ملفات PDF ١ ملف
النص المقروء
عناوين هذا الدرس
[الدَّرْسُ الخَامِسُ]
رابط الفقرة 1[كتابُ الطَّهارةِ]
رابط الفقرة 2[بَابُ الوُضُوْءِ]
رابط الفقرة 3الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
رابط الفقرة 4أما بعد؛ فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته وحياكم الله في الدرس الخامس من دروس شرح عمدة الفقه للإمام «موفق الدين ابن قدامة رحمه الله » قد انتهينا في الدرس الماضي من باب قضاء الحاجة.
رابط الفقرة 5قال : رحمه الله
رابط الفقرة 6بَابُ الوُضُوْءِ
رابط الفقرة 7لا يَصِحُّ الوُضُوْءُ، وَلا غَيْرُهُ مِنَ العِبَادَاتِ، إِلاَّ أَنْ يَنْوِيَهُ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ : صلى الله عليه وسلم «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى».
رابط الفقرة 8لما فرغ المؤلف رحمه الله من الكلام على باب قضاء الحاجة وذكر فيه الأحكام والآداب التي ينبغي مراعاتها عند قضاء الحاجة، دخل في صلب الموضوع والأهم من هذا الكتاب وهو الوضوء ثم سيعقبه بعد أبواب بالغسل ثم بالتيمم، إذن هذا هو رفع الحدث الذي ذكره في أول كتاب الطهارة، أنها رفع الحدث وزوال الخبث، فرفع الحدث الأصغر يكون بالوضوء أو بالتيمم، والحدث الأكبر يكون بالغسل أو بالتيمم، وهو المقصود الأعظم من كتاب الطهارة، فإن الله جل شأنه وتقدس اسمه أمر عباده إذا قاموا إلى الصلاة أن يتوضؤوا كما في قوله سبحانه: ﴿ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغْسِلُوا۟ وُجُوهَكُمْ ﴾ [المائدة: ٦] الآية، فأمر جل شأنه القائم للصلاة بالوضوء، هل هذا الأمر أمر إيجاب أو أمر استحباب؟ نعم، أمر إيجاب لكل قائم للصلاة لا بد أن يتوضأ؟ أحسنت، إن لم يكن على طهارة، إذن هو أمر إيجاب لمن كان على حدث لمن كان محدثًا فإنه يجب عليه إذا قام إلى الصلاة أن يتوضأ، وأما من قام إلى الصلاة وهو على طهارة فإنه يعد في حقه أمر استحباب، إذن يسن للمتوضئ إذا قام للصلاة أن يتوضأ وسيأتي متى يستحب الوضوء تجديدًا، وأما من كان محدثًا فإن الأمر في حقه أمر إيجاب وإلزام للآية ولقوله صلى الله عليه وسلم : «لا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلاةَ أحَدِكُمْ إذا أحْدَثَ حتَّى يَتَوَضَّأَ»(1) [الحديث متفق عليه].
رابط الفقرة 9قال : رحمه الله (بَابُ الوُضُوْءِ) الوضوء: من الوضاءة وهي النضارة والحسن والجمال والبهاء، وهذا المعنى موجود في الطهارة الشرعية أي الوضوء فإن المتوضئ يكون نضرًا حسنًا بهيًا جميلًا قد نظف ظاهره وباطنه النظافة الحسية والنظافة المعنوية، أما النظافة الحسية فإن المتوضئ يغسل أعضاءه الظاهرة عند كل وضوء فيغسل وجهه ويديه ورجليه ويمسح رأسه وأذنيه، وهذه الأعضاء هي الظاهرة التي ربما أصابها شيء من الوسخ والدنس فإذا غسلها في كل صلاة كان نقيًا طاهرًا نظيفًا في الحس، ولهذا نقول جازمين غير مترددين إن قدم المؤمن المتوضئ أطهر وأنظف من وجه الكافر الذي ربما لا يغسل وجهه في اليوم إلا عند استيقاظه من منامه، أما المسلم المتوضئ فإنه يغسل وجهه ويديه ويمسح رأسه وأذنيه ويغسل رجليه في اليوم ربما أكثر من خمس مرات وهذه طهارة ظاهرة في الحس والعيان، كما أنه طهارة معنوية حيث يطهر الله به العبد من دنس الذنوب والخطايا، وهذا من فضائل الوضوء العظيمة فإن المسلم إذا غسل وجهه خرجت الخطايا مع الماء أو مع آخر قطر الماء، وتأمل الخطايا التي في وجهه في عينيه وأنفه وأذنيه ولسانه، هذه المنافذ العظيمة هي أعظم منافذ الذنوب والخطايا، فيبصر بعينيه ما لا يحل أو يتكلم بلسانه بما لا يحل أو يسمع ما لا يحل أو يشم ما لا يحل، فإذا جاءت الطهارة وجاء الوضوء طهرت هذه الذنوب والخطايا فخرج من ذنوبه نقيًا طاهرًا نظيفًا وهذه عملية تكرار؛ لأن الذنوب أيضًا تتكرر فهو كلما توضأ طهر نفسه ثم جاءت الصلاة فطهرت أيضًا، ولهذا «الصَّلَوَاتُ الخمسُ ، والجُمْعَةُ إلى الجُمْعَةِ ، ورَمَضَانُ إلى رَمَضَانَ : مُكَفِّرَاتٌ ما بينَهُنَّ ؛ إذا اجْتَنَبَ الكبائرَ»(2) ومثّل صلى الله عليه وسلم الصلوات الخمس بمثل النهر الجاري الذي يغتسل منه المسلم كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شيء؟ لا يبقى من درنه(3) فطوبى للمتوضئين المؤمنين المحافظين على هذه الطهارة ﴿ طُوبَىٰ لَهُمْ وَحُسْنُ مَـَٔابٍۢ ٢٩ ﴾ [الرعد] في هذه الدنيا بالطهارة والنضارة والحسن والجمال وتطهير ذنوبهم وتنظيفهم منها، ثم يختم المتوضئ وضوئه بطهارة الباطن بإعلان كلمة التوحيد وشهادة الحق فيكون الجزاء الأوفى والنعيم المقيم بأن تفتح له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء كما جاء عند الإمام مسلم من حديث عمر رضي الله عنه «أنه ما مِنْ مُسلمٍ يتوضأُ فيحسنُ الوضوءَ ثمَّ يقولُ: أشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، إلا فُتِحَتْ لهُ ثمانيةُ أبوابِ الجنةِ يدخلُ مِنْ أيِّها شاءَ»(4) فيا سعادة المتوضئين ويا سعادة عباد الله المؤمنين بهذا النعيم العظيم وهذا الوعد الكريم من رب كريم جل شأنه وتقدس اسمه، إذن هذه الطهارة وهذا هو الوضوء وهذا هو الحسن ثم إن الله يكرم عباده المتوضئين يوم القيامة على رؤوس الأشهاد بأن يخصهم بأوصاف تليق بهم جمالًا وحسنًا وبهاءً ونضارةً في وجوههم وأيديهم، كما جاء في الصحيح قول النبي صلى الله عليه وسلم : «إنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يومَ القيامةِ غُرًّا مُحجَّلينَ من آثارِ الوُضُوءِ»(5) هذه آثار اختص الله بها أمة محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، بأنهم يوم القيامة يعرفون من بين الأمم بأنهم أمة محمد الذين أجابوه على دينه وتوضؤوا وصلوا وحافظوا على الصلوات، وهذا هو الصحيح من أقوال أهل العلم في مسألة الوضوء، هل هو من خصائص هذه الأمة أو أن الفضل هو من خصائصهم فقط؟ الصحيح أن هذه الأمة اختصت بهذا الفضل العظيم وإلا فإن الوضوء معروف في الأمم السابقة، كانوا يتوضؤون وكانوا يصلون لكن هذه الأمة آخر الأمم وأشرفها عند الله، اختصها بعظيم الفضائل والخصائص ومنها هذه الخاصية وهذا الفضل والشرف.
رابط الفقرة 10يقول رحمه الله مبتدئًا باب الوضوء: (لا يَصِحُّ الوُضُوْءُ، وَلا غَيْرُهُ مِنَ العِبَادَاتِ، إِلاَّ أَنْ يَنْوِيَهُ) إذن بدأ ببيان أعظم شرط من شروط الوضوء وهو النية، والنية: هي القصد، يقال نواك الله بخير إذن قصدك به وهي عزم القلب على فعل الشيء، إذن لا تصح الطهارة بأنواعها، لا رفع الحدث الأصغر بالوضوء ولا رفع الحدث الأكبر بالغسل ولا بالتيمم فيهما إلا بنية، وهذه النية عمل قلبي لا يحتاج إلى تلفظ ولا تحدث ولا تكلم وإنما محلها القلب باتفاق أهل العلم، ولهذا لا يشرع التلفظ بها، فلا يقول اللهم إني نويت الوضوء أو نويت أن اغتسل أو نويت التيمم أو أردت التيمم أو أردت الوضوء أو أردت الغسل، نقول الله يعلم ما في قلبك، وهل يشرع التلفظ بالنية بشيء من العبادات أو لا يشرع في سائر العبادات؟ نعم، يشرع في الحج والعمرة نعم؟ لا يشرع أبدًا يشرع؟ أين؟ بالعمرة، في العمرة ماذا يقول؟ لبيك اللهم عمرة، هذا تلفظ بالنية؟ نعم لا يشرع، أحسنتم الصحيح أنه لا يشرع التلفظ بالنية في العبادة مطلقًا لا في الطهارة ولا في الصلاة ولافي الزكاة ولا في الصيام ولا في الحج ولا في النسك ولا في الأضحية ولا في غير ذلك أبدًا، وهذا الذي عليه المحققون من أهل العلم؛ لأن الله جل شأنه لم يأمرنا بذلك، بل قال جل شأنه وتقدس اسمه: ﴿ قُلْ أَتُعَلِّمُونَ ٱللَّهَ بِدِينِكُمْ ﴾ [الحجرات: ١٦] فالمتلفظ بالنية يعلم من ويخبر من؟ الله يعلم ما في قلبك وما خطر في بالك وعزمت عليه وقصدته، الله مطلع عليه وعالم به فلا حاجة أن تتلفظ به ثم إنه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم لم يتلفظ بالنية قط ولم يرد عنه ذلك قط لا في حديث صحيح ولا ضعيف، لا مسند ولا مرسل أبدًا، لم يرد عنه قط أنه تلفظ بالنية في طهارة ولا صلاة ولا حج ولا عمرة، بعض أهل العلم قالوا كما ذكر بعض الأخوة، يتلفظ بالنية عند النسك ولهذا تجدهم يقولون رحمهم الله من الفقهاء الذين يرون هذا؟ يقولون في الحج مثلًا إذا أراد الحج ينوي ويقول: اللهم إني أريد نسك كذا ويسميه فيسره لي وتقبله مني، نقول: هذا ليس بمشروع وإنما المشروع التلبية بالحج أو بالعمرة ويضمن تلبيته النسك الذي يريد لكن ليس بلفظ نية ولا قصد وإنما يقول لبيك عمرة أو اللهم لبيك عمرة أو لبيك عمرة وحجًا أو اللهم لبيك عمرة وحجًا أو لبيك حجًا أو اللهم لبيك حجًا وليس فيه ذكر للنية البتة، ولهذا لما جاءت بضاعة بنت الزبير تريد الحج وهي وجعة لم يقل لها صلى الله عليه وسلم قولي اللهم إني أريد الحج فيسره لي وتقبله مني وإن حبسني حابس، قال لها أتريدِ الحج؟ قالت: نعم لكني وجعه، قال حجي واشترطي فإن لك على ربك ما استثنيتِ، فأرشدها إلى الاشتراط ولم يقل لها قولي إني نويت الحج أو أريد الحج، ولما جاء علي رضي الله عنه والنبي صلى الله عليه وسلم قد سبقه وأهلّ بالحج قبل مقدم علي، قال له النبي صلى الله عليه وسلم : بما أهللت؟ يعني بم أحرمت؟ فسأله عن بما أهل من الأنساك؟ وهذا يأتي بيانه مفصلًا بإذن الله تعالى في كتاب الحج لكنا نقول هنا أنه لا يشرع التلفظ بالنية مطلقًا لا في العبادات كلها لا في الطهارة ولا غيرها لا نطقًا ولا سرًا؛ لأن من أهل العلم من قال يستحب النطق بها سرًا، نقول: أبدًا لا سرًا ولا جهرًا لا ينطق بها بل هي في قلبه، ولهذا قالوا لو نطق فخالف بلفظ لسانه ما في قلبه فالعبرة بما في القلب، إذن نقول من البداية لم ينطق؟ لم يخالف هدي النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم؟ اشتهر من بعض المسلمين التلفظ بالنية ربما في الصلاة أكثر وتجدهم قبل أن يكبر الواحد منهم يتمتم بكلمات يسمعها من بجواره، فيقول مثلًا نويت أن أصلي الظهر مأمومًا أربعًا أو نحو ذلك من العبارات الدارجة على ألسنتهم، وهذا كله بدعة وكل بدعة ضلالة، والنبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم يقول: «مَن أحْدَثَ في أمْرِنا هذا ما ليسَ منه فَهو رَدٌّ»(6) «مَن عَمِلَ عَمَلًا ليسَ عليه أمْرُنا فَهو رَدٌّ»(7) وقد اشتد نكير الأئمة على هؤلاء؛ لأنهم عاصروهم وسمعوهم يتلفظون بالنية ويتكلمون بها قبل الصلاة حتى جاء عن شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله قوله: إنه ينبغي تعذيره تأديبه، الذي تلفظ بالنية قبل الصلاة؛ لأنه مبتدع في دين الله ولأنه مشوش على عباد الله، إذن النية لابد منها لكن محلها القلب فلا يتلفظ بها.
رابط الفقرة 11قال رحمه الله : (لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ : صلى الله عليه وسلم «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى»(8)) هذا الحديث المشهور المخرج في الصحيحين من حديث الفاروق عمر رضي الله عنه وهو من أعظم الأحاديث شانًا، ولهذا صدر كثير من الأئمة به كتبهم وجعلوا مدار الدين عليه وعلى أحاديث مثله، كحديث عائشة المتقدم «مَن أحْدَثَ في أمْرِنا هذا ما ليسَ منه فَهو رَدٌّ» فإن هذا الحديث أعني حديث عمر يتكلم عن الركن الركين المتعلق بالقصد والنية والإخلاص، وحديث أم المؤمنين عائشة يتكلم عن الركن الثاني لقبول العمل وهو الموافقة لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولشرعه ودينه ولا يقبل عمل إلا إذا تحقق فيه الإخلاص والمتابعة، ما المقصود بالنية وما المراد بها؟ نقول النية يقصد بها أحد أمرين إما تمييز العادة عن العبادة وإما تمييز رتب العبادة.
رابط الفقرة 12إذن النية لا تخرج عن هذين القصدين، إما أن الإنسان يميز بها عادته عن عبادته وذلك أن العبادة لا يميزها أحيانًا إلا القصد بالقلب، مثال ذلك: الصيام الذي هو الإمساك عن المأكول والمشروب والمفطرات، قد يمسك الإنسان من قبل الفجر إلى بعد الغروب حمية أو لاختبار جهد القلب كما يطلب الآن من بعض المرضى أنه يمسك عن الطعام والشراب أربعة عشر ساعة في هذه الأيام أكثر من اليوم، فيمسك من قبل الفجر إلى مثلًا بعد المغرب لكن بنية التحليل أو الحمية، هل هذا صيام شرعي؟ نقول لا أبدًا، هل يؤجر عليه؟ نقول أبدًا؛ لأنه لم ينوه، ولهذا الصيام الشرعي هو إمساك بنية، والجلوس في المسجد قد يكون بنية انتظار الصلاة فهو رباط، وهو في صلاة ما حبسته الصلاة وانتظرها وقد يجلس في مجلس علم فيثاب وقد يجلس فيه بنية اعتكاف فيثاب أيضًا وقد يجلس مجرد راحة واستراحة، وهكذا في كل فعل يمكن أن يكون عاديًا وممكن أن يكون عبادة بل عادات المؤمن الموفق كلها بفضل النية تتحول إلى عبادات وطاعات وقربات، أكله وشربه ونومه كل ذلك إذا أحسن فيه القصد صار عبادات، ولهذا الموفق حياته كلها طاعة وكلها قربة بفضل إيش؟ بفضل النية ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ١٦٢ ﴾ [الأنعام] فالعبد حينما ينام -وكل الناس ينامون- ينام بنية أن يستيقظ آخر الليل فيتهجد أو بنية أن يقوم لأداء الفريضة ثم يطلب العلم إن كان طالب علم أو يبحث عن الرزق والتكسب، نقول: هذه النية تجعل نومته طاعة وعبادة وهو حينما يأكل -وكل الناس يأكلون ويشربون- يقصد بهذا الأكل التقوي على الطاعة والنشاط فكذلك يؤجر، وكذلك في جماع زوجه حينما يجامع زوجته يعفها ويقصد الإعفاف ويقصد النسل الطيب يؤجر على ذلك، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم : «وفي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، قالوا: يا رَسولَ اللهِ، أَيَأتي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكونُ له فِيهَا أَجْرٌ؟ قالَ: أَرَأَيْتُمْ لو وَضَعَهَا في حَرَامٍ، أَكانَ عليه فِيهَا وِزْرٌ؟ فَكَذلكَ»(9) فكذلك النفقة، كثير من الناس اليوم يتبرم ويتضجر من النفقة على أهله؛ لأنه يحسبه واجب بدون أجر لكن لو أحسن القصد وأحسن النية أجر على كل ريال ينفقه على زوجه وولده بل أن نفقته على أهله أعظم النفقات وأعظم أبواب الأجور، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم : «إنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بهَا وجْهَ اللَّهِ إلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا، حتَّى ما تَجْعَلُ في فَمِ امْرَأَتِكَ»(10) فإذا أحسن العباد القصد كانت حركاتهم وسكناتهم وأفعالهم وتروكهم كلها في باب الأجور وباب الحسنات.
رابط الفقرة 13الأمر الثاني: التمييز بين رتب العبادة، فإن العبادة منها ما هو فرض ومنها ما هو مسنون وتطوع، ما الذي يميز؟ هذا الأخ الآن يصلي ركعتين وربما كان هذا وقت الصلاة مثلًا في الفجر فلا ندري، ما الذي يميز هاتان الركعتان؟ عن كونها فريضة أو نافلة راتبة، تحية مسجد، إلا ما وقر في قلبه وقصده ونواه، فقد يصلي ركعتين بنية سنة الوضوء وقد تكون بنية راتبة أو تحية مسجد أو فريضة أو صلاة جمعة أو صلاة عيد أو صلاة كسوف أو صلاة استسقاء كلها ركعتين، ما الذي يميز هذا؟ النية التي تكون في قلبه، وكذلك الصيام قد يصوم بنية رمضان أداء أو رمضان قضاء أو نذر أو كفارة أو تطوع، ما الذي يميز هذا كله؟ النية.
رابط الفقرة 14إذن شأن النية عظيم وهي شرط كما قال لطهارة الأحداث كلها، فلا وضوء ولا غسل ولا تيممًا إلا بنية، كيف ينوي الوضوء؟ نقول: ينوي بقلبه رفع الحدث، هو محدث والحدث أمر معنوي، وصف يقوم بالبدن يمنع من الصلاة ومس المصحف والطواف بالبيت فإذا نوى بقلبه رفعه وتوضأ ارتفع، إذن نية الوضوء أن ينوي بقلبه ويقصد رفع الحدث فيرتفع كل حدث بهذا الوضوء من الأحداث الصغرى، وإذا اغتسل عليه أحداث صغرى وكبرى ونوى رفع الحدث وأطلق ارتفع بغسله كل حدث أكبر أو أصغر، وكذلك تكون نية الوضوء بأن ينوي فعلًا مما تشترط له الطهارة فإذا نوى الوضوء للصلاة، نقول: ارتفع حدثه، نوى الوضوء لمس المصحف ارتفع حدثه، نوى الوضوء للطواف بالبيت ارتفع حدثه، كما أن النية تكون أيضًا بأن يقصد ما تسن له الطهارة، أراد أن ينام السنة أن ينام على طهر، أراد أن يجلس في المسجد السنة أن يبقى على طهارة، أراد أن يذكر الله تعالى، أن يقرأ القرآن ولو عن ظهر قلب، غضب، كل هذا مما يسن له الطهارة، فإذا توضأ لواحد من هذه الأفعال التي تُسن لها الطهارة نقول ارتفع الحدث، إنسان أصابه غضب فتوضأ ثم دخل وقت الصلاة، قال: أنا متوضئ قبل قليل للغضب، أسكن الغضب، نقول: ارتفع حدثك، آخر توضأ لينام ثم اضطجع وتململ في فراشه ولم يأتيه النوم، فقال: لعلي أتهجد قبل أن أنام أخشى أني لا استيقظ ثم حك في نفسه سؤال، قال: أنا ما توضأت لأصلي، نقول: أنت توضأت لماذا؟ قال توضأت لأنام، نقول: أتوضأت للنوم؟ هذا وضوء سنة ومثله كل وضوء مسنون فيكون حدثك ارتفع، إذن نية الوضوء أن ينوي رفع الحدث أو ينوي فعلًا تشترط له الطهارة أو ينوي فعلًا تسن له الطهارة، فإذا نوى واحد من هذه النيات وهذه المقاصد ارتفع حدثه وصلى لكن لو قصد بوضوئه التبرد، إنسان يحس بالعرق والزهق فغسل وجهه ويديه وربما غسل يديه إلى إبطيه وغسل قدميه على هيئة الوضوء لكنه زود فيها للتبرد هو يحس بالعرق والحر، فقال: أنا توضأت للتبرد ثم أذن المؤذن، هل يصلي بهذا الوضوء؟ نقول ليس لك إلا ما نويت، للحديث يقول صلى الله عليه وسلم : « إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» أنت نويت التبرد فقط فلا يحصل لك إلا التبرد، ولو أن مسلمًا أراد أن يتوضأ ليعلم صغيرًا الوضوء، عنده صغير قال له تعال أعلمك كيف الوضوء قلدني وحاكي فعلي، فتوضأ الكبير فغسل وجهه وتمضض واستنشق وهذا الصغير يقلده ثم غسل يديه ثم مسح رأسه ثم غسل رجليه والصغير يقلده أو مسلم جديد أسلم للتو فاحتاج من يعلمه الوضوء فجاء هذا المسلم وأحسن إليه بأن علمه الوضوء بالمحاكاة والطريقة والتقليد ثم أذن المؤذن، فقال: أنا توضأت قبل قليل لأعلم هذا المسلم الجديد أو لأعلم صغيري الوضوء، فهل لي أن أصلي بهذا الوضوء؟ نقول: هل نويت مع تعليمه رفع الحدث؟ قال لا، نقول: ليس لك إلا ما نويت، تؤجر على وضوءك هذا للتعليم لكن لم يرتفع حدثك؛ لأنك لم تنوي رفعه، إذن لابد من النية، والنية كما ذكرت إما أن ينوي رفع الحدث أو ينوي فعلًا تشترط له الطهارة أو ينوي فعلًا تسن له الطهارة، وأما إذا نوى مجرد التبرد أو التعليم ونحوه فإنه لا يرتفع حدثه بذلك.
رابط الفقرة 15قال : رحمه الله (ثُمَّ يَقُوْلُ: بِسْمِ اللهِ) إذن ينوي والنية شرط ثم يسمي، والتسمية محل خلاف عند أهل العلم، المشهور عند الحنابلة أنها واجبة، والقول الثاني وهو مذهب جماهير العلماء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة في الرواية الثانية أنها سنة وهذا هو الصحيح، أن التسمية سنة مع الذكر فلا يتركها إذا ذكرها لكنه لو نسيها صح وضوئه، حتى القائلين بالوجوب يقولون إنها واجبة مع الذكر إذا ذكرها وجبت وإذا نسيها سقطت، ما دليل وجوبها عند القائل بالوجوب؟ حديث أبي هريرة: «لا صلاةَ لَمن لا وضوءَ لَهُ ، ولا وُضوءَ لمن لَم يذكُرِ اسمَ اللَّهِ عليهِ»(11) [هذا الحديث خرجه أصحاب السنن] ولأهل العلم فيه كلام طويل ما بين محسن ومضعف، والإمام أحمد تركه لعدم صحته عنده لكن على فرض صحته فإنه يدل على السنية والاستحباب، ولهذا نقول ذهب جماهير أهل العلم إلى أن التسمية سنة أخذًا بهذا الحديث، وبأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسمي في وضوئه وأخبر أن كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالبسملة فهو أبتر(12) أي ناقص، ولهذا لم يختلف أهل العلم في مشروعية التسمية وفي سنيتها وإنما الخلاف هل تجب أو لا تجب؟ والصحيح عدم الوجوب لكن هل يظن بمسلم أنه يترك التسمية لأنها سنة؟ يعني مسلم الآن أراد الوضوء يقول أنا ماني مسمي لأنها سنة، هل يظن هذا؟ نعم، نقول: ما نظن بالمسلم ذلك، الأصل في المسلم أنه يحرص على السنن، وقد يتركها وليست بواجبة لكن الأصل أنه ما يترك سنة لكونها سنة وهذا المعروف عند أهل الإيمان وأهل الإسلام أنهم يحرصون على تتبع السنن، ولهذا بعض العوام أفقه من بعض المتعلمين اليوم، تجده يحرص على كل مأمور ويبعد عن كل محظور ومنهي عنه، فلو قيل له: هذا سنة، قال: الحمد لله ولو سنة أبرك ساعة، يحافظ على السنن ويحرص عليها ويعتب على الذين يتركون السنن، أما بعض المتعلمين من المتأخرين فربما ضره فقهه تجده يترك السنن، يقال له: فلان أُراك ما تفعل هذا؟ قال: سنة -سبحان الله- يعني كونه سنة سبب إنك تتركه، ويقال له: أُراك تفعل هذا؟ قال: هذا مكروه أو هذا مختلف فيه، نقول: الفقه العظيم أنك تحرص على السنن لكننا لا نقول بوجوبها وتأثيم تاركها وإلا لنقلناها من السنة إلى الواجب لكننا نقول: المؤمن يحرص على السنن، ولهذا في باب الوضوء، نقول: حتى الذين يرون أنها واجبة يقولون تسقط إذا نسيها، فاتفق القولان في أهميتها وأنه لا ينبغي لمن ذكرها أن يتركها لكن إذا نسيها وفرغ من وضوئه، نقول: وضوئه صحيح عند الجميع، إذا ذكرها في أثناء الوضوء فهل يستأنفه أو يكمل؟ قولان أصحهما أنه يكمل من حيث وصل ولا يستأنف بل يقول: بسم الله ويمضي في وضوئه، إذن التسمية في الوضوء سنة وكذا في الغسل والتيمم والخلاف فيها هنا مثله هناك، فالذين يرون وجوب التسمية في الوضوء يرون وجوبها في الغسل وفي التيمم، والصحيح أنها سنة في الجميع ويقتصر على قول بسم الله ولا يكملها بسم الله الرحيم؛ فإن ذلك غير مسنون ولا مشروع وفي كل نظير مثل الدخول للخلاء والخروج منه دخول المسجد والخروج منه والأكل والشرب والجماع كل ذلك يقال فيه بسم الله، وإنما يقال بسم الله الرحمن الرحيم في المكاتبات والمراسلات ونحوها.
رابط الفقرة 16قال رحمه الله : (وَيَغْسِلُ كَفَّيْهِ ثَلاثًا) غسل الكفين قبل الوضوء إما أن يكون واجبًا وإما أن يكون مسنونًا، فمتى يكون واجبًا؟ مر بنا نعم، إذا استيقظ من نوم مستغرق أو من نوم ليل فإنه يجب عليه غسل كفيه قبل أن يغمسهما في الإناء لحديث أبي هريرة المتقدم « إذا اسْتَيْقَظَ أحَدُكُمْ مِن نَوْمِهِ، فلا يَغْمِسْ يَدَهُ في الإناءِ حتَّى يَغْسِلَها ثَلاثًا؛ فإنَّه لا يَدْرِي أيْنَ باتَتْ يَدُهُ»(13) وقد تقدم بيان ذلك وقلنا إنه تعبدي وأنه لو غمس الماء على حاله لكنه لا يجوز له أن يغمس يديه، أما إذا لم يستيقظ من نوم كمن ذهب الآن للوضوء لصلاة العشاء فإنه يسن في حقه أن يغسل كفيه ثلاثًا؛ لحديث عثمان رضي الله عنه «أنه -أي عثمان- غسل كفيه قبل وضوئه ثلاثًا وأخبر أنه هكذا رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم »(14) بل كل من نقل وضوء النبي صلى الله عليه وسلم وهم جملة من الصحابة كعثمان و علي وعبد الله بن زيد وغيرهم، نقلوا أنه كان يغسل كفيه قبل أن يتوضأ فهي سنة مجمع عليها ولها حكمة ظاهرة بينة؛ فإن اليدين أو الكفين آلة نقل الماء إلى الأعضاء فإذا غسلهما تيقن طهارتهما ونظافتهما، فإن كان عليهما نجاسة زالت وإن كان عليهما قذر ودنس ووسخ زال، فإذن يسن للمسلم أن يغسل كفيه قبل أن يتوضأ ثلاثًا.
رابط الفقرة 17قال رحمه الله : (ثُمَّ يَغْسِلُ وَجْهَهُ ثلاثًا مِنْ مَنَابِتِ شَعَرِ الرَّأْسِ إِلَى مَا انْحَدَرَ مِنَ اللَّحْيَيْنِ وَالذَّقَنِ وَإِلَى أُصُوْلِ الأُذُنَيْنِ وَيُخَلِّلُ لِحْيَتَهُ إِنْ كانت كَثِيْفَةً، وَإِنْ كانت تَصِفُ البَشَرَةَ لَزِمَهُ غَسْلُهَا)، قال رحمه الله : (ثُمَّ يَتَمَضْمَضُ وَيَسْتَنْشِقُ ثلاثًا يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِغَرْفَةٍ أَوْ ثَلاثٍ) إذن ذكر رحمه الله أنه بعد أن ينوي ويسمي ويغسل كفيه يتمضمض ويستنشق، والمضمضة والاستنشاق من فروض الوضوء ومن غسل الوجه وبدأ بهما؛ لأن السنة أن يبدأ بهما قبل غسيل الوجه، والحكمة في ذلك، أولًا أنه فعل صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم فقد كان يتمضمض ويستنشق قبل غسل وجهه، ثم أيضًا فيها فائدة التعرف على الماء من حيث طعمه ولونه ورائحته فإنه إذا طعم وتمضمض واستنشق عرف هذا الماء لا سيما إذا كان فيه أدنى شك فإنه إذا تمضمض واستنشق عرف أن الماء متغير أو غير متغير، قال رحمه الله : (ثُمَّ يَتَمَضْمَضُ وَيَسْتَنْشِقُ ثلاثًا يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِغَرْفَةٍ أَوْ ثَلاثٍ) ثبت في الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم «تمضمض واستنشق ثلاثًا ثلاثًا من كف واحدة بغرفة واحدة»(15) وثبت في الصحيحين أيضًا «أنه تمضمض واستنشق ثلاثًا ثلاثًا من ثلاث غرفات»(16) وهذا سهل ميسور وهو أن يأخذ المسلم كفًا من ماء فيقسمها بين فمه وأنفه فيتمضمض بنصفها ويستنشق ويستنثر بالنصف الآخر ويكرر هذا بكف ثاني أو ثالث هذا ميسور ويقدره كل أحد، وقد ثبت في الصحيح لكنه ثبت في الصحيحين أيضًا أنه صلى الله عليه وسلم «تمضمض ثلاثًا واستنشق ثلاثًا من كف واحدة من غرفة واحدة»(17) هذا ثابت في الصحيحين، وأكثر الناس اليوم لا يفعله إما جهلًا أو عجزًا، فيقول بعض الناس: كيف اتمضمض ثلاثًا ثلاثًا من كف واحدة؟ نقول: نعم، كان يفعله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، أما المضمضة والاستنشاق ثلاثًا ثلاثًا بست غرفات فلم يجيء فيه حديث صحيح وهو ربما فعله كثير من الناس يتمضمض كل مضمضة بكف أو غرفة وكل استنشاق بغرفة يجمعها ست غرفات، نقول: هذا لم يجيء ولم يثبت عنه صلى الله عليه وسلم في حديث صحيح البتة كما حقق ذلك العلامة ابن القيم، إذن أنت إما ثلاث مرات تتمضمض وثلاث تستنشق من ثلاث غرفات أو من غرفة واحدة وجاء أيضًا من غرفتين، وهل في الغرفتين يتصور الوصل والفصل لكن الوصل هو الوارد عنه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، ما حكم المضمضة والاستنشاق؟ نقول: المضمضة والاستنشاق مما اختلف فيه أهل العلم خلافًا كبيرًا، اختلف أهل العلم المضمضة والاستنشاق على ثلاثة أقوال:
رابط الفقرة 18القول الأول: أنهما فرضان في الوضوء والغسل وهو مذهب الحنابلة، وقد انفردوا من بين الأئمة بهذا القول.
رابط الفقرة 19القول الثاني: أن المضمضة والاستنشاق سنتان في الوضوء والغسل وهو مذهب المالكية والشافعية.
رابط الفقرة 20القول الثالث: وهو وسط بين القولين إن المضمضة والاستنشاق فرضان في الغسل وسنتان في الوضوء وهو مذهب الحنفية.
رابط الفقرة 21هذه المسألة لشهرتها نذكر فيها الخلاف لا بأس، وإن كان بحمد الله عامة المسلمين المتوضئين يتمضمضون ويستنشقون حتى على القول بأنها سنة ما نعلم أحدًا يتركها لكن نقول إن الخلاف فيها وارد وواقع، المؤلف بدأ بذكر المضمضة والاستنشاق ثم قال: (ثُمَّ يَغْسِلُ وَجْهَهُ ثلاثًا) والله جل شأنه بدأ بذكر الوجه في أول آية الوضوء: ﴿ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغْسِلُوا۟ وُجُوهَكُمْ ﴾ [المائدة: ٦] والفم والأنف في الوجه أو خارج الوجه، نعم؟ في الوجه باتفاق العقلاء حتى الصغار لو تقوله فمك وأنفك أين؟ قال في الوجه لكن هل لها حكم ظاهر الوجه أو باطن الوجه؟ وعلى هذا ينبني الخلاف الآن ونعرف أي الأقوال هو الصواب، هل الفم والأنف تأخذ حكم الظاهر أو حكم الباطن نعم؟ حكم الظاهر نعم؟ حكم الظاهر نعم؟ حكم الظاهر، حكم الظاهر، أحسنتم جميعًا، إذن لها حكم الظاهر، كيف نقول لها حكم الظاهر؟ نقول لهؤلاء المخالفين من الأئمة وأتباعهم على مر العصور والدهور، تعالوا ندرس المسألة دراسة علمية من خلال آية المائدة لو لم يرد إلا قول الله جل شأنه: ﴿ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغْسِلُوا۟ وُجُوهَكُمْ ﴾ أليس غسل الوجه واجب؟ يقول الجميع: بلى بلا خلاف لأن الله أمر به، طيب هل الفم والأنف لها حكم ظاهر الوجه؟ فتغسل وجوبًا أو لها حكم الباطن فلا تغسل؟ نقول: بل لها حكم الظاهر حتى المخالفين سنلزمهم بذلك؛ لأنهم يتفقون معنا على أن لها حكم الظاهر في مسائل أخرى غير المضمضة والاستنشاق، في المضمضة والاستنشاق يخالفون رحمهم الله لكننا نقول: ألستم تعطون الفم حكم الظاهر في مسائل أخرى؟ مثل لو وضع الصائم طعامًا في فمه أو شرابه ثم لفظه ومجه، هل يفطر؟ لا يفطر إجماعًا، صائم تمضمض أو وضع طعام في فمه أو شراب ثم لفظه ولم يصل إلى جوفه شيء لا يفطر لو كان للفم حكم الباطن لأفطر؛ لأنه لو وصل إلى جوفه شيء وجب عليه الفطر، والعكس بالعكس لو أنه استقاء هذا الصائم وضع إصبعه في فمه أو عصر بطنه أو شم شيئًا يستقيء بشمه فوصل الطعام أو الشراب إلى فمه ثم بلعه، هل يفطر؟ نقول: يفطر إجماعًا أيضًا لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من ذرعَهُ القيءُ فليس عليه قضاءٌ، ومن استقاءَ عمدًا فليقضِ»(18) وهذا يصدق عليه أنه استقاء، قال: أنا ما خرج إلى خارج الفم، نقول: بمجرد أن القيء وصل إلى فمك فكأنه خرج إلى الظاهر، ولهذا كونك تعيده ما يفيدك ستقضي هذا اليوم وإعادته ضرر صحي ما كان ينبغي لك أن تعيده ما دمت استدعيته حتى وصل إلى فمك الفِظْهُ وستقضي هذا اليوم ما دمت فعلت ذلك قصدًا واختيارًا، فدل على أن الفم يأخذ حكم الظاهر فكأنه أخرجه، نقول: بمجرد استدعاء القيء وخروجه من الجوف إلى الفم كأنه خرج، كذلك لو أن صبيًا التقم ثدي امرأة ورضع منها خمس رضعات أو قل عشر رضعات في الحولين لكنه يجمع اللبن والحليب في فمه فإذا أخرجت الثدي لفظة ولم يصل إلى أمعائه شيء منه، هل يعد ابنًا لها من الرضاعة؟ لا يعد ابنًا لها من الرضاعة مع أنه وصل إلى الفم فدل على أن الفم يأخذ حكم الظاهر لكن لو وصل إلى جوفه عُد ابنًا لها من الرضاعة وانتشرت المحرمية بهذه الرضاعة كذلك لو أن انسانًا أخذ جرعة خمر ووضعها في فمه ثم مجها ولم يشربها، هل يقام عليه الحد؟ لا يقام عليه الحد لكن يُعَذّر لمجرد اقتناء الخمر يعذر، فكيف إذا وضعها في فيه؟ ولو أن الفم له حكم الباطن لكان بمجرد أن يصل إلى فمه يقام عليه الحد؛ لأنه وصل الجوف لكنه لا يقام عليه الحد بلا خلاف، فهذه المسائل الأربع وغيرها، أيضًا النجاسة إذا كانت في الفم تختلف، فنقول: هذه المسائل ذكرها الفقهاء أو الحنابلة على سبيل الإلزام لغيرهم، يقولون: أنتم أيها الحنفية والمالكية والشافعية تعطون الفم حكم الظاهر في هذه المسائل فيلزمكم أن تعطون الفم حكم الظاهر في آية الوضوء فتغسلون أفواهكم وأنوفكم بما يسمى المضمضة والاستنشاق هذا لو لم يرد إلا هذه الآية، لو لم يرد في الوضوء إلا آية الوضوء لكن كيف والسنة مبينة للوضوء بفعله صلى الله عليه وسلم وقوله وقد أمر بالمضمضة والاستنشاق وفعلها بل لم يخل بها صلى الله عليه وسلم في وضوء قط، كل الذين نقلوا وضوء النبي صلى الله عليه وسلم ذكروا أنه تمضمض واستنشق بل جاء الأمر الصريح الصحيح في ذلك قال صلى الله عليه وسلم : «بالِغْ في الاستنشاقِ إلَّا أنْ تكونَ صائمًا»(19) قال: «إذا تَوضَّأَ أحدُكُم فلْيجعلْ في أنفِهِ ماءً ثمَّ لِينتَثِرْ»(20) فأمر صلى الله عليه وسلم بالمضمضة والاستنشاق وأمر بالمبالغة فيها لغير الصائم وأمر بالانتثار والاستنشاق في غير ما حديث، ففعله صلى الله عليه وسلم مفسر لآي القرآن، هو الذي فسر لنا آية الوضوء وامتثل صلى الله عليه وسلم فتوضأ وتمضمض واستنشق ولم يخل به بل أمر به فدل على فرضيته، الذين يرون أن المضمضة والاستنشاق فرضان في الغسل دون الوضوء وهم الحنفية، يقولون لأن الله أمر بالتطهر ﴿ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًۭا فَٱطَّهَّرُوا۟ ﴾ [المائدة: ٦] فيشمل البدن كله بما في ذلك الفم والأنف، نقول: صحيح كلامكم ما شاء الله ما أحسنه لكنه جل شأنه أيضًا أمر بالوضوء وأمر بغسل الوجه، فإذا كنتم تأخذون من قوله سبحانه: ﴿ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًۭا فَٱطَّهَّرُوا۟ ﴾ فرضية غسل الفم والأنف فنحن نأخذ أيضًا من قوله جل شأنه: ﴿ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغْسِلُوا۟ وُجُوهَكُمْ ﴾ [المائدة: ٦] فرضية غسل الوجه بما فيه الفم والأنف بل إن ذلك أقرب، الأمر بغسل الوجه أقرب دلالة لغسل الفم والأنف من قوله جل شأنه: ﴿ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًۭا فَٱطَّهَّرُوا۟ ﴾ وكما قلت في أول المسألة إن عامة المسلمين يتوضؤون ويتمضمضون ويستنشقون لكنهم قد يعتقدون أنها سنة، فنقول: لا يضر أهم شيء أنه لا يخل بها يعني حتى وإن تعلم أن المضمضة والاستنشاق سنة، نقول: حافظ عليها ونبه صغارك إلى أنه لا بد منها سواءً على سبيل الوجوب إذا درسها على سبيل الوجوب أو نقول: سنة لكن لا يخل بها فإنه لو توضأ بدون مضمضة أو استنشاق لم يصح وضوؤه وإذا لم يصح وضوؤه لم تصح صلاته وهذا الذي يجعل المسألة في غاية الأهمية بل الخطورة.
رابط الفقرة 22قال رحمه الله : (ثُمَّ يَغْسِلُ وَجْهَهُ ثَلاثًا) يعني بعد أن يتمضمض ويستنشق يغسل وجهه ثلاثًا ثم بين حدود الوجه قال: (مِنْ مَنَابِتِ شَعَرِ الرَّأْسِ إِلَى مَا انْحَدَرَ مِنَ اللَّحْيَيْنِ وَالذَّقَنِ) هذا في الطول، ومن الأذن إلى الأذن عرضًا أو إلى أصول الأذنين عرضًا، إذن حد الوجه الذي يجب غسله، نقول: الوجه هو ما تحصل به المواجهة وحده من منابت شعر الرأس أضاف بعضهم المعتاد وهذا قيد مهم؛ لأن بعض الناس ليس في مقدم رأسه شعر، فهل ناصيته من وجهه أو من رأسه؟ نقول من الرأس فلا يلزمه غسلها فلا نقول من منابت شعر الرأس وهذا الرجل ما عنده شعر في مقدم رأسه، نقول اغسل الناصية لأنك أصلع؟ نقول: أبدًا، العبرة بالمعتادين ولهذا يقول الفقهاء من منابت شعر الرأس المعتاد فلا نعتبر الأصلع ونقول اغسل مقدم رأسك لأنه ليس فيه شعر ولا الأفرع الأجلح الذي شعره ينزل على جبينه، نقول: يلزمه أن يرفع شعره عن جبينه ويغسله؛ لأن الجبين والجبهة من الوجه ولو كان شعره مغطي لها، فلا نعتبر الأصلع ولا الأفرع لا نعتبر من شعره منحسر عن رأسه ولا نعتبر من شعره نازل على جبينه، العبرة بالشعر المعتاد فمنابت الشعر المعتاد هذه نهاية الوجه وبداية الرأس إلى ما انحدر من اللحيين والذقن، ما اللحيان؟ اللحي: هو الفك السفلي وفي كل وجه لحيان لحي يمين ولحي شمال ومجمعهما يسمى الذقن بالذال والتحريك وهو الذي يسميه العامة الدقن، فاللحيان ومجمعهما هذا حد الوجه، وما ينبت على اللحيين والذقن هذه هي اللحية الشرعية التي يجب إعفاؤها ويحرم حلقها والتعدي عليها، ولما جهل بعض الناس حقيقة اللحية حصرها في نطاق ضيق فأصبح يترك الذقن ويحلق أكثر اللحية ويقول هذي عوارض مثلًا يسميها عوارض، نقول: اسمها في الشرع وباللغة لحية فكل ما ينبت على الفك الأسفل يسمى لحية، ولهذا نقول اللحيان والذقن هذا حد الوجه وهو منابت الشعر الذي ينبت فيه ويسمى لحية، فما ينبت على اللحيين وما ينبت على مجمعهما كله يسمى لحية وسيأتي ذكرها وإن كان المؤلف يختصر فلا يذكر خصال الفطرة لكننا نقول: اللحية هي ما ينبت على اللحيين والذقن ويسمى كله لحية وهذه اللحية وجب في الشرع إعفاؤها وإرخاؤها وإكرامها، وجاء النهي عن حلقها والتعدي عليها بأي وجه من وجوه التعدي كالقص والنتف والتهذيب والتشذيب ونحو ذلك.
رابط الفقرة 23قال : رحمه الله (وَإِلَى أُصُوْلِ الأُذُنَيْنِ) فإن الأذنين من الرأس فرضهما مع الرأس تمسحان كما سيأتي، إذن من الأذن إلى الأذن ومن منابت الشعر إلى ما انحدر من اللحيين هذا الوجه الذي تحصل به المواجهة هو الذي يجب غسله في الوضوء، قال رحمه الله : (وَيُخَلِّلُ لِحْيَتَهُ إِنْ كانت كَثِيْفَةً، وَإِنْ كانت تَصِفُ البَشَرَةَ لَزِمَهُ غَسْلُهَا) إذن اللحية لحيتان إما لحية كثيفة لا يرى ما وراءها من البشرة وهذه لحية النبي صلى الله عليه وسلم وهي في الغالب لحية المسلمين ما لم يتعرضوا لها في الأعم الأغلب إن اللحية إذا تركت تكثف لكن بعض الناس قد لا تكثف بدون أن يأخذ منها، فالشاهد أن اللحية إن كانت كثيفة تغطي ما ورائها وجب غسل ظاهرها وسن تخليل باطنها، سن التخليل، كيف التخليل؟ أن يأخذ كفًا من ماء ويدخله في ثناء اللحية ويعركها بكف يده وفيها ماء وهذا سنة ليس بواجب إنما الواجب غسل الظاهر من الوجه والظاهر من الشعر لكن لا يلزمه أن يغسل لحيته إذا كانت كثيفة لا ترى من ورائها البشرة؛ لأنه إنما يغسل ما ظهر وما تحصل به المواجهة، وأما إن كانت اللحية خفيفة يسيرة ترى من ورائها البشرة فإنه يجب غسل ظاهرها وباطنها كالوجه فيغسل البشرة والشعر اليسير الخفيف، ومثل ذلك الشعر في الوجه كله فإنه يغسل كالأهداب وأشفار العينين والشارب والعنفقة وهي الشعيرات النابتة في الشفة السفلى كل هذا يغسل وجوبًا، إنما اللحية هي التي قد تكون كثيفة وإذا كانت كثيفة نقول يغسل الظاهر ويخلل الباطن وأما إذا كانت خفيفة فإنه يجب عليه أن يغسلها كلها ظاهرها وباطنها.
رابط الفقرة 24قال رحمه الله : (ثُمَّ يَغْسِلُ يَدَيْهِ إِلَى المِرْفَقَيْنِ ثَلاثًا، وَيُدْخِلُهُمَا فِي الغَسْلِ) هذا هو الفرض الثاني من فروض الوضوء وهو المشار إليه بقول المولى جل شأنه: ﴿ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغْسِلُوا۟ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ ﴾ [المائدة: ٦] فأمر جل شأنه أن يغسل المسلم يديه إلى مرفقيه فدل على وجوب غسل اليد مع المرفق لأنه قال إلى المرافق، ولو قال وأيديكم ولم يقل إلا المرافق لغسلنا اليد فقط إلى مفصل الكف، فإن اليد في لغة العرب إذا أطلقت إلى المفصل هذه هي اليد، اليد هي الكف، ولهذا لما قال جل شأنه: ﴿ وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوٓا۟ أَيْدِيَهُمَا ﴾ [المائدة: ٣٨] كان القطع إلى مفصل الكف لكن في آية الوضوء لما أراد جل شأنه أن يغسل المسلم ذراعه ومرفقه قال: ﴿ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ ﴾ [المائدة: ٦] فدل على وجوب غسل اليدين بما فيهما الذراع والمرفق وبهذا فعل صلى الله عليه وسلم وتوضأ، وقد كان صلى الله عليه وسلم يغسل مرفقيه كما في حديث أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم : «كَانَ يَغْسِل حتَّى يَشْرَع في العَضُد»(21) «وكَانَ إذا توضَّأَ أدارَ الماءَ علَى مرفَقيهِ»(22)، فغسل المرفق واجب وفرض ولابد منه وغسل العضد هذا من باب اليقين لغسل المرفق، ومن باب ما لا يتم الواجب إلا به يكون واجبًا لكن هل يقصد عضده كله؟ نقول: أبدًا، لم يرد في السنة ما يدل على ذلك لكن يغسل طرف العضد إذ لا يمكن للمسلم أن يغسل مرفقه إلا وقد غسل طرف العضد الذي يليه، ولهذا جاء في الحديث أنه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم إذا توضأ شرع في العضد يعني غسل يده مع مرفقه وشرع أي غسل يعني طرف العضد وفي القدمين شرع في الساق، وفي الحديث الثاني أدار الماء على مرفقيه، ما الذي يدلنا على أن المرفق داخل؟ نقول: الآية، وفعل النبي صلى وسلم فهو المفسر، يقول قائل: إن الله جل شأنه قال: ﴿ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ ﴾ كيف قلتم مع المرافق؟ لابد أن تدخلوا المرافق، نقول: لأن (إلى) تستعمل في لغة العرب التي نزل بها القرآن بمعنى مع كما في هذه الآية، فإن الله جل شأنه قال في اليدين ﴿ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ ﴾ وفي الرجلين قالوا: ﴿ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى ٱلْكَعْبَيْنِ ﴾ [المائدة: ٦] إلى الكعبين يعني مع الكعبين وكما في آيات أخرى استعملت إلى بمعنى مع كما في قوله جل شأنه وتقدس اسمه: ﴿ وَلَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَهُمْ إِلَىٰٓ أَمْوَٰلِكُمْ ﴾ [النساء: ٢] أي مع أموالكم ﴿ وَلَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَهُمْ إِلَىٰٓ أَمْوَٰلِكُمْ ﴾ يعني مع أموالكم، وقوله: ﴿ مَنْ أَنصَارِىٓ إِلَى ٱللَّهِ ۖ ﴾ [آل عمران: ٥٢] يعني من أنصاري مع الله، فاستعملت إلى بمعنى مع ﴿ وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ ﴾ [هود: ٥٢] يعني قوة مع قوتكم، استعملت إلى بمعنى مع في القرآن العزيز في آيات ومنها آية الوضوء والذي يدلنا على ذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم فإنه توضأ وغسل يديه وأشرع في العضد، مما ينبغي أن يفهم أن اليدين كما لا يخفى من أطراف الأصابع، وهذا المعنى قد يخفى على بعض الجهلة أو الصغار فربما غسل يديه وكفيه وغسل وجهه فإذا أراد الوضوء وضع يده تحت الحنفية أو الصنبور أو البزبوز من مفصل الكف؛ لأن اليدين مغسولتين قبل فربما ما أعاد الغسل فينبه الصغار إلى أنه إذا أراد الوضوء لابد أن يغسل من أطراف الأصابع وأن غسل اليدين السابق سنة أو واجب إذا كان مستيقظ من نوم مستغرق، وكذلك نقل الماء إلى الوجه ليس بنية غسل اليدين والترتيب فرض كما سيأتي فلابد أن يكون غسل اليدين عقب غسل الوجه وهذا أمر ظاهر بيّن.
رابط الفقرة 25قال رحمه الله : (وَيُدْخِلُهُمَا فِي الغَسْلِ) أي المرفقين فقد سبق بيان ذلك (ثُمَّ يَمْسَحُ رَأْسَهُ مَعَ الأُذُنَيْنِ، يَبْدَأُ بِيَدَيِّهِ مِنْ مُقَدَّمِهِ ثُمَّ يُمِرُّهُمَا إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ يَرُدُّهُمَا إِلَى مُقَدَّمِهِ)، يقول رحمه الله في الفرض الثالث: (ثُمَّ يَمْسَحُ رَأْسَهُ مَعَ الأُذُنَيْنِ، يَبْدَأُ بِيَدَيِّهِ مِنْ مُقَدَّمِهِ) يعني يضع يديه على مقدم الرأس (ثُمَّ يُمِرُّهُمَا إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ يَرُدُّهُمَا إِلَى مُقَدَّمِهِ) هذه الصفة أصح ما ثبت وهي في الصحيحين من حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه لكنها ليست بواجبة إذ الواجب مسح الرأس لكن لو قال أي صفة؟ نقول: أي صفة، إذا قال أريد الأفضل، نقول: الأفضل ما جاء في حديث عبد الله بن زيد أنه يضع يديه على مقدم الرأس ثم يذهب بهما إلى القفا ثم يعود من حيث بدأ(23)، مسح الرأس فرض عند أهل العلم بالإجماع؛ لأنه منصوص عليه في الكتاب العزيز لقوله جل شأنه: ﴿ وَٱمْسَحُوا۟ بِرُءُوسِكُمْ ﴾ [المائدة: ٦] لكن ما القدر الذي يجب مسحه؟ نعم مكي؟ استيعاب الرأس كاملًا هذا قول، وقيل بعض الرأس، وقيل يجزئ بعض الرأس، إذن نقول: اختلف أهل العلم في مسح الرأس على قولين مشهورين:
رابط الفقرة 26القول الأول: أنه يجب استيعاب الرأس كله مسحًا ولا يجزئ الاقتصار على بعضه وهو المشهور في مذهب الإمام مالك وهو مذهب الحنابلة مذهب الإمام أحمد، ويستدلون على ذلك بالآية نفسها، فإن الله جل شأنه قال: ﴿ وَٱمْسَحُوا۟ بِرُءُوسِكُمْ ﴾ قالوا والباء للإلصاق فكأنه قال: (وامسحوا رؤوسكم بأيديكم)، فالصقوا أيديكم على رؤوسكم حال المسح، ولا يصل هذا المعنى لو قال امسحوا رؤوسكم بدون الباب، والذي يدل على ذلك فعل النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم فإنه توضأ ومسح رأسه كله، ولم يرد عنه في حديث قط لا صحيح ولا ضعيف أنه أخلّ ببعض الرأس ومسح بعضه واقتصر عليه أبدًا، فكل الذين رووا وضوئه صلى الله عليه وسلم يذكرون أنه يمسح رأسه كله كحديث عبد الله بن زيد هذا، وحديث عثمان، حديث علي، حديث عبد الله بن زيد، وحديث ابن عباس، كل من نقل وضوء النبي صلى الله عليه وسلم فإنهم يذكرون أنه كان يمسح رأسه كله.
رابط الفقرة 27القول الثاني: أنه يجزئ مسح بعض الرأس وإليه ذهب الحنفية والشافعية على خلاف بينهم في القدر المجزئ، إذن ذهبت الحنفية والشافعية إلى أنه يجزي بعض الرأس ثم اختلفوا في هذا القدر فذهبت الحنفية إلى أنه يجزئ ربع الرأس وفي قول لهم ناصية الرأس والناصية تساوي الربع أو تقرب منه، فإذا مسح الناصية المقدم الرأس أو ربع الرأس يجزيه ذلك عند الحنفية، وأما الشافعية فقالوا: يجزئه أقل ما يقع عليه اسم المسح ولو مسح شعرات يسيرة ما دام أنه يصدق عليه أنه مسح فإنه يجزيه، ما دليلهم؟ نعم، أن الباء للتبعيض وأيضًا يستدلون بالآية نفسها، ويقولون: إن المراد بالباء هنا التبعيض، فكأن الله جل شأنه قال: (وامسحوا بعض رؤوسكم)، قالوا الباء في قوله: ﴿ بِرُءُوسِكُمْ ﴾ تفيد التبعيض، نقول لهم: نحن وإياكم نتحاكم إلى علماء اللغة وهذه دلالة لغوية وإن كانت دلالتها شرعية أيضًا والنبي صلى الله عليه وسلم هو المفسر لآي القرآن بفعله لكننا نقول أيضًا نرجع وإياكم إلى علماء العربية ونسألهم، هل تستعمل الباء للتبعيض؟ يا علماء اللغة! فنجد أن علماء اللغة ينفون ذلك نفيًا قاطعًا، يقولون: لا تستعمل الباب في لغة العرب بمعنى بعض، فابن برهان من علماء العربية يقول: من زعم أن الباء للتبعيض فقد جاء أهل اللغة بما لا يعرفونه، فلا حجة لهم في أن الباء للتبعيض بل الباء تستعمل للإلصاق وغيره لكن لا تستعمل للتبعيض، يحتجون أيضًا بحديث المغيرة بن شعبة وهو في الصحيحين: «أنه صلى الله عليه وسلم مسح على ناصيته وأكمل على العمامة»(24) هذا أقوى دليل عندهم، يقولون: النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الناصية وأكمل على العمامة، هل هذا دليل لهم أو عليهم؟ هل يصلح دليلًا للقول بأنه يمسح بعض الرأس أو هو دليل لوجوب استيعاب الرأس؟ نقول هذا الدليل ليس لكم بل هو عليكم حجة قائمة وقوية في أنه صلى الله عليه وسلم لم يمسح بعض الرأس حتى أنه لما كان معتمًا مسح الناصية؛ لأنها بارزة وأكمل على العمامة فدل على وجوب الاستيعاب، ولهذا يمكن أن نسوق هذا الدليل من ضمن أدلة القائلين بوجوب استيعاب الرأس مسحًا، نقول: ليس الحديث لكم متمسك الحديث حجة لمن قال بوجوب استيعاب الرأس؛ لأنه لم يمسح الناصية ويترك الباقي ولا يمكن أن يكون لكم فيه حجة إلا أن تأتوا بحديث أنه صلى الله عليه وسلم مسح الناصية وترك الباقي وهذا لم يرد.
رابط الفقرة 28إذن لا حجة للمخالفين في الاقتصار على مسح بعض الرأس لا في الآية بحمل الباء للتبعيض إذ الصحيح أن الباء للإلصاق هنا، وكذلك ليس لهم حجة في حديث المغيرة أن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم مسح الناصية وأكمل على العمامة إذ هو ظاهر الدلالة في وجوب استيعاب الرأس مسحًا، وما يقال في مسح الرأس بالوضوء يقال أيضًا في حلقه أو تقصيره في النسك من حيث الخلاف، فالواجب على المسلم إذا أراد أن يتوضأ أن يستوعب رأسه مسحًا، وإذا أراد حجًا وعمرة أن يستوعبه حلقًا أو تقصيرًا سواء كان بالموس أو بالماكينة أو بالمقص، لا بد من استيعاب الرأس كله ولا يجوز له أن يقتصر على بعضه أو يتعمد ترك بعضه فيأتي للحلاق ويقول حلق من أطرافه وجوانبه ووسطه، نقول: لا بد أن يستوعب الرأس كله فإن قصره بالمقص ثم لما جاء يغتسل وجد بعض الشعرات ما مر عليه المقص سهوًا، نقول: لا حرج لأنه لم يتعمد ترك بعضه، لكن إذا قال له: احلق هنا وهنا و هنا، نقول: هذا لا يجزئ وللأسف يفعله كثير حتى في المسجد الحرام في المسعى يسلمون رؤوسهم لهؤلاء الصغار الجهلة فيقص من أطرافه ويمضي كأنه تحلل نقول سبحان الله، الله جل شأنه أمر بحلق الرأس أو التقصير ﴿ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ ﴾ [الفتح: ٢٧] والنبي صلى الله عليه وسلم حلّق ودعًا المحلقين ثلاثًا وأقر الصحابة على التقصير وأمرهم به، فلا يشرع أن تقتصر على بعض رأسك بل لابد أن تستوعبه كله إما حلقًا أو إما تقصيرًا.
رابط الفقرة 29صفة المسح ذكرها، قال: (مَعَ الأُذُنَيْنِ) فالأذنان من الرأس كما جاء في الحديث قول النبي صلى الله عليه وسلم : «الأُذُنانِ منَ الرَّأسِ»(25) وكان صلى الله عليه وسلم يمسحهما، قد اختلف أهل العلم في مسحهما على قولين هل هو واجب أو مسنون؟ لكن لا ينبغي الإخلال بهما، أن يدخل السباحة أو السبابة في وسط الأذن والإبهام في ظاهره فيمسح بالسبابة أو السباحة داخل الأذن وبالإبهام خارجه، وكيف مسح أجزأه لو مسح بإصبع واحد يجزي، مثل المسح للرأس الصفة المختارة أن يضع يديه على مقدم الرأس ويذهب للقفا ثم يعود من حيث بدأ، هل الذهاب والإياب مسحة أو مسحتان؟ نقول: مسحة واحدة؛ لأنه لا يشرع التثنية ولا التثليث في مسح الرأس، ولهذا بعض الناس يفهم أن هذه تثنية، نقول: لم يرد عنه صلى الله عليه وسلم في حديث قط يعني حديث صحيح صريح تثليث الوضوء أو تثليث المسح بالرأس بل كل ما ورد في تثليث المسح إما صحيح غير صريح أو صريح غير صحيح، لا يجتمع حديث صحيح صريح في تثليث مسح الرأس بل إذا جاء حديث صريح في أنه مسح رأسه ثلاثًا كحديث ابن البيلماني وغيره فهو حديث ضعيف من حيث السند، وأما حديث عبد الله بن زيد فهو حديث صحيح لكن ليس فيه أنه مسح ثلاثًا وإنما في أن هذه صفة مسح واحدة ذهب إلى القفا ثم عاد من حديث بدأ ،لو عكس بدأ من الخلف ثم عاد، نقول: لا بأس، لو وضع يديه في الوسط وذهب بإحداهما إلى الأمام والأخرى إلى الخلف، نقول: لا حرج كيف ما مسح أجزأ لكن السنة ما أرشد إليه في حديث عبد الله بن زيد.
رابط الفقرة 30قال رحمه الله : (ثُمَّ يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ إِلَى الكَعْبَيْنِ ثَلاثًا، وَيُدْخِلُهُمَا فِيْ الغَسْلِ) هذا الفرض الرابع من فروض الوضوء وهو غسل الرجلين كما في قول الله جل شأنه: ﴿ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى ٱلْكَعْبَيْنِ ۚ ﴾ [المائدة: ٦]، فبعد أن ذكر غسل الوجه واليدين ومسح الرأس، قال جل شأنه: ﴿ وَأَرْجُلَكُمْ ﴾ وقد اتفق علماء الإسلام وعلماء السنة على وجوب غسل القدمين ولم يشذ في ذلك إلا الضلال من الخوارج والرافضة عليهم من الله ما يستحقون فإنهم خالفوا أهل السنة في أصول الدين وفروعه وأعظم فرع من فروع الوضوء والطهارة هذا الفرع، فإن الخارجي والرافضي لا يغسل قدمه ولا يمسح على الخف كما سيأتي، إذن ماذا يفعل؟ يمسح قدمه هكذا والله جل شأنه قال: ﴿ وَأَرْجُلَكُمْ ﴾ فعطفها على الأيدي والوجه ﴿ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغْسِلُوا۟ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ وَٱمْسَحُوا۟ بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى ٱلْكَعْبَيْنِ ۚ ﴾ [المائدة: ٦] فعلى قراءة النصب والتي بها نقرأ وهي قراءة سبعية صحيحة يكون الأرجل معطوف على الأيدي والأيدي مغسولة منصوبة فكذلك، وأما على قراءة (وأرجلِكم) وهي قراءة سبعية صحيحة أيضًا فإن أهل العلم أجابوا عنها بعدة أجوبة، منها: أن الخفض والجر هنا إنما جاء للمجاورة؛ لأنها مجاورة للرأس وهو مجرور فجرت والعرب يجرون ما جاور المجرور وإن كان حقه النصب أو الرفع، ومنها: أن المراد هنا المسح لكنه ليس المسح الذي هو مسح البلة لحائل مخصوص وإنما هو الغسل قالوا والعرب تستعمل المسح بمعنى الغسل ومنه قولهم تمسح بمعنى توضأ، يقول: أريد أن أتمسح وهذا معروف عندنا إلى اليوم يستعمله العامة، يقول: أريد أتمسح إذا أراد أن يتوضأ قال بتمسح يعني بتوضأ، فتستعمل العرب المسح بمعنى الغسل ومنه قول العرب مسح المطر الأرض أي غسلها أو أن المراد بأرجلكم المسح على ظاهره لكن في حال كون القدم مستورة بالخف، ولهذا استدل بعض أهل العلم على المسح على الخفين بقراءة الجر، قالوا: إن قراءة النصب تدل على غسل القدمين إذا كانت مكشوفة وهذا هو الواجب، وقراءة الجر تدل على مسح القدمين إذا كانت مستورة بخف أو جورب وجعلوا قراءة الجر وهي قراءة صحيحة دليل على المسح على الخفين، وسيأتي في الباب الذي عقب هذا الكلام على المسح الخفين، هؤلاء الضلال من الرافضة أنكروا المسح على الخفين كما سيأتي وأنكروا غسل القدمين وما علموا أن الله جل شأنه أمر بغسل القدمين والنبي صلى الله عليه وسلم غسلهما ولم يخل بغسلهما بحديث قط بل أنكر على من ترك شيئًا من قدمه لم يصبه الماء، فرأى بعض أصحابه يتوضؤون وأعقابهم تلوح بياضًا فنادى بأعلى صوته ويل للأعقاب من النار ويل للأعقاب من النار ويل للأعقاب نار(26) هذا الوعيد الشديد وهم تركوا بدون قصد توعدهم بالنار، وأبصر رجلًا يصلي وفي قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء فأمره أن يعيد الوضوء ويحسن الوضوء والصلاة(27) فكيف يأتي من يدعي الإسلام فيمسح قدمه بالماء مسحًا ويصلي، نقول: هذه الصلاة لا تصح لو صح إيمانه وصحت عقيدته ما صحت صلاته لكن هؤلاء لا إيمان لهم ولا دين لكننا من باب التنزل نقول هب إنهم على حق، كيف يصلون وهم لا يتوضؤون؟ والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلاةَ أحَدِكُمْ إذا أحْدَثَ حتَّى يَتَوَضَّأَ»(28) فالرافضي يصلي وهو محدث لأنه لم يتوضأ الوضوء الشرعي الذي بينه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم في كتابه وسنته صلى الله عليه وسلم .
رابط الفقرة 31قال : رحمه الله (ثُمَّ يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ إِلَى الكَعْبَيْنِ ثَلاثًا) فيدخل الكعب في الغسل وفي كل قدم كعبان وهما العظمان الناتئان أسفل القدم عن يمين وشمال بخلاف العقب وهو المؤخر للقدم وكلاها داخل في الغسل، فالمسلم يغسل عقبه أسفل مؤخر القدم ويغسل الكعبين في كل قدم عن يمينه وشماله ويدخلهما في الغسل؛ لأن الله جل شأنه قال: ﴿ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى ٱلْكَعْبَيْنِ ۚ ﴾ والنبي صلى الله عليه وسلم غسل الكعبين وأشرع في الساق أي غسل القدمين والكعبين وطرف الساق مما يلي الكعبين وهذا كما سبق ليس مرادًا لذاته وإنما من باب ما لا يتم الواجب إلا به فيكون واجب، إذ واجب الوضوء غسل القدمين لا يتحقق إلا بغسل طرف الساق حتى يغسل الكعب مع القدم، والنبي صلى الله عليه وسلم فعل هذا وأرشد أمته إليه وحذرها من ترك بعض القدم لم يصبه الماء سواءً كان في العقب أو في غيره.
رابط الفقرة 32قال رحمه الله : (وَيُخَلِّلُ أَصَابِعَهُمَا) أي أصابع قدميه ومثله أيضًا في يديه إلا أنهم قالوا إن التخليل في القدمين آكد؛ لأن أصابع القدمين قد لا يصل الماء إلى ما بينها بخلاف أصابع اليدين فإنها مفرجة غالبًا ولو هي آلة نقل الماء فالماء يصل حتمًا لكن القدمين قالوا يسن تخليلهما لكن هل هذا سنة ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم في كل وضوء؟ نقول: أبدًا، لم يصح فيه حديث في الاستمرار والدوام عليه ولهذا الذين اعتنوا بضبط وضوئه صلى الله عليه وسلم لم يذكروا التخليل فدل على أنه يفعله أحيانًا ويتركه أحيانًا وهذا هو الصحيح الذي عليه المحققون من أهل العلم، أن تخليل الأصابع سواء في اليدين أو في الرجلين سنة تفعل أحيانًا ومثله تخليل اللحية يفعل أحيانًا ولم يدم ويواظب صلى الله عليه وسلم عليه ولو واظب لنقله الذين اعتنوا بنقل وضوئه كعبد الله بن زيد وابن عباس وعثمان رضي الله عن الجميع، فيقال: خلل أحيانًا واترك أحيانًا لا حرج، وكذلك الصفة التي ذكروها في التخليل أنه يخلل بإصبعه الخنصر من يده اليسرى فيبدأ من خنصر رجله اليمنى إلى إبهامها ومن إبهام اليسرى إلى خنصرها، نقول: هذا لم يثبت فيه حديث فكيف ما خللت يصلح وقد يخلل بوقت واحد يدخل أصابع يديه في رجليه، وأما اليدين فإنه يفرجهما فيصل الماء إليهما أو يدخل إحداهما في الأخرى لكنه لم يثبت عنه صلى الله عليه وآله وصحبه المداومة على التخليل لا في اللحية ولا في الأصابع لليدين ولا في الرجلين.
رابط الفقرة 33قال رحمه الله : (ثُمَّ يَرْفَعُ نَظَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَيَقُوْلُ: أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيْكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ) هذا ثبت في الصحيح عند مسلم من حديث الفاروق عمر وفيه تتمته أن من قال ذلك فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء، لماذا؟ لأنه شهد شهادة الحق وتبرأ من الشرك، فمن قال هذه الكلمة موقنًا بها عاملًا بمقتضاها دخل الجنة، وهذا فضل الله وفضل التوحيد وكلمة التوحيد متى قالها العبد موقنًا بها عاملًا بمقتضاها فيشهد شهادة الحق فيطهر باطنه كما طهر ظاهره، بقي فرضان لم يذكرهما المؤلف هنا وهما الموالاة والترتيب ذكرها فيما بعد فنذكرهما هنا حتى نكمل الفروض ثم نترك الباقي إلى الدرس القادم.
رابط الفقرة 34قال رحمه الله عقب ذلك: (وَالوَاجِبُ مِنْ ذلِكَ -أي مما تقدم- النِّيَّةُ) وهي شرط كما تقدم في طهارة الأحداث كلها في الوضوء والغسل والتيمم، (وَالغَسْلُ مَرَّةً مَرَّةً) للوجه ولليدين وللرجلين فإنه يجب على المسلم أن يتوضأ مرة مرة هذا الحد الأدنى؛ لأنه صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة كما في البخاري، بعض الناس يحسبه أن هذا خلاف السنة، نقول: بل السنة أن يتوضأ أحيانًا مرة مرة، وأحيانًا مرتين مرتين، وأحيانًا ثلاثًا ثلاثة، وأحيانًا يخالف بين أعضاءه صلى الله عليه وسلم فيغسل بعضها ثلاثًا وبعضها ثنتين وبعضها مرة في وضوء واحد كل هذا ثابت في البخاري، ومن ثم فينوع المسلم حتى يصيب السنة صحيح أن الغالب أن يتوضأ ثلاثًا وهو أكمل لكنه أحيانًا يتوضأ مرة مرة لا سيما إذا كان الماء قليل ونحو ذلك قال: (مَا خَلا الكَفَّيْنِ) أي فإنه يسن غسلهما ثلاثًا ولا يكتفي بغسله يعني غسل الكفين قبل الوضوء سواء للمستيقظ من نوم الليل هذا واجب يغسلهما ثلاثًا وكذلك لغيره يسن أن يغسلهما ثلاثًا ولا يسن أن يغسلهما مرة أو مرتين هذا معنى قوله: (وَالوَاجِبُ مِنْ ذلِكَ النِّيَّةُ، وَالغَسْلُ مَرَّةً مَرَّةً) يعني في غسل الوجه واليدين والرجلين، وأما غسل الكفين قبل الوضوء فإنه لا يقتصر على مرتين ولا على مرة بل لا بد من ثلاث للمستيقظ من نوم ويسن ثلاثًا لغير المستيقظ من النوم.
رابط الفقرة 35قال رحمه الله : (وَمَسْحُ الرَّأْسِ كُلِّهِ) هذا القدر الواجب على الصحيح خلافًا لمن قال يجزئ بعضه (وَتَرْتِيْبُ الوُضُوْءِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا) هذا الترتيب الذي لم يذكره سابقًا نبه عليه هنا (وَأَنْ لا يُؤَخِّرَ غَسْلَ عُضْوٍ حَتَّى يَنْشَفَ الَّذِيْ قَبْلَهُ) هذان الفرضان الأخيران نشير إليهما وإن تيسر وإلا أعدناهما في الدرس القادم، لأن الأسئلة أرى أنها كثيرة لكن نقول: من فروض الوضوء الترتيب بأن يرتب الوضوء كما أمره الله فيغسل وجهه ثم يديه ثم يمسح رأسه ويغسل رجليه وهذا بين ظاهر واضح وهو أن الله جل شأنه ذكر الوضوء مرتبًا وذكر فيه قرينة تدل على هذا الترتيب وهو أنه جل شأنه وتقدس اسمه أدخل الرأس وهو ممسوح بين اليدين والرجلين وهي مغسولة ولا يعلم لهذا فائدة إلا مراعاة الترتيب، إذن أدخل الرأس وهو ممسوح بين اليدين والرجلين وهي مغسولة، لماذا فصل؟ والقرآن نزل بلسان عربي مبين والكلام العربي الجزل الفصيح لا يقطعون النظير عن نظيره إلا لحكمة وفائدة ولو لم يكن الترتيب مرادًا لقال: (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم وأرجلكم وامسحوا برؤوسكم) جل شأنه وتقدس اسمه فلما أدخل الرأس وهو ممسوح بين اليدين والرجلين بحثنا ما الفائدة؟ ما الحكمة؟ لماذا أدخل الرأس وهو ممسوح بين الرجلين واليدين وهي مغسولة؟ نقول: الحكمة مراعاة الترتيب حتى تتوضأ هكذا، إذ العرب يعيبون أن يقطع الإنسان في حديثه النظير عن نظيره، يقولون الكلام الفصيح الجزل أن تأتي بالنظائر مع بعض والمخالف تتركه وحده، ولهذا يقولون لو أن إنسان قال أكرمت زيدًا وأهنت بكرًا وأكرمت عمرًا، يقول أكرمت زيدًا وأهنت بكرًا وأكرمت عمرًا، فنسأله لماذا أنت الآن ذكرت اثنين مكرمين وواحد مهان؟ لماذا جعلت المهان بين المكرمين، قال: راعيت الترتيب؛ لأني أكرمت هذا أولًا ثم أهنت هذا ثانيًا ثم أكرمت هذا، يقال: صحيح لكن لو قال هكذا، يقال له: أنت عندك لكنة لست فصيحًا إذا كنت تقول هكذا كان الأولى أن تقول أكرمت زيدًا وعمرًا وأهنت بكرًا فلا تذكر المهان بين المكرمين، وهكذا هنا والله جل شأنه أنزل هذا الكتاب بلسان عربي مبين فجعل الرأس وهو ممسوح بين اليدين والرجلين لحكمة وهي مراعاة الترتيب ثم إن الذي يدلنا على ذلك ويوضحه غاية الوضوح والبيان فعل النبي صلى الله عليه وسلم ، فإنه توضأ مرتبًا ولم يخل بالترتيب في وضوء قط ولم ينكس الوضوء قط، ومن ثم فإنا نقول الترتيب فرض على الصحيح خلافًا لمن قال إنه سنة، نقول: لا يصح الوضوء منكسًا، لو توضأ منكسًا غسل رجليه ثم مسح رأسه ثم غسل يديه ثم غسل وجهه، نقول: لا يصح من هذا الوضوء إلا غسل الوجه فعد إلى يديك فاغسلها ثم رأسك فامسحه ثم رجليك فاغسلها، إذن الترتيب فرض؛ لأن الله جل شأنه ذكر الوضوء مرتبًا وأدخل الرأس وهو ممسوح بين اليدين والرجلين وهي مغسولة ولا نعلم لذلك حكمة إلا مراعاة الترتيب والنبي صلى الله عليه وسلم واظب وداوم على الترتيب في الوضوء ولم ينكسه، وفي الحج لما قال جل شأنه: ﴿ إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ ۖ ﴾ [البقرة: ١٥٨] صعد صلى الله عليه وسلم الصفا وقال: أبدأ بما بدأ الله به، في رواية: نبدأ بما بدأ الله به(29) فبدأ بالصفا؛ لأن الله بدأ به، كذلك في الوضوء بدأ الله جل شأنه بالوجه فنبدأ به ثم ثنى باليدين فنثني بهما ثم ثلث بالرأس فنثلث به ثم ختم بالرجلين فنختم به، وهذا بين واضح ظاهر إلا في العضو الواحد من اليدين والرجلين فإن تقديم اليمنى على اليسرى كما سبق سنة وسيأتي، فلو غسل يده اليسرى أو رجله اليسرى قبل اليمنى، نقول: أجزأ وضوئه وصح لكنه ترك السنة إذ السنة أن يبدأ بالميامن قبل المياسر كما سبق وسيأتي.
رابط الفقرة 36قال رحمه الله : (وَأَنْ لا يُؤَخِّرَ غَسْلَ عُضْوٍ حَتَّى يَنْشَفَ مَا قَبْلَهُ) هذا هو الفرض الأخير السادس وهو الموالاة وفسره هنا بقوله: (وَأَنْ لا يُؤَخِّرَ غَسْلَ عُضْوٍ حَتَّى يَنْشَفَ مَا قَبْلَهُ) إذن الموالاة فرض على الصحيح وهو مذهب الشافعية والحنابلة وهو الصحيح المشهور عند الحنابلة رحمه الله فرضية الموالاة، ذهب الإمام مالك إلى أنه فرض عند القدرة وإذا عجز يسقط واختار ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وهو الصحيح إذا عجز يسقط لكن في حال القدرة، نقول: يجب على المسلم إذا توضأ أن يوالي، كيف يوالي؟ يغسل وجهه ثم يديه ثم رأسه ثم رجليه في وقت واحد فلا يؤخر حتى ينشف الذي قبله بالزمن المعتدل لابد من قيد الزمن معتدل، فإنه قد يكون الزمن غير معتدل يغسل وجهه في شدة حر وريح وسموم فينشف قبل أن يغسل اليدين، نقول: امضِ في وضوءك ولو جف الوجه؛ لأن هذا الوقت ليس معتدلًا لكن الوقت المعتدل لو غسلت وجهك ثم انتقلت إلى يديك ما يجف، فإذا كان الوقت شديد الحرارة أو شديد البرودة أو السموم والريح القوية ما يغسل وجهه إلا يجف، نقول: ما يلزمك أنك تضع وجهك تحت الماء حتى تغسل يديك بل غسلت وجهك ثم أتيت إلى غسل اليدين جف الوجه، نقول: اغسل يديك وامضِ في وضوءك، والعكس بالعكس لو أن في رطوبة شديدة يتوضأ ولا يجف الوجه لو جلس ساعة بل هو بدون وضوء وجه رطب، في المناطق الساحلية إذا اشتدت الرطوبة ما تجف الأعضاء أبدًا فمثل هذا يقول أنا ما جف وجهي اغسل وجهي ثم أذهب أتغدى ثم أرجع أكمل وضوئي، نقول: لا، إذا طال الفاصل فاتت الموالاة وهي فرض في الوضوء فلابد أن تغسل في وقت واحد فلا تؤخر حتى يجف العضو الذي قبله في الزمن المعتدل، فإذن الترتيب ألا يقدم غسل عضو على ما قبله، الترتيب ألا يقدم غسل عضو على ما قبله فلا يقدم اليدين على الوجه ولا الرأس على اليدين ولا الرجلين على الرأس، والموالاة ألا يؤخر، بعض الطلاب يخلط بين الترتيب والموالاة في التعبير عنهما لكننا نقول اضبطهما بهذا، الترتيب مقدم فتعريفه أن لا يقدم غسل عضو على ما قبله، والموالاة هي آخِر فيقال ألا يؤخر غسل عضو على ما قبله حتى يجف، ألا يؤخر غسل عضو حتى ينشف أو يجف ما قبله في الزمن المعتدل، ما دليل فرضية الموالاة؟ نعم، الحديث الصحيح: «أن النبي صلى الله عليه وسلم أبصر رجلا يصلي وفي قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء فأمره أن يحسن الوضوء»(30) وفي الرواية الثانية وهي رواية صحيحة: «أمَرَهُ أنْ يُعيدَ الوُضوءَ والصَّلاةَ»(31) لو كان الوضوء صحيحًا هل يأمره صلى الله عليه وسلم بإعادته؟ لو كان وضوئه صحيح لم يأمره بالإعادة لا الوضوء ولا الصلاة، ولو كانت الموالاة غير واجبة لأمره بغسل القدم فقط، فلما أمره بإعادة الوضوء علمنا أن وضوءه كله غير صحيح كما يدل على ذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم وموالاته في الطهارة وأنه ما كان يفصل بين أعضاء الوضوء لكن لو لم يتمكن من الموالاة، إنسان توضأ وغسل وجهه ويديه ثم توقف الماء، انتهى، بحث عن ماء، يشغل الدينامو ما حصل في الخزان شيء، بحث يمنة يسرة فوجد قليل من الماء، إن عاد فغسل وجهه ويديه انتهى الماء وبقيت الأرجل ما غسلت وإن غسل رجليه انتهى وضوؤه، نقول: يصح له حينئذ هذه ضرورة وحاجة؛ لأن الماء المتبقي عنده لا يكفي لو أعاده، يقول: أنا غسلت وجهي ويدي ثم انتهى الماء عندي وظننت أن في الخزان ماء فشغلت الدينامو ما وجدت شيء لكن لو اشتغل الدينامو وصعد الماء وجاءه كمية كبيرة وقد جفت أعضاءه، نقول: أعد الوضوء من أوله وجوبًا لكن إنسان قال: لا، ما وجدت إلا قطرات أو شيء يسير من ماء ما يكفي إن عدت غسلت وجهي ويدي انتهى الماء وبقيت القدمين غير مغسولة، نقول: أنت غسلت وجهك ويديك ثم انتهى الماء وبقي عندك قليل من ماء لا يكفي إلا مسح الرأس وغسل الرجلين اغسلهما، وهذا معنى الحاجة أو الضرورة التي اختارها شيخ الإسلام رحمه الله لكن مع توفر الماء، نقول: أعد الوضوء من أوله فإن الموالاة فرض من فروض الوضوء على الصحيح من أقوال أهل العلم، بعض أهل العلم استدل على الموالاة من الآية نفسها، قال: إن في آية الوضوء ما يدل على ذلك؛ فإن الله جل شأنه ذكر الوضوء جوابًا لشرط ﴿ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغْسِلُوا۟ وُجُوهَكُمْ ﴾ [المائدة: ٦] قالوا والأصل في الجواب أن يكون مواليًا للشرط.
رابط الفقرة 37[أسئلة الدرس]
رابط الفقرة 38سائل يقول: ما حكم مسح الرأس على حدة ومسح الأذنين على حدة ليس مع بعض؟ أفدنا يا شيخ ولكم الشكر.
رابط الفقرة 39الجواب: هو عضو واحد الأذنان مع الرأس، الأذنان من الرأس ومن ثم فهو حينما يمسح رأسه يمسح أذنيه يعني بعد مسح الرأس يصل إلى الأذنين فيمسحهما قد ذكرت سابقًا أنه كيف مسح أجزأ، «والأُذُنانِ منَ الرَّأسِ»(32) كما جاء الحديث وهما في الرأس لكن جاء حديث آخر في دعاء سجود التلاوة: «سجدَ وجْهي للَّذي شقَّ سمعَهُ وبصرَهُ»(33)، فذكرت الأذن والسمع في الوجه، قال أهل العلم: هذا من باب المجاورة؛ فإن الأذن مجاورة للوجه لكن فرضها بالوضوء ما أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم بفعله وقوله، قال: الأذنان من الرأس.
رابط الفقرة 40سائل يقول: هل يشرع رفع النظر إلى السماء بعد الفراغ من الوضوء؟
رابط الفقرة 41الجواب: نعم كما جاء في هذا الحديث.
رابط الفقرة 42سائل يقول: بين معنى كلمة غرًا محجلين والفرق بينهما؟
رابط الفقرة 43الجواب: قال صلى الله عليه إن أمتي يدعون يوم القيامة غرًا محجلين من آثار الوضوء الغرة قالوا بياض في جبين الفرس والتحجيل بياض في قوائمه، فالمتوضأ من هذه الأمة يأتون يوم القيامة على رؤوس الأشهاد كل من في المحشر يعرفون أن هؤلاء من أمة محمد المتوضئين أمة الإجابة المؤمنين المصلين في وجوههم نور الوضوء يتلألأ حتى خرج صلى الله عليه وسلم إلى البقيع آخر حياته فسلم على المدفونين من الموتى من المؤمنين، ثم قال: «ودِدْتُ أنَّا قدْ رَأَيْنا إخْوانَنا قالوا: أوَلَسْنا إخْوانَكَ؟ يا رَسولَ اللهِ، قالَ: أنتُمْ أصْحابِي وإخْوانُنا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ فقالوا: كيفَ تَعْرِفُ مَن لَمْ يَأْتِ بَعْدُ مِن أُمَّتِكَ؟ يا رَسولَ اللهِ، فقالَ: أرَأَيْتَ لو أنَّ رَجُلًا له خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ بيْنَ ظَهْرَيْ خَيْلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ ألا يَعْرِفُ خَيْلَهُ؟ قالوا: بَلَى يا رَسولَ اللهِ، قالَ: فإنَّهُمْ يَأْتُونَ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنَ الوُضُوءِ»(34) فنحمد الله وأن جعلنا مسلمين وأن جعلنا متوضئين ونسأله أن يثيبنا على الوضوء وأن يجعله طهارةً لنا في ظاهرنا وباطننا وأن يجعلنا من المحافظين على الوضوء والصلاة؛ فإنه لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن.
رابط الفقرة 44سائل يقول: ما معنى النية في القلب ويصدقها العمل؟
رابط الفقرة 45الجواب: نقول النية في القلب ومحلها القلب ويصدقها العمل والله جل شأنه يأجر العبد على نيته وقصده حتى لو قصر في عمله حتى لو قصر في عمله، أرأيتم قول الله جل شأنه: ﴿ وَمَن يَخْرُجْ مِنۢ بَيْتِهِۦ مُهَاجِرًا إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ يُدْرِكْهُ ٱلْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِ ۗ ﴾ [النساء: ١٠٠] نيته تبلغه أجر المجاهدين وأجر المهاجرين مع أنه مات في الطريق، ومثله حديث النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح لما رجع من تبوك قال: «إن بالمدينة خلفكم أقواما ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا وهم معكم شركوكم في الأجر، لماذا شاركونا الأجر؟ قال: حبسهم العذر»(35)، وفي الحديث الصحيح: «مَن سأَل اللهَ الشَّهادةَ بصدقٍ بلَّغه اللهُ منازلَ الشُّهداءِ وإنْ مات على فِراشِه»(36) هذه النية الطيبة النية الصالحة بل المؤمن نسأل الله أن يجعلنا من أهل الايمان يعيش مهما عاش فعمره قصير ويخلد في جنات نعيم بفضل نيته فإن نية المؤمن أنه مهما عاش على الإيمان لا يبدل ولا يحرف ولا يغير، فيجازى يوم القيامة بنعيم سرمدي أبدي ومع أنه ما أطاع الله ولا عبده ولا آمن به إلا مدة معينة لكن الله جل شأنه يأجره بنيته وبفعله، والكافر البعيد عصى الله وكفر أيضًا مدة لكنه خالد مخلد في نار جهنم؛ لأن نيته قائمة على الكفر مهما طالت حياته وطال عمره.
رابط الفقرة 46فنسأل الله أن يجعلنا من عباده المؤمنين الموحدين المتوضئين المتطهرين وأسأله جل شأنه وتقدس اسمه أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه وأن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح وأن يجعل ما قلناه وسمعناه حجة لنا لا حجة علينا إنه ولي ذلك والقادر عليه، وبالله التوفيق وصلى الله وسلم وبارك وأكرم وأنعم على خيرته من خلقه وأفضل أنبيائه ورسله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
رابط الفقرة 47الحواشي
(1)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه البخاري (6954) واللفظ له، ومسلم (225).
(2)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه مسلم (233).
(3)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه البخاري (528)، ومسلم (667) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أَرَأَيْتُمْ لو أنَّ نَهْرًا ببَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ منه كُلَّ يَومٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، هلْ يَبْقَى مِن دَرَنِهِ شيءٌ؟ قالوا: لا يَبْقَى مِن دَرَنِهِ شيءٌ، قالَ: فَذلكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ، يَمْحُو اللَّهُ بهِنَّ الخَطَايَا».
(4)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه مسلم (234)، وأبو داود (169)، والترمذي (55)، والنسائي (148)، وابن ماجه (470) واللفظ له، وأحمد (121).
(5)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه البخاري (136).
(6)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه البخاري (2697)، ومسلم(1718) .
(7)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه مسلم (1718).
(8)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه البخاري (1).
(9)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه مسلم (1006).
(10)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه البخاري (56).
(11)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه أبو داود (101)، وابن ماجه (399)، وأحمد (9418)، والحديث صححه الألباني في صحيح أبي داود (101).
(12)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرج الحديث بهذا المعنى الرهاوي في الأربعين والسيوطي في الجامع الصغير (2/158) بلفظ: «كلُّ أمرٍ ذي بالٍ لا يُبدأُ فيهِ ببسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ فهو أقطعُ»، والحديث ضعف إسناده جدًا الألباني في إرواء الغليل (1/29).
(13)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه مسلم (278).
(14)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه البخاري (164) عَنْ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ بنِ عَفَّانَ «أنَّه رَأَى عُثْمَانَ بنَ عَفَّانَ دَعَا بوَضُوءٍ، فأفْرَغَ علَى يَدَيْهِ مِن إنَائِهِ، فَغَسَلَهُما ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أدْخَلَ يَمِينَهُ في الوَضُوءِ، ثُمَّ تَمَضْمَضَ واسْتَنْشَقَ واسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وجْهَهُ ثَلَاثًا ويَدَيْهِ إلى المِرْفَقَيْنِ ثَلَاثًا، ثُمَّ مَسَحَ برَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ كُلَّ رِجْلٍ ثَلَاثًا، ثُمَّ قالَ: رَأَيْتُ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَتَوَضَّأُ نَحْوَ وُضُوئِي هذا، وقالَ: مَن تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هذا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لا يُحَدِّثُ فِيهِما نَفْسَهُ، غَفَرَ اللَّهُ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ».
(15)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه البخاري (199).
(16)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه البخاري (186) ومسلم (235).
(17)
العودة إلى موضع الحاشيةلم أجد من خرجه بهذا اللفظ.
(18)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه أبو داود (2380)، والترمذي (720)، وابن ماجه (1676)، وعبدالله بن أحمد في زوائد المسند (10463) باختلاف يسير، والنسائي في السنن الكبرى (3130) بنحوه، والحديث حسنه موفق الدين ابن قدامة في الكافي (1/353).
(19)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه أبو داود (2366) واللفظ له، والترمذي (788)، والنسائي (87)، وابن ماجه (407) مطولاً، وأحمد (16427) باختلاف يسير، والحديث صححه الألباني في صحيح أبي داود (2366).
(20)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه مسلم (237).
(21)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه مسلم (246) «أن أبا هُرَيْرَةَ كَانَ يَتَوَضَّأُ فَغَسَلَ وجْهَهُ فأسْبَغَ الوُضُوءَ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ اليُمْنَى حتَّى أشْرَعَ في العَضُدِ، ثُمَّ يَدَهُ اليُسْرَى حتَّى أشْرَعَ في العَضُدِ، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ اليُمْنَى حتَّى أشْرَعَ في السَّاقِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ اليُسْرَى حتَّى أشْرَعَ في السَّاقِ، ثُمَّ قالَ: هَكَذا رَأَيْتُ رَسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَتَوَضَّأُ».
(22)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه الدارقطني (1/83)، والبيهقي (259)، وابن الجوزي في التحقيق (130)، والحديث ضعف إسناده ابن حجر في بلوغ المرام (25)، وضعفه ابن الجوزي في تنقيح التحقيق (1/194) ولكن قال عنه الألباني في السلسلة الصحيحة (2067): قوي بالطرق.
(23)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه البخاري (199) عن عبدالله بن زيد رضي الله عنه قال: «ثُمَّ أخَذَ بيَدِهِ مَاءً فَمَسَحَ رَأْسَهُ، فأدْبَرَ به وأَقْبَلَ».
(24)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه من طرق البخاري (363)، ومسلم (274).
(25)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه أبو داود (134)، والترمذي (37)، وابن ماجه (444)، وأحمد (22277)، والحديث صححه الألباني في صحيح أبي داود (134).
(26)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه البخاري (163)عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنه قال: «تَخَلَّفَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم عَنَّا في سَفْرَةٍ سَافَرْنَاهَا، فأدْرَكَنَا وقدْ أرْهَقْنَا العَصْرَ، فَجَعَلْنَا نَتَوَضَّأُ ونَمْسَحُ علَى أرْجُلِنَا، فَنَادَى بأَعْلَى صَوْتِهِ: ويْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلَاثًا».
(27)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه أبو داود (175)، وأحمد (15495) «أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم رأى رجُلًا يُصَلِّي وفي ظَهرِ قدَمِه لُمْعةٌ قَدْرُ الدِّرهمِ لم يُصِبْها الماءُ، فأمَرَه رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنْ يُعيدَ الوُضوءَ»، والحديث صححه الألباني في صحيح أبي داود.
(28)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه البخاري (6954) واللفظ له، ومسلم (225).
(29)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه مطولًا مسلم (1218) باختلاف يسير، وأبو داود (1905)، والنسائي (2961)، وابن ماجه (3074)، (14440) واللفظ لهم.
(30)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه أبو داود (175)، وأحمد (15495) «أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم رأى رجُلًا يُصَلِّي وفي ظَهرِ قدَمِه لُمْعةٌ قَدْرُ الدِّرهمِ لم يُصِبْها الماءُ، فأمَرَه رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنْ يُعيدَ الوُضوءَ»، والحديث صححه الألباني في صحيح أبي داود.
(31)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه أبو داود (175)، وصححه الألباني في صحيح أبي داود.
(32)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه أبو داود (134)، والترمذي (37)، وابن ماجه (444)، وأحمد (22277)، والحديث صححه الألباني في صحيح أبي داود.
(33)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه مسلم (771)، وأبو داود (760)، والترمذي (3421)، والنسائي (897)، وأحمد (729).
(34)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه مسلم (249).
(35)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه مسلم (1911) عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال: «كُنَّا مع النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في غَزَاةٍ، فَقالَ: إنَّ بالمَدِينَةِ لَرِجَالًا ما سِرْتُمْ مَسِيرًا، وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا، إلَّا كَانُوا معكُمْ؛ حَبَسَهُمُ المَرَضُ. وفي رواية: إلَّا شَرِكُوكُمْ في الأجْرِ».
(36)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه مسلم (1909).