ملفات PDF ١ ملف
النص المقروء
عناوين هذا الدرس
[الدَّرْسُ التَّاسِعُ]
رابط الفقرة 1[كتابُ الطَّهارةِ]
رابط الفقرة 2[بَابُ التَّيَمُّمِ]
رابط الفقرة 3الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمدٍ عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
رابط الفقرة 4أما بعد؛ أيها الأخوة والأخوات السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وحياكم الله في مجلسٍ من مجالس العلم، ومجلسٍ من مجالس الذكر في الدرس التاسع من دروس عمدة الفقه للإمام «موفق الدين ابن قدامة رحمه الله » وقد انتهينا إلى باب التيمم.
رابط الفقرة 5قال رحمه الله : (بَابُ التَّيَمُّمِ) لـمَّا فرغ رحمه الله من الكلام على الطهارة المائية، وذكر رفع الحدث الأصغر بالوضوء ورفع الحدث الأكبر بالغسل، شرع في بيان ما ينوب عنهما عند عدم الماء أو عدم القدرة على استعماله، ذلكم أن المسلم قد يجد الماء وهذا هو الأصل، فيجب عليه أن يستعمله في رفع الحدث الأصغر بالوضوء، وفي الحدث الأكبر بالغسل إذا كان واجدًا للماء وقادرًا على استعماله، وهذا قد فرغنا منه وبيَّنا أحكامه لكنَّ المسلم أيضًا قد يعدم الماء فلا يجده، وقد يجده ولا يستطيع استعماله، فشرع الله جل وتقدس اسمه لعباده المؤمنين ما ينوب عن الماء ويخلفه وهو التيمم، والتيمم في لغة العرب بمعنى القصد، ومنه قول الله جل شأنه وتقدس اسمه: ﴿ وَلَا تَيَمَّمُوا۟ ٱلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِـَٔاخِذِيهِ إِلَّآ أَن تُغْمِضُوا۟ فِيهِ ۚ ﴾ [البقرة: ٢٦٧] ندب عباده إذا أرادوا الصدقة أن يختاروا أطيبها كما قال جل شأنه في الآية الثانية والآية الأخرى: ﴿ لَن تَنَالُوا۟ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا۟ مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ ﴾ [آل عمران: ٩٢] وفي هذه الآية نهى عباده أن يتيمموا أن يقصدوا الخبيث من الطعام والنفقة لينفقوا منه، والمقصود أن التيمم يطلق على القصد، وهنا التيمم هو قصد الصعيد الطيب ومسح الوجه واليدين به على صفة مخصوصة، إذن هو قصدٌ لكنه قصدٌ خاص، يقصد المسلم الصعيد الطيب فيمسح وجهه ويديه على صفة مخصوصة يأتي بيانها، وقد دل على مشروعية التيمم الكتاب والسنة والإجماع، فقد ذكر الله جل شأنه وتقدس اسمه التيمم في آيتين: في سورة النساء وسورة المائدة، وذكرهما في لفظ ﴿ فَلَمْ تَجِدُوا۟ مَآءًۭ فَتَيَمَّمُوا۟ صَعِيدًۭا طَيِّبًۭا ﴾ [النساء: ٤٣] ولم يذكر (فإن لم تجدوا) هذا الخطأ الشائع المنتشر بين كثيرٍ ممن يقرأ الآية أو يوردها دليلًا للتيمم نقول: ليس في القرآن (إن لم تجدوا) وإنما فيه في الآيتين ﴿ فَلَمْ تَجِدُوا۟ مَآءًۭ فَتَيَمَّمُوا۟ صَعِيدًۭا طَيِّبًۭا ﴾ وكان سبب هذه المشروعية فقد أمنا أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق رضي الله عنها وعن أبيها سوارها في غزوة المريسيع، فإنها رضي الله عنها لما فقدت السوار أو المعصم بحثت عنه فلم تجده، فأدركت الناسُ الصلاة ولا ماء فأنزل الله جل شأنه آية التيمم توسعة على عباده وتيسيرًا ورفقًا، قال أسيد ابن حضير رضي الله عنه :«ما هي بأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يا آلَ أبِي بَكْرٍ»(1) فبركات هذه الأسرة المباركة، أسرة الصديق على الأمة بركاتٌ عظيمةٌ وليست هذه أولها ولا أخرها، فلما فقدت رضي الله عنه معصمها أو سوارها ولم تجده وأدركت الناسَ الصلاةُ ولا ماء فرض الله وشرع التيمم واختص به هذه الأمة من بين الأمم، كما في الصحيحين من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أُعطيتُ خمسًا لم يُعطَهنَّ أحدٌ من الأنبياءِ قبلي؛ نُصِرتُ بالرُّعبِ مسيرةَ شهرٍ، وجُعِلَت ليَ الأرضُ مسجدًا وطهورًا، فأيما رجلٍ من أمتي أدركَتْه الصلاةُ فلْيُصلِّ»(2)، وفي روايةٍ: «فعنده مسجدُهُ وطَهُورُه»(3) فهذا فضلٌ من الله ورحمةٌ وتوسعةٌ لعباده إذا عدموا الماء أو عجزوا عن استعماله أن ينتقلوا إلى البدل الذي جعله الله قائمًا مقام الماء في رفع الحدث الأصغر أو الأكبر، والسنة في التيمم كثيرةٌ وسيأتينا طرفٌ منها، أي أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، في بيان متى يتيمم وبيان أيضًا صفةِ التيمم، والإجماع منعقدٌ على جوازه في الجملة سواءٌ في السفر أو في الحضر.
رابط الفقرة 6قال رحمه الله :
رابط الفقرة 7بَابُ التَّيَمُّمِ
رابط الفقرة 8وَصِفَتُهُ: أَنْ يَضْرِبَ بِيَدَيْهِ عَلَى الصَّعِيْدِ الطَّيِّبِ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، فَيَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لِعَمَّارِ: «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيْكَ هَكَذَا»(4) وَضَرَبَ بِيَدَيْهِ الأَرْضَ، فَمَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ، وَإِنْ تَيَمَّمَ بِأَكْثَرَ مِنْ ضَرْبَةٍ، أَوْ مَسَحَ أَكْثَرَ، جَازَ.
رابط الفقرة 9وَلَهُ شُرُوْطٌ أَرْبَعَةٌ:
رابط الفقرة 10إذن صفة التيمم بدأ بها، والعادة أن الصفة تتأخر لكن لا حرج ولا مشاحة، ذكر رحمه الله أن صفة التيمم أن يضرب المسلم الأرض أو الصعيد بيديه، أن يضرب بيديه كلتيهما الصعيد الطيب وهو التراب الطاهر كما جاء عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما في تفسيره، في تفسير الصعيد بتراب الحرث والطيب بالطهور، ضَرْبَةً وَاحِدَةً وهذا هو الصحيح خلافًا لمن قال إن التيمم ضربتان، ضربةٌ للوجه وضربةٌ لليدين، وكذلك يمسح بهما وجهه وكفيه فقط إلى مفصل الكف، وهي اليد إذا أطلقت في لغة العرب كما نزل بها القرآن، وكما تكرر مرارًا كما في آية السرقة فإن الله جل شأنه وتقدس اسمه لما قال: ﴿ وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوٓا۟ أَيْدِيَهُمَا ﴾ [المائدة: ٣٨] كان القطع إلى مفصل الكف، فكذا هنا في التيمم المسحُ إلى مفصل الكف يمسح يديه ظاهرهما وباطنهما، ذهب جمهور العلماء إلى أنه يضرب ضربتين ويمسح إلى المرفقين، من الحنفية والمالكية والشافعية، منهم من يوجب ذلك ومنهم من يستحبه، وذهبت الحنابلة إلى أنه يكتفي بضربةٍ واحدةٍ وإلى الكفين فقط، وهذا القول الأخير هو الصحيح الذي دلت عليه السنة فإن النبي صلى الله عليه وسلم أرشد عمار بن ياسر رضي الله عنهما لما أجنب فتمرغ كما تمرغ الدابة اجتهد رضي الله عنه وقاس التيمم على الغسل، وحيث أن الغسل يعم البدن بالماء فإنه رضي الله عنه لما أجنب ولا ماء تمرغ في التراب كما تمرغ الدابة أكرمه الله ورضي عنه، فلما علم صلى الله عليه وسلم بفعله قال: «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيْكَ هَكَذَا» وضرب بيديه الأرض ومسح بهما وجهه وكفيه، فلم يرد في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم ضرب الأرض ضربتين، ولم يرد أيضًا في الحديث الصحيح أنه مسح يديه إلى مرفقيه ولهذا قال الإمام أحمد: «التيمم ضربةٌ فمن زاد فإنما هو شيء زاده من نفسه» وكذلك من قال إلى المرفقين، نقول: لم يصح في ذلك حديث، وهم يحتجون بحديث ابن الصمة وفيه: «أن التيمم ضربتين ضربةٌ للوجه وضربةٌ لليدين» لكن هذا الحديث لم يصحَّ، وإنما صحَّ منه عند مسلم: «أنه مسح بهما وجهه وكفيه» وليس فيه أنه ضرب ضربتين ولا أنه مسح إلى المرفقين، فأما رواية: «التيمم ضربتين» فإنها روايةٌ ضعيفةٌ لا يعوَّل عليها ولا يحتج بها، ولهذا نقول: الصحيح من أقوال أهل العلم أن التيمم ضربةٌ واحدةٌ، وأنه يمسح وجهه بباطن أصابعه ويمسح راحتيه بكفيه بظاهر الكف، وكيف ما مسح أجزئ إذ المقصود التعبد، والله جل شأنه تعبدنا بالتيمم تعبدًا وإلا فمن المعلوم أن التيمم لا ينظف بدنًا ولا يزيل شعثًا ولا غبرةً وإنما تعبدٌ من رب العالمين لعباده أنهم إذا عدموا الماء أو عجزوا عن استعماله يصيبوا الصعيد فيمسحوا وجوههم وأيديهم.
