ملفات PDF ١ ملف
النص المقروء
عناوين هذا الدرس
[الدَّرْسُ الحَادِي عَشَر]
رابط الفقرة 1[كتابُ الطَّهارةِ]
رابط الفقرة 2[تَابِع بَابُ الحَيْضِ]
رابط الفقرة 3الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
رابط الفقرة 4أما بعد؛ أيها الإخوة والأخوات سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وحياكم الله في الدرس الحادي عشر من دروس شرح عمدة الفقه، للموفق «ابن قدامة» غفر الله له ورحمه وجمعنا به بدار كرامته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا.
رابط الفقرة 5قد انتهينا في الدرس الماضي إلى منتصف باب الحيض وهو خاتمة كتاب الطهارة، في الدروس العشرة الماضية في الفصل الدراسي من هذا العام، انتهينا من جل كتاب الطهارة ولم يبقى إلا مسائل في باب الحيض لعلنا نأتي عليها اليوم حتى نبدأ بإذن الله تعالى في كتاب الصلاة.
رابط الفقرة 6ذكر المؤلف رحمه الله فيما سبق أحكام الحيض العامة وما يحرم بالحيض وأقل سن تحيض فيه المرأة وأكثره، وكذلك أقل حيضٍ شهري وأكثره وغالبه، أقل الطهر وأكثره وغالبه، إلى غير ذلك من المسائل المهمة في باب الحيض، اليوم ذكر رحمه الله مسائل تتعلق بالمبتدأة التي نزل بها الحيض أول مرة ثم أعقبها بمسائل في الاستحاضة ثم ختم الكتاب بباب في النفاس.
رابط الفقرة 7قال رحمه الله : (وَالمُبْتَدَأَةُ إِذَا رَأَتِ الدَّمَ لِوَقْتٍ تَحِيْضُ فِيْ مِثْلِهِ، جَلَسَتْ) المبتدأة: هي المرأة التي نزل بها الدم أول مرة وهذا يمر على كل فتاة وعلى كل امرأة، إذن أي امرأة نزل عليها الدم أول مرة فإنها تسمى مبتدأة، يعني ابتدأها الدم، يقول المؤلف رحمه الله في شأن هذه المبتدأة أنها إذا رأت الدم لوقت تحيض في مثله وهو يريد أن يردنا إلى ما سبق وهو أن ترى الدم وهي بنت تسع سنين فأكثر، لأنهم يرون لو رأت الدم قبل تسع سنين فليس بحيض، قد سبق أن الراجح أنه لا حد لأقل الحيض ولا لأكثره، ولا لأقل الحيض الشهري ولا لأكثره بل مرد ذلك إلى الوجود، فمتى وجد الدم فهو حيض.
رابط الفقرة 8يقول رحمه الله : (إِنَّ المُبْتَدَأَةُ إِذَا رَأَتِ الدَّمَ لِوَقْتٍ تَحِيْضُ فِيْ مِثْلِهِ، جَلَسَتْ) أي جلست عن الصلاة والصيام والطواف والاعتكاف ونحو ذلك مما تشترط له الطهارة، (فَإِن انْقَطَعَ لأَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَلَيْسَ بَحَيْضٍ) إذًا ما هو؟ يقولون: هذا دم فساد؛ لأنه لا أقل من يوم وليلة، وقد سبق تقرير ذلك وبيانه، وأن الراجح أنه قد يكون حيض ولو كان دون اليوم والليلة، وأن هذا لا دليل على منعه في الشرع بل الشرع علق الحكم بوجود دم الحيض، فمتى وجد دم الحيض جاءت أحكامه تباعًا، ومتى انقطع جاءت أحكام الطهر تباعًا، فالحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا ﴿ وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًۭى ﴾ [البقرة: ٢٢٢] فمتى وجد هذا الأذى جاءت أحكامه ومتى انقطع جاءت أحكام الطهر، ومن ثم فإذا انقطع لأقل من يوم وليلة نقول: تغتسل وتصلي، وما رأته دون اليوم والليلة حيض لا يمنع منه الشرع.
رابط الفقرة 9قال رحمه الله : (وَإِنْ جَاوَزَ ذلِكَ) يعني جاوز اليوم والليلة، (وَلَمْ يَعْبُرْ أَكْثَرَ الحَيْضِ، فَهُوَ حَيْضٌ) لم يتجاوز الخمسة عشر يوم فهو حيض، إذن إذا كان بين اليوم والليلة خمسة عشر يومًا التي هي عندهم أكثر الحيض فإنه يعد حيضًا، إذن المبتدأة لا تعد الدم حيض إلا إذا تجاوز اليوم والليلة ولم يتجاوز الخمسة عشر يوم، يعني بعد اليوم والليلة وبين الخمسة عشر يومًا، قال رحمه الله : (فَإِذَا تَكَرَّرَ ثَلاثَةَ أَشْهُرٍ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، صَارَ عَادَةً) وهذه المسألة أوجبوها رحمهم الله من باب الاحتياط لكن لا دليل عليها، يقولون: إن المرأة لا تعد معتادة ولا يعد الدم الذي تراه حيضًا وعادةً إلا إذا تكرر ثلاثة أشهر، ماذا تفعل في الشهر الأول والثاني؟ يقولون: إذا نزل عليها الدم أول مرة فإنها تجلس أقل الحيض يوم وليلة، ثم تغتسل ولو كان الدم باقيًا جاريًا وتصلي وتصوم فإذا انقطع بدون خمسة عشر يومًا اغتسلت ثانيةً، لماذا أوجبوا عليها الغسل الأول والدم جاري؟ قالوا: لأن هذا اليوم والليلة هو أقل الحيض وهو المتيقن أنه حيض، فلا تترك الصلاة أكثر من المتيقن، لأن الدم الذي يزيد عن اليوم والليلة هذا يتحمل أن يكون حيض ويحتمل أن لا يكون حيضًا، ولا يثبت عندنا كما يقولون رحمهم الله أنه حيض حتى يتكرر ثلاثة أشهر، إذن ماذا تفعل هذه المرأة؟ يقولون: بعد مضي يوم وليلة تغتسل ولو كان الدم مستمرًا وتصوم وتصلي غير أن زوجها لا يقربها إن كانت متزوجة، فيحتاطون بباب الصلاة والصيام فيمنعونها، يقولون: في باب الاحتياط للعبادة تصلي وتصوم ولا يقربها زوجها، إذن تغتسل وتصلي وتصوم ولو كان الدم مستمرًا احتياطًا للعبادة، ولا يقربها زوجها لاحتمال أن يكون حيضًا، فإذا انقطع الدم لأقل من خمسة عشر يومًا فإنها تغتسل ثانيةً، وفي الشهر الثاني تفعل كذلك، اليوم الأول والليلة حيض لا تصلي فيه ولا تصوم ثم تغتسل ثم تصلي وتصوم بقية أيام الدم التي تراها، فإذا انقطع اغتسلت وجوبًا لاحتمال أن ذلك كله حيض وأنها الآن طَهُرت، ذلك الطهر الأول احتياط فقط، قالوا: أن المتيقن من الحيض هو اليوم والليلة ولهذا قالوا: انقطع حيضها حكمًا لا حسًا، يعني دم الحيض مستمر تراه بنفسها، لكنهم اعتبروها في حكم الطاهر فتغتسل ثم تصلي وإذا انقطع الدم اغتسلت ثانيةً فإذا تكرر في الشهر الثالث تيقنا أنها عادة وأن الدم كله حيض فتجلسه في بقية الشهور، ثم تعود إلى ما صامته في تلك المدة إن كان صيامًا واجبًا فتقضيه، يعني لو وافق رمضان بأن أول شهر بدأ بها الدم في رجب مثلًا ثم شعبان ثم رمضان، يقولون: أنه لما تكرر علمنا أنه حيض فتقضي ما صامته لأنه تبين أنها صامت أيامًا وهي حائض، وكذلك ما اعتكفته لو وافق رمضان وكانت معتكفة في هذه الأيام اعتكاف نذر فإنها تقضيه، ومثله أيضًا وهو أشد عليها لو كانت قد أدت عمرةً فطافت وهي حائض ثم تبين أنه حيض، قالوا: إنها تغتسل وتفعل ما تفعله الطاهرات؛ لأن المتيقن أن الحيض هو يوم وليلة وما زاد مشكوكٌ فيه فلا تترك ما تيقن من وجوب العبادة وتعلقها بالذمة لأمر مشكوك فيه، فلو قدر أنها طافت في هذه المدة لعمرة أو حج أيضًا تعيد هذا الطواف، نقول: هل كُلفت المرأة بهذا؟ لم تكلف بهذا وهذا احتياط منهم رحمهم الله في غير محله، هذا المشهور في المذهب عند الحنابلة.
رابط الفقرة 10والرواية الثانية عن الإمام أحمد رحمه الله : أنها تجلس من أول الشهر ما لم يجاوز أكثر الدم وهذا مذهب الأئمة من الحنفية والمالكية والشافعية وهو رواية عند الإمام أحمد اختارها الموفق «ابن قدامة» وهي الصحيح؛ لأنه لا دليل على ما ذكروه غير أنهم احتاطوا احتياطًا ليس في محله، وفيه تكليف لم يكلف الله المرأة به، إذ كيف يقال لها اغتسلي وصومي وصلي وهي ترى الدم الشهر الأول والشهر الثاني وفي الثالث تيقنا أنه حيض ثم نكلفها مرة ثانية فتقضي صومها وتقضي اعتكافها وتعيد طوافها، نقول: هذا كله تكليف بلا دليل، فالراجح والعلم عند الله تعالى هو الرواية الثانية وهي رواية عن الإمام أحمد وهو مذهب الأئمة أنه من أول شهر يعد حيضًا ولا يلزم فيه التكرار، جاء عن الإمام أحمد رحمه الله أنها تبقى بدل اليوم والليلة غالب حيض النساء ستة أيام أو سبعة، وجاء عنه أنها تجلس حيض نسائها أي قريباتها، لكن المشهور في المذهب أنها تجلس يومًا وليلة فقط ثم تغتسل، والرواية الثانية وهي الأصح وهي الذي عليه الأئمة أنها تجلس المدة كلها مادام أنه حيض ودم يشبه دم الحيض ولم يجاوز أكثر الحيض فإنه حيض ومن ثم فإنها من أول شهر تعتد به وتعتبر حائضًا ولا يسع النساء إلا هذا، وهذه المسألة تجهلها كثير من النساء وهذا مما يحصل جهله، هذه مسألة لا يفقهها كثير من النساء ولا يعملن بها لأن المتعلمات قليلات اللواتي يدرسن هذه المسألة الجزئية، وإلا بقية النساء عامة النساء تعرف أنه حيض من أول ما ينزل وتمتنع عن الصلاة والصيام ولا يقربها زوجها ولا تطوف بالبيت ولا تعتكف ولا تفعل ما يفعله الحيّض حتى ينقطع الدم، ومن ثم فنقول: هذا هو الواجب عليها ولا يلزمها سواه.
رابط الفقرة 11قال رحمه الله : (وَإِنْ عَبَرَ ذَلِكَ فَالزَّائِدُ اسْتَحَاضَةٌ) شرع في بيان أحكام الاستحاضة، قد مر بنا أن المؤلف رحمه الله عقد هذا الباب، باب الحيض وسماه باب الحيض وذكر فيه أحكام الدماء الطبيعية من الحيض والاستحاضة والنفاس، وبيّن رحمه الله أنه في أول الباب أن الحيض دم طبيعة وجبلة وأنه يخرج من قعر الرحم لأوقات معلومة وبيّنا صفاته وأحكامه، الآن شرع في بيان أحكام دم الاستحاضة، ودم الاستحاضة: دم مرض يخرج من عرق في أدنى الرحم يقال له: العاذل، وليس دم طبيعة ولا جبلة ولا يخرج في أوقات معلومة بل هو دم يدل على المرض ومن ثم فالمرأة تسعى في علاجه وإيقافه وهو مشهور عند النساء اليوم بالنزيف، يسمينه النزيف وجل اللاتي يصبن به اليوم من تكون حاملًا ويحصل عندها جهد أو حمل ثقيل أو نحو ذلك فينزل عليها الدم تسميه النساء نزيفًا وهو المسمى في الفقه استحاضة، نقول: هذا الدم الذي ينزل في أوقات غير معلومة وليس دم طبيعة ولا جبلة ولا يخرج من قعر الرحم وإنما من أدناه له صفات تخالف صفات دم الحيض، وأحكامه تخالف أحكام دم الحيض تمامًا فليس له شيء من أحكام دم الحيض، إذ المرأة المستحاضة طاهر تفعل ما تفعله الطاهرات، من الفروق بينه وبين دم الحيض أن دم الحيض أسود ودم الاستحاضة أحمر يميل إلى الصفرة، الفرق الثاني: أن دم الحيض منتن ودم الاستحاضة لا رائحة له كدم الجروح، من الفروق أيضًا أن دم الحيض ثخين ودم الاستحاضة دم رقيق خفيف كدم الجروح وكدم الرعاف، من الفروق أيضًا أن دم الاستحاضة يتخثر ويجمد كسائر الدماء بينما دم الحيض لا يجمد ولا يتخثر، هذه المستحاضة لا تشابه الحائض في شيء من الأحكام لكن بعض النساء تجهل وربما ظنت أنها حائض فتركت الصلاة والصيام والتبس عليها الأمر وأشكل عليها، ولهذا ذكر الفقهاء رحمهم الله مسائل في الاستحاضة كثيرة، المؤلف ذكر هنا إشارة يسيرة، يقول: أولًا إن عبر ذلك الدم الزائد فهو استحاضة، إذن الاستحاضة: الدم المستمر الشهر كله أو جل الشهر لا ترى الطهر أبدًا أو لا تراه إلا يومًا أو يومين أو ثلاثة، نقول: هذه استحاضة إذ لم يخلق الله حيضًا مستمرًا، الحيض غالبه ستة أيام وسبعة وقد يصل إلى عشرة أو اثنا عشر أو خمسة عشر لكنه لا يكون مطبقًا الدهر كله.
رابط الفقرة 12قال رحمه الله : (وَعَلَيْهَا أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ آخِرِ الحَيْضِ) هذا عود على المبتدأة، وقد ينزل عليها الدم مبتدأة وتكون أيضًا مستحاضة فتُشكل عليهم رحمهم الله ، قال: (وَعَلَيْهَا أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ آخِرِ الحَيْضِ، وَتَغْسِلَ فَرْجَهَا وَتَعْصِبَهُ) أي المستحاضة إذا نزل عليها الدم وأطبق فإنها تغسل فرجها وتعصبه وتجعل عليه ما يمنع نزول الدم لئلا يلوث بدنها وثيابها ومحل صلاتها، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم المستحاضة بذلك قال: استثفري، فلتستثفر بثوب، وقال صلى الله عليه وسلم أنعت لك الكرسف أي القطن فلتجمي به، قالت: هو أكثر من ذلك، فنعت لها صلى وسلم على الكرسف، اليوم وجدت وسائل تحفظ هذا الدم فلا ينزل ولا يلوث المرأة، قال: (إِنَّها تَغْسِلَ فَرْجَهَا وَتَعْصِبَهُ، وتَتَوَضَّأَ لِوَقْتِ كُلِّ صَلاةٍ، وَتُصَلِّيْ)، هذا مذهب الجمهور وهو أن الحائض ومثلها كل من به حدث دائم مستمر أنه يتوضأ لوقت كل صلاة، ويستدلون بحديث لكنه لا يصح مرفوعًا، في أمر المستحاضة بالوضوء لوقت كل صلاة، ويقولون إن طهارتها طهارة ضرورة فتتوضأ لوقت كل صلاة، هذا مذهب الأئمة وذهب الإمام مالك واختاره شيخ الإسلام رحمه الله إلى أنه لا يلزمها الوضوء إلا إذا أحدثت حدثًا غير دم الاستحاضة، ومثلها من به سلس بول إلا أن قول الأئمة فيه احتياط للعبادة، وفيه أداء العبادة بيقين الطهارة لكن من حيث الدليل ليس ثمة دليل قوي يوجب الوضوء لوقت كل صلاة إلا إذا أحدثت حدثًا أخر، كأن يخرج منها بول أو غائط أو تنام أو تأكل لحم جزور أو نحو ذلك من نواقض الوضوء المتقدمة.
رابط الفقرة 13قال رحمه الله : (وَكَذَا حُكْمُ مَنْ بِهِ سَلَسُ البَوْلِ، وَمَنْ فِيْ مَعْنَاهُ)، أنه يعني يتوضأ لوقت كل صلاة، وكذلك يضع على طرف ذكره ما يمنع تقاطر البول لئلا يتلوث بدنه وثوبه ونحو ذلك، قال: وَمَنْ فِيْ مَعْنَاهُ، كمن به رعاف، لا يقف وهو جرح مستمر فإنهم يلحقون بالمستحاضة.
رابط الفقرة 14قال رحمه الله : (فَإِذَا اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ فِيْ الشَّهْرِ الآخَرِ، فَإِنْ كَانَتْ مُعْتَادَةً، فَحَيْضُهَا أَيَّامُ عَادَتِهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُعْتَادَةً وَكَانَ لَهَا تَمْيِيْزٌ- وَهُوَ أَنْ يَكُوْنَ بَعْضُ دَمِهَا أَسْوَدَ ثَخِيْنًا، وَبَعْضُهُ أَحْمَرَ رَقِيْقًا- فَحَيْضُهَا زَمَنُ الأَسْوَدِ الثَّخِيْنِ) يقول رحمه الله : وهو لا يزال في المبتدأة المستحاضة: (فَإِذَا اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ فِيْ الشَّهْرِ الآخَرِ، فَإِنْ كَانَتْ مُعْتَادَةً) يعني استمر الدم وأطبق عليها، يقول: فإن كان لها حيض سابق، يعني تعرف حيضها، امرأة تعرف أنه يأتيها الدم في كل شهر سبعة أيام أو ستة، مثلًا من يوم عشرة إلى يوم سبعة عشر أو ستة عشر، ثم بعد مدة جاءها الدم وأطبق واستمر، فتحولت من حائض إلى مستحاضة، كيف تفعل؟ يقول رحمه الله : (إِنْ كَانَتْ مُعْتَادَةً، فَحَيْضُهَا أَيَّامُ عَادَتِهَا)، يعني فتجلس أيام عادتها التي سبقت ولا تصلي ولا تصوم في تلك الأيام ثم إذا زالت أيام حيضتها اغتسلت وصلت، وهذا هو الصحيح وفي الحديث حديث أم المؤمنين عائشة في البخاري أنه صلى الله عليه وسلم أمر فاطمة بنت حبيش بذلك، قال: «دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الأيَّامِ الَّتي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا، ثُمَّ اغْتَسِلِي وصَلِّي»(1) فالمرأة التي تعرف عادتها ثم نزل عليها الدم وأطبق وأشكل عليها والتبس، أول ما نأمرها به اليوم نقول: راجعي طبيبة النساء، فربما كنت حاملًا فنزل الدم لأنه ثمة خلل وانفتاح في الرحم ربما لو استمر الدم ينزل يسقط الجنين، فتجنين على نفسك وعلى جنينك، وبعض النساء عندها شيء من التساهل في هذا، وهذا الدم أمره عظيم، يتعلق به أمر الصلاة كما سبق وأمر الصيام والمعاشرة الزوجية وهي الآن ملتبس عليها ما تدري هو حيض أو استحاضة، فإذا راجعت طبيبة النساء شخصت لها الحالة وأعانتها على تحديد الدم ما هو؟ وما نوعه؟ الأمر الثاني: أنها إذا كانت حاملًا وهذا الدم نازل من الرحم فإنها تعطى من الدواء ما يوقف الدم وتؤمر بالراحة لأن استمرار الدم في النزول يفضي إلى الجفاف ويفضي إلى نزول الجنين وسقوطه وهي ربما تكون متسببة ما لم تراجع وتفعل الأسباب التي توقف هذا النزيف ليستمر بإذن الله تعالى هذا الجنين في الحفظ.
رابط الفقرة 15إذًا نقول: إذا كان لها عادة سابقة والتبس عليها الأمر فإنها تجلس أيام عادتها حتى لو كان لها تميز بين الدمين، قالت: أنا أعرف عادتي ستة أيام من يوم عشرة من كل شهر وأعرف أيضًا أن هذا الدم الذي ينتابني أحيانًا يكون دم أحمر رقيق خفيف لا رائحة له أحيانًا يكون دم أسود ثخين منتن معه آلام الحيض، فهل تعمل بعادتها السابقة أو بتمييزها الصالح؟ قولان لأهل العلم: أصحهما ما ذهب إليه الحنفية والحنابلة أنها تعمل بالعادة السابقة، وأن من لها عادة فإن العادة مقدمة على التمييز الصالح لحديث فاطمة بنت حبيش وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم : «دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الأيَّامِ الَّتي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا» وأما أمره صلى الله عليه وسلم بإمساك في حديث حمنة، قال: ذاك دم الحيض دم يعرف «فَإِذَا أقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلَاةَ»(2)، نقول: هذا إذا لم يكن لها عادة سابقة وهذه التي أشار إليها المؤلف رحمه الله قال: وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُعْتَادَةً وَكَانَ لَهَا تَمْيِيْزٌ- وَهُوَ أَنْ يَكُوْنَ بَعْضُ دَمِهَا أَسْوَدَ ثَخِيْنًا، وَبَعْضُهُ أَحْمَرَ رَقِيْقًا- فَحَيْضُهَا زَمَنُ الأَسْوَدِ الثَّخِيْنِ يعني امرأة قالت: أنا ما لي عادة سابقة هذا أول شهر نزل فيه الدم واستمر، ظننت عادة كما يقولون النساء لكن الدم استمر فلما راجعت الطبيبة قالت لها: هذا نزيف وهذه استحاضة، قالت: ليس لي عادة سابقة حتى أرجع إليها، نقول: ماذا تفعل؟ هل لكِ تمييز صالح؟ نسألها هل تميزين بين الدماء؟ قالت: نعم، أيام يكون الدم أسود ثخين منتن له رائحة، وأيام يكون دم كدم الجروح أحمر رقيق لا رائحة له، نقول: إذن حيضتك الأيام التي الدم فيها أسود ثخين منتن وإذا تحول إلى دم أحمر رقيق فاغتسلي وصلي، فإذن من لا عادة لها ولها تمييز صالح أمرها يسير تعمل بهذا التمييز الصالح، فإن لم يكن لها عادة ولا تمييز صالح، هذه لم يذكرها المؤلف رحمه الله أو ذكر فيه.
رابط الفقرة 16قال رحمه الله : (وَإِنْ كَانَتْ مُبْتَدَأَةً، أَوْ نَاسِيَةً لِعَادَتِهَا، وَلا تَمْيِيْزَ لَهَا، فَحَيْضُهَا مِنْ كُلِّ شَهْرٍ سِتَّةُ أَيَّامٍ، أَوْ سَبْعَةٌ؛ لأَنَّهُ غَالِبُ عَادَاتِ النِّسَاءِ) هذه المشكلة المتحيرة التي ليس لها عادة سابقة ولا تمييز صالح، كيف؟ امرأة تقول: أنا ما لي عادة سابقة، أو نسيت عادتي وهذا يكثر عند النساء، أن تنسى مع كثرة العوارض والإشكالات تنسى أحيانًا أيام التي نزل عليها الدم في الشهر الفائت أو الشهور الفائتة، أو يكون يوم أحمر رقيق ويوم أسود ثخين لا يمكن أن نقول: يوم حيض ويوم طهر، فهذه مشكلة متحيرة، ماذا تفعل؟ يقول رحمه الله : إنها تتحيض (مِنْ كُلِّ شَهْرٍ سِتَّةُ أَيَّامٍ، أَوْ سَبْعَةٌ؛ لأَنَّهُ غَالِبُ عَادَاتِ النِّسَاءِ)، فنقول: هذه أفتاها النبي صلى الله عليه وسلم وردها إلى غالب حيض النساء، قال: «تَحيضي في عِلْمِ اللهِ سِتَّةَ أيامٍ أو سبعةً»(3)، فامرأة لا عادة لها سابقة ولا تمييز صالح بين الدمين، نقول: عادتك ستة أيام أو سبعة، كيف؟ هل هي على التخيير؟ نقول: لا انظري الى قريباتك، أمك، أخواتك، فإن كن ستة أيام فأنت مثلهن، وإن كن سبعة أيام فأنت مثلهن، قالت: من أين أبدأ؟ الآن قلتم لي ستة أيام أو سبعة، متى أبدأ؟ نقول: من أول يوم نزل بك الدم، إذا كنت تذكرينه فأول يوم نزل عليك الدم كل ما جاء مثله في الشهر فتحيضي ستة أيام أو سبعة ثم اغتسلي وصلي بقية الشهر، فإن قالت: نسيته ولا أعلمه الآن، نقول: فتحيضي ستة أيام أو سبع من أول كل شهر هلالي، إذا هل الشهر فتحيضي ستة أيام أو سبعة ثم اغتسلي وصلي بقية الشهر، ثلاثة وعشرين يومًا أو أربعة وعشرين، لكن بفضل الله ومنته وكرمه وجوده وإحسانه أن الطب تطور جدًا وأصبح كثير من هذه الحالات لها علاج وتشخيص يوقف هذا الدم وهذا النزيف، ولهذا اليوم حالات النزيف قليلة إلا من لا تراجع أو حالات يكون فيها شيء من تسلط الشيطان، فإنها رَكْضَةٌ مِنْ الشَّيْطَانِ(4) كما أخبر صلى الله عليه وسلم ، ولهذا مثل التسقيط الذي يعتري بعض النساء فربما سقطت عشرة أجنة أو أكثر من ذلك كلما حملت أسقطت، نقول: هذا غالبًا يكون فيه شيء من تسلط الشيطان عن طريق العين والحسد أو الجن أو غيره، فيصيب هذه المرأة عين حاسد ينطلق معها شيطان كلما حملت أسقطت، حتى إنها ترى في النوم شيئًا يفزعها فتقوم بسرعة فينزل الدم، يوم يومين ثم ينزل الجنين أو يسقط، فنقول: هذه تحتاج مع العلاج الطبي إلى رقية شرعية، تقرأ هي على نفسها وزوجها وأهل بيتها، أو قارئ موثوق مع قضية الطب والمراجعة عند طبيبة النساء، لا بد من هذا لئلا يستمر التسقيط ويكون في الرحم استرخاء حتى أنهم ربما ربطوا رحمها، على كلٍ نقول: اليوم حالات النزيف أو حالات الاستحاضة قليلة بفضل الله وكرمه تحتاج المسألة مراجعة للأطباء أو طبيبات وأخذ العلاج لا سيما إذا كانت هذه الاستحاضة مع حمل، فإننا نقول: يتعين هذا من وجهين، الوجه الأول: أمر الصلاة وما يتعلق بالصيام والمعاشرة حتى تعرف هل هي حائض فلا يقربها زوجها أو هي مستحاضة فله أن يغشاها ويجامعها؟ الوجه الثاني: يتعلق بهذا الجنين وسلامته، وهل تجامع المستحاضة؟ نقول: نعم على الصحيح وهو مذهب الجمهور، وقد كان نساء في زمنه صلى الله عليه وسلم يصيبهن استحاضة أكثر من عشر نسوة في زمنه صلى الله عليه وسلم منهن فاطمة بنت أبي حبيش وحمنة بنت جحش رضي الله عنهن وكان منهن من تستحاض فلا تطهر نحوًا من سبع سنين ما ترى انقطاع الدم، نقول: هذا موجود في زمنه صلى الله عليه وسلم ، اليوم قد يكون موجود عند بعض النساء استمرار الدماء، فنقول: لم يمنع النبي صلى الله عليه وسلم من جماعهن بل جاء عند أبي داود بسند صحيح أن أزواجهن كانوا يغشونهن، جاء بسند صحيح عن فاطمة وعن حمنة: أن أزواجهن رضي الله عنهن وعن أزواجهن كانوا يغشونهن، يعني يجامعونهن، ولأن الله جل شأنه إنما منع من إتيان الحائض، قال: ﴿ وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًۭى ﴾ [البقرة: ٢٢٢] هذا في الحيض وليس في دم الاستحاضة، فالصحيح أنها طاهر ويجب عليها ما يجب على الطاهرات من الصلاة والصيام والطواف، ومس المصحف وقراءة القرآن، فكذا لزوجها أن يعاشرها من غير حرج.
رابط الفقرة 17قال رحمه الله : (وَالحَامِلُ لا تَحِيْضُ إِلاَّ أَنْ تَرَى الدَّمَ قَبْلَ وِلادَتِهَا بِيَوْمَيْنِ، أَوْ ثَلاثَةٍ، فَيَكُوْنُ دَمَ نِفَاسٍ) هذه مسألة شهيرة ذكرها المؤلف رحمه الله هنا، وهي مسألة الحامل هل تحيض أو لا تحيض؟ اختلف الفقهاء رحمهم الله في هذه المسألة على قولين مشهورين، القول الأول: ما ذكره المؤلف هنا وهو مذهب الحنفية والحنابلة وهو أن الحامل لا تحيض، وأن ما تراه من دم يعد دم فساد، أي دم استحاضة كما يقولون، واستدلوا على ذلك بحديث ابن عباس رضي الله عنهما في سبي أوطاس، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال في السبي لما وزعه على أصحابه: «لا توطأُ حاملٌ حتى تَضعَ ولا حائلٌ -يعني غير حامل- حتى تَحيضَ»(5) قالوا فجعل صلى الله عليه وسلم علامة خلو الرحم من الحمل نزول دم الحيض، فجعل علامة براءة الرحم وخلوه من الحمل نزول الدم وكأنه لا يجتمع حمل مع حيض، كذا قالوا رحمهم الله أن المرأة إن رأت دم فهو دم فساد تصلي وتصوم وتفعل ما تفعله الطاهرات أخذًا من هذا الحديث، كما أيدوا ذلك بأثر رواه الدارمي عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها : «أنها قالت في الحامل ترى الدم، قالت: تصلي وتصوم» وهو أثر حسن، القول الثاني: أن الحامل قد تحيض، وأنه لا مانع شرعًا من حيض الحامل، وإليه ذهب المالكية والشافعية والإمام أحمد رحمه الله في رواية بل إنه رحمه الله رجع إلى هذه الرواية، رجع إلى هذا القول وهو القول بأن الحامل قد تحيض، وهذا مقتضى الدليل الشرعي فإن الله جل شأنه علق الحكم على وجود الدم، فمتى وجد الدم من حائل أو حامل فإنه دم حيض، والأصل كما قرر شيخ الإسلام رحمه الله أن الدم الذي تراه المرأة هو دم حيض، ما لم يصرفه عن ذلك صارف، فامرأة كانت ترى الدم في كل شهر في موعد محدد وبصفة محددة ثم حملت واستمر الدم كما هو، نقول: ما المانع شرعًا من أن تحيض؟ صحيح أن هذا قليل، ولهذا نقول: قلما تحيض الحامل لكن فرق بين أن نقول: قلما، وبين أن نقول: لا تحيض، وصحيح أن من أبرز علامات الحمل انقطاع الحيض وأن النساء ربما ما يعرفن الحمل إلا إذا انقطع الدم أو تأخرت العادة الشهرية أو الدورة، لكننا نقول: هذا ليس بلازم هذا هو الغالب أن المرأة إذا انقطع دمها شكت في الحمل فذهبت وحللت وتبين الحمل أو لم يتبين، لكننا نقول: هذا ليس بلازم هذا هو الغالب وقد تحيض الحامل، ومن ثم فلا مانعًا شرعًا من حيض الحامل ويدل عليه أيضًا من الأثر عن أم المؤمنين رضي الله عنها عند الدارمي لكنه بسند أصح من الأثر السابق أنها لما سُئلت عن الحامل ترى الدم قالت «لتمسك عن الصلاة والصوم» فإذن نقول: دل الكتاب وعموم الأدلة في السنة على أن المرأة متى رأت دمًا فهو حيض ما لم يصرفه عن ذلك صارف، لكن المؤلف رحمه الله يقول: إنها إن رأت الدم قبل ولادتها بيوم أو يومين فيكون دم نفاس، أما ما رأته أثناء حملها فيعتبرونه دم فساد، وهنا أشار إلى آخر الدم الذي تراه المرأة في أخر حملها، يقولون: إذا كان قبل الولادة بيوم أو يومين مع أمارة يعني مع طلق فهو نفاس، لكن ما قبل ذلك من دم في الشهر الأول أو الثاني إلى شهر الولادة يكون هذا كله دم فساد والراجح القول الثاني، وهو أن الدم تراه المرأة إذا لم يصرفه عن الحيض صارف فهو حيض والنساء يعرفن دم الحيض ويفرقن بينه وبينه، وإذا التبس عليها وشكت راجعت طبيبة النساء لا سيما أنها الأن حامل واستمر الدم، نقول: إذا راجعت الطبيب وهي تقول: دمي لم يتغير، نقول: هو حيض أو انقطع شهر أو شهران أو ثلاثة ثم عاد، نقول: هذا يستوجب عليها مراجعة طبيبة النساء لتشخص الحالة، وربما تقول: هذا الدم ليس حيضًا وهذا دم استحاضة ونزيف وانتبهي لنفسك وحافظي على راحتك لئلا يسقط جنينك.
رابط الفقرة 18قال رحمه الله عقب ذلك: (بَابُ النِّفَاسِ وَهُوَ: الدَّمُ الخَارِجُ بِسَبَبِ الوِلادَةِ) لما فرغ رحمه الله من الكلام على الاستحاضة وقبلها الحيض شرع في بيان أحكام النفاس، والغريب أنه جعله في باب وهو في فصل يسير في ثلاثة أسطر أو دون ذلك، وهو فصل من فصول باب الحيض، لكن لا مشاح في هذا قد يكون من صنيع غيره، قال رحمه الله : (بَابُ النِّفَاسِ وَهُوَ: الدَّمُ الخَارِجُ بِسَبَبِ الوِلادَةِ) هذا معناه في الاصطلاح، وأما في اللغة: فهو من النفس وهو الدم أو من نفس الله كربته، وهذا المعنى الثاني أقرب فإن المرأة إذا أخذها الطلق والمخاض في حرج وكرب شديد، لا يدركه ولا يعرفه على الحقيقة سوى من خلقها وأوجدها أو من ذاقت ذلك من النساء، حتى الطبيبة الاستشارية في أمراض النساء إن لم تحمل وتلد لا يمكن أن تدرك هذا المعنى على حقيقته، ولهذا نقول: إذا أخذها الطلق هي في مرض مخوف حتى تصرفاتها المالية ما تنفذ فهذا مثل مرض الموت، فإذا أخذها الطلق فهي في كرب عظيم شديد، ولهذا نقول: إن النفاس من تنفيس الكربة هنا فإنها إذا ولدت نفس الله كربتها وخرجت من أزمتها ولا يدرك هذا على الحقيقة ويقدره قدره إلا الأوفياء البررة من الأبناء والبنات، وأما العاقون فإنهم لا يدركون هذا المعنى ولا يعرفونه، وإلا فإن الأم من حين حملها إلى الوضع في معاناة وآلام ومخاض ووَحم وكُرب لا يقدرها ولا يعرفها ويقدرها إلا من في قلبه إيمان، من حين ما توضع النطفة في رحمها ومزاجها يتعكر ويتغير ويصيبها شيء من الاختلاف في المزاج وهو ما يسمى بالوَحم، ثم كلما نمى هذا الجنين وكبر وتحول من نطفة إلى مضغة إلى علقة ثم خلق الله له العظام ثم كساها لحم يأخذ من صحتها وعافيتها، وكلما نمى فهو على حسب صحة أمه وعافيتها، ولهذا أباح لها الشارع في رمضان أن تفطر مراعاةً لهذا الجنين، لأنه يصعب عليها ويشق أن تجمع أحيانًا بين الصيام والحمل، ولهذا يعتري بعض النساء الضعف العام لا سيما في العظام والأسنان؛ لأن هذا الجنين يأخذ خلاصة ما يحتاج إليه فينقص عندها الكالسيوم وتعتل وتتعب في قيامها وجلوسها وتصاب أحيانًا بأمراض في أسنانها ما كانت تعرفها قبل الحمل، ثم إن هذا الجنين يكبر كل مدة وينمو حتى يصل إلى كيلوين إلى ثلاثة هذا الوزن الطبيعي ومعه ضعفيه مما يكون تابعًا له، وهذه المرأة المسكينة تقوم به وتجلس وتنام وتقعد لا يبرحها حتى يخرج بعد كمال نموه، والإنسان لو وضع في يده قطعة صغيرة تزن كيلو أو نصف كيلو أو مائة جرام، وقيل له هذه لا تبرح يدك يوم واحد فقط تألم كثيرًا وأحس بالتعب من هذا الذي في يده، فكيف بهذه المسكينة؟ التي تحمل هذا الجنين في رحمها وتقوم به وتجلس، وتنام وتقعد وتعتل وتذهب عافيتها ويذهب بهاؤها ونضارتها ويتغير مزاجها وأكلها ونومها، ثم بعد هذا الجهد الجهيد تكاد تخرج روحها وهي تخرج هذا الجنين، فإذا بشرت به فرحت فرحًا عظيمًا واستبشرت وسرت ثم أصبحت تفرح وتسر وتبذل قصارى جهدها في الحنو والشفقة والرضاعة حتى الفطام، سنتان كاملتان وهي تهتم بكل ما يكثر لبنها لهذا الجنين فتأكل وتشرب كل ما فيه زيادة في اللبن والحليب، وتغسل أذاه وهي تتلذذ بذلك، وتنظفه وتهتم به ولا ينتهي هذا عند فطامه، هذه مرحلة الفطام، ثم مرحلة الطفولة ثم المراهقة ثم الشباب، بل إنه يشيب وهو محل عنايتها واهتمامها، لا ينقطع اهتمام الأم بولدها عند مرحلة من المراحل مهما كبرت سنه، يتزوج ينجب أولاد يتزوج أولاده وهي حية كلما كبر، كبر اهتمامها وحرصها وانشغالها، أبعد هذا يأتي بعض الناس فيقصر في حقها؟ والله الذي لا إله غيره ولا رب سواه لو لم يأمر ربنا جل شأنه ببر الوالدين لكان برهم من أقل ما يفعله من فيه ذرة وفاء وكرم وجود وإحسان، من باب رد المثل والمجازاة وهو لا يقدر، لكن لو لم يكن من الدين لكان من المروءة، لأن من كان فيه مروءة يرد الجميل لمن أكرمه وأحسن إليه، فكيف بإحسان الأم الذي ليس بمثله إحسان، ولهذا أوجب الشارع برها وجعل لها ثلاثة أضعاف ما للأب، والإنسان مهما بذل وحاول جاهدًا أن يكافئها فلن يستطيع، لكن الله يجازيه بعمله وإحسانه برًا في الدنيا قبل الأخرة، فيبره أبناؤه ويحسنوا إليه ويرى أثر بره بوالديه وهو حيٌ يرزق، وأما الجزاء الأوفى عند الله جل شأنه فلا حد له، «قد رأى ابن عمر رضي الله عنهما رجلًا يطوف بأمه قدم بها من اليمن، يحملها على منكبيه فلما رأى ابن عمر، قال يا أبا عبد الرحمن: أتراني أديت حقها؟ قال: لا ولا طلقة من طلقاتها ولكن الله يجازيك بالإحسان إحسانًا» طلقة عند خروجك من رحمها ما أديت حقها فكيف بحملها تسعة أشهر وكيف بوضعها؟ وكيف برضاعها؟ وتربيتها وإحسانها وقيامها تسهر الليل الطويل، إذا مرضت لا تذوق طعامًا ولا شرابًا ولا يهناها المنام وأنت متألم وجع، إذا غبت أو تأخرت انشغل قلبها وتعبت نفسيتها حتى تراك ولا تهدأ ولا تستريح وهي تراك مهمومًا مغمومًا، إذن البر لو لم يكن دين لكان من أكرم خصال ذوي المروءة، أسأل الله أن يرزقني وإياكم بر آبائنا وأمهاتنا أحياءً وأمواتًا، إذن نقول: لعل النفاس مأخوذ من نفس الله الكربة فإن المرأة إذا ولدت نفس الله كربتها.
رابط الفقرة 19قال رحمه الله في بيان حقيقته: (وهو الدَّمُ الخَارِجُ بِسَبَبِ الوِلادَةِ) إذن دم النفاس: الدم الذي يخرج بسبب الولادة، سواءً قبلها أو أثنائها أو بعدها، وهذا هو المذهب عند الحنابلة، بعض أهل العلم قال: النفاس الدم الذي يخرج عند الولادة، وبعضهم قال: الدم الذي يخرج بعد الولادة، وهذا الخلاف يؤثر في معرفة الأحكام، فالشافعية مثلًا يقولون: الدم الذي يكون بعد فراغ الرحم هو النفاس، ولهذا عند الشافعي لو أن امرأة ولدت توأم وبينهم أيام يقولون ما يكون نفاس حتى تلد الثاني، ويخلو الرحم من الأجنة حينئذ يبدأ النفاس لكن هذا قول مرجوح، إذن القول الراجح والصحيح: أن الدم دم النفاس هو الدم الذي يكون عند الولادة أو قبلها بزمن يسير كاليومين والثلاثة بشرط أن يصاحبه أمارة أي طلق ومخاض، فإذا أخذ المرأة الطلق والمخاض ولو قبل الولادة بيومين أو ثلاثة، نقول: هذا كله دم نفاس، إذا نزل الدم قبل الولادة بيومين أو ثلاثة أو نحوها ومعه طلق ومخاض، نقول: الآن بدأ نفاسك فلا صلاة عليك ولا صيام، لكن لو كان هذا الدم ما معه طلق ولا مخاض، نقول: هذا على ما سبق، إذا كان على صفة دم الحيض فهو حيض، وإن كان ليس على صفة دم الحيض فهو استحاضة، لكن امرأة تقول: لا الآن بدأ الطلق والمخاض وبدأ الدم ينزل، نقول: الآن أنت بدأ نفاسك، ما دام أنه معه طلق ومخاض وقبل الولادة بزمن يسير كاليومين والثلاثة.
رابط الفقرة 20قال رحمه الله : (وَهُوَ: الدَّمُ الخَارِجُ بِسَبَبِ الوِلادَةِ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ الحَيْضِ) يقول حتى ما يعود إلى أحكام الحيض المتقدمة يقول: أن أحكام النفاس هي أحكام الحيض المتقدمة، قال: وحكمها النفساء أو النفاس حكم الحيض فِيْمَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ وَيَجِبُ وَيَسْقُطُ بِهِ، فِيْمَا يَحِلُّ، ما يحل فعله مع الحائض يحل مع النفساء، مثل الاستمتاع دون الفرج، نقول: يحل الاستمتاع من الحائض فيما دون الفرج، وكذلك من النفساء، فما حل للرجل مع زوجته حال حيضها يحل له مع زوجته حال نفاسها، وفيما يحرم سبق أنه يحرم على الحائض الصلاة فرضًا أو نفلًا والطواف بالبيت، وكذلك الصوم ومس المصحف وقراءة القرآن والطلاق، فما يحرم بالحيض يحرم بالنفاس قال رحمه الله : وَيَجِبُ، فما يجب بالحيض يجب بالنفاس من قضاء الصوم، قضاء الصوم يجب على الحائض وعلى النفساء، وَيَسْقُطُ بِهِ مثل الصلاة تسقط عن الحائض والنفساء فما يسقط عن الحائض يسقط عن النفساء، إذن جل الأحكام يتفق النفاس مع الحيض فيها، إلا أن ثمة مسائل يفترقان، من هذه المسائل أن العبرة في أن البلوغ في الحيض لا بالنفاس لأنه يسبق الحمل حيض فحمل فنفاس، فنقول: الحيض هو علامة البلوغ وليس النفاس.
رابط الفقرة 21قال رحمه الله : (وَأَكْثَرُهُ أَرْبَعُوْنَ يَوْمًا) هذا هو الغالب و ليس الأكثر، فلو زاد دم النفاس على الأربعين يومًا فهو نفاس ما دام لم يتغير و النساء يعرفن ذلك لكن الفقهاء رحمهم الله اختلفوا في ذلك، وجمهورهم على أن أكثرها أربعين يومًا لأن النساء في زمنه صلى الله عليه وسلم كن يجلسن أربعين يومًا، نقول: هذا على الغالب، حديث أم سلمة محمول على الغالب «كان النساء في زمن النبي يجلسن أربعين يومًا»(6) و لا زال النساء إلى يومنا الحاضر، نقول: ينفسن في الأعم الأغلب إلى أربعين يومًا لكن لا يلزم أن يكون كلها دم فإذا رأت الطهر في أثناء الأربعين وجب عليها الغسل والصلاة والصيام وتفعل ما تفعله الطاهرات، وهذا للأسف يجهله بعض النساء، تقرأ في كلام الفقهاء أن أكثر النفاس أربعين يوم فتظن أنه حتمًا لازمًا، نقول: أبدًا هذا هو غالب نفاس النساء، وأما أكثره فاختلف الفقهاء فيه، فقيل: خمسون، وقيل: ستون، والصحيح أنه لا حد له، فلو استمر الدم ولم يكن استحاضة فإنا نقول: هذا دم نفاس أو دم نفاس أعقبته دورة، وهذا يقع عند بعض النساء فإنها تطهر من نفاسها أو ينقطع النفاس ويبدأ دم الحيض، وتعرف هذا في الشهر الثاني، يعني إذا جاءها الآن الشهر الأول نفست أربعين يومًا واستمر ستة وأربعين أو سبعة وأربعين يوم أو خمسين يوم، نقول: هذه الأيام الأخيرة قد تكون هي حيض بدأ حيضها بعد ولادتها، في الشهر القادم ستعرف أنه جاءها في هذه الأيام التي كانت أخر نفاسها، فنقول: هو حيض أو نفاس المؤدى واحد، إذن ليس أكثره أربعون يومًا وإنما هو غالبه والعبرة بالدم وجودًا وعدمًا، فمتى وجد الدم فهو نفاس ومتى انقطع فهو طهر، قال رحمه الله : (وَلا حَدَّ لأَقَلِّهِ) لأن من النساء من لا تنفس أصلًا، هل يوجد؟ نقول: نعم، لو امرأة ولدت وما نزل معها ولا قطرة دم، نقول: هي طاهر، يقال: «أنه في زمن أم المؤمنين عائشة امرأة ولدت ولم ينزل معها دم فسميت ذات الجفوف»(7) نقول ما فيه حرج، هذا نادر جدًا لكن قد ترى الدم يوم ويومين أسبوع أسبوعان، فنقول: إن لم ترى شيئًا فهي طاهر يعني من حين ولادتها، يعني لو ولدت قبل الظهر بساعة ولم ينزل دم نقول صلي الظهر.
رابط الفقرة 22قال رحمه الله : (وَمَتَى رَأَتِ الطُّهْرَ، اغْتَسَلَتْ، وَهِيَ طَاهِرَةٌ) وهذا هو الصحيح، متى رأت النفساء الطهرَ والنقاء في زمن نفاسها فهي طاهر يجب عليها أن تبادر بالغسل وتصلي فإن عاد، قال: (وإِنْ عَادَ فِيْ مُدَّةِ الأَرْبَعِيْنَ، فَهُوَ نِفَاسٌ أَيْضًا) نقول: نفاس عاد سواءً في الأربعين أو بعد الأربعين، إذن الأحكام هذه كلها مبنية على وجوده، امرأة ولدت استمر معها الدم عشرين يوم، نقول: هذا نفاس، ثم رأت الطهر أسبوع أو أسبوعان أو عشرين يوم، نقول: اغتسلي وصلي، عاد الدم فهو نفاس ولو فوق الأربعين يمكن أنها لما نفست عشرين يوم أو ثلاثين يوم وعشرة أيام رأت الطهر ثم جاءها دم مثل دم الحيض، نقول: هذا يعني سواءً سميناه نفاسًا أو سميناه حيضًا المؤدى واحد أنك لا تصلين في هذه المدة، فأحكام النفاس هي أحكام الحيض، ولهذا لم يطل المؤلف رحمه الله فيها.
رابط الفقرة 23بقي عندنا مسائل لم يذكرها المؤلف مهمة ويكثر سؤال النساء عنها تتعلق بجلب دم الحيض أو منع دم الحيض، وكذلك اسقاط الأجنة وما يتعلق أيضًا بمسألة تحديد النسل أو تنظيم النسل فنشير إليها إشارات يسيرة، أولًا: ما حكم أخذ المرأة دواء يمنع الحيض؟ وهذا يكثر عند النساء لا سيما في رمضان يريدن أن يصومن مع الناس ويصلين مع الناس، فتتمنى أو ترغب وتود وتحب أن تأخذ مانعًا يمنع نزول الحيض، فنقول: لا مانع من هذا بشروط، من الفقهاء من يقول: بشرطين والراجح أنها بثلاثة:
رابط الفقرة 24الشرط الأول: ألا يترتب على أخذ هذا الدواء ضرر، فيقول الطبيب الموثوق: هذه العقار مأمون لا يسبب عقمًا ولا مرضًا في الرحم ولا سجل فيه أدنى ضرر ولو حتى ضئيل، فإذا كان هذا العقار مأمونًا ليس له أي آثار جانبية لا حالًا ولا مستقبلًا، فهذا الشرط الأول قد تحقق.
رابط الفقرة 25الشرط الثاني: وهو أهم ولا يذكره كثير من الناس، ألا يترتب على أخذ هذا الدواء المانع زيادة في الحيض في الشهر الذي يليه، هذا ما وجدت أحد ينبه إلا الندرة من أهل العلم وهو مهم فإن المرأة قد يكون حيضها سبعة أيام فتأخذ حبوبًا تمنع الحيض فتصوم مع الناس وتصلي ولا ينزل عليها الدم في رمضان لكنه في شوال يأتي دمها أكثر من سبعة أيام ثماني أو تسعة أو عشرة بسبب هذه الحبوب التي أخذتها، فهل يحل لها ذلك؟ هي بالحسبة والعدد يمكن تقول ما في حرج، أنا كنت أترك الصلاة سبعة أيام في رمضان وسبعة أيام في شوال الآن صارت فقط تسعة أيام تركتها، نقول: لا يجوز لك ذلك، لأنك زدتِ يومًا أو يومان بفعلك، يعني تركت الصلاة في شوال، هذا اليوم الثامن والتاسع باختيارك أو بفعلك فلا يحل لك ذلك، لو كان الدواء مستمرًا بنفسه ليس لك فيه لكنك تتسببين على نفسك بزيادة دم الحيض، ولهذا نقول: النساء يعرفن هذا، فمن جربت أخذ دواء ومنعت الحيض في شهر رمضان مثلًا ثم زادت عادتها في شوال فلا تأخذ الحبوب مرة ثانية، لأنها تتسبب بزيادة الدم والامتناع عن الصلاة يومًا أو أكثر بفعلها.
رابط الفقرة 26الشرط الثالث: أن يأذن الزوج، لا سيما إذا كان له تعلق، إما بأن تكون هذه الموانع التي تمنع الحيض لها أثر في منع الحمل، وهذه مهمة جدًا وإن كان وجدت الآن عقاقير ليس لها علاقة بالحمل وتأخذها المتزوجات وغير المتزوجات، لكننا نقول: إن كان في هذه العقاقير ما يسبب منع الحمل فلا بد من إذن الزوج مع إذن الشرع كما سيأتي ذلك في تنظيم الحمل أو تحديده، وكذلك لو أن هذه المرأة يجب على زوجها النفقة وهي مطلقة رجعية فأرادت أن تمنع نزول الدم لتطول العدة، نقول: لا يجوز لها ذلك، يعني هي بدل أن تحيض ثلاث حيض في ثلاثة أشهر، تقول: لا أنا سأؤخر الحيض شهر نزل الدم أخذ لي الشهر القادم والذي بعده حبوب ثم إذا نزلت الدورة أخذ أيضًا شهرين ثلاثة حبوب حتى ينفق علي مدة أطول، نقول: لا يجوز لك ذلك؛ لأن هذا التحايل لإيجاب ما لم يجب شرعًا، فلا يحل لك هذا الفعل، إذن هذا الأمر الأول وهو أخذ ما يمنع نزول دم الحيض.
رابط الفقرة 27قلت: إنه يجوز بثلاثة شروط، الشرط الأول: ألا يترتب على أخذه ضرر صحي لا حالًا ولا مستقبلًا، الشرط الثاني: ألا يترتب على أخذ هذا الدواء زيادة في الحيض في الشهور الأخرى، الشرط الثالث: أن يأذن الزوج لا سيما إن كانت هذه الموانع تمنع الحمل أو كان هذا أيضًا يزيد في العدة ويترتب عليه زيادة نفقة على الزوج.
رابط الفقرة 28من المسائل التي أيضًا يكثر السؤال للنساء عنها، أخذ دواء يجلب دم الحيض، الأول يمنعه قد بينا حكمه، الثاني عكس تأخذ دواء لينزل عليها دم الحيض، وهذا تفعله بعض النساء علاجًا لا سيما من اضطربت عندها الدورة الشهرية ولم يتيسر لها الحمل، فإن الحمل لا يكون غالبًا إلا إذا استقرت الدورة واستمرت وانضبطت، ولهذا ذكرنا في أول باب الحيض أن الحيض دم طبيعة وجبلة وأنه علامة صحة في المرأة ليس علامة مرض، وأن المرأة التي لا تحيض لا تحمل، فإذا كانت هذه المرأة لا تحيض فإنها لا تحمل فإذا أعطيت دواء لأجل أن تحيض، نقول: لا حرج في أخذ هذا الدواء بشرطين أيضًا:
رابط الفقرة 29الشرط الأول: ألا يترتب عليه ضرر في صحتها وبدنها ونحو ذلك، وهذا شرط معتبر شرعًا في كل دواء وعقار لكن يؤكد عليه هنا؛ لأن بعض النساء ما تبالي ولو ثبت فيه الضرر تأخذه لرغبة في الحمل مثلًا أو في استمرار الدورة، نقول: حتى ولو كانت النفس تتوق إلى الحمل لا يجوز لك أن تأخذي عقارًا يضرك ولو لاحقًا.
رابط الفقرة 30الشرط الثاني: إذن الزوج؛ لأن نزول الدم يمنعه من الاستمتاع وربما أيضًا منعه من حقه في الرجعة فيما إذا كانت مطلقة، فلو أن رجلًا طلق زوجته طلاقًا رجعيًا فعمدت هذه المرأة إلى أخذ دواءٍ يجلب الحيض يعني أول ما طهرت من حيضتها طلقها اليوم وبعد يومين نزلت عليها الدورة الشهرية، ثم بعد أن طهرت أخذت دواء فنزلت الدورة ثانية ثم أيضًا لما طهرت أخذت دواء فنزلت الدورة فلما جاء الرجل ليراجعها بعد شهر أو شهر ونص أو شهرين، قالت: أنا طهرت وانتهيت من عدتي، كيف؟ قالت إني أخذت دواء، نقول: ما يجوز لك ذلك، وهذا حرام وتأثم عليه ولا يحق لها ولا يتحقق مرادها، فإن من تعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه، هي تتمنى الخلاص، لهذا مر بنا في قصة المرأة التي ادعت انقضاء عدتها في شهر واحد، فجاءت تسأل علي رضي الله عنه فقال لشريح: قل فيها يعني احكم فيها، فقال: إن جاءت ببطانة أهلها وإلا فهي كاذبة فأقره علي وقال: قالون؛ لأنها ادعت غير مألوف، ادعت أنها طهرت وخرجت من عدتها في شهر واحد يعني حاضت ثلاث حيض في شهر، هذا نادر أو أندر من النادر فلو فعلت امرأة ذلك بقصد، قالت: والله ما أتركه ثلاثة أشهر يمكن يراجعني في أخر مدة أنا أبادر وأستعجل لعله ما يراجع لعله ما يفكر إلا وقد خرجت، نقول: لا يحل لك ذلك فإن الشارع قد جعل له ثلاثة قروء يتأمل فيها ويتروى فإذا راجعك فيها وجبت عليك الرجعة ولا إذن لك ولا مهر، وقد تفعله بعض الفاسقات أيضًا -نسأل الله السلامة والعافية- لئلا تصوم وهذا نادر لكن قد تأخذ هذا الدواء لتفطر وهذه عكس المؤمنات الصالحات الديّنات وهنّ والحمد لله الأصل وهنّ الكثيرات اللاتي ما تتوق نفسها أن تفطر والناس يصومون فتبحث عن فتوى لتأخذ دواء يمنع الحيض، هذه عكس، تقطع رمضان بالحيض ليس الأصل بل المكتسب، بمعنى أنها تأخذ دواء لينزل عليها الدم، نقول: هذه فاسقة آثمة، هذه مثل الذي يسافر لأجل الفطر في رمضان آثم ولا يحل له الفطر، فهو متعمد لكن هذا نادر إنما ينبغي ذكره.
رابط الفقرة 31من المسائل التي أيضًا يكثر عنها السؤال وللأسف بكثرة عظيمة وشديدة وكبيرة جدًا، مسألة تحديد النسل أو تنظيم النسل وأيضًا إسقاط الجنين، هي نتيجة لهذا، فنقول: أما ما يتعلق بتحديد النسل، بأن يقول الإنسان: أنا لا أريد إلا ابنان أو ثلاثة، أو تقول الدول لشعوبها: لا يحل لكم نظامًا وقانونًا أن تنجبوا إلا واحدًا أو اثنان أو ثلاثة مثلًا، نقول: هذا منكر عظيم ولا يحل إجماعًا، لا يحل للإنسان أن يحدد نسله ولا لحكومة ما أن تحدد للشعب نسلًا محددًا ليس لهم ذلك، والله جل شأنه هو الرزاق ذو القوة المتين، الذين يفعلون هذا غالبًا من ضعف التوكل على الله جل شأنه وليس عندهم يقين بأن الله هو الرزاق ذو القوة المتين، ولو كان عنده هذا اليقين لم يخطر في بال واحد منهم أن يحدد نسله لأجل أنه يصعب عليه معيشتهم، ومثله الانفجار السكاني كما يقولون، نقول: سبحان الله، الله جل شأنه الذي خلق هذا الكون وما فيه وقد تكفل بأرزاق العباد والوحوش والدواب، فكيف يفكر الإنسان بتفكير مخالف لهذه العقيدة التي يجب أن يعتقدها ﴿ وَفِى ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ٢٢ ﴾ [الذاريات] ولما ذكر جل شأنه فعل الجاهليين وأنهم يقتلون أولادهم خشية إملاق نهاهم، ثم قال: ﴿ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ ۚ ﴾ [الإسراء: ٣١] فبدأ برزق الأجنة والأولاد قبل رزق الآباء والأمهات ﴿ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ ۚ ﴾ فلا يحل للمسلم أن يفكر هذا التفكير، وهو أن الظروف المعيشية صعبة والحياة تغيرت ولم أستطيع فيكفيني واحد أو اثنان أو أعوذ بالله أيضًا قد يقول لا أريد الإنجاب، نقول: لا يحل هذا، فتحديد النسل ومنعه، تحديده ومثله منعه بالكلية بأن يأخذوا مانعًا يمنعَ الحمل على سبيل الدوام أو يستأصل الرحم أو يربط الرحم أو غير ذلك، نقول: لا يجوز إجماعًا ولا يحل للمسلم أن يفعله، أما تنظيم الحمل وهو أن تكون المرأة تحمل كثيرًا، وربما يعني يشق عليها الحمل تلو الحمل، في الحمل والرضاعة والحضانة والمتابعة للأولاد والبيت، فتقول: أتمنى فقط أن لا أحمل حتى أفطم هذا المولود، والرضاعة ما تكفي للمنع، كانت الرضاعة عند الأولين عند النساء المتقدمات تمنعهن، كان الأمهات والجدات ما يعرفن هذه الموانع للحمل، كانت ترضع الواحدة يعني لطف الله بها أنها لا تحمل حتى تفطم، اليوم كثير من النساء ما ترضع الرضاعة التامة فتحتاج إلى مانع أخر، فتقول: أنا لو تركت المانع يمكن أحمل وأنا لم أفطمه، فأنا أريد فقط تنظيم الحمل بأن آخذ مانعًا من الموانع حتى أفطم ثم أترك المانع، نقول: لا حرج في ذلك، ما دام أنه ليس على سبيل الدوام ولمصلحة تعود للمرأة نفسها ورضيعها وصغيرها وكذلك جنينها في المستقبل، فنقول: لا حرج في ذلك ما دام أنه مؤقت وليس على سبيل الدوام وليس أيضًا لعدد محدد، يقول: يكفيني ثلاثة أو أربعة أو خمسة، ليس لأحد أن يحدد نسله أبدًا وأقبح من هذا السؤال، السؤال المتكرر في إسقاط الأجنة، لا يمر مدة إلا ويسأل رجل أو امرأة، ويأتوا بأنواع من الأسئلة عجيبة منها قول بعضهم إني حملت غلط، فنستغفر الله ونتوب إليه، كيف حملت غلط؟ هذا قدر الله وهذا فضل الله وهذا كرم الله وجوده وإحسانه، وكم من إنسان يتمنى الحمل ويطوف البلاد والعيادات والأطباء والقراء والرقاة ولا يترك مكانًا يتمنى ولدًا وريح ولد، وينفق كل ما في وسعه من مال وجهد حتى يحصل، حتى عن طريق الأنابيب أو غير ذلك، يبذل كل ما في وسعه لأنه يتمنى أن يحقق الله له أمنيته بولد، يقول له: بابا أو ماما، فنقول: سبحان الله العظيم، أنت الذي أغدق الله عليك النعمة، ورزقك الزوجة ورزقك منها حملًا، كيف تفكر بإسقاط هذا الجنين؟! لا لسبب ولا لمرض إنما لأنك لا تريده فحصل، تقول المرأة: أنا والله حملت وأنا لا أريد حمل، أو حملت غلط، ما هو السبب؟ قالت: والله أنا عندي اثنين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة، نقول: ثم ماذا؟ هل هذا سبب يبيح لك إسقاط الجنين؟! لا يباح لك إسقاطه، وقد نفصل أكثر فنقول: إن الجنين إذا نُفخت فيه الروح صار آدميًا يحرم إسقاطه مطلقًا، وأما إذا كان مجرد نطفة فإن أهل العلم قد اختلفوا على قولين أصحهما وأرجحهما أنه لا يجوز إسقاطه إلا لعذر وهو مذهب المالكية واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، ذلكم أن النطفة أصل خلق الإنسان وتكوينه، وفيها تتكون الصفات فلا يحل الجناية على هذه النطفة بمجرد دعوى أنهم ما يريدون حملًا أو أن الحياة صعبة أو أن النفقات عسيرة أو أن التربية عسيرة وشاقة أو غير ذلك من الأوهام، لا يحل هذا البتة لكن لو ثبت في الجنين أو في الأم مرض يستوجب الإسقاط وهو لا يزال نطفة، فنقول هنا: يلزم التقرير الطبي والفتوى الشرعية، فيحضرون تقريرًا طبيًا ويذهبون به إلى أهل العلم من أهل الفتوى فيفتون فتوى خاصة على جواز إسقاط هذا الجنين أو عدم جوازه، وأما مجرد أنهم لا يريدون حملًا أو أن عندهم من الأولاد ما يكفي أو أن النفقة صعبة أو التربية عسيرة أو هذه الحيل الشيطانية فإنها لا تحل، والله جل شأنه هو المتكفل بالأرزاق وهو المعين على التربية، أنت ليس عليك إلا فعل السبب والباقي كله على رب العالمين الذي وكل إليك فعل السبب فقط، وجعل الأرزاق في السماء وأنت سبب تحصل هذا الرزق، ولهذا أخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم : «أنه ينفخ في الجنين الروح أو يرسل الملك ينفخ فيه الروح فيكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد»(8) وهو لا يزال في بطن أمه له أربعة أشهر تنفخ روحه ويكتب رزقه وأجله، الرزق مكتوب، لست أنت الذي ترزقه الله هو الذي يرزقه، أنت وسيلة وسبب تحصل رزق الذي كتبه الله وهو في بطن أمه، ولهذا يقول صلى الله عليه وسلم : «أن جبرائيل ألقى في روعي أنه لن تموت نفس منفوسة حتى تستكمل أجلها ورزقها»(9) نحن نؤمن هذا في الآجال سبحان الله، كل واحد الآن من أهل الإيمان يعلم أن أجله لا يمكن أن ينقص ثانية ولا يزيد، الله جل شأنه كتب الآجال وحددها، ولهذا يموت من يموت بحادث أو غرق أو مرض أو حرق أو أسباب، لكن الآجال مبينة ومحددة، وكذلك الأرزاق فوالله ما تموت نفس وتخرج من هذه الحياة الدنيا وبقي لها ثانية ولا تموت وبقي لها مليم أو ريال أو هللة أو جنيه أو دولار ما يمكن، الأرزاق التي كتبها الرزاق لا تموت النفس حتى تستوفيها، فكيف يغالط الإنسان نفسه ويفكر التفكير الشيطاني ويشابه أهل الجاهلية في البحث عن مخارج لإسقاط جنين، ويقول: لا، ما بعد تخلق، نقول: إذا تخلق صار آدميًا فقتله قتل نفس معصومة لكن حتى قبل التخلق لا يجوز على الصحيح إلا لعذر شرعي كمرض ونحوه، نعم يجوز بتقرير طبي مع فتوى شرعية، ليس كلام عام، لا أحد يأخذ من كلام عام يقول: سمعت كذا فيطبق لا، أي إنسان عنده جنين قرر الطبيب أن فيه كذا وأن أمه كذا، نقول: يأتي بالتقرير ويذهب أهل العلم والفتوى يفتونه وليس كل ما يقال في التقارير صحيح، كم قرروا أن هذا الجنين إن ولد سيكون مشوهًا ويولد أسلم وأصح ما كان ليس كل ما يقولونه صحيحًا، لكن مع ذلك نقول: لا نحجز على الناس نقول: هات تقرير واذهب للإفتاء، الإفتاء موجود والأطباء، الطبيب هذا الذي يقرر هذا الكلام يكتبه بعبارة واضحة بينة لأهل العلم وهم يبنون على تقريره فتواهم، بالإباحة أو المنع، إذن إسقاط الجنين بعد التخلق هذا، نقول: هذه جناية، وقبل التخلق يجوز في الضرورة، والضرورة تقدر بقدرها والذي يقدره أهل العلم ويبنون ذلك أيضًا على تقرير الأطباء الموثوقين، أما إسقاط الجنين بعد كمال نموه إذا تعسرت ولادته بما يسمى العملية القيصرية فهذا جائز، إذا تعسرت الولادة وما كان الإنسان يظن أن امرأة تقدم على هذه العملية بدون تعسر، حتى سمعنا في العصر الحاضر أن بعض النساء تذهب باختيارها إلى المستشفى وتطلب عملية قيصرية، تقول: هذا أسهل وهذا من فرط جهلها وغباء من تفكر هذا التفكير، إذ كيف تعمدين إلى فتح بطنك خمس طبقات ويستمر هذا الجرح ربما طول حياتك لا يبرأ البرء التام، هذا من ناحية طبية وصحية لكن من ناحية شرعية، هل يجوز لك ذلك؟ لا يجوز، لا يجوز للمرأة أن تمثل لطبيب يفتح بطنها ويستخرج جنينها والولادة ممكنة بالطبيعي، لأن فيه كشف للعورات وفيه إلحاق أذى وضرر للبدن والصحة، لكن إذا تعثرت الولادة ولم تمكن إلا بالعملية يُلجأ إليها، ومعروف أن الولادة الطبيعية غالبًا لا تحتاج إلا إلى ممرضة أو قابلة أو طبيبة، لكن إذا احتاجت قيصرية قد يتدخل الرجال وهذا التدخل لا يجوز إلا في الضرورة، حتى القيصرية إذا وجد وقد وجد بحمد الله في كثير من المستشفيات اليوم طبيبات واستشاريات وجراحات أو تخصص نساء وولادة وتولد وتقوم بالعملية، فإذا وجد لم يحل للمرأة أن تأذن للرجل ولا وليها أن يأذن لرجل أن يباشر توليدها، لا في حال العملية القيصرية ولا في حال الولادة الطبيعية، لأن هذا كما لا يخفى كشف للعورات المغلظة.
رابط الفقرة 32أسأل ربي بمنه وكرمه وجوده وإحسانه أن يوفقنا لما يحب ويرضى وأن يأخذ بنواصينا للبر والتقوى وأن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح والولد البار وأن يجعل ما قلناه وتعلمناه حجة لنا يوم نلقاه، إنه ولي ذلك والقادر عليه وبالله التوفيق وصلى الله وسلم وبارك وأكرم وأنعم على خيرته من خلقه وأفضل أنبيائه ورسل نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.
رابط الفقرة 33بالنسبة للإخوة الذين اختبروا لعلي إن شاء الله الليلة أخذ أوراقهم ولعلها الأسبوع القادم تعلن نتائجهم، وأظن العدد قليل كنت أتوقع أن الذين يختبرون أكثر لكن ما أدري هذا الإخوة يعني نسوا أو غابوا، لعل المانع خير أتمنى حقيقة أن نراجع دائمًا أول بأول فإن العلم لا يثبت إلا بالمدارسة، نحن الآن أنهينا كتاب الطهارة، وسنبدأ إن شاء الله تعالى في الدرس القادم كتاب الصلاة، وقد ذكر المؤلف في البداية أنه إنما بدأ بالطهارة لعظم شأن الصلاة، فنحن الآن سنبدأ بالمقصود الأعظم وهو كتاب الصلاة.
رابط الفقرة 34فآمل الحضور والاهتمام بإحضار المذكرة والتعليق عليها والمراجعة، هذه صلاة رب العالمين هذه الصلاة العظيمة التي عظم الله شأنها، سندرس فقهها وأحكامها ومسائلها، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «صلُّوا كما رَأيتُموني أُصلِّي»(10) فمن تعلم كيف صلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخذ فقه حقق هذا الهدف وهو أنه يصلي كما أراد الله وكما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
رابط الفقرة 35الحواشي
(1)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه البخاري (325).
(2)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه البخاري (228).
(3)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه أبو داود (287)، والترمذي (128)، وابن ماجه (627)، وأحمد (27515)، والحديث حسنه الألباني في إرواء الغليل (205).
(4)
العودة إلى موضع الحاشيةرواه الترمذي ( 128) وأبو داود (287 )، والحديث صححه الألباني في صحيح أبي داود.
(5)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه أبو داود (1881)، وأحمد (11039)، والحديث حسنه ابن عبدالبر في التمهيد (3/143).
(6)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه أبو داود (311)، والترمذي (139)، وابن ماجه (648)، وأحمد (26561) عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: «كانت النُّفَساءُ على عهدِ النبيِّ تَجلسُ أربعين يومًا»، والحديث حسنه الألباني في إرواء الغليل (211).
(7)
العودة إلى موضع الحاشيةهذا اللفظ قال عنه النووي في المجموع (2/522): غريب، وقال عنه الألباني في إرواء الغليل (210): لم أجده.
(8)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه البخاري (3208)، ومسلم (2643).
(9)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه ابن أبي شيبة (35473)، والحاكم (2136)، والبيهقي في شعب الإيمان (10376)، والحديث قال عنه الألباني في السلسلة الصحيحة (2866): حسن على أقل الأحوال.
(10)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه البخاري (6008)، ومسلم (674).