنْ تَكُوْنَ الضَبَّةُ يَسِيْرَةً مِنَ الفِضَّةٍ) هذا مستثنى، إذن يُستثنى من آنية الذهب والفضة الإناء الذي فيه ضبة، أي قطعة لإصلاحه من فضة بشروطٍ:

رابط الفقرة 21

الشرط الأول: أن تكون من فضةٍ لا ذهبٍ.

رابط الفقرة 22

الشرط الثاني: أن تكون يسيرةً عرفًا، يعني في عرف الناس أنها يسيرةٌ صغيرةٌ ما تكون هي الكبيرة والكثيرة في الإناء.

رابط الفقرة 23

الشرط الثالث: أن تكون لحاجةٍ بأن ينكسر الإناء، وإن أمكن إصلاحه بغيرها فإنه لا يضر إذ يصلحها به أو بغيره، إذ يكفي أن تكون ثمة حاجة وليس ضرورة حتى يقال لا بد أن يتعسر إصلاحه بغير الفضة، نقول: أبدًا، حتى لو أمكن إصلاحه بغير الفضة فأصلحه بالفضة فإن له ذلك.

رابط الفقرة 24

إذن لا بدَّ أن تكون الضبة من فضة، وأن تكون يسيرة، وأن تكون لحاجةٍ، ومع هذا فقد كره العلماء مباشرتها بالشرب، قالوا: وإن كانت ضبةً يسيرةً من فضةٍ ولحاجة فإنه إذا أراد أن يشرب لا يباشرها بفيه، يعني لا يشرب من جهة الضبة هذه التي من فضة، لئلا يصدق عليه أنه شرب من إناء فضة، وقيل: يحرم مباشرتها، وقيل: يباح وهو الصحيح، إذ لم يرد النهي عن مباشرتها بالشرب، فلا حرج إذا أجاز له الشارع أن يضبب الإناء بالفضة فإن له أن يشرب لكن كونه يتورع ولا يباشرها بفمه، نقول: هذا يرجع إليه لكنه لا يصير إلى التحريم ولا الكراهة لعدم الدليل، ما دليل هذا الاستثناء؟ حديث أنس في البخاري() أن قدح النبي صلى الله عليه وسلم وهو إناء يروي الرجلين، انكسر فاتخذ مكان الشعب أي مكان الكسر سلسلة من فضة، يعني أصلحه فأصبح الذي يرى الإناء كأنه سلسلة، يعني أصلح طرفه هذا بطرفه الثاني بسلسلة تربط بينهما أو بقطعة فضة تربط بينهما فدل هذا الحديث على الاستثناء، والحديث في البخاري، وأخذ أهل العلم الشروط المتقدمة من الحديث، فإن الحديث فيه أن القدح انكسر فدل على أن ثمة حاجة، ثم أُصلح بفضة ولم يصلح بذهب، ثم كانت الضبة يسيرة صغيرة، فدل على أنه لا يصلح بذهب ولا بضبة كبيرة ولا يصلح بدون حاجة إذا وضعها مجرد زينة، نقول: لا يصلح، إذا تعلق بها حاجة غير الزينة صح، وأما إذا كانت لمجرد الزينة فلا تصح.

رابط الفقرة 25

نختم ما يتعلق بآنية الذهب والفضة، ما الحكمة التي لأجلها نهى الشارع عن استعمال آنية الذهب والفضة؟ وبعضهم يقول ما العلة؟ نعم، العلة ينبغي أن تكون منصوصة لكن الحكمة التي يلتمسها أهل العلم لنهي الشارع عن استعمال آنية الذهب والفضة ما هي؟ تفضل، كسر قلوب الضعفاء والفقراء، وأيضًا السرف والخيلاء، إذن لما فيها من كسر قلوب الفقراء، ولما فيها من السرف، ولما فيها من الكبر والخيلاء، وأيضًا؟ نقول: كذا قال الفقهاء رحمهم الله : أن الشارع نهى عن آنية الذهب والفضة؛ لما فيها من السرف والخيلاء، و كسر قلوب الفقراء، لكن العلامة ابن القيم رحمه الله : انتقد هذه العلل كلها وبيَّن أن الشارع أومأ لعلة هي الصحيح وهي الأقرب، بعضهم قال أيضًا: لما فيها من التضيق على النقدين؛ لأن الناس كانوا يتبايعون بالذهب والفضة فإذا صنعت آنية منها ضيق على الناس في عملاتهم التي بها يتبايعون، فابن القيم رحمه الله انتقد ذلك، قال: أما التضيق على النقدين فهذا ليس بصحيح إذ يباح اتخاذها حليًا ولم يمنع الشارع منه، ولو كان مجرد التضيق لمنع اتخاذها حليًا لكن الشارع أباح اتخاذها حليًا وسبائك ولم يمنع منه، فدل على أنه ليس لأجل التضيق على النقدين، وأما الكبر والخيلاء فإنه محرمٌ ولو استعمل أي إناء، إذ يحرم على المسلم أن يتكبر ويتعاظم في نفسه على الآخرين حتى لو استعمل أدنى إناء فليس الكبر والخيلاء محرمٌ بالإناء إذا كان من ذهب ومباح بغيره بل يحرم الكبر والخيلاء بأي إناء، قال: وأما كسر قلوب الفقراء، فهذا لا ضابط له، إذ قد تنكسر قلوبهم إذا رأوا الأغنياء يسكنون بيوتًا واسعةً ويركبون دوابًا فارهةً ويلبسون ثيابًا حسنةً، فهل نمنعهم من ذلك ونقول للأغنياء البسوا وكلوا واسكنوا مثل الفقراء؟ نقول: لم يمنعهم الشارع من ذلك، لم يمنع الشارع الأغنياء من ركوب المراكب الفارهة وسكنى المساكن الواسعة ولبس الملابس الفاخرة، لم يمنعهم الشارع من ذلك بل يحب جل شأنه أن يرى أثر نعمته على عبده، فليست العلة إذن لأجل هذا كله، إذن ما هي العلة؟ العلة ما أشار إليه صلى الله عليه وسلم في آخر الحديث، قال: «فإنَّهَا لهمْ في الدُّنْيَا ولَكُمْ في الآخِرَةِ» إذن العلة ما يحصل من استعمالها من منافاةٍ ظاهرةٍ للعبودية التي بها ينال عبيد الله هذا النعيم في الآخرة، وأما من ليس في قلوبهم عبودية لله تعالى فإنهم يستعملونها في الدنيا ويحرمونها في الآخرة، فعبيد الله حقًا يمتنعون من استعمالها لأنها تتنافى مع العبودية ويرجون ثوابًا أعظم، إذ الجزاء من جنس العمل، فمن حرم نفسه من هذا النعيم من هذه الآنية فإنه ينالها في جنات النعيم أسال الله الكريم من فضله.

رابط الفقرة 26

قال رحمه الله : (وَيَجُوْزُ اسْتِعْمَالُ سَائِرِ الآنِيَةِ الطَّاهِرَةِ وَاتِّخَاذُهَا) إذن لـمَّا بيَّن أنه يحرم استعمال آنية الذهب بيَّن أنَّ ما سوى آنية الذهب والفضة يجوز استعماله ويجوز اتخاذه وصنعته وبيعه وشراءه سواءً كان ثمينًا أو كان دون ذلك إذ قد يكون ثمة آنية أعلى قيمة من الذهب والفضة كالألماس وكالياقوت والأحجار التي تسمى كريمة، فمثل هذه الأحجار قيمتها أعلى من قيمة الذهب والفضة، والشارع لم ينه عنها فبقيت على الأصل وهو الإباحة، فإن الله أباح لنا كل شيء إلا ما جاء التحريم فيه في الآنية وهو الذهب والفضة لكن قد يُمنع من استخدام هذه الثمينة من جهة الإسراف فقط لكن لذاتها لا تمنع، ما تمنع كمنع الذهب والفضة، الذهب والفضة يمنع لذاته أما غيرها فإن منعت من باب آخر لسببٍ آخر، نقول: هذا ليست لذاتها وكذلك الآنية الرخيصة ليست ثمينة، نقول: يباح اتخاذها واستعمالها وقد استعمل صلى الله عليه وسلم جملةً من الآنية، استعمل إداوةً من صُفر أي النحاس، والحديث في البخاري() ومن جلد واستعمل قربة واستعمل جفنة وهذا كله في الصحيح، فاستعمال الإنسان آنية مصنوعة من حجارة أو من جلدٍ أو من ألومنيوم أو من بلاتين أو من أي مادةٍ طاهرةٍ مباحةٍ، إذ القاعدة في الآنية أنه يباح اتخاذ واستعمال كل إناءٍ طاهرٍ مباحٍ مهما ارتفعت قيمته أو رخصت، إنما حرم الشارع آنية الذهب والفضة كما تقدم.

رابط الفقرة 27

قال رحمه الله : (وَاسْتِعْمَالُ أَوَانِي أَهْلِ الكِتَابِ وَثِيَابِهِمْ مَا لَمْ تُعْلَمْ نَجَاسَتُهَا) هذه مسألة وهي في آنية أهل الكتاب أي اليهود والنصارى وألحق بها أيضًا ثيابهم، فبيَّن أنه يباح أو يجوز استعمالها ما لم تعلم نجاستها أي مجهولة الحال، أما معلومة النجاسة فهي هنا نجسةٌ بلا خلافٍ، ومعلومة الطهارة طاهرةٌ بلا خلاف، إذن عندنا إناء أو ثوبٌ استعمله كافرٌ فغسله قبل أن يعطيه المسلم، هل أقول هذا لا يدخل في الإشكال ولا يرد فيه الخلاف طاهرٌ؛ لأنه معلوم الطهارة، وإناءٌ استعمله الكافر في نجاسةٍ ورأينا النجاسة فيه كلحم خنزير أو خمرٍ ونحوه، استعمله في أكل نجس أو شرب النجس، فإنا نقول هذا معلوم النجاسة فهو نجس بلا خلافٍ، لا يستعمله حتى يغسله حتى لو كان المستعمل له مسلمًا، لو أن مسلم استعمل الإناء في نجاسةٍ، نقول: نجسٌ لا يستعمل في طهارةٍ ولا في غيره حتى يغسل وتزال عنه النجاسة.

رابط الفقرة 28

إذن الإناء والثوب من حيث العلم بالنجاسة وعدمها يتنوع وينقسم إلى ثلاثة أقسام:

رابط الفقرة 29

إناءٌ أو ثوبٌ معلوم الطهارة فهذا طاهر.

رابط الفقرة 30

إناءٌ أو ثوبٌ معلوم النجاسة فهذا نجسٌ.

رابط الفقرة 31

مجهول الحال، استعمله الكفار لكننا لا ندري هل استعملوه في نجاسةٍ أو لا؟ وهل غسلوه أو لا؟ إنما لبسه الكافر إن كان ثوبًا وشرب فيه أو أكل أو طبخ إن كان إناءً ثم أراد المسلم أن يستعمله فجاء يسأل، هذا هو الذي يريده المؤلف رحمه الله بقوله: (وَاسْتِعْمَالُ أَوَانِي أَهْلِ الكِتَابِ وَثِيَابِهِمْ) أي ثيابهم وآنيتهم التي استعملوها وجهلنا حالها لم نعلم نجاستها، فالمؤلف رحمه الله يرى الطهارة وأنه يجوز الاستعمال.