رابط الفقرة 11إذن هذا الحديث وغيره مما ورد في الصحيحين أو أحدهما لم يثبت فيه ضربتان، ولم يثبت فيه أيضًا أنه إلى المرفقين وإنما إلى الكفين فحسب، ولهذا قوله رحمه الله : (وَإِنْ تَيَمَّمَ بِأَكْثَرَ مِنْ ضَرْبَةٍ، أَوْ مَسَحَ أَكْثَرَ، جَازَ)، نقول: هذا مبنيٌّ على الخلاف وقول الأئمة أنه ضربتان واحتجاجهم بحديثٍ فيه ضعفٌ، وكذلك قول من قال إنه يمسح إلى مرفقيه، فكأن المؤلف يقول السنة دلت على ضربةٍ واحدةٍ وأنها إلى الكفين فحسب لكن من زاد ضربتين أو زاد إلى المرفقين فإن هذا الفعل جائزٌ، والصحيح أن هذا لا يجوز، إذا لم يثبت به سنةٌ فالصحيح أنه خلاف السنة، والصحيح أننا نفعل ما فعل صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ونترك ما ترك، ولا نتعبد بما لم يشرع رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، فمن صحَّ عنده الحديث وعمل به لا حرج عليه لكن نحن لم نجد حديثًا صحيحًا في إثبات الضربتين ولا حديثًا صحيحًا في إثبات المسح إلى المرفقين، ومن ثم فإنا نقول: السنة أن يقتصر على ضربة وأن يقتصر على الكفين دون الذراعين والمرفقين فلا يمسحهما سواءً كان التيمم للحدث الأصغر أو الأكبر فإن صفة التيمم واحدةٌ، ولهذا أرشد النبي صلى الله عليه وسلم عمارًا إلى هذه الصفة وهو مجنبٌ محدثٌ حدثًا أكبر ومع ذلك أرشده صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم إلى التيمم بهذه الصفة المذكورة هنا.
رابط الفقرة 12قال رحمه الله : (وَلَهُ شُرُوْطٌ أَرْبَعَةٌ:) أي لهذا التيمم شروطٌ أربعةٌ، هذه الشروط أطالوا رحمهم الله في بعضها وطال باب التيمم بسبب الخلاف فيها، وهو الخلاف بحقيقة التيمم، هل هو كالوضوء والغسل يرفع الحدث أو تستباح به الصلاة ونحوها، لـمَّا اختلفوا في هذه الحقيقة طال الباب وتنوعت مسائله وكثرت، وكذلك جاءوا بهذه الشروط بناءً على الخلاف في حقيقة التيمم وسيأتينا بيان ذلك، قال رحمه الله : (وَلَهُ شُرُوْطٌ أَرْبَعَةٌ: أَحَدُهَا: العَجْزُ عَنِ اسْتِعْمَالِ المَاءِ) وهذا شرطٌ معتبرٌ وربما نقول هو الشرط الصحيح الوحيد، وإذا أضفنا معه النية فإنها شرطٌ في طهارة الأحداث كلِّها، ولهذا نقول ليس في الكتاب العزيز شرطٌ للتيمم إلا هذا، فإن الله جل شأنه وتقدس اسمه لم يشترط في كتابه للتيمم إلا عدم الماء ﴿ فَلَمْ تَجِدُوا۟ مَآءًۭ ﴾ ، قال رحمه الله : (العَجْزُ عَنِ اسْتِعْمَالِ المَاءِ) وهذا التعبير ليشمل العدم الحقيقي والعدم الحكمي، فإن الإنسان قد لا يجد الماء فيكون عادمًا له حقيقةً وعاجزًا عن استعماله حقيقةً، إنسانٌ لم يجد ماءً نقول هذا عادم للماء سواءٌ كان في الحضر أو في السفر فإنه يباح له التيمم؛ لأنه غير واجدٍ للماء، والله جل شأنه يقول: ﴿ فَلَمْ تَجِدُوا۟ مَآءًۭ فَتَيَمَّمُوا۟ ﴾ [النساء: ٤٣] قال رحمه الله : (إما لِعَدَمِهِ) وهذا العدم الحقيقي ألا يجد ماءً لكن متى يصدق على المسلم أنه لم يجد ماءً؟ نقول أولًا: العدم قد يكون في الحضر وقد يكون في السفر إلا أنه في السفر غالب، ثانيًا: إذا عَدِمَ الماء عدمًا حقيقيًا فلم يجده بعد بحث وتقصي صَدُقَ عليه أنه عادمٌ، ولهذا يُشترط قبل أن يحكم على نفسه بالعدم ويتيمم أن يبحث، إذ لا يقال لمن لم يبحث عن الماء إنه عادمٌ له أو أنه لم يجده، لا يقال لمن لم يبحث لم يجدْ، لا في البحث الحسي في الماء ونحوه ولا في البحث العلمي، الباحث في المسائل العلمية في تخريج حديثٍ أو ترجمة علمٍ أو بحثٍ عن مسألةٍ لا يصح له أن يقول لم أجده إلا إذا كان استقصى وبحث، فيصدق عليه أن يقول لم أجد هذا الحديث بعد طول بحث واستقصاء أو لم أجد هذا العَلَم لأترجم له أو لم أجد هذه المسألة بعد البحث في كتب أهل العلم ومظانها، فكذلك عادم الماء إذا قال لم أجد الماء، نقول: هل بحثت؟ فإن لم يبحث نقول: كيف تحكم أنك لم تجد الماء؟ ولهذا بيَّن الفقهاء رحمهم الله العدم كيف يكون، قالوا أولًا: إن المسلم إذا كان سيخرج من البلد مسافرًا لنزهةٍ أو حرثٍ أو احتطابٍ أو لأي سفرٍ وغرض من الأغراض يلزمه أن يحمل معه من الماء ما يكفيه لطعامه وشرابه من جهة ولوضوئه، فإن لم يحمل معه من الماء ما يكفي أو حمل من الماء ما يكفي فنفد فإنه يلزمه أن يرجع ويأخذ من الماء ما يكفيه ولا يتساهل فيتيمم بمجرد عدم الماء، وهذا أمر يحتاج إليه الناس لا سيما أصحاب البراري الذين يخرجون للكشتات، ربما أخذوا كل شيء إلا الماء مع تيسر السبل ووجود السيارات ووجود توانك السيارات ودبات الماء والوسائل التي يمكن أن يحملوا ما شاءوا من الماء لكن ثمة تساهل، إما أنهم من الأصل ما يحملون ماءً إلا قدر الشرب والطبخ أو أنهم يحملون الماء فإذا نفد لم يرجعوا ويحضروه، ولهذا نقول: الفقهاء يقولون لابدَّ أن يحمل معه الماء فإن نفد رجع ولا يتيمم إلا إذا ترتب على رجوعه تفويت حاجةٍ ومصلحةٍ وإلحاق ضررٍ وإلا فإنه في الأصل يجب عليه أن يحضر ما يحتاج إليه، والناس اليوم في البر وفي الكشتات البرية الخلوية يأخذون كل شيء حتى الكماليات وإذا نقصهم أدنى شيءٌ رجعوا وأحضروه أدنى شيءٍ يرجعون إليه، كنت أضرب في بعض الدروس بالكرة، فقال لي بعضهم: الكرة مهمةٌ وضروريةٌ عند الشباب وعند الناس، قلت لهم حتى لو ينقص الهواء في الكرة رجعوا ليصلحوها فما بالهم في أمرٍ يتعلق بالطهارة يتساهلون ويتيممون وهم لم يرجعوا لإحضار الماء، إذن يتعين عليهم أن يأخذوا أهبتهم واستعدادهم وإذا نقص الماء فيرجعوا لأخذه مبكرين، إذن نقول: يلزمهم ابتداءً أن يأخذوا من الماء ما يكفيهم، فإذا نقص يبادروا بإحضار الماء ويرجعوا للبلد أو للطريق حتى يحضروا الماء ولا يسارعوا للتيمم لكنَّ الواقع اليوم مؤلم، كنا نقوله في البادية والأعراب واليوم حتى الحاضرة، الأعراب في البادية في الأعم الأغلب يتساهلون وسبب تساهلهم الجهل، فتجد الواحد منهم عنده الوايت الكبير من الماء وإذا جاءت الصلاة تيمم -أو طق العفور كما يقولون- وصلى، نقول: هذا الماء يا أبتي، يا عمي، يا كبير السن، هذا الماء موجود فلماذا تتيمم؟ يقول هذا الماء للبهم -نقول سبحان الله- الماء للبهم؟ لو توضأت منه أو اغتسلت، ما الذي يضير؟ إن كان هذا الكم الكبير من الماء أو الوايت يجلس أسبوعًا، لو توضأت كم ينقص؟ يمكن نصف يوم أو يوم، ما الذي يضير؟ كيف تتيمم دهرك وحياتك والماء موجود بهذه الكمية الكبيرة بحجة أنه للبهم.
رابط الفقرة 13والحاضرة عندهم أيضًا من الجهل صور، منها: أن منهم من يخرج للبر معه كل شيء حتى الدبات الكبيرة من الماء لكنهم يتيممون، وإذا قيل لهم هذا الماء معكم، قالوا: هذا نضبب به نستخرج به الضب من جحوره -سبحان الله- تحملون هذا الكم الكبير من الماء وتضببون به ليس لحاجة الأكل غالبًا وإنما للتجارة أو أحيانًا مجرد سعة صدر كما يقولون، ثم إذا جاءت الصلاة تتيممون؟ هذا جهل عظيم، ولا يحل لكم التيمم وأنتم تجدون الماء لا على الأعراب والبادية الذين يتممون والوايت مليء بالماء، ولا الذين يحملون الجراكن والدبات من الماء الكثيرة ثم يتممون؛ لأنهم حفظوا هذا الماء كما يقولون للتضبيب ونحوه، فهذا من الجهل العظيم، ولهذا نقول: ليس كل مدعي لعدم الماء صادق بل من الناس من يدعي عدم الماء وهو واجدٌ للماء فإذا قُدِّر أنه لم يجد ماء ولم يتيسر له الرجوع لإحضاره إلا بتفويت حاجته أو خروج وقت الصلاة فإنا نقول يتأكد عليه ويتعين أن يبحث عن الماء، وأول ما يبحث عنه في رحله، في عفشه، في سيارته، في خيمته، مع رفقته يسألهم يقول: يا صحبتي، يا من معي في هذه الرحلة ابحثوا عن الماء في سياراتكم فربما وجد بعضكم جركلًا أو كرتون ماءٍ من هذا المعد للشرب فلنتوضأ، فإذا لم يجده في رحله وعفشه وخيمته وسيارته ورفقته بحث عنه في محيطه، فيلتفت عن يمينه، وعن شماله، وعن أمامه، ومن خلفه، وإذا وجد مكانًا مرتفعًا كأكمة ونحوها صعد ولفَّ من جميع الجهات، فإن وجد ماءً أو أثر ماءٍ ذهب إليه ويستدل على الماء بالخضرة، فإذا وجد خضرة انطلق؛ فإنه يغلب عند الخضرة وجود الماء أو وجد طيرًا فإن الطير يكون نازلًا عند الماء أو نحو ذلك، فإن لم يجد أثرًا للماء ولا أناسًا يستدل ويسألهم عن الماء إذ قد يكون معهم وفر ماءٍ أو يدلُّونه على ماءٍ أو على بئر ماءٍ أو غدير ماءٍ أو محطةٍ فيها ماءٌ وأعيته الحيلة بحث واستقصى فلم يجد، حينئذٍ يتيمم ويكون عادمًا للماء حقيقةً ويصدق عليه قول الله جل شأنه: ﴿ فَلَمْ تَجِدُوا۟ مَآءًۭ فَتَيَمَّمُوا۟ ﴾ أما إنه مباشرةً يتيمم بدون بحث ولا تحري فإنا نقول هذا مفرِّطٌ، ومن ثَم فإنه لو وجد الماء يعيد لأنه فرَّط في البحث عن الماء.
رابط الفقرة 14قال رحمه الله : (أَحَدُهَا: العَجْزُ عَنِ اسْتِعْمَالِ المَاءِ، إما لِعَدَمِهِ) هذا العدم الحقيقي (أَوْ خَوْفِ الضَّرَرِ بِاسْتِعْمَالِهِ؛ لِمَرَضٍ، أَوْ بَرْدٍ شَدِيْدٍ) هذا أيضًا من الأعذار، الماءُ موجودٌ لكنه يعجز عن استعماله، وهذا يسمى العدم الحكمي يعني هو في حكم عادم الماء، الماءُ موجودٌ لكنَّه يخشى الضرر باستعماله، كأن يكون مريضًا وقد منعه الطبيب من استعمال الماء، إما لجرحٍ أو شجةٍ أو لمرضٍ ما لا يستطيع استعمال الماء لا سيما في الغسل أو يخاف من المرض لو استعمل الماء ليس مريضًا الآن لكن لو استعمل الماء ربما مرض، وهذا مَثَّلَ له بقوله: (أَوْ بَرْدٍ شَدِيْدٍ) فإذا كان في بردٍ شديدٍ لا يطاق لو اغتسل هلك أو تضرر بأن مرض أو زاد مرضه وتأخر برؤه، وهذا يتصور في شدة البرد في البر خاصة في حق من أجنب، إنسانٌ في البر في برودةٍ شديدةٍ وأصبح لصلاة الفجر وهو جنبٌ من جماعٍ أو احتلامٍ، فلم يجد ما يسخن به الماء لا موقد غاز ولا حطب ولا كهرباء ولا سخان، ولم يجد مكانًا أيضًا محوطًا كخيمةٍ مخصصةٍ يستطيع أن يغتسل فيها، ولا ما يدفئ نفسه لو اغتسل وينشفه فخشي إن اغتسل أن يهلك يموت أو يمرض، فإنا نقول: هذه الحالة تبيح له التيمم، وعلى هذا يحمل فعل عمرو بن العاص رضي الله عنه كما سبق في غزوة ذات السلاسل لما احتلم في ليلة شديدة البرد فخشي إن اغتسل أن يهلك فتيمم وصلى بإصحابه، فلمَّا رجعوا للنبي صلى الله عليه وسلم قالوا له إنه صلى بنا وهو جنبٌ فسأله صلى الله عليه وسلم قبل أن ينكر عليه استفصل وسأل، فقال: «صلَّيتَ بأصحابِكَ وأنتَ جنُبٌ؟» قال يا رسول الله إني احتلمت في ليلة شديدة البرد فخشيت إن اغتسلت أن أهلك، وسمعت الله يقول: ﴿ وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًۭا ٢٩ ﴾ [النساء] فتبسم صلى الله عليه وسلم وأقره على هذا الفقه وعلى هذا الاجتهاد(5) لكن نقول ليس كل بردٍ يبيح التيمم، ولهذا اشترط الشافعية أن يخاف الهلاك أو تلف العضو، قالوا: أما مجرد البرد والمرض اليسير فيعفى عنه، لكن الصحيح أنّا نقول: حتى لو خاف المرض لكن أدنى برودة، نقول: لا، ولهذا بعض الناس قد يتوسع في هذا وربما حتى الوضوء ما يتوضأ يقول برد -سبحان الله- أنت الذي بحثت عن البرد، غالب الذين يكشتون الآن هم الذين بحثوا عن البرد وذهبوا إليه، يعني لم يبتلوا به في بيوتهم بل هم ذهبوا إليه، وهم يأخذون استعدادهم بكل وسيلة للتدفئة فإذا جاء وقت الصلاة والوضوء ربما قال بعضهم أتيمم، نقول: لا يحل لك التيمم إلا في حال العجز ولا يتصور غالبًا في الوضوء أن يعجز عنه، فإن الوضوء كما هو ظاهرٌ غسل الأعضاء الظاهرة الوجه واليدين والرجلين، والرجلين غالبًا يكون فيها ما يدفئها من الخفين أو الجوربين أو الشُراب، والرأس يكون أيضًا غالبًا إما معتمًا لابسًا قبعًا كالعمامة فحينئذٍ هو ما يغسل إلا وجهه ويديه، والضرر لا يكون غالبًا بغسلِ هذه الأطراف لكن الغسل نعم قد يتحقق، ومن ثم فإذا لحقه الضرر أو خاف الهلاك أو الضرر يتيمم لكنه لا يستمر على هذا التيمم، وهذه مسألة مهمة وهو أن من ابتلي بهذه الحالة فتيمم، نقول: بادر إلى الغسل فور قدرتك يعني بين الفجر والظهر ساعاتٌ طويلة تستطيع أن تبحث عما تسخن به الماء أو تنطلق إلى البلد أو إلى مكانٍ في الطريق أو نحوه فتغتسل، فلا تأتي صلاة الظهر وأنت جنب بل تتيمم لصلاة الفجر بعد تخفيف الحدث ما أمكن، تغسل ما استطعت من جسمك ثم تتيمم وتصلي لكنك تجتهد ألَّا تأتي صلاة الظهر إلا وقد رفعت الحدث.
رابط الفقرة 15قال رحمه الله : (أَوْ خَوْفِ العَطَشِ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ رَفِيْقِهِ أَوْ بَهِيمَته) لم يكن معه من الماء إلا قليلًا وهو يخشى على نفسه لو توضأ به أن يعطش، والماء بينه وبينه مسافاتٌ طويلةٌ لا يستطيع أن يحضره أو يخشى لو ذهب يحضره أن يضيع أو يضل أو يعتدي عليه قطاع طرق أو نحو ذلك، فهو في حالٍ لا يستطيع أن يذهب ويحضر كمية من الماء تكفيه، نقول حينئذٍ: ما دام أن هذا الماء معك قليلٌ ولا تستطيع أن تأتي بماءٍ آخر وهو قدر ما تحتاج في طبخك أو شربك أو طعامك فلا تتوضأ به بل تيمم، وكذلك لو كان عنده رفيق من أصدقائه وزملائه وعامة المسلمين بل الأنفس المعصومة ويحتاجون هذا الماء، ومثله البهيمة المحترمة المعصومة فكذلك، وهذا كله لأن الله جل شأنه جعل للوضوء والغسل بدلًا وهو التيمم ولم يجعل للشرب بدلًا.
رابط الفقرة 16قال رحمه الله : (أَوْ خَوْفٍ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ مَالِهِ فِيْ طَلَبِهِ) يخاف الذهاب يطلب ويحضره أي أن يضل ويضيع في متاهة وفي مكان بعيد وفي غراز، وليس عنده من الوسائل العصرية ما يستطيع أن يعرف مكانه من أجهزة تحدد المكان فينطلق ويعود، والطريق مخوفٌ وغير آمن إما من سباعٍ وإما من قطاع طرقٍ ونحوهم فيخاف على نفسه إن ذهب ألا يرجع أو يخاف على ماله الذي معه من سيارةٍ ونحوها أو يخاف على عفشه ورحله وخيمته وما فيه إن ذهب يحضر ألا يجدها إن عاد (أَوْ إِعْوَازٍ إِلاَّ بِثَمَنٍ كَثِيْرٍ) أو لم يجد الماء إلا بثمن كثيرٍ جدًا، وجد الماء يباع لكنِّه يباع بأضعاف أضعاف قيمته، بعض أهل العلم قالوا: إذا كان بأكثر من ثمن المثل في مكان إعوازه يعني في البر، ومعلومٌ أن الماء يباع في البلد بسعرٍ وفي البر بسعرٍ، مثل هذه القارورة ربما تباع هنا في البلد بنصف ريال لكن لو وجدناه في البر تباعُ بريالٍ أو بريالين، نقول: هذا ثمن مثلها في مكان إعوازها فليس سعرها في البلد كسعرها في البر لكن لو وجدنا أن هذه تباع بعشرة ريالات أو القارورة الأكبر منها التي يمكن أن يتوضأ بها الإنسان التي فيها نصف لتر وجدناها تباع في البلد بريالٍ والأصل أنها تباع في مكان الإعواز بريالين أو ثلاثة، لكن هذا الإنسان استغل حاجة الناس فبدأ يبيع القارورة نصف اللتر بعشرة ريالات، فهل يشتري ويتوضأ أو يتيمم، قولان لأهل العلم: المشهور في المذهب عند الحنابلة أنها إذا زادت عن ثمن مثلها فإنه ينتقي التيمم ويتركها، والقول الثاني في المذهب وهو الراجح: أنه يشتري ما لم تجحف بماله، ما لم تجحف بماله، كيف تجحف بماله؟ نقول: لو كان هذا الإنسان معه مال، معه مال كثير وزائد عن حاجته في هذه الرحلة وهذه الكشتة، عنده مال كثير ما احتاج من وقود لسيارته أو طعام أو حاجيات فإنه يشتريها، والماء الذي يتوضأ به يكلفه خمسة ريالات أو سبعة ريالات أو عشرة ريالات، نقول: يشتري ولو كانت أضعاف قيمتها، يشتري ويتوضأ ولا يتيمم ما دام أنها لا تجحف بماله لكن لو أنه ليس في جيبه إلا مالٌ يسير، إن اشترى هذا الماء تضرر في أن وقود سيارته على وشك النهاية أو ليس معه طعام وهو يحتاج أن يشتري طعامًا له أو لرفقته أو لأهله أو من معه، فإنا نقول: يقدم حاجته للطعام والشراب وحاجة سيارته مثلًا للوقود على هذا الماء ويتيمم، فالعبرة إذن ليس بزيادتها أضعاف قيمتها وإنما العبرة، هل الزيادة تجحف بالمال أو لا تجحف؟ فإن كانت تجحف بماله تيمم ولم يشترِ وإن كانت لا تجحف بماله وجب عليه الشراء والوضوء، وهو الصحيح من قولي أهل العلم.
رابط الفقرة 17قال رحمه الله : (فَإِنْ أَمْكَنَهُ اسْتِعْمَالُهُ فِيْ بَعْضِ بَدَنِهِ، أَوْ وَجَدَ ما لا يَكْفِيْهِ لِطَهَارَتِهِ، اسْتَعْمَلَهُ، وَتَيَمَّمَ لِلْبَاقِيْ)، يقول رحمه الله : (فَإِنْ أَمْكَنَهُ اسْتِعْمَالُهُ فِيْ بَعْضِ بَدَنِهِ) كالجريح الذي يستطيع استعمال الماء في بعض البدن ويتيمم عن الباقي، وكذلك لو وجد ما لا يكفي لطهارته، وجد ماء قليلًا لا يكفي لطهارته كلها، سواءً كانت الطهارة صغرى أو كبرى، نقول: أما الكبرى فإنه يستعمل ما وجد ثم يتيمم لعموم قول الله تعالى ﴿ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ ﴾ [التغابن: ١٦]، قول النبي صلى الله عليه وسلم : «إذا أمرتُكُمْ بِشيءٍ فأْتُوا مِنْهُ ما استطعتُمْ»(6) فيستعمل الماء وجوبًا فيما استطاع من غسل بدنه، ثم إذا عدم الماء وانتهى يتيمم عن الأعضاء التي لم يستطع غسلها، وذلك لأن الغسل لا يشترط فيه موالاةٌ ولا ترتيبٌ كما سبق في بيان صفته، فأي عضوٍ غسله ارتفع الحدث عنه، ومن ثم فإنا نقول استعمل الماء في بعض الأعضاء التي تقدر عليها ثم تيمم عن الباقي، أما في الوضوء ففيه قولان أو وجهان، قيل كالغسل يستعمل الماء في ما استطاع من أعضاء الوضوء فيبدأ بالمضمضة والاستنشاق ويغسل وجهه ويكتفي هنا بغسلة واحدة ما دام الماء قليلًا ثم يغسل يديه، فإن انتهى الماء تيمم عن الأعضاء التي لم يصبها الماء كمسح الرأس وغسل الرجلين، وقيل بل يترك الماء ويتيمم ابتداءً، والراجح والعلم عند الله تعالى هو القول الأول وهو أن الوضوء كالغسل، فإذا عدم الماء الذي يكفي وضوئه كمن عدم الماء الذي يكفي غسله، يتيمم بعد نفاذ الماء، هذا إذا كان لا يحتاج الماء البتة؛ لأن هذه المسألة مفترضة في حق إنسان يقول أنا الآن هذا المال القليل باقي لا أحتاجه لا في شربٍ ولا طبخٍ ولا رفقةٍ ولا أحدٍ، نحن الآن راجعين لكن هل أتوضأ بهذا القليل ثم أتيمم أو أتيمم وأتركه، نقول: بل استعمله فإذا نفد صرت عادمًا للماء، يصدق عليك قول الله جل شأنه ﴿ فَلَمْ تَجِدُوا۟ مَآءًۭ فَتَيَمَّمُوا۟ ﴾ ويدل على ذلك عموم قول الله جل شأنه: ﴿ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ ﴾ أنت استطعت هذا فاستعملته، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا أمرتُكُمْ بِشيءٍ فأْتُوا مِنْهُ ما استطعتُمْ» فتوضأ بما تيسر من ماء ثم تيمم عن الباقي.
رابط الفقرة 18قال رحمه الله : (أَوْ وَجَدَ ما لا يَكْفِيْهِ لِطَهَارَتِهِ، اسْتَعْمَلَهُ، وَتَيَمَّمَ لِلْبَاقِيْ) وهذه الصورة الوحيدة التي يجمع فيها بين الأصل والبدل، وهي صورة عدم الماء الذي يكفي الطهارة أو كون بعض البدن جريح وبعضه صحيح ولا يستطيع أن يغسل الجريح ولا يمسح عليه فإنه يتيمم عنه، وقد مر بنا الكلام على الجبيرة لكن لها مناسبة هنا نعيدها، لو أن مسلمًا في يده أو رجله جرح عليه لصق أو جبيرة، فجاء يسأل يقول: كيف أفعل؟ نقول: أولًا قبل أن نقول عليه لصقة أو عليه جبيرة، لو كان مجروحًا أو مكسورًا والجرح أو الكسر مكشوفٌ، ليس عليه غطاءٌ ولا لصقة ولا جبيرةٌ ولا شيءٌ فسألَنا، نقول: إن كان هذا الجرح أو الكسر مكشوفًا وتستطيع غسله فاغسله وجوبًا، قال: لا، أنا ما أستطيع غسله، نقول: هل تستطيع مسحه؟ قال: نعم، المسح لا يضر، نقول: امسحه وجوبًا بالماء وبلْ يدك بالماء وامسح من جميع الجهات، فإن قال: لا أستطيع غسله ولا مسحه، قال له الطبيب: هذا الحرق أو هذا الجرح خطيرٌ جدًا من الدرجة العالية لا يقربه الماء ولا ريح الماء، نقول: إذن تيمم عنه، إذا لم تستطع غسله ولا مسحه فتيمم عنه، وأما إذا استطعت الغسل أو المسح فلا تتيمم، بعض العامة يجمع بين الغسل والتيمم، يغسل ويتيمم أو يمسح العضو الجريح ويتيمم، نقول إذا مسحت فلا تتيمم، لا تجمع بين البدلين المسح والتيمم فكلاهما بدل ولا يجمع بين البدلين على الصحيح، فإن كان على الجرح أو الكسر لصوقًا أو جبيرةً فإنا نقول: أنت بين خيارين: أولهما أن تقدر على المسح فيتعين عليك، إذا قال له الطبيب امسح على هذه الجبيرة أو ذلك الجرح من وراء الحائل، نقول: يتعين عليه المسح سواءً كان في أعضاء الوضوء وهو يتوضأ أو كان في البدن وهو يغتسل فيمسح على هذه اللفافة أو تلك الجبيرة أو ذلك اللصوق ويجزئه ذلك ولا يلزمه التيمم، فإن قال: لا أستطيع مسح هذا الجرح ولو من وراء حائلٍ أو تلك الجبيرة، نقول: فتيمم حينئذٍ ولا تجمع بين المسح والتيمم، ومثله هنا إذا كان الماء قليلًا فإنه يستعمله في بعض الأعضاء التي يقدر عليها في الغسل أو الوضوء ثم يتيمم عن الباقي.
رابط الفقرة 19قال رحمه الله : (الثَّانِيْ من الشروط: الوَقْتُ، فَلا يَتَيَمَّمُ لِفَرِيْضَةٍ قَبْلَ وَقْتِهَا، وَلا لِنَافِلَةٍ فِيْ وَقْتِ النَّهْيِ عَنْهَا) هذا مبنيٌ على خلافهم رحمهم الله في التيمم، هل هو مبيحٌ أو رافع؟ اختلف العلماء رحمهم الله في هذه المسألة وهي أساس الخلاف في هذا الباب، في هذه المسألة الشهيرة وهي مسألة التيمم هل هو رافعٌ؟ أي رافعٌ للحدث ويُفعل به ما يُفعل بالوضوء، فإذا تيمم كأنه متوضئٌ أو أنه مبيحٌ فقط، يبيح لك ما أردت فعله من مس مصحفٍ أو طوافٍ أو صلاةٍ، جمهور العلماء من المالكية والشافعية والحنابلة على أنَّ التيمم مبيحٌ لا رافعٌ، وأنه الطهارة ضرورةٌ وأنه يتقدر بقدره وبوقته فلا يتيمم لفريضة حتى يدخل وقتها ولا لنافلةٍ حتى تباح ولا لمنذورة حتى يتعين فعلها وأيضًا إذا خرج الوقت بطل تيممه، لأنهم قالوا التيمم ضرورةٌ لا تتيمم حتى يدخل الوقت وإذا خرج الوقت بطل، فجعلوا دخول الوقت شرطٌ وخروجه مبطلٌ، ما الدليل على هذا؟ قالوا إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الصعيدَ الطيبَ طهورُ المسلمِ، وإن لم يجدِ الماءَ عشرَ سنين فإذا وجد الماءَ -فليتق الله- ولْيمسَّه بشرتَه»(7). قالوا: فلو كان التيمم رافعًا لم يأمره إذا وجد الماء أن يستعمله، نقول -سبحان الله- هذا لا خلاف فيه بين العلماء أنه إذا وجد الماء بطل تيممه وأنه لا يستمر بطهارة التيمم مع وجود الماء، ولهذا نحن نقول لكم في الخلاف إنَّ من وجد الماء استعمله وجوبًا لكنَّ الكلام في حق عادم الماء الذي تيمم لصلاة الظهر مثلًا ثم جاءت صلاة العصر وهو لم يحدث ولم يجد الماء، كيف تؤمرونه وتكلفونه أن يتيمم ثانيةً؟ هو لو وجد الماء بطل تيممه لكنه لم يجد ماء والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «فإذا وجد الماءَ -فليتق الله- ولْيمسَّه بشرتَه» ونحن نتفق وإياكم على أنه إذا وجد الماء يتق الله ويستعمله لكن هو لم يجد الماء، فكيف نكلِّفه أن يتيمم كل وقتٍ؟ ونقول إذا خرج الوقت بطل تيممك؟ ونقول له أيضًا كما يقولون رحمهم الله بناءً على هذا القول إنه إذا تيمم للنافلةٍ لا يصلي به فريضةً، إذ فرَّقوا بين الأصل والبدل وقالوا: إن التيمم بدلٌ لا يقوم مقام الوضوء، وقالوا أيضًا معللين: ولأن التيمم طهارةٌ ضرورةٌ فتقدر بقدرها وهو غير مضطرٍ للتيمم قبل دخول الوقت، وهذا غير صحيحٍ بل المسلم يريد أن يبقى على الطهارة دائمًا، ولهذا كلما أحدث توضأ أو كلما أحدث تيمم إذا كان عادمًا للماء، فليس بصحيح أنه لا يتوضأ إلا للضرورة بل هو مضطر إلى أن يبقى على الطهارة ومحتاجٌ لذلك وقد اعتاده، أيام وجود الماء عنده يتوضأ كلما أحدث ويصلي أيضًا ركعتين كلما توضأ وهذا سنةٌ، فكذلك إذا تيمم قبل دخول الوقت ما الذي يمنعه من ذلك؟ سواءٌ أراد الصلاة أو مجرد التيمم والطهارة، إذن القول الثاني في المسألة أن التيمم رافعٌ رفعًا مؤقتًا حتى يجد الماء أو يقدر على استعماله إن كان عاجزًا عنه وهو مذهب الحنفية ورواية عن الإمام أحمد واختيار جمع من المحققين كشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وعليه الفتوى والعمل وهو أن التيمم يقوم مقام الماء عند عدم الماء حتى يوجد الماء أو يقدر على استعماله إذا كان الباعث عليه العجز وذلك أن الله جل شأنه جعل التيمم مطهرًا كما جعل الماء مطهرًا وأقامه مقامه وتفضل على عباده به عند فقد الماء أو العجز عن استعماله وسمَّاه صلى الله عليه وسلم طهورًا، قال صلى الله عليه وسلم : «الصعيدَ الطيبَ طهورُ المسلمِ» كما قال في البحر: «هوَ الطَّهورُ ماؤُهُ الحلُّ ميتتُهُ»(8)، فجعل التراب كالماء مطهريَن، وقال صلى الله عليه وسلم : «الصعيدَ الطيبَ طهورُ المسلمِ، وإن لم يجدِ الماءَ عشرَ سنين فإذا وجد الماءَ -فليتق الله- ولْيمسَّه بشرتَه» فدل على أنه يقوم مقام الماء حتى يجد الماء أو يقدر على استعماله ومن ثم فإنه لا يشترط دخول الوقت فلو تيمم لصلاة الضحى مثلًا ثم جاءت صلاة الظهر وهو لم يجد ماءً فإنه يصلي به الظهر ولو جاءت صلاة العصر وهو لم يحدث ولم يجد ماء يصلي به العصر على الصحيح من قولي أهل العلم، وهذا الخلاف هو الذي جعل الباب يطول وجعل المسائل تتفرع كثيرًا فإنه ينبني على القول بأن التيمم رافعٌ رفعًا مؤقتًا أن يُقال: أحكامُ أحكامِ الماء حتى يجد الماء فلا يشترط فيه شروطًا خاصةً إلا متى يتيمم فقط يعني بيان متى يتيمم، الحالات التي يباح فيها التيمم أو يشرع فيها التيمم، وما سوى ذلك نقول هو كالماء فلا يشترط له شروطٌ خاصةٌ ولا يقال بمبطلاتٍ خاصةٍ كخروج الوقت ونحوه وإنما يقال مبطلاته مبطلات الوضوء وموجبات الغسل أو وجود الماء إذا وجد الماء بطل التيمم.
رابط الفقرة 20قال رحمه الله : (وَلا لِنَافِلَةٍ فِيْ وَقْتِ النَّهْيِ عَنْهَا) يقول الآن وقت نهي بعد صلاة الفجر صلى الفجر في جماعة في المسجد ليس ثمة نافلة بعد الفجر حتى تطلع الشمس إلا ذوات الأسباب فقالوا لا يتيمم الآن حتى تطلع الشمس إذا أراد أن يصلي لأنه لا يتيمم حتى يدخل وقت الفريضة أو تباح النافلة إذا كانت في وقت نهي فلا يتيممها (الثَّالِثُ: النِّيَّةُ، فَإِنْ تَيَمَّمَ لِنَافِلَةٍ، لَمْ يُصَلِّ بِهِ فَرِيْضَةً، وَإِنْ تَيَمَّمَ لِفَرِيْضَةٍ، فَلَهُ فِعْلُهَا، وَفِعْلُ مَا شَاءَ مِنَ الفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ، حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا) هذا الشرط الثالث النية أصله صحيح إذ لا تيمم بدون نية ولا وضوء ولا غسل بلا نية فطهارة الأحداث كلها يشترط لها النية لقوله صلى الله وآله وصحبه وسلم: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» لكن التفصيل الذي ذكروه في النية هو محل الخلاف والخلاف مبنيٌ على الخلاف السابق، هل التيمم رافعٌ للحدث أو مبيحٌ للصلاة ونحوها؟ فمن يرى أن التيمم رافعٌ يقول يكفيه نيةٌ مثل نية الوضوء، فإذا توضأ لصلاة النافلة هل يصلي به الفريضة؟ نقول: بلا خلاف من توضأ لنافلة صلى به فريضة، ومن توضأ لمس المصحف صلى، من توضأ للقراءة عن ظهر قلب صلى، من توضأ لغضب، من توضأ لنومٍ يصلي به، لكن التيمم اختلفوا رحمهم الله ، فالذين يرون أن التيمم مبيحٌ لا رافعٌ يقولون لابدَّ أن يحدد ما نوى لأن التيمم لا يرفع الحدث فلابد من نيةٍ تقويه فإن نوى التيمم لفريضة فعلى هذه الفريضة وما شاء من الفرائض حتى يخرج الوقت يعني تيمم لصلاة الظهر يصلي صلاة الظهر وصلاة ظهرٍ أو عصرٍ أو أي فريضةٍ نسيها أو أعادها وكذلك يصلي ما دون ذلك كالمنذورة وفرض الكفاية كصلاةٍ على الميت وصلاة النافلة ويمس المصحف ويقرأ القرآن عن ظهر قلب ويلبث في المسجد لأنه نوى الأعلى لكن لو نوى الأدنى لا يفعل إلا هو وما دونه فلو نوى صلاة نافلةٍ لم يصلِ بها فريضةً ولا فرض كفاية، قالوا: لو تيمم لسنة الضحى ثم حضرت جنازة لا يصلي بهذا التيمم صلاة الجنازة؛ لأن الكفاية أعلى من النافلة، ولهذا رتَّبوا رحمهم الله العبادات ترتيبًا هرميًا من الأعلى إلى الأدنى، فقالوا أعلاها فرض العين مثل الصلوات الخمس والجمعة ثم النذر فهو يلي الصلوات الخمس المفروضة في الرتبة إذا نذر أن يصلي ثم فروض الكفاية كالصلاة على الميت ثم النفل المطلق من راتبةٍ وتحية مسجد وصلاة ليل، وإن كان بعضها أقوى من بعض لكنها كلها صلاة نافلة ثم طواف النفل ثم مس المصحف ثم قراءة القرآن عن ظهر قلب ثم اللبث في المسجد، فلو نوى الأعلى يفعل ما دونه، لو نوى صلاة فريضة تيمم لصلاة فريضة فإنه يدخل المسجد ويصلي ويطوف بالبيت لو كان في المسجد الحرام ويمس المصحف ويقرأ القرآن عن ظهر قلب لأنه نوى أعلى شيء، لو حضرت جنازة يصلي عليها لكن لو نوى الأدنى؟ قالوا: ما يصلي، ما يفعل الأعلى، فلو دخل المسجد متيممًا أو متوضئًا ثم أحدث بعد الصلاة وهو يريد البقاء في المسجد ولم يجد ماءً، السنة أن يبقى في المسجد على طهارة فتيمم هذا أدنى شيءٍ ثم بدا له أن يقرأ القرآن عن ظهر قلب، يقولون: تَيَمَّم تَيَمُم ثاني؛ لأن قراءة القرآن عن ظهر قلب أقوى من مجرد اللبث في المسجد، طيب لما قرأ أُرتج عليه وغلط في القراءة أراد أن يأخذ المصحف ليفتح على نفسه، يقولون: يتيمم لمس المصحف ثم لما فرغ من القراءة أراد أن يتنفَّل يتيم، أراد أن يطوف بالبيت لو كان في المسجد الحرام يتيمم، جاءت صلاة الفريضة يتيمم، يعني في الجلسة الواحدة هذه يمكن تيمم خمس مرات أو ستة أو سبع، هذا مبنيٌ على قول مرجوحٍ والراجح أنه إذا تيمم لأدنى شيء يفعل به ما شاء مثل لو توضأ لأي شيءٍ فإنه يفعل بهذا الوضوء ما شاء، هذا هو الصحيح من قولي أهل العلم وأنه ينوي لكن ليس على ما ذكروا وإنما ينوي رفع الحدث رفعًا مؤقتًا بلا شك، فالتيمم لا يرفع الحدث رفعًا دائمًا بدليل أنه متى وجد الماء وجب عليه استعماله.
رابط الفقرة 21قال رحمه الله : (الرَّابِعُ: التُّرَابُ، فَلا يَتَيَمَّمَ إِلاَّ بِتُرَابٍ طَاهِرٍ، لَهُ غُبَار) الله جل شأنه وتقدس اسمه يقول: ﴿ فَتَيَمَّمُوا۟ صَعِيدًۭا طَيِّبًۭا ﴾ [النساء: ٤٣] فسّر ابن عباس رضي الله عنهما الصعيد بتراب الحرث والطيب بالطاهر فلا إشكال في أنه يتيمم بالصعيد وربما كانوا أبرز الصعيد وأظهره التراب لكن لو لم يجد ترابًا كالحجر الأملس والجبل أو وجد رملًا أو نورة أو نهيت أو أرض كلها زراعة، فهل يتيمم ويصلي أو يبقى ينتظر التراب الذي له غبار؟ نقول: هذا محل خلاف إذن يشترطون رحمهم الله أن يكون التيمم بتراب وأن يكون له غبار ليس أي ترابٍ أيضًا وهذا مذهب الشافعية والحنابلة في اشتراط التراب الذي له غبارٌ، قالوا: فلا يتيمم برملٍ ولا سبخةٍ ولا حجارةٍ ولا جبلٍ ولا أرضٍ مزروعة؛ لأن الله جل شأنه قال: ﴿ فَتَيَمَّمُوا۟ صَعِيدًۭا طَيِّبًۭا ﴾ قالوا: الصعيد: تراب الحرث، والطيب: الطهور وقال: ﴿ فَٱمْسَحُوا۟ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ ﴾ [المائدة: ٦] قالوا ومن للتبعيض وما لا غبار له يعلق باليد فكيف يمسح منه شيءٌ بالوجه أو اليدين؟ والقول الثاني: أنه يتيمم بما صعد على وجه الأرض ترابًا له غبارٌ أو ترابًا لا غبار له أو رملًا أو نحيتًا أو حجارةً أو أرضًا زراعيةً أو غير ذلك، وهذا القول هو الأرفق والأوفق والأسهل والأيسر الذي يقتضيه رفع الحرج وهو فعله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم فإنه ما كان يتكلف نقل التراب معه إذا سافر، وقد سافر هو وأصحابه رضي الله عنهم وصلى وسلم على رسوله إلى تبوك وقطعوا المفاوز العظيمة هناك التي لا يوجد فيها إلا الرمل فكان يتيمم بما أدركته الصلاة فيه رملًا أو ترابًا، ولهذا نقول: يتيمم المسلم بالأرض التي أدركته الصلاة فيها كما قال صلى الله عليه وسلم : «فأيما رجلٍ من أمتي أدركته الصلاة فعنده مسجده وطهوره فليصل جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا»(9) لكن إذا وجد ترابًا له غبارٌ فلا يعدل عنه يعني إنسان في أرضٍ بريةٍ موجود أرض ذات تراب وغبار وأرضٍ رمليةٍ، نقول: تيمم من التي فيها غبار والتراب فإن هذا صحيحٌ أي التيمم عند الجميع ويرتفع حدثك وتباح لك الصلاة عند الجميع وإذا عمدت إلى الرمل ففيه خلاف من أهل العلم من لا يصحح تيممك، فإذا وجدت هذا وهذا فلا تعدل عن التراب الذي له غبارٌ إلى التراب الذي لا غبار له أو الرمل ونحوه لكن من لم يجد إلا رملًا أو حجارة ونحوه، نقول: تيمم بالأرض التي أدركتك الصلاة فيها فإن هذا مقتضى رفع الحرج فإن الله جل شأنه قال في آية التيمم ﴿ مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍۢ ﴾ [المائدة: ٦] ومن مع حرج، النكرة تعم أدنى حرج فترفع كل حرج، الله جل شأنه رفع عنَّا أدنى حرج ومقتضى رفع الحرج أن نتيمم بالأرض التي أدركتنا فيها الصلاة بدون أدنى حرج وهذا يدل على أن (من) في الآية ليست للتبعيض وإنما لابتداء الغاية، فنضرب الأرض مبتدئين بها ونمسح وجوهنا وأيدينا فمقتضى رفع الحرج في إباحة التيمم ومشروعيته أن نتيمم بأي أرض أدركتنا الصلاة فيها وهذا هو الصحيح.
رابط الفقرة 22قال رحمه الله : (ويُبْطِلُ التَّيَمُّمَ مَا يُبْطِلُ طَهَارَةَ المَاءِ) فالأحداث التي توجب الوضوء وتنقض الطهارة المائية تنقض الطهارة الترابية، من الخارج من السبيل ومس الذكر والنوم وغيره مما سبق بيانه في نواقض الوضوء، وكذلك ما يوجب الغسل، موجبات الغسل تقدمت خروج المني دفقًا بلذة في اليقظة أو الاحتلام ولو لم يكن بدفق ولا لذة، وكذلك الجماع وإسلام الكافر وغير ذلك مما سبق، قال: (وَخُرُوْجُ الوَقْتِ) خروج الوقت مبنيٌ على الخلاف السابق فالذين يشترطون دخول الوقت للتيمم يقولون إذا خرج الوقت بطل التيمم والراجح أنه لا يشترط دخول الوقت للتيمم ولا يبطله خروجه بل إذا تيمم لا يبطل تيممه إلا بوجود الماء أو القدرة على استعماله إن كان عاجزًا أو الحدث حدثٌ أصغر أو أكبر، أما إذا لم يحدث ولم يجد ماءً ولم يقدر على استعمال الماء فإنه على تيممه على الصحيح من أقوال أهل العلم (وَالقُدْرَةُ عَلَى اسْتِعْمَالِ المَاءِ، وَإِنْ كَانَ فِيْ الصَّلاةِ) نقول: نعم، إذا قدر على استعمال الماء فلا يخلو من حالات ثلاث، إما أن يقدر على استعمال الماء قبل شروعه في الصلاة إنسان تيمم ثم نزل المطر أو أقبلت سيارة الماء أو صاح أحد رفقته فقال وجدنا الماء وجدنا الماء وهو لم يدخل في الصلاة بعد، فنقول: هذا بالإجماع يلزمه استعمال الماء ولا تصح صلاته لو صلى بالتيمم مع وجود الماء وهو لم يشرع في الصلاة بعد، نقول: بالإجماع كما حكاه ابن هبيرة وابن المنذر وغيرهما، متى وجدت الماء قبل شروعك في الصلاة فيجب عليك أن تستعمله ودليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم : «الصعيدَ الطيبَ طهورُ المسلمِ، وإن لم يجدِ الماءَ عشرَ سنين فإذا وجد الماءَ -فليتق الله- ولْيمسَّه بشرتَه» الحالة الثانية: أن يجد الماء عقب الفراغ من الصلاة، تيمم وصلى ثم وجد الماء، نقول: هذه أيضًا حكى بعضهم الإجماع كابن المنذر على أن صلاته صحيحة ولا يلزمه الإعادة سواءً خرج الوقت أو بقي، وهذا هو الصحيح ما دام أنه أدى ما أُمر به فإنه لا إعادة عليه؛ لأن الله لم يكلف أحدًا من عبيده بأداء صلاةٍ واحدةٍ في يومٍ واحد مرتين إلا بتفريطٍ أو تعدي وهذا لم يتعدَّ ولم يفرط بل فعل وامتثل ما أمر به ﴿ فَلَمْ تَجِدُوا۟ مَآءًۭ فَتَيَمَّمُوا۟ ﴾ وهو لم يجد الماء فتيمم وصلى ثم جاء الماء، نقول: صلاته صحيحة وبرئت ذمته ولا يلزمه الإعادة، الحالة الثالثة: أن يجد الماء وهو في الصلاة فهنا اختلف أهل العلم، فذهبت الحنفية والحنابلة إلى أنه يقطع صلاته ويتوضأ وذهبت المالكية والشافعية إلى أن صلاته صحيحة، والقول بأنه يقطع صلاته ويتوضأ هو الأحوط والأبرأ للذمة وإن كان الدليل مع من أجاز صلاته، الحنفية والحنابلة يحتجون بالحديث حديث أبي ذر «الصعيدَ الطيبَ طهورُ المسلمِ، وإن لم يجدِ الماءَ عشرَ سنين فإذا وجد الماءَ -فليتق الله- ولْيمسَّه بشرتَه» قالوا فقد وجد الماء فبطل تيممه وبطلت صلاته فيستعمل الماء وجوبًا ويقطع صلاته، والمالكية والشافعية قالوا: إنه رفع حدثه بطهارةٍ شرعيةٍ بمقتضى دليلٍ شرعيٍ فلا تنتقض إلا بدليلٍ شرعيٍ وقد شرع في الصلاة فلا يلزمه قطعها إلا أن القول بقطعها هو الأقرب احتياطًا وبراءةً للذمة وخروجًا من خلافٍ معتبرٍ لكن لو مضى في صلاته وقال هل يلزمني أو آثم؟ نقول: ما نستطيع أن نؤثِّمه ولا أن نوجب عليه الإعادة إلا بدليلٍ شرعيٍ لكن مسألة الاحتياط للصلاة واستئنافها بعد الطهارة أولى.
رابط الفقرة 23بقي عندنا عادمُ الماء، هل يصلي في أول الوقت أو ينتظر؟ نقول: لا يخلو عادم الماء إذا دخل وقت الصلاة والماء ليس عنده من حالتين أو من أحوال، الحال الأول: أن يتيقن وجود ماء في الوقت لأنه يعلم أن الماء موجود بينه وبينه مسافةٌ قصيرةٌ والطريق آمن وسالك ولا ضياع فيه ولا خوف فإذا ذهبوا إلى الماء احضروه في ظرف ساعةٍ مثلًا، دخل وقت صلاة الظهر وهم في البر وبين صلاة الظهر والعصر نحو ثلاث ساعات فإذا ذهبوا لإحضار الماء في خلال ساعةٍ يحضرونه والماء لا ينقطع من هذا المكان يعلمون يقين أن الماء موجودٌ وربما بوسائل الاتصال اتصلوا وقالوا الماء موجود فقط مسافة الطريق يذهبون ويحضرونه فهذا متيقنٌ وجود الماء أو اتصل عليه رفيقه فقال أنا في الطريق ومعي ماء والمسافة التي بيني وبينكم ساعة أو نحو ساعة، فنقول: هذا متيقنٌ وجود الماء فيتأخر حتى يتوضأ ويأتي بشرط الطهارة ولا يتيمم ويدرك الصلاة في أول وقتها فإن تيممه وإدراكه أول الوقت يدرك به فضيلة بينما وضوئه واستعماله الماء وصلاته في آخر الوقت أو وسط الوقت أتى به بشرطٍ من شروط الطهارة وهو الطهارة المائية بالماء وهو الأصل، كذلك إذا غلب على ظنه لم يصل حد اليقين لكن غلبة الظن أنه يجد الماء، الغالب أن الماء ما ينقطع في هذه المحطة، الغالب أنه يجد الماء، فنقول: كذلك ينتظر، ودليل ذلك ما جاء عن علي رضي الله عنه قال: «الجنب يتلوم يعني يتصبر فإن وجد الماء وإلا تيمم» إذن عندنا هنا حالتان يتأخَّر فيهما إذا تيقنَّ وجود الماء في الوقت أو غلب على ظنه وجوده، العكس بالعكس لو تيقن عدم الماء عنده يقين أن الماء ليس موجودًا لا معه ماء ولا يمكن أن يأتيه الماء إلا وقد خرج وقت الظهر وربما العصر، فنقول: هذا متيقن ألَّا ماء فالسنة أن يصلي في أول الوقت بالتيمم ولا يؤخر الصلاة وهو لا يرجو وجود الماء بل متيقنٌ عدمه، وكذلك لو كان يغلب على ظنه أنه لا يجد الماء يغلب على ظنه أنه لا يجد الماء احتمال وجود الماء ضعيف جدًا أو ضعيف لكن الغالب أن الماء لا يوجد، فنقول: مثله سابقتها يتيمم ويصلي في أول الوقت ولا ينتظر مع كون الماء لا يرجى وجوده والغالب عدم وجوده، بقي عندنا حالةٌ متوسطةٌ بين الحالتين، عندنا حالة اليقين أو الظن بعدم وجود الماء أو اليقين والظن بوجوده فإن غلب على ظنه أو تيقن وجود الماء قلنا انتظر حتى يأتي الماء وصلِّ بالوضوء وإن تيقن أو غلب على ظنه أنه لا يجد الماء قلنا تيمم وصلِّ في أول الوقت، فإن استوى عنده الأمران، قال والله يحتمل خمسين بالمئة كما يقولون خمسين بالمئة احتمال وجود الماء وعدمه سواء، هنا اختلف أهل العلم والظاهر والعلم عند الله أنه ينتظر؛ لأنه لا يفوت بالانتظار إلا فضيلة إدراك أول الوقت وهي أيضًا لا تفوته ما دام أنه مترقبٌ ومتربصٌ ومنتظرٌ للماء فهو كالمتهيئ للصلاة، والمتهيئ للصلاة في صلاة ما حبسته الصلاة مثل الذي يتوضأ ويبكر للصلاة، نقول: هو على أجر من صلى في أول الوقت ولو تأخَّر الناس في اجتماعهم، فكذلك هذا الذي انتظر لأنه يستوي عنده وجود الماء، نقول: لا تفوته حتى هذه الفضيلة وإن فاتته فإنه ينتظر ما هو أقوى منها وأغلب وهو الوضوء واستعمال الماء وهو أفضل من التيمم، وحينئذٍ فإنا نقول عندنا حالتان يتربص فيها وينتظر، إما يقين وجود الماء أو غلبة ظنٍ بوجوده أو استواء الأمرين، الصحيح أنه إذا استوى عند الأمران ينتظر، وأما إذا تيقن عدم الماء أو غلب على ظنه أنه لا يوجد الماء فإنه يتيمم ويصلي في أول الوقت.
رابط الفقرة 24هذه أهم المسائل المتعلقة بباب التيمم، هل من سؤال؟ أطلنا عليكم اليوم وليس من عادتنا أن نطيل الدرس لكن نظرًا لوجود المحاضرة بعد المغرب يعني فاسمحوا لنا على التطويل، ونسأل الله لكم الإعانة التوفيق والتسديد وأن يرزقكم ربي العلم النافع والعمل الصالح وأن يجعلكم ممن فَقُه في دين الله ورفع بهذا الدين رأسًا فشرف في دنياه وأخراه فإن الله يرفع بهذا العلم أقوام ويعلي من مكانتهم كما قال جل شأنه: ﴿ يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ دَرَجَـٰتٍۢ ﴾ [المجادلة: ١١] نسأل الله أن يجعلنا منهم بمِّنه وكرمه وجوده وإحسانه، وصلى الله وسلم وبارك وأكرم على خيرة خلقه وأفضل أنبيائه ورسله نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
رابط الفقرة 25الحواشي
(1)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه البخاري (3672)، ومسلم (367).
(2)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه البخاري (335) واللفظ له، ومسلم .(521)
(3)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه أحمد (22137)، والحديث بهذا اللفظ صححه أحمد شاكر في عمدة التفاسير (1/423).
(4)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه البخاري (338)، ومسلم .(368)
(5)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه أبو داود (334)، وأحمد (17845)، الحديث صححه الألباني في فقه السيرة (371).
(6)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه البخاري (7288)، ومسلم .(1337)
(7)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه أبو داود (332 )، والترمذي (124 )، والنسائي (322)، وقال الترمذي: حسن صحيح.
(8)
العودة إلى موضع الحاشيةسبق تخريجه.
(9)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه البخاري عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «جُعِلَتْ لي الأرْضُ مَسْجِدًا وطَهُورًا، فأيُّما رَجُلٍ مِن أُمَّتي أدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ».