ملفات PDF ١ ملف
النص المقروء
[الدَّرْسُ الثَّالِثُ عَشَر]
رابط الفقرة 1[كتابُ الصَّلَاة]
رابط الفقرة 2[بَابُ الأَذَانِ]
رابط الفقرة 3الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
رابط الفقرة 4أما بعد؛ أيها الإخوة والأخوات سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وحياكم الله في المجلس الثالث عشر من مجالس العلم في شرح عمدة الفقه للإمام «موفق الدين ابن قدامة رحمه الله »، قد انتهينا في الدرس الماضي من مقدمة بين يدي كتاب الصلاة في بيان أهم مسائل الصلاة العامة، واليوم نبدأ بعون الله وتوفيقه في باب الأذان.
رابط الفقرة 5قال رحمه الله : (بَابُ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ) لما فرغ من بيان حكم الصلاة أو أحكامها العامة شرع في بيان أحكام الأذان والإقامة؛ لأنها تسبق الصلاة، أي الأذان وكذا الإقامة، فناسب البدء بها قبل بيان شروط الصلاة، والأذان: في لغة العرب التي نزل بها القرآن يأتي بمعنى الإعلام، ومنه قول الله جل شأنه ﴿ وَأَذَٰنٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ ﴾ [التوبة: ٣] ، وأما في الشرع: فهو إعلامٌ بدخول وقت الصلاة أو قربه بألفاظ مخصوصة، إذن هو إعلام لكنه إعلامٌ خاص، إعلامٌ بأي شيء؟ إعلامٌ بدخول وقت الصلاة في الصلوات المفروضة، الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وبقربه في صلاة الفجر حيث يجوز أن ينادى لها قبل دخول وقتها وهذه خاصة بها كما سيأتي بيانها بشرطه، وأما الإقامة: فهي مصدر أقام، وهي أيضًا إعلامٌ بإقامة الصلاة، إعلام الحاضرين بإقامة الصلاة بألفاظٍ مخصوصة.
رابط الفقرة 6قال رحمه الله : (وَهُمَا مَشْرُوْعَانِ لِلصَّلَوَاتِ الخَمْسِ دُوْنَ غَيْرِهَا) إذن الأذان والإقامة مشروعان للصلوات الخمس، إجماعًا ويُلحق بالصلوات الخمس صلاة الجمعة، إذن هذه الصلوات المفروضات فرض عين يشرع لهن الأذان والإقامة، وأما سائر الصلوات مما سوى الصلوات الخمس وصلاة الجمعة فإنه لا يؤذن لهن، كصلاة العيد وصلاة الاستسقاء فإنه لا يشرع لهن أذان ولا نداء، وأما صلاة الكسوف والخسوف فينادى لهن الصلاة جامعة، إذن الصلوات منهن ما يؤذن لهن وهن الصلوات الخمس، ومنها ما ينادى لها كصلاة الكسوف والخسوف، ومنها ما لا يؤذن لها ولا ينادى، كصلاة العيد، والاستسقاء، وسائر النوافل من صلاة الليل كالتراويح والتهجد والقيام وكذا صلاة النهار من التّطوّعات سواء كن سننًا رواتب أو غيرها، فهذه الصلوات كلها لا يؤذن لها ولا ينادى، إذن الأذان خاصٌ بالصلوات الخمس المفروضة على الأعيان.
رابط الفقرة 7قال رحمه الله : (لِلرِّجَالِ دُوْنَ النِّسَاءِ) إذن مشروعية الأذان من خصائص الرجال، قد حكى ابن هبيرة بالإفصاح، اتفاق أو إجماع أهل العلم على عدم مشروعية الأذان للنساء، وذهب الجمهور إلى أنه أيضًا لا يشرع لهن ولا يسن الإقامة، وذهب بعض الأئمة كالشافعي إلى أنه يُسن لهن الإقامة، وفي الإقامة خلاف عند أهل العلم ما بين السنية والإباحة وبين الكراهة، والذي يظهر والعلم عند الله أنه لا يشرع للنساء أن يؤذن ولا يقمن، لكن لو أقمن فلا بأس، فيبقى في دائرة المباح، وأما الأذان فلا، فإن هذا إنما اختص به الرجال لأن الجماعة أيضًا لا تجب على النساء ،فلا تجب عليهن الجماعة ولا النداء للصلاة ولا الإقامة لكن لو أقامت المرأة فلا بأس بشرط ألا يسمعها إلا من يحل له سماع صوتها.
رابط الفقرة 8وإذا كان الشارع العظيم منع النساء من النداء إلى الصلاة لا أذانًا ولا إقامة، ومن رفع الصوت بالتلبية، إذا حجت أو اعتمرت تلبي بقدر ما تسمع نفسها ورفيقاتها ومحارمها، وإذا صلت خلف الرجال فسهى الإمام فإنها لا تقول سبحان الله، لا تسبح وإنما تصفق، إذا كان الشارع نهى المرأة في هذه المواطن وهذه المواضع العظيمة عن رفع الصوت فلم يشرع لها أذانًا ولا إقامة ولم يشرع لها تلبية بصوت مسموع يسمعه الرجال الأجانب، ولم يشرع لها أن تنبه الرجل إذا سهى أي الإمام بالتسبيح، وهي في طاعة وعبادة وقربة لا يراها الرجال، إذ هي في الصفوف الأخيرة ومع ذلك لم يشرع لها الشارع أن تقول سبحان الله وهو ذِكر.