رابط الفقرة 32

قبل أن نأتي إلى الخلاف، نقول من أهل العلم من قسَّم الكفار في اجتناب النجاسات إلى قسمين: قال ثمة قسم يجتنبون النجاسات وهم عامة الكفار، يعني لا يتلطخون بالنجاسة ولا يتعبدون بها، وقسمٌ يتدين باستعمال النجاسة ويعتبرها دين وفضيلة، وهؤلاء ضُلالٌ مخالفين للفطر السليمة، قالوا: نوعٌ من البراهمة وبعض الصابئة، المقصود أن من عُلِم أنه يتعبد باستعمال نجاسةٍ، فنقول: هذا إناؤه نجسٌ وثوبه نجسٌ مطلقًا؛ لأنه يتلطخ بالنجاسة ويعتبر هذا دين وفضيلة، أيضًا من أهل العلم من فرَّق بين اليهود والنصارى في استحلال الميتات وعدمه، فقال الأصل في اليهود أنهم لا يستحلون الميتة، والنصارى منهم من يستحل الميتة ومن ثم فرَّق بينهم، المؤلف رحمه الله ذكر هنا أن ثياب الكفار وآنية الكفار جائزة الاستعمال ما لم تعلم النجاسة، بالنسبة للثياب أيضًا من أهل العلم من فرَّق بينما يلي العورة وما لا يليها، فقال: إنما يلي العورة يجتنبه سواء على التحريم أو الكراهة، وأما ما يلبس في أعلى البدن كالعمامة والثياب الفوقية قال هذا بعيدٌ عن النجاسة فلا يحرم، وبعضهم قال يكره وما يلي العورة يحرم، نقول: إذا كان الثوب أو الإناء قد استعمله كافرٌ ولا نعلم طهارته من نجاسته فقد اختلف العلماء فيه على ثلاثة أقوال:

رابط الفقرة 33

القول الأول: ما ذكره المؤلف هنا، وهو أنه يجوز استعماله بلا كراهة -وهذا مذهب الحنابلة- واستدلوا على ذلك بالأصل، قالوا: الأصل طهارة، والأصل الحل، ونحن نحافظ على هذا الأصل، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أكل في آنيتهم، فعند الإمام أحمد أنه صلى الله عليه وسلم أضافه يهوديٌّ على خبز شعير وإهالة سنخة() -يعني ودك متغير الرائحة- هذا الحديث يدل على أنه صلى الله عليه وسلم قَبِلَ أكْل اليهودي وأضافه اليهودي وقدَّم له هذا الطعام فأكله وهو سيقدمه في آنيتهم، وفي الصحيح من حديث أنس أنه صلى الله عليه وسلم أضافه خياطٌ، بدل اليهودي خياطٌ، وقد يكون هو يهودي لكنه في الصحيح أضافه يهودي فقدم للنبي صلى الله عليه وسلم خبز شعير وقديد والدباء، فأصبح صلى الله عليه وسلم يتتبع الدباء في نواحي الصحن أو الصحفة() قال أنس رضي الله عنه : فما تركتها بعد ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتتبعها، يعني أحببتها من حبِّه صلى الله عليه وسلم للدباء وهي نوع من القرع، وهذا الحديث في الصحيحين لكنه ليس فيه التصريح باليهودي، قالوا أيضًا: ولأن عمر رضي الله عنه توضأ من جرة نصرانية، وقالوا: ولأن الصحابة توضؤوا أو اغتسلوا من إناء يهوديةٍ أو مشركة، حديث عمران بن حصين لكن ليس بالحديث التصريح بأنه صلى الله عليه وسلم وأصحابه توضؤوا أو اغتسلوا، وإنما فيه أنه صلى الله عليه وسلم وأصحابه في غزوةٍ احتاجوا الماء ولم يجدوا ماءً فوجدوا مشركةً فأخذوا من مائها، وأفرغ صلى الله عليه وسلم لأصحابه وأعطى أحدهم قال: اذهب فاغتسل، فدلَّ على أنهم استعملوا هذا الإناء أو هذا الماء في طهارةٍ، إذن الحنابلة رحمهم الله قالوا: مجموع هذه الأدلة تدل على أن هذا الأصل وأن الماء باقٍ على طهوريته؛ لأن الإناء طاهرٌ ولم يتغير هذا الماء بنجس، فيبقى الإناء على طهارته والماء على طهوريته فيستعمل هذا الإناء وقاسوا الثياب على الآنية.

رابط الفقرة 34

القول الثاني: كراهية استعمال آنية وثياب الكفار مجهولة الحال، وهو مذهب الحنفية والشافعية، قالوا بالكراهة، يُكره أن يستعمل المسلم آنية الكفار أو ثياب الكفار إذا جهل حالها.

رابط الفقرة 35

القول الثالث: أنه يحرم استعمال آنية الكفار وثياب الكفار مجهولة الحال، ويجب على من احتاج استعمالها أن يغسلها قبل استعمالها.

رابط الفقرة 36

وأصحاب القول الثاني والثالث يحتجون بحديثٍ واحد لكن منهم من يحمله على الوجوب ومنهم من يحمله على الاستحباب أو نقول منهم من يرى أن من خالفه وقع في التحريم أو وقع في الكراهية وهو حديث أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه وهو في الصحيحين، قال يا رسول الله: «إنَّا بأرض قوم أهل كتاب أفنأكل في آنيتهم؟ -وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عدة أسئلة- فقال له صلى الله عليه وسلم : أما ما ذكرت أنكم بأرض قوم أهل كتاب، فلا تأكلوا في آنيتهم إلا ألَّا تجدوا بُدًّا فإن لم تجدوا بدًا فاغسلوها، وفي رواية فأرحبوها بالماء»() الحديث، قالوا فهذا حديث صحيح صريح في أنه لا يستعمل المسلم آنية أهل الكتاب، فإنه صلى الله عليه وسلم قال: أما ما ذكرتم من أنكم بأرض قوم أهل كتاب فلا تستعملوا آنيتهم إلا أن لا تجدوا بدًا، يعني إلا إذا احتجتموها حاجةً ماسةً أو اضطررتم إلى استعمالها، فحينئذٍ قال: فاغسلوها فدلَّ على أنه لا يستعملها ابتداءً وأنه يتجنبها غاية الإمكان فإن دعت الحاجة إلى استعمالها غسلها قبل الاستعمال، المالكية أخذوا بهذا الحديث وقالوا ظاهره وجوب الغسل وتحريم الاستعمال قبل الغسل، والحنفية والشافعية قالوا باستحباب الغسل وكراهية الاستعمال قبل الغسل، والحنابلة رحمهم الله الذين يرون أن ذلك جائزٌ وأن الأصل الطهارة بلا كراهة يقولون إن هذا ليس في عامة اليهود ولا النصارى وأهل الكتاب، وإنما هو في قومٍ كانوا يستحلون الميتات أو يستعملون النجاسات لكن ليس في الحديث التصريح بذلك بل ظاهر الحديث أنهم قوم أهل كتاب، والله جل شأنه أباح لنا طعام أهل الكتاب فدلَّ على أن أهل الكتاب كالمشركين هنا في أنه يتوقى المسلم استعمال آنيتهم ولباس ثيابهم إلا إذا دعته الحاجة إلى ذلك، فإذا دعته الحاجة فإنه يتوقى احتمال النجاسة بالغسل وهذا هو الأصل وهو البعد عن استعمال آنية وثياب الكفار بل التعايش مع الكفار، الأصل في المسلم البعد عن الكفار وعدم التعايش والاختلاط بهم، لكن إذا اضطر إلى هذا أو ابتلي بهذا نقول لا تستعمل آنيتهم التي قد أكلوا فيها أو شربوا، ولا تلبس ثيابهم التي قد لبسوها حتى تغسلها فتسلم من هذا، والحديث حديث أبي ثعلبة حديث صحيح ولعل هذا هو الأقرب، وهذا يجرنا إلى أنه لا يجوز للمسلم الذي قد سلم من التعايش مع الكفار والبعد عن بلاد الكفار والعيش بين ظهراني الكفار، أنه لا يستقدم كافرًا لخدمته في بيته ولا للعمل معه كسائق ونحوه بل يستقدم من المسلمين وهم كثرٌ بحمد الله في أرض الله فيستقدم من يخدمه في بيته ومن يعينه في مزرعته أو مؤسسته أو شركته من عباد الله المؤمنين الموحدين أهل الديانة، ويتجنب استقدام الكفار فإنه صلى الله عليه وسلم نهى عن استقدام الكفار إلى بلاد الإسلام وجزيرة التوحيد، فلا يحل استقدامهم حتى لو قال بنية دعوتهم، نقول: اتركهم في أرضهم فإن آمنوا لهم الاستقدام وإلا فلا، وإلا فلا تستقدمون لئلا تحتاج أخذ ثوبٍ أو إناءٍ من كافر قد استعمله وتبتلى بهذا.

رابط الفقرة 37

قال رحمه الله : (وَصُوْفُ المَيْتَةِ وَشَعْرُهَا طَاهِرٌ) الميتة: كل حيوان مات حتف أنفه أو مات بدون ذكاة شرعية، هذه الميتة في الشرع، الحيوان الذي مات بدون ذكاة، وجدنا شاة ميتة نقول هذه ميتة حتى الصغير يعرفها قبل الكبير، إذا وجد شاة ميتة ملقاه على الأرض قال هذه ميتة، لكن الحيوان الذي ذكي ذكاة غير شرعية هذا أيضًا في الشرع ميتة وما أكثر الميتات حينئذٍ، كل حيوان ذكي ذكاة غير شرعية، سواء كان من بهيمة الأنعام أو من الدواجن ونحوها، نقول: إذا لم يذكى ذكاة شرعية كالذي يقتل بالصعق ونحوه، نقول: هذا ميتة لا يحل أكله، يقول رحمه الله : إن صُوْفُ المَيْتَةِ وَشَعْرُهَا طَاهِرٌ يعني إذا جُزَّ ولم ينتف، فلو أتينا إلى ميتة فقرضنا صوفها أو شعرها بمقراض نقول طاهرٌ؛ لأنه لم تحله الحياة حتى يحله الموت وينجس بشرط ألا ينتف من أصوله، فإن قطع من أصوله نقول: أصله المرتبط بالجلد هذا نجس، لكن قرضناه بالمقراض قصصناه بالمقص، نقول: هذا طاهرٌ ما دام صوفًا أو شعرًا أو وبرًا فإنه طاهرٌ، فإن قال واحد كيف طاهرٌ وهو حي ثم ماتت؟ نقول: هو لا تحله الحياة من الأصل وإنما ينمو هكذا، بدليل أنه لا يحس الإنسان ولا يتألم بشعره، إذا سحب الشعر تألم من العرق المتصل بالجلد لكن لو مسكت الشعر من الوسط ثم سحبته ما يحس ولا يتألم، وإنما ينمو ومن ثم فإذا قطع الشعر أو جز الصوف من جلد حيوان فإنه طاهر.

رابط الفقرة 38

قال رحمه الله : (وَكُلُّ جِلْدِ مَيْتَةٍ دُبِغَ أَوْ لَمْ يُدْبَغْ فَهُوَ نَجِسٌ وَكَذا عِظَامُهَا) إذن لما بيَّن أن الميتة طاهر صوفها وشعرها ووبرها، بين أن بقية أجزائها نجسة من لحم وعظم وجلد، وهذا لا خلاف فيه، أن الميتة نجسة ومحرمة عظمها ولحمها وجلدها، لكن هل يمكن أن يطهر الجلد أو لا يمكن؟ المؤلف رحمه الله يقول: وَكُلُّ جِلْدِ مَيْتَةٍ دُبِغَ أَوْ لَمْ يُدْبَغْ فَهُوَ نَجِسٌ وَكَذا عِظَامُهَا، نقول: الجلد في الميتة يأخذ حكمها فهو نجسٌ إجماعًا، إذا ماتت الميتة أو ذكيت ذكاة غير شرعية فإن النجاسة تحل في اللحم والعظم والجلد، لكن إذا دبغ هل يطهر أو لا يطهر هذا محل الخلاف، ما هو الدبغ؟ هو عملية تطهير الجلد وتجفيفه سواء كان بالوسائل التقليدية القديمة كالقرض وقشر الرمان ونحوه أو بالوسائل العصرية الحديثة، المقصود أن الجلد هذا إذا طهر وجفف، هل يطهر أو لا يطهر؟ المؤلف يقول إنه لا يطهر، يقول: كُلُّ جِلْدِ مَيْتَةٍ دُبِغَ أَوْ لَمْ يُدْبَغْ فَهُوَ نَجِسٌ، يعني باقٍ على نجاسته حتى لو أنه دبغ، وهذا هو المشهور في المذهب عند الحنابلة رحمهم الله ، أن الدباغة لا تطهر جلد الميتة بل يبقى على النجاسة، ويستدلون على ذلك بحديث عبد الله بن عُكيم عند الإمام أحمد أنه صلى الله عليه وسلم كتب كتابًا في آخر حياته، جاء في بعض الروايات أنه قرأ علينا كتاب النبي صلى الله عليه وسلم قبل وفاته بشهرين، في رواية بشهر، في رواية بثلاثة أيام، وفي رواية مطلقًا، وفيه أي في هذا الكتاب: «إذا أتاكم كتابي هذا فلا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب»(). يقول النبي صلى الله عليه وسلم إذا جاءكم كتابي هذا فلا تنتفعوا من الميتة بإهاب -أي جلد- ولا عصب يعني ولا لحم بل اتركوه، هذا الحديث محل خلافٍ بين أهل العلم في تصحيحه وتضعيفه ذلكم أنه مضطرب في سنده، فإنه تارة عن كتاب وتارة عن مشيخة وتارة عمن قرأ الكتاب، وكذلك في متنه اضطراب فإنه روي مطلقًا وروي مقيدًا بثلاثة أيام وبشهر وبأربعين يومًا وبشهرين، وعلى فرض صحته فإن أهل العلم أو جمهور العلماء قد أجابوا عنه، وسيأتي الجواب عنه على فرض صحته.

رابط الفقرة 39

القول الثاني: أن جلد الميتة يطهر بالدباغة، وهو قول الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة في رواية، إلا أن أصحاب هذا القول اختلفوا في هذا الجلد الذي يطهر يعني اتفقوا على طهارته لكن اختلفوا في نوعه، فذهب بعض أهل العلم إلى طهارة كل الجلود ولم يستثنوا إلا الخنزير وهذا مذهب الحنفية، قالوا: كل جلد ميتة يطهر إلا الخنزير فقط، الشافعية قالوا: كل جلد يطهر إلا الخنزير والكلب، الإمام أحمد رحمه الله جاءت عنه روايات عدة، فالرواية المشهورة التي هي المذهب ما ذكره المؤلف أنه لا يطهر جلد ميتة أبدًا، وروي عنه رحمه الله أنه يطهر جلد كل حيوان طاهر سواء كان مأكولًا أو غير مأكول، فيدخل في هذا بهيمة الأنعام لأنها مأكولة ويدخل الهر لأنه طاهرٌ وهو غير مأكول لكنه طاهر، لقوله صلى الله عليه وسلم في الهرة: «إنَّها لَيْسَتَ بِنَجَسٍ؛ إنَّها مِنَ الطَّوَّافينَ عَلَيْكُمْ والطَّوَّافاتِ»() وهذه الرواية اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية أنه يطهر جلد كل حيوان طاهر، وروي عنه رحمه الله أنه يطهر جلد كل حيوان مأكول فقط، وهذه أيضًا اختارها شيخ الإسلام رحمه الله .

رابط الفقرة 40

إذن عندنا في المسألة أقوال ونحن لا نريد أن نشتتكم في الأقوال، لكنا نقول: من أهل العلم من قال لا يطهر جلد حيوان مطلقًا وهو المشهور في مذهب الحنابلة، ومنهم من قال يطهر ثم هؤلاء الذين قالوا يطهر، منهم من قال يطهر كل حيوان إلا الخنزير، منهم من قال يطهر كل حيوان إلا الخنزير والكلب، منهم من قال يطهر فقط الحيوان الطاهر فيدخل المأكول والحيوان الذي لا يؤكل لكنه طاهر كالهرة، ومنهم من قال لا يطهر إلا جلد المأكول وهذا أضيق دائرة، وهو رواية في المذهب اختارها جمع من المحققين ولعلها الصحيحة، أنه لا يطهر من جلود الحيوانات إلا ما كان ماكولًا حال حياته، ما دليل طهارة الجلد بالدبغ عمومًا وهو دليل الجمهور؟ دليلهم أن النبي صلى الله عليه وسلم وجد شاة ملقية، شاة لميمونة قد ماتت فألقيت، فقال صلى الله عليه وسلم : «هلَّا انتفعتم منها؟ قالوا إنها ميتة، قال: هلَّا انتفعتم بجلدها؟»() [والحديث في الصحيح عند مسلم وأصحاب السنن] وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر: «أيُّما إهابٍ دُبِغ فقد طهُر»() وفي رواية: «إِذَا دُبِغَ الإهَابُ فقَدْ طَهُرَ»() وهذا العموم أخذ به بعض أهل العلم فرأى عمومًا في كل حيوان ولو لم يكن مأكولًا، قالوا: إن عموم أيما إهاب دبغ فقد طهر أو إذا دبغ الإهاب فقد طهر يشمل كل حيوان لكن سيأتينا ما يدل على التخصيص، إذن نقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الصحابة أن ينتفعوا من جلد هذه الشاة الميتة، وقد أقرهم على أنه لا ينتفعون منها بأكل ولا ينتفع من لحمها ولا عظمها، قال: لكن الجلد هلا انتفعتم منه؟ يعني يمكن وهي ميتة أن تأخذوا الجلد وتدبغوه وتنتفعوا به، وقال: «دباغُها ذَكاتُها»() إذا تقرر هذا فإنا نقول الصحيح أن جلد الميتة يطهر، ماذا نفعل بحديث عبدالله بن عكيم؟ وفيه: «إذا أتاكم كتابي هذا فلا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب» نقول: هذا الحديث لا يصلح للاحتجاج به، وعلى فرض صحته فإنه يجاب عنه بأنه ليس في محل البحث، إنما هو في الجلد قبل الدبغ وهذا محل اتفاق فإنه يؤكد المعنى المجمع عليه وهو أن جلد الميتة قبل الدبغ نجسٌ لا يجوز الانتفاع به؛ لأنه قال: «إذا أتاكم كتابي هذا فلا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب» والإهاب: اسم للجلد قبل الدبغ، فإذا دبغ فإنه لا يسمى إهابًا، إذن نقول: هذا الحديث لا إشكال فيه إذا فرضنا صحته وسلَّمنا به فهو يتكلم عن الجلد قبل الدبغ، والجلد قبل الدبغ نجسٌ بالإجماع، جلد الميتة قبل الدبغ نجسٌ بالإجماع، وهذا الحديث يؤكده يقول: «لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب» يعني لا تأكلوا لحمها ولا تنتفعوا بجلدها لكنه في الجلد قبل أن يدبغ، فإذا دبغ فإنه لا يسمى إهابًا، ما الذي يدلنا على هذا ويرشدنا إليه؟ علماء اللغة، فإننا نحتاج إليهم في فهم دلالات الكتاب والسنة، فإذا رجعنا إلى أهل العربية وسألناهم، الإهاب ما هو؟ قالوا الإهاب اسم للجلد قبل الدبغ، فإذا دبغ ما يسمى إهابًا، كذا قاله النضر بن شميل وهو من علماء العربية، قال: الإهاب اسم للجلد قبل الدبغ فإذا دبغ سمي شنًا أو قربة ما يسمى إهابًا وقد دبغ، فمعنى ذلك أنه صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا أتاكم كتابي هذا لا تنتفعوا من الميتة قبل دبغها بشيء» لا بجلدها ولا عصبها ولا شيء، ويدل على هذا من النصوص الشرعية ما تقدم أنه صلى الله عليه وسلم أمر الصحابة أن ينتفعوا من جلد هذه الشاة الميتة، وقال: «أيُّما إهابٍ دُبِغ فقد طهُر» إهاب قبل الدبغ، دبغ تغير، «إِذَا دُبِغَ الإهَابُ -يعني الجلد قبل دبغه- فقَدْ طَهُرَ»، ثم إنه صلى الله عليه وسلم جعل الدباغة ذكاة وهذا نحتاجه كثيرًا، جعل الدباغة ذكاة، بمعنى لو أن هذه الميتة لو ذكيت وهي من بهيمة الأنعام حل أكلها نعم، والانتفاع بلحمها وجميع أجزاءها، فإذا أفلتت نفسها فماتت بدون ذكاة فإن الشارع جعل الدباغة قائمة مقام الذكاة، إذ لو ذكيت لحل أكلها فإذا دبغت حل الانتفاع بجلدها، فجعل الشارع الدباغة قائمة مقام الذكاة، قال: «دباغُها ذَكاتُها» إذا علمنا هذا، فهل الذكاة تنفع في أي حيوان؟ هل يمكن أي حيوان نذكيه يحل؟ يعني لو أتينا بحمارٍ وقلنا باسم الله والله أكبر وذبحناه يحل؟ نقول: لا يحل إجماعًا، فنعود إلى ما هو الحيوان الذي يمكن أن ينتفع منه إذا ذكي؟ أي حيوان إذا ذكيناه ننتفع منه ونأكله؟ مأكول اللحم فقط، وأما غير المأكول، نقول: لو ذكي لا يحل، فجلده لو دبغ لا يطهر؛ لأن الشارع جعل الدباغة قائمة مقام الذكاة ولا يشكل علينا إلا الحيوان الطاهر، أما الحيوان النجس ما يشكل لكن الحيوان الطاهر مثل الهرة طاهرة لكنها غير مأكولة، نقول: لا يشكل علينا ذلك، لماذا؟ لأن الطهارة عللها الشارع بمشقة التحرز منها، قال: «إنَّها لَيْسَتَ بِنَجَسٍ؛ إنَّها مِنَ الطَّوَّافينَ عَلَيْكُمْ والطَّوَّافاتِ» فجعل علة طهارة الهرة كونها تدخل البيوت وتشرب وتأكل بدون إذن، ولا يمكن للناس مهما تقدم عصرهم أن يمنعوها، فهي في كل عصر ومصر هذه عادتها تدخل البيوت والقصور في كل مكان تجوب وتأكل وتشرب، فجعل العلة المشقة في التحرز منها، قال: «إنَّها لَيْسَتَ بِنَجَسٍ؛ إنَّها مِنَ الطَّوَّافينَ عَلَيْكُمْ والطَّوَّافاتِ» هذه العلة في الهرة حال حياتها أو بعد موتها؟ حال حياتها، هي تطوف على الناس ما دامت حية، فإذا فطست وماتت هل تطوف؟ نقول: تنتهي فتزول العلة وتعود إلى الأصل، إذن هي ليست بنجس مادامت تطوف وتدخل البيوت فإذا ماتت نقول تعود إلى أصلها ولا مشقة حينئذٍ فيها، وحينئذٍ نقول ليست بطاهرة بعد موتها فتكون كسائر الميتات، نجسة هي وجلدها ولا يحل شيء منها، أما الحيوان المأكول فإنه إذا ذكي حل أكله وإذا مات بدون ذكاة حل دباغه وجاز دباغه وقامت الدباغة مقام الذكاة، وعندئذٍ فإنا نقول الراجح من أقوال أهل العلم أنه لا يطهر من الجلود إلا جلد الحيوان المأكول، وهذا يجرنا إلى مسألة مهمة وهي أن الناس قد يلبسون من الألبسة ما صنع من نمورٍ وسباعٍ وحيوانات مفترسة، سواءً كان ما يسمى بالجاكيتات أو المحافظ أو الجذم أكرم الله المسجد والحاضرين، نقول: كل هذا يتجنبه المسلم وإذا ابتلي به فلا يصلِ به، لا يصلِ بمصنوع من هذه الجلود، ولو أنها مدبوغة حتمًا ومعالجة ومنقاة ومنظفة، نقول: تبقى على الأصل وهو النجاسة، فالجلد المصنوع من نمر أو من سبع، نقول: نجس لا تصلِ عليه ولا تلبسه في صلاة، نكمل ما بقي ثم نأتي على أسئلتكم إن شاء الله تعالى.

رابط الفقرة 41

قال رحمه الله : (وَكُلُّ مَيْتَةٍ نَجِسَةٌ إِلاَّ الآدَمِيَّ وَحَيَوَانَ المَاءِ الَّذِيْ لا يَعِيْشُ إِلاَّ فِيْهِ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي البَحْرِ: «هُوَ الطَّهُوْرُ مَاؤُهُ، الحِلُّ مَيْتَتُهُ») إذن يقول رحمه الله : إن الأصل في الميتات النجاسة، والله جل شأنه قال: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ ﴾ [المائدة: ٣] هل يستثنى من ذلك شيء؟ قال: إِلاَّ الآدَمِيَّ؛ فإنه ليس بنجس سواء كان مؤمنًا أو كافرًا، أما المؤمن ففي الصحيحين حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سبحانَ اللهِ، إنَّ المؤمنَ لا يَنجُسَ»() حتى لو كان محدثًا حدثًا أكبر، نقول: هذا الحدث ليس بنجاسة وإنما هو وصف معنوي يقوم ببدنه يمنعه من الصلاة والطواف ومس المصحف، إن كان حدثًا أكبرَ يرفعه بالغسل أو بالتيمم وإن كان حدثًا أصغر يرفعه بالوضوء أو بالتيمم ولا يعد نجسًا، وكذلك الكافر فهو نجس الدين والمعتقد وليس نجس البدن، قول الله جل شأنه: ﴿ إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌۭ ﴾ [التوبة: ٢٨] أي في أديانهم، لا في أبدانهم على الصحيحين من قولي أهل العلم خلافًا لمن قال بنجاسة أبدانهم، ولهذا أباح الله الزواج منهن أي الكتابيات.

رابط الفقرة 42

قال رحمه الله : (وَحَيَوَانَ المَاءِ الَّذِيْ لا يَعِيْشُ إِلاَّ فِيْهِ) أيضًا الحيوان البحري الذي لا يعيش إلا في البحر طاهرٌ ولا يحتاج إلى ذكاة لو مات؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في البحر لما سئل وقيل يا رسول الله: إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا قال: «هوَ الطَّهورُ ماؤُهُ الحلُّ ميتتُهُ»() [الحديث رواه الخمسة] فبين صلى الله عليه وسلم أن الماء طهور أي ماء البحر، وهذا سبقت الإشارة إليه، وأفاد السائل بسؤال لم يسأله أجاب عليه وهو لم يسأل عن الميتة لكنه محتاج إليه، سؤاله عن الماء يدل على أنه يحتاج أيضًا معرفة حكم الحيوان أو ما يعيش في هذا البحر من الحيوانات في حال موته بدون ذكاة قال: «الحلُّ ميتتُهُ» بمعنى أنه لا يحتاج إلى ذكاة، هل تغسيل الميت لنجاسته؟ نقول لا، هو أيضًا حدث، الموت حدث وليس بنجسٍ وإنما يغسل لينقَّى وليقدم بين يدي المصلين على أكمل حال، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم : «اغسلن ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا أو أكثر من ذلك إن رأيتن أكثر من ذلك»().

رابط الفقرة 43

قال : رحمه الله (وَمَا لا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةً) إِذَا لَمْ يَكُنْ مُتَوَلِّدًا مِنَ النَّجَاسَاتِ يعني مالا دم له سائل؛ فإن النفس تطلق على الدم، ومنه قيل للمرأة نفاس إذا ولدت لخروج الدم منها، فما لا نفس له سائلة يعني ماله دم سائلٌ يسيل فهو طاهرٌ إذا لم يكن متولدًا من النجاسات، أما إذا تولد من النجاسات فهو نجس كصراصير الكنف، وأما الحيوان الذي لا نفس له كالذباب والبق ونحوه فهذا طاهر، الحشرات هذه طاهرةٌ، وإن كان فيها دم فإن الدم مما تأخذه من الآدميين أو نحوهم إذا لسعتهم، وقد سبقت الإشارة في آخر الدرس الماضي إلى حديث الذبابة حينما ذكرناه في الرد على الزنادقة الذين ينفون أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعقولهم القاصرة، لما ذكرنا حديث العرنين أوردنا هذا الحديث والمؤلف أشار إليه هنا في قوله: وَمَا لا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةً، فما لا نفس له سائلة كالذباب طاهر؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قال إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ولا يمكن أن يأمر صلى الله عليه وسلم بإتلاف الطعام والشراب، أمره صلى الله عليه وسلم بغمسه دليل على أنه طاهرٌ وأنه لا ينجس، وأرشد إلى الحكمة من غمسه أنه ينزل بجناحه الذي فيه الداء فإذا غمس عالج جناحه الآخر جناحه الأول، فإذا غمس أصبح الطعام أو الشراب طاهرًا، إن قال إنسانٌ نفسي تعاف هذا الشراب أو هذا الماء أو هذا الشاي أو هذا العصير الذي وقع فيه الذباب، نقول: لا حرج عليك لكن إياك أن تنفي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لو قال: أنا والله نفسي تعاف أن تشربه، نقول: هل تشك في الحديث؟ قال: لا معاذ الله، أنا أعلم أن الحديث صحيح وفي البخاري ولكني نفسي تعافه أن أشرب هذا، نقول: لا حرج عليك لكن لو قال أبدًا كيف يكون هذا، هذا لا يدخل العقل، نقول اتق الله بنفسك وخف منه أن تخالف هدي رسولك وحديث رسولك صلى الله عليه وسلم الثابت في الصحيح، فإن الحديث في البخاري، هذا ما تيسر في باب الآنية وكنت أظن أن اليوم سنبدأ بباب قضاء الحاجة؛ لأن الباب قصير لكن ربما توسعنا في بعض المسائل نسأل الله التوفيق والتسديد والإعانة، نؤجل ما بقي في الدرس القادم.

رابط الفقرة 44

الحواشي

  1. (1)

    أخرجه البخاري (5426)، ومسلم .(2067)

    العودة إلى موضع الحاشية
  2. (2)

    أخرجه أبو داود (83)، والترمذي (69)، والنسائي (59)، وابن ماجه (386)، وأحمد (8735)، والحديث صححه البخاري في تهذيب التهذيب.

    العودة إلى موضع الحاشية
  3. (3)

    أخرجه البخاري (5634 )، ومسلم .(2065)

    العودة إلى موضع الحاشية
  4. (4)

    أخرجه الدارقطني في سننه (1/114) عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما بلفظ: «من شربَ من إناءِ ذهبٍ أو فضةِ أو إناءٍ فيه شيْءٌ من ذلكَ فإنّما يجرجرُ في بطنهِ نارَ جهن» وقال عنه: إسناده حسن، ولكن قال عنه الذهبي في ميزان الاعتدال (4/406): منكر.

    العودة إلى موضع الحاشية
  5. (5)

    أخرجه البخاري (3109) عن أنس بن مالك رضي الله عنه : «أنَّ قَدَحَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم انْكَسَرَ، فَاتَّخَذَ مَكانَ الشَّعْبِ سِلْسِلَةً مِن فِضَّةٍ، قالَ عَاصِمٌ: رَأَيْتُ القَدَحَ وشَرِبْتُ فِيهِ».

    العودة إلى موضع الحاشية
  6. (6)

    أخرجه البخاري (197) عن عبدالله بن زيد رضي الله عنه قال: «أَتَى رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم ، فأخْرَجْنَا له مَاءً في تَوْرٍ مِن صُفْرٍ فَتَوَضَّأَ».

    العودة إلى موضع الحاشية
  7. (7)

    أخرجه أحمد (13201) عن أنس بن مالك رضي الله عنه «أنَّ يهوديًّا دَعا النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم إلى خُبزِ شَعيرٍ وإهالَةٍ سَنِخةٍ، فأجابَه» والحديث صحح إسناده شعيب الأرناؤوط على شرط مسلم في تخريج المسند.

    العودة إلى موضع الحاشية
  8. (8)

    أخرجه البخاري (5435) عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «كُنْتُ غُلَامًا أمْشِي مع رَسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، فَدَخَلَ رَسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم علَى غُلَامٍ له خَيَّاطٍ، فأتَاهُ بقَصْعَةٍ فِيهَا طَعَامٌ وعليه دُبَّاءٌ، فَجَعَلَ رَسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ قالَ: فَلَمَّا رَأَيْتُ ذلكَ جَعَلْتُ أجْمَعُهُ بيْنَ يَدَيْهِ قالَ: فأقْبَلَ الغُلَامُ علَى عَمَلِهِ، قالَ أنَسٌ: لا أزَالُ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ بَعْدَ ما رَأَيْتُ رَسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَنَعَ ما صَنَعَ».

    العودة إلى موضع الحاشية
  9. (9)

    أخرجه البخاري (5488)، ومسلم .(1930)

    العودة إلى موضع الحاشية
  10. (10)

    أخرجه أبو داود (4128)، والترمذي (1729)، والنسائي (7/175)، وابن ماجه (3613) عن عبدالله بن عكيم الجهني رضي الله عنه قال: «أتانا كتابُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم : أن لا تنتَفِعوا منَ الميتةِ بإِهابٍ ولا عَصبٍ»، والحديث صححه الألباني في صحيح ابن ماجه.

    العودة إلى موضع الحاشية
  11. (11)

    أخرجه أبو داود (75)، والترمذي (92)، والنسائي (68)، وابن ماجه (367)، وأحمد (22580)، والحديث صححه الألباني في إرواء الغليل (173).

    العودة إلى موضع الحاشية
  12. (12)

    أخرجه البخاري (1492) عن عبدالله بن عباس رضي الله عنه قال: «وَجَدَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم شَاةً مَيِّتَةً أُعْطِيَتْهَا مَوْلَاةٌ لِمَيْمُونَةَ مِنَ الصَّدَقَةِ، فَقالَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم : هَلَّا انْتَفَعْتُمْ بجِلْدِهَا؟ قالوا: إنَّهَا مَيْتَةٌ، قالَ: إنَّما حَرُمَ أكْلُهَا».

    العودة إلى موضع الحاشية
  13. (13)

    أخرجه مسلم (366) باختلاف يسير، والترمذي (1728)، والنسائي (4241) واللفظ لهما، والحديث صححه الألباني في صحيح الترمذي.

    العودة إلى موضع الحاشية
  14. (14)

    أخرجه مسلم (366).

    العودة إلى موضع الحاشية
  15. (15)

    أخرجه أبو داود (4125)، وأحمد (20061)، والحديث صححه لغيره شعيب الأرناؤوط في تخريج المسند.

    العودة إلى موضع الحاشية
  16. (16)

    أخرجه البخاري (285)، ومسلم .(371)

    العودة إلى موضع الحاشية
  17. (17)

    أخرجه أبو داود (83)، والترمذي (69)، والنسائي (59)، وابن ماجه (386)، وأحمد (8735)، الحديث صححه البخاري في تهذيب التهذيب (4/42).

    العودة إلى موضع الحاشية
  18. (18)

    أخرجه البخاري (1254)، ومسلم .(939)

    العودة إلى موضع الحاشية