رابط الفقرة 9إذا ثبت هذا كله فإنه يعلم منه أنه لا يجوز للمرأة أن تتحدث مع الرجال بدون حاجة، وأن تمطط في صوتها وتحسنه وتخضع بالقول إذا احتاجت، إذن لا تكلم الرجال ابتداءً إلا لحاجة، كالاستفتاء والبيع والشراء، وإذا احتاجت فإنها ممنوعة من الخضوع بالقول ﴿ فَلَا تَخْضَعْنَ بِٱلْقَوْلِ فَيَطْمَعَ ٱلَّذِى فِى قَلْبِهِۦ مَرَضٌۭ ﴾ [الأحزاب: ٣٢]، وإذا كان هذا لأمهات المؤمنين ونساء الصحابة رضي الله عنهن أجمعين، فهو خطابٌ للأمة جمعاء ولنساء المؤمنين في كل حين، أن يتجنبن الحديث مع الرجال بدون حاجة، وأن يقتصرن في الحاجة على قدر الحاجة، وألا يمططن الأصوات أو يحسنها أو يزينها أو يخضعن بالقول فيها، وإذا علم هذا فإنه يعلم منه شناعة ما تقوم به بعض الشركات من استقطاب الفتيات وتوظيفهن في الرد على العملاء، سواءً كانت شركات الاتصالات على اختلاف أنواعها أو غيرها من الشركات التي تتبارى اليوم وتتسارع في توظيف النساء في الرد على الاتصال أو البدء بالاتصال، ليس فقط الرد بل هي تبدأ وتعلم أنها تتصل على الرجل وليس ثمة حاجة، إذ تتصل فتقول: الأستاذ فلان يعني هي تعرف لأن الرقم عندها رقم فلان، فما الذي سوغ لها هذا العمل؟ وما الذي أباحه لها؟ والشارع قد نهاها نهيًا عظيمًا، ومنعها مما فيه ذِكر ألا ترفع صوتًا بأذان ولا إقامة ولا تلبية ولا تسبيح، هذا أمرٌ لا يجوز ومنكرٌ عظيمٌ يجب على الناس أن ينكروه، ومن وجوه إنكاره ألا يوظفوا بناتهم ولا من تحت أيديهم في مثل هذه الشركات مهما أغروهم بالمال، لا سيما وهم يجتهدون في اختيار حسنة الصوت، ومن عندها حسنٌ ورخامةٌ في الصوت، فهذا هو محل الاختبار، ولا يعينون كيفما اتفق إنما يختبرونهن، فمن كانت بصوتها أخضع وألين، وتستميل الرجال، كانت هي الأولى بالتعيين والترشيح، ثم إنه لا يجوز لهذه الشركات لا مجالس الإدارة ولا الرؤساء ولا غيرهم أن يمكنوا نساء المسلمين من العمل في مثل هذه الوظائف، إذ الواحد منهم من كان عنده غَيرة لا يرضى هذا لزوجه ولا لبنته ولا أخته فكيف يرضاه لبنات المسلمين؟ ويعرضهن للفتنة، فإن الفتنة قائمة، والمرأة التي تتصل أو تستقبل حتمًا ستقع في رجالٍ في قلوبهم مرض، حتى لو كانت متعففة فإنها لن تسلم عبر هذه الاتصالات بالعشرات بل ربما بالمئات، فليتق الله القائمون على هذه الشركات ويوظفوا الرجال للاستقبال والاتصال على الرجال، وإن كان ولا بد من توظيف النساء فلتخَصص في الاتصال على أرقام النساء، مع أن هذا فيه ما فيه، إذ قد يتغير الرقم ويكون الراد رجلًا.
رابط الفقرة 10يقول رحمه الله : (وَالأَذَانُ خَمْسَ عَشْرَةَ كَلِمَةً، لا تَرْجِيْعَ فِيْهِ، وَالإِقَامَةُ إِحْدَى عَشْرَةَ) شرع رحمه الله في بيان أحكام ومسائل الأذان، فذكر أن الأذان خمس عشرة كلمة، كالأذان المعروف عندنا، يقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر أربعًا، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله أشهد أن محمدًا رسول الله، ثم يقول: حي على الصلاة حي على الصلاة، حي على الفلاح حي على الفلاح، ثم يقول: الله أكبر الله أكبر ثم يختم بكلمة التوحيد لا إله إلا الله، هذا أذان بلال الذي كان يؤذنه في حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم وسفره، ولهذا اختاره جمعٌ من الأئمة، منهم الإمام أحمد، اختار هذا الأذان بهذه الصيغة المعروفة، وهو خمس عشرة جملة.
رابط الفقرة 11قال رحمه الله : (بلا تَرْجِيْعَ)، الترجيع ما هو؟ الترجيع هو: أذان أبي محذورة رضي الله عنه وكان يؤذن في مكة به، وهو أنه إذا كبر أربعة يُسرُ التشهدات الأربع، فيقول: بينه وبين نفسه أو بقدر ما يسمع من عنده، أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله أشهد أن محمدًا رسول الله، ثم يعيدهن رافعًا صوته، هذا هو الترجيع وهو أذان أبي محذورة رضي الله عنه وهو آذان سني ومن ثم فللمؤذن أن يؤذن به أحيانًا، يُرَجِعُ الأذان بأن يأتي بالتشهدات بينه وبين نفسه، تحقيقًا لكلمة التوحيد وشهادة الحق ثم يرفع صوته للأمة فيُسمعهم وحينئذٍ يكون الأذان تسع عشرة جملة إذا أخذ بالترجيع.
رابط الفقرة 12قال رحمه الله : (وَالإِقَامَةُ إِحْدَى عَشْرَةَ كَلِمَةً) كالإقامة التي نسمعها كل يوم، يقول: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، وهذا مثل الأذان إقامة بلال رضي الله عنه ، بعض أهل العلم اختار إفراد التكبير أول الأذان، والسنة خلافه، فإنه جاء بالحديث «أُمِرَ بلَالٌ أنْ يَشْفَعَ الأذَانَ ويُوتِرَ الإقَامَةَ»(1) غير التكبيرتين، فالتكبيرتان في أول الإقامة شفعٌ وليست مفردة، وكذلك في آخر الإقامة، وكذلك قد قامت الصلاة لكن لو أفردها، نقول: أذانه وإقامته صحيحة إلا أن السنة دلت على تثنية التكبير في أول الإقامة وفي أخرها، وكذلك تثنية قول قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة، شيخ الاسلام رحمه الله وقد ذكر أقوال أهل العلم واختيار بعضهم: أذان بلال وإقامة بلال، واختيار بعضهم: أذان بلال وإقامة أبي محذورة والعكس، منهم من اختار: أذان أبي محذورة وإقامة بلال، قال: كل ما ثبت في السنة فهو سنة وللمؤذن أن يختار هذا تارة وهذا تارة وهذا من التوسعة لئلا تخفى السنة، فينكر الناس خلاف ذلك، بمعنى أنه لو غير المؤذن ربما ينكر عليه الناس، فإذا أذن أحيانًا بأذانٍ مشروع انتشر عند الناس وعلموا هذا سائغ وإن كان هذا أولى، أذان بلال أولى لأنه أذانه أمام رسول الله بحضرته في سفره وإقامته ومن ثم فهو أولى، وهو الذي عليه العمل اليوم والمؤذنون يؤذنون به ويقيمون ولا يغيرون، لكن في بعض البلدان يؤذنون بأذان أبي محذورة والأمر في ذلك واسع بمعنى أننا إذا سمعنا مؤذن يؤذن بأذانٍ مشروع فإننا لا ننكر عليه، أما الأذان البدعي كأذان بعضهم بقوله: حي على خير العمل، أو أشهد أن عليًا ولي الله، نقول: بدعي ينكر على صاحبه، قد خالف سنة النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، فلا يجوز له أن يؤذن هذا الأذان ولا يجوز إقراره بل ينكر عليه.
رابط الفقرة 13قال رحمه الله : (وَيَنْبَغِيْ أَنْ يَكُوْنَ المُؤَذِّنُ أَمِيْنًا) هذه صفات المؤذن التي ينبغي أن يتصف بها وإذا تنازع الناس وتشاحوا وأراد كل واحد أن يؤذن فإنه يُبحث عن أكملهم في هذه الصفات، إذن أول صفة ذكرها أن يكون أمينًا، لأنه مؤتمن على صلاة الناس، فبأذانه يصلي الناس لا سيما النساء في البيوت، ومؤتمن على صيام الناس وعلى فطرهم، فاشترط أن يكون أمينًا وأن يكون عدلًا ولو ظاهرًا، ولهذا نقول: العدالة شرطٌ في الظاهر، وأما في الباطن فهو مسنون؛ لأن الباطن لا يعلمه إلا الله لكننا إذا وجدناه أمينًا تقيًا صالحًا في ظاهره وباطنه وعليه أمارات الصلاح والاستقامة فهو أولى لكننا لا يجوز لنا أن نُعين مؤذنًا فاسقًا، وهو الذي ظهر عليه الفسق بفعل كبيرة أو إصرارٍ على صغيرة، لا سيما إذا كان المؤذن راتبًا يعني ثابتًا في المسجد، لكن لو أذن مرة وعنده شيءٌ من التقصير، يغتفر في ذلك إنما الكلام على من يلي الأذان ويكون راتبًا فيه نقول: يشترط أن يكون عدلًا غير فاسق، وهل يشترط أن يكون عدلًا في الظاهر والباطن؟ نقول: هذا صفة كمال، ولهذا نقول: كلما كان لله أتقى وأقرب كان أولى، كما أن الأمانة مهمة فيما يتعلق باطلاعه على بيوت الناس وعوراتهم، لا سيما في القِدم لما كان المؤذن يصعد منارة المسجد فيؤذن فربما اطلع على بيوت الناس أو اكتشف شيئًا من عورات البيوت، فاشترط فيه أن يكون أمينًا متعففًا عن النظر والاطلاع على عورات الناس وأيضًا لو رأى شيئًا كتمه.
رابط الفقرة 14قال رحمه الله : (وَيَنْبَغِيْ أَنْ يَكُوْنَ المُؤَذِّنُ أَمِيْنًا، صَيِّتًا) أي رفيع الصوت، لأن عبد الله بن زيد الأنصاري رضي الله عنه لما أُريَ الأذان في المنام وقص الأذان على رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر له جمله، قال له صلى الله عليه وسلم : «أَلْقِه على بِلالٍ فإنه أَنْدَى منك صَوْتًا»(2) وحديث عبد الله بن زيد عند أصحاب السنن هو أصل مشروعية الأذان، فإن الصحابة رضي الله عنهم لما قدموا المدينة كانوا يتحينون أوقات الصلاة فيأتون، فربما فاتت بعضهم أو تأخر، فتشاوروا فيما بينهم بمقترح يخبرهم بدخول الوقت ويشعرهم به، فقال بعضهم: لعلنا نتخذ ناقوسًا مثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم: بل لعلنا نتخذ بوقًا مثل بوق اليهود، فتفرقوا رضي الله عنهم فلما نام عبد الله بن زيد الأنصاري رضي الله عنه أُري في المنام رجلًا معه ناقوس فقال له و حاوره، قال له: أتبيعه؟ قال: لما؟ قال: ننبه ونذكر الناس به، قال: هلا أدلك على خير منه، تقول: إذا أرت الصلاة الله أكبر الله أكبر وذكر له جمل الأذان المعروفة اليوم التي بها يؤذن الناس، فأصبح رضي الله عنه وجاء للنبي صلى الله عليه وسلم وأخبره الرؤيا، وأنه رأى في المنام أنه أمام من يخبره كيف يؤذن، وفي الحديث: فلما فرغ من الأذان رجع قليلًا ثم أقام، فألقى عليه في نومه جمل الأذان وكلمات الأذان ثم كلمات الإقامة فقال له صلى الله عليه وسلم : «هذه رؤيا حق، قم فالقه على بلال فإنه أندى منك صوتًا»(3)، وفي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما أن عمر الفاروق رضي الله عنه قال: قم فأذن، فتواترت واتفقت رؤى الصحابة رضي الله عنهم على الأذان المعروف اليوم، سواءً كان الرائي عبد الله بن زيد الأنصاري وحديثه في السنن أو كان في الصحيحين في حديث عبد الله بن عمر عن أبيه أنه هو الذي رأى وأمر عمر بلالًا أن يؤذن فهي رؤيا حق تواطأت من الصحابة رضي الله عنهم ، أرشدهم الله جل شأنه بها إلى أحسن الكلام وأفضله وهو ذكر الله والنداء بهذا النداء الخالد، فقول النبي صلى الله عليه وسلم «ألقِهِ على بلالٍ فإنه أَندى منك صَوْتًا»(4) أي أعلى وأرفع وأحسن، ولهذا قالوا: الصيت :هو رفيع الصوت وحسن الصوت، فكلما كان حسن الصوت كان أولى، بشرط ألا يأتي بلحون الفساق، لكن يطربه و يرتله ويحسنه ويجمله هذا أمر مشروع.
رابط الفقرة 15قال رحمه الله : (عَالِمًا بِالأَوْقَاتِ) ليؤذن على الوقت، ولا يتقدم أو يتأخر فإنه يترتب على آذانه في الوقت الصلاة والصيام والفطر، ولا يكتفي بالوسائل العصرية من تقويم وساعة في يده أو ساعة في المسجد، بل لا بد أن يكون ملمًا بالأوقات يعرف متى يدخل الوقت، لا سيما أن هذه الوسائل قد تتخلف عنده يومًا من الدهر، فيكون أكثر معرفة من غيره بأوقات الصلاة، وسيأتينا إن شاء الله تعالى في الباب القادم شروط الصلاة وبيان مواقيتها، إلا أنه إذا لم يتيسر من يعلم الأوقات لكن عنده من يعلمه أو ساعة أو منبه أو جوال أو تقويم أو أهل يذكرونه قبل الوقت بزمن فلا حرج، لأن ابن أم مكتوم رضي الله عنه كان كفيف البصر وكان مؤذنًا، فعُلم أنه لا يشترط أن يكون مبصرًا ولا أن يكون عالمًا بنفسه لكن لابد أن يكون عنده اهتمام وعناية.
رابط الفقرة 16قال رحمه الله : (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُؤَذِّنَ قَائِمًا) هذا بالإجماع، وفي الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال لبلال: «قم فأذِّن»(5) وحكى الإجماع غير واحد على القيام في الأذان وأنه لم يُعلم عن أحد أنه أباح الأذان قاعدًا مع القدرة على القيام، قالوا الخطبة جاء فيها كلام أنه قد يخطب جالسًا، أما الأذان فلا، إلا في حق المعذور كما لو اعتل المؤذن الراتب ونحوه فإن له أن يؤذن جالسًا.
رابط الفقرة 17قال رحمه الله : (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُؤَذِّنَ قَائِمًا، وَمُتَطَهِّرًا)، أما الطهارة من الجنابة فشرط عند جمع من أهل العلم وهو الصحيح إذ لا يؤذن الجنب؛ لأن في الأذان ذكر و فيه دخول للمسجد ولبثٌ فيه، فتنافى ذلك مع الجنابة، ولهذا نقول: إذا كان جنبًا يغتسل أو يؤذن غيره، وإن أباحه بعضهم لكن الصحيح أن الجنب لا يؤذن، وأما الطهارة الصغرى فهي سنة في حق المؤذن، أن يؤذن وهو على طهارة متوضأ، وأما حديث «لا يؤذِّنُ إلَّا متوضِّئٌ»(6) ففيه ضعف، ولو صح لكان فيصلًا في الموضوع فإن فيه النهي، لكن الحديث ضعيفٌ رفعه وربما صح موقوفًا على أبي هريرة رضي الله عنه ، ومن ثمَ فينبغي للمؤذن أن يتوضأ ويتطهر الطهارة الكبرى والصغرى وأن يؤذن على أحسن هيئة، ويبقى في المسجد بعد آذانه حتى تقام الصلاة ويصلي مع الناس، ولا يتعود كما يفعل بعض المؤذنين هداهم الله يؤذن ثم يخرج على سبيل الانتظام كل يوم وكل صلاة يؤذن ويخرج يتوضأ ثم يدخل مع المتأخرين، نقول: هذا من الكسل، وهذا من الحرمان، والنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الخروج من المسجد، كما في حديث أبي هريرة لما أبصر رجلًا يخرج من المسجد بعد الأذان قال: «أَمَّا هذا فقَدْ عَصَى أَبَا القَاسِمِ»(7) فكيف يكون المؤذن هو الذي كل يوم يخرج بعد الأذان، نقول: لا ينبغي هذا ولا يليق به، لكن لو ضاق به الوقت ووصل وقت الأذان وهو على غير طهارة فأذن ثم خرج يتوضأ، نقول: لا حرج، لكن لا يكون ديدنه وعادته أن يؤذن على غير طهارة.
رابط الفقرة 18قال رحمه الله : (عَلَى مَوْضِعٍ عَالٍ) هذا سنة أن يصعد على مكان مرتفع ليُسمع صوته، وقد كان بلال رضي الله عنه يؤذن على سطح امرأة بيتها أرفع بيت جوار المسجد، لا سيما أذان الفجر، واليوم يقوم مقام هذا مكبرات الصوت، فإنه يؤذن في المسجد لكن صوته يرفع عبر المنائر ومكبرات الصوت الموزعة في أركان المسجد غالبًا، (مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ) قيل: لأن الملك الذي أَرى عبدالله بن زيد الأذان كان مستقبل القبلة، نقول: ولأن بلالًا رضي الله عنه ومؤذني رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يستقبلون القبلة، وهي أشرف الجهات، ولهذا يستقبل القبلة ويأتي أنه عند الحيعلتين يلتفت يمينًا وشمالًا.
رابط الفقرة 19قال رحمه الله : (فَإِذَا بَلَغَ الحَيْعَلَةَ -أي قول حي على الصلاة حي على الفلاح-، الْتَفَتَ يَمِيْنًا وَشِمَالاً، وَلا يُزِيْلُ قَدَمَيْهِ)، يعني يلتف بوجهه ورقبته وصدره، وأما قدماه فتبقيان مستقيمتان مستقبلًا بهما القبلة، فلا يدور في آذانه كما يفعل بعضهم، نقول: السنة دلت على أنه يلتفت بوجهه ورقبته وصدره، كيف يكون؟ يقول: حي على الصلاة، يلتفت يمين ، حي على الصلاة يلتفت يمين، ثم يقول: حي على الفلاح يلتفت شمال، حي على الفلاح يلتفت شمال، وإن قال: حي على الصلاة والتفت عن يمينه، ثم قال: حي على الصلاة والتفت عن يساره، ثم قال: حي على الفلاح والتفت عن يمينه، ثم قال: حي على الفلاح والتفت عن يساره فكل ذلك وارد، والحكمة في الالتفات ليسمعه الناس، من في الجهات ونواحي المسجد كلها، فإنه إذا أذن وهو مستقبل القبلة لا يبلغ الناس جميعًا صوته فإذا التفت عند الحيعلتين أسمع أكبر عدد ممكن.
رابط الفقرة 20إذا كان يؤذن بمكبر صوت فهل يشرع له الالتفات؟ نقول: نعم تبقى هذه السنة لكنه لا يبالغ في الالتفات لئلا يضعف صوته فتنخرم الحكمة التي لأجلها شرع الالتفات، نقول: لا يكون أثناء قوله: حي على الصلاة حي على الفلاح صوته لا يسمع، لأنه يلتفت والمكبر أمامه، لكن ينحرف انحرافًا يسيرًا يحافظ فيه على السنة مع بقاء الصوت، وقد جاء في الحديث حديث ابن محذور أنه قال: «كنت أتتبع فاه يمينًا وشمالًا، وهو يقول حي على الصلاة حي على الفلاح»(8).
رابط الفقرة 21قال رحمه الله : (وَيَجْعَلُ إِصْبَعَيْهِ فِيْ أُذُنَيْهِ) كذلك من السنن للمؤذن أن يدخل سبابتيه داخل صماخ أذنيه، أو يضع أصابعه ممدودة على أذنيه، كل ذلك سائغ ووارد، والمقصود من هذا أنه أرفع لصوته، إذا غطى أذنيه سواء بسبابتيه، أو بسباحتيه، أو بيده كاملة، قال رحمه الله : (وَيَتَرَسَّلَ فِي الأَذَانِ) أي يرتله ولا يسرع فيه، فإن المقصود في الأذان إبلاغ الناس دخول الوقت فجاءت السنة بالترسل فيه وعدم الإسراع والحدر لأن ذلك أبلغ في الإسماع.
رابط الفقرة 22وهل يقرن بين التكبيرتين؟ أو يفردهما أو يفردها؟ قولان لأهل العلم وبكلٍ وردت السنة فلا ينكر على من قرن ولا على من أفرد، إلا أن الترسل مع الإفراد أبلغ، فيقول: الله أكبر ويقف عليها ثم يكبر الثانية، لكن إن قال: الله أكبر الله أكبر فلا حرج، بل نقول: جاءت به السنة، ولا ينكر على من فعل هذا لكن المقصود أنه يرتل ويترسل في الأذان، (وَيَحْدُرُ الإِقَامَةَ) أي يسرع في الإقامة لأنها إبلاغ الحاضرين، ولهذا لم تدعو الحاجة لرفعها من على المنائر، ولا فوق سطح المسجد، كانوا يقيمون في موضع صلاتهم مما يدل على أن الإقامة لإسماع من في المسجد وإخبارهم بإقامة الصلاة، اليوم لما وجد المكبر صار فتنة لكثير من الناس وأعانهم على الكسل، فأصبحنا نسمع من يقول: لم يقم بعد، إذا قيل له الصلاة الصلاة فيتأخر ويتكاسل ويتململ حتى يسمع الإقامة، فكان رفع الصوت بالإقامة كما هو المعروف اليوم والمشهور في المساجد سببًا لكسل بعض الناس، و بعض الناس يقول: بل هو يعين الناس على الخير، إذ لو لم يسمعوا ربما فاتتهم الصلاة، نقول: صحيح أن بعض الناس تعينه ، كغافل أو نائم ونحوه، لكن جُل الناس الذين لا يتحركون للمساجد إلا بعد الإقامة محرومون، مُفَرطون، إذا كان بعض السلف يقول: «عبد السوء الذي لا يأتي إلى الصلاة إلا إذا نودي لها» فما بالنا وما حالنا نسأل الله أن يهدي قلوبنا ويصلح فسادها، الواحد لا يأتي إلا بعد الإقامة هذا يفوت على نفسه أجورًا عظيمة، منها المشي بسكينةٍ ووقار، ومنها الدعاء، فإن الذي يأتي مبكرًا يدعو دعاء الخروج من بيته، ويمشي بتؤدة ووقار وسكينة، ويدخل المسجد فيؤدي تحيته ويؤدي سنة الراتبة إن كان للصلاة راتبة كالظهر والفجر، وإلا فإنه يصلي تحية المسجد ثم يجلس في مصلاه يقرأ قرآنًا، يراجع حفظًا، يتدبر شيئًا مما حفظ أو مما تلا، يدعو يسبح يهلل يقرأ ورده، فما تقام الصلاة إلا وقد جمع كنزًا عظيمًا من الحسنات، وهيأ نفسه للصلاة، إذ قد انقطع وبَعُد عن الشواغل، وهذا من أعظم أسباب الخشوع في الصلاة، أن ينقطع الإنسان عن الدنيا وما عنده من عمل قبل الصلاة بوقتٍ كافٍ، وتصور كيف تكون صلاته و صلاة من لم يأتي إلى الصلاة إلا بعد الإقامة، يهرول أحيانًا ويسرع ثم يأتي فيدخل الصلاة وربما نَفَسه مرتفع وعنده شيءٌ مما علق في يده وفي ذهنه من عمل الدنيا أو العمل والشغل الذي هو فيه، فيمكن تنتهي الصلاة وهو لم يتفرغ لها، بخلاف من تقدم وبَكر فإنه ينال الأجور العظيمة في التبكير، وفي الدعاء بين الأذان والإقامة الذي لا يرد وفي قراءة القرآن ومراجعة حفظه ونحو ذلك، وكم حفظ أناس القرآن كله في استغلال واغتنام ما بين الأذان والإقامة، فعشرين دقيقة ليست قليلة إذا حافظ عليها المسلم في اليوم يعني ثمانين دقيقة بالنسبة للفروض غير المغرب وعشر دقائق في المغرب، يعني هناك تسعين دقيقة في الانتظار هذه ساعة ونصف، وبعض المساجد يلبث خمسًا وعشرين دقيقة وبعضها ثلاثين دقيقة، في زمن الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله مفتي الديار السعودية شيخ مشايخنا وسماحة الشيخ ابن باز، حدد للمؤذنين أن يقيموا الظهر والعصر والعشاء والفجر بعد عشرين دقيقة، والمغرب لا يزيدون عن عشر دقائق، اليوم هو قريب من هذا وبعض المساجد تمده خمسة وعشرين إلى ثلاثين في الفجر، الشاهد أن هذا الوقت الحد الأدنى تسعين دقيقة، ليست قليلة ساعة ونصف يستطيع أن يقرأ فيها شيئًا عظيمًا ويختم ختمات ليست ختمة واحدة في الشهر، ويراجع حفظه ويتدبر معاني ما درس وما حفظ ويدعو ويغتنم، فالشاهد أن الإقامة اليوم بمكبرات الصوت صارت سببًا لكسل بعض الناس، فهي وإن كانت موقظة لبعض الناس ومنبهة إلا أنها سببًا لكسل بعضهم، ومثله رفع الصلاة كلها بالمكبر، وفتح السماعات الخارجية، هذا فيه خير من حيث أن الناس يسمعون كلام الله ويعيشون الروحانية والقرآن والمواعظ والصلاة ونحو ذلك، لكن فيه أيضًا سببًا لبعض الناس بالكسل وأنه أيضًا حتى مع الإقامة ما يتحرك أو يتحرك بالبطء يحسب أنه إذا أدرك ركعة فإنه كأنه أدرك الصلاة من أولها وما علم هذا المحروم أنه إذا أقيمت الصلاة وهو خارج المسجد فليس كمن لحق تكبيرة الإحرام وأدركها مع الإمام، ولا تدرك تكبيرة الإحرام إلا إذا أدركها وهو في المسجد، أما إذا كبر الإمام وهو في الطريق إلى المسجد فإننا نقول فاتته تكبيرة الإحرام، وإن لحق الركعات كلها لكن تكبيرة الإحرام فاتته.
رابط الفقرة 23قال رحمه الله : (وَيَقُوْلُ فِيْ أَذَانِ الصُّبْحِ: «الصَّلاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ»، مَرَّتَيْنِ بَعْدَ الحَيْعَلَةِ) إذا أذن لصلاة الفجر أو أذان الفجر صلاة الصبح فإنه يقول بعد قول حي على الفلاح يقول: الصلاة خير من النوم، وهذا التثويب مسنون ومشروع في هذه الصلاة فحسب ولا يشرع في غيرها، قد أنكر أهل العلم على من ثوب في غيرها، وقالوا: إنه بدعة منكرة جاء عن بعض الصحابة رضي الله عنهم حتى لو كان الناس قد ناموا وتعودوا النوم مثل ما يكون مثلًا في رمضان، ينام الناس في النهار أكثر من الليل فلا يسوغ للمؤذن أن يقول لصلاة الظهر: الصلاة خير من النوم، نقول: هذا التثويب إنما هو سنة في صلاة الفجر خاصة كما جاء في الصحيح.
رابط الفقرة 24قال رحمه الله : (وَلا يُؤَذِّنُ قَبْلَ الوَقْتِ إِلاَّ لَهَا -أي لصلاة الصبح- لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إنَّ بلَالًا يُؤَذِّنُ بلَيْلٍ، فَكُلُوا واشْرَبُوا حتَّى يُؤَذِّنَ ابنُ أُمِّ مَكْتُومٍ»(9) [الحديث متفق عليه])
رابط الفقرة 25يقول رحمه الله : (وَلا يُؤَذِّنُ قَبْلَ الوَقْتِ إِلاَّ لَهَا)، هذا بالإجماع في صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء لا يحل للمؤذن أن يؤذن قبل الوقت عمدًا، ولو أذن سهوًا قطع أذانه إذا علم، ولا يسوغ له أن يكمله متى شعر، بأن انتبه أو نُبه نقول يقطع الأذان، لأنه إذا أكمله سيبني عليه قوم، وربما امرأة سمعت فكبرت وصلت، ولم تنتبه لغيره من المؤذنين، وربما أيضًا إن كان مغربًا أفطر بأذانه من أفطر، وهذا يقع كل سنة من يسأل عن أن إمامًا تعجل فأذن قبل الأذان بدقائق ثلاث أربع خمس، نقول: صومهم صحيح لكن لا ينبغي للمؤذن أن يتعجل وأن يكون أول المؤذنين هكذا بل لا بد من التثبت و التيقن و غلبة الظن، فنقول: إنه لا يسوغ الأذان قبل دخول الوقت في الصلوات الأربع إجماعًا، و أما صلاة الصبح فيجوز و يسوغ بل يسن بشرط أن يؤذن في الوقت، فلا يؤذن قبل طلوع الفجر ويترك الأذان إذا طلع، هذا شرط مهم؛ لأن الأذان قبل دخول الوقت هذا مسنون، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم «إنَّ بلَالًا يُؤَذِّنُ بلَيْلٍ -يعني قبل طلوع الفجر- فَكُلُوا واشْرَبُوا حتَّى يُؤَذِّنَ ابنُ أُمِّ مَكْتُومٍ» فإن ابن أم مكتوم رجل كفيف رضي الله عنه كان لا يؤذن حتى يُقال له: أصبحت أصبحت، قال الراوي: وما كان بينهما إلا أن ينزل هذا ويصعد هذا.
رابط الفقرة 26متى يشرع الأذان الأول؟ أو الأذان قبل دخول الوقت؟ قال بعضهم: من نصف الليل، وقال بعضهم: ثلثه الأخير، والصحيح أنه لا ينبغي أن يبالغ فيه، بل يكون قبل أذان الفجر بساعة على الحد الأقصى، أو ثلثي ساعة أو نصف ساعة، لا يزيد لأن الحكمة منه أن يقوم النائم وأن يرجع القائم، فالقائم يعرف أن الوقت قرب فيوتر، وإذا كان عازمًا على الصيام يتسحر، والنائم يقوم فيوتر فيدرك نصيبه من الليل، هذه الحكمة لا تتحقق إذا كان الأذان الأول قبل الفجر بساعات كان نصف الليل أو ثلث الليل، نقول: لا تتحقق هذه الحكمة لكن إذا قرب من أذان الفجر على أكثر تقدير ساعة تحقق المراد والمقصود، ولو كان ثلثي ساعة أو نصف ساعة يحصل به المقصود، ولابد أن يؤذن في الوقت وإذا وجد في الحي أو في البلد من يؤذن الأذان الأول يحصل المقصود، ولو اتفق المؤذنون كلهم يؤذن الأذان الأول، نقول: لا حرج لكن الحرج أن يتركوا الأذان الأخير، لأن فيه تلبيسًا على الناس وفيه ترك الواجب والعمل بالمسنون أو المندوب، فنقول: إذا كنت ستؤذن الأذان الأول فاحرص على الأذان الأخير، ثم إن الأذان الأول ليس فيه تثويبًا، فلا يقال فيه: الصلاة خير من النوم، وإنما يقال ذلك في الأذان الذي عند طلوع الفجر.
رابط الفقرة 27قال رحمه الله : (وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ سَمِعَ المُؤَذِّنَ، أَنْ يَقُوْلَ كَمَا يَقُوْلُ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ صلى الله عليه وسلم : «إذا سَمِعتُمُ النِّداءَ، فقولوا مِثلَ ما يقولُ»(10)) هذا سنة مؤكدة وذهب بعض أهل العلم إلى الوجوب لعدم الصارف، قال : «إذا سَمِعتُمُ النِّداءَ» حتى قال بعضهم: يجيب ولو في صلاته، والصحيح: أنه إذا كان مشغولًا كمن يصلي أو يقضي حاجته لا يجيب، إلا أنه يقضي ما فات إن أمكنه ذلك، كأن ينصرف من صلاته والمؤذن في التشهدات نقول: يكبر ثم يدرك ما بقي، وهكذا لو خرج من الخلاء يكمل «فإذا سَمِعتُمُ النِّداءَ، فقولوا مِثلَ ما يقولُ»، اليوم يتسلط الشيطان على كثير من الناس إذا أذن المؤذن بأحاديث جانبية، ويشغلهم بشغل ما كانوا فيه قبل الأذان، ليفوتهم هذا الأجر العظيم، فإنه صلى الله عليه وسلم قال: «إذا سَمِعتُمُ النِّداءَ، فقولوا مِثلَ ما يقولُ» إلا في الحيعلتين فإنه يقول بدل حي على الصلاة حي على الفلاح، لا حول ولا قوة إلا بالله؛ لأن الحيعلتين ليستا ذكرًا وإنما نداء ودعاء للصلاة، فهو يقول حي على الصلاة حي على الفلاح، ولهذا لو قالها في الصلاة بطلت صلاته، بخلاف بقية أذكار الأذان فهي أذكار، التكبير والشهادة كلها أذكار، فإذا قال في صلاته: الصلاة خير من النوم أو قال: حي على الصلاة حي على الفلاح، نقول: هذا ليس ذكرًا ومن ثمَ لا يتابع وهو يصلي من ناحية وإذا كان في مكان قضاء الحاجة ونحوه فإنه أيضًا لا يتابع المؤذن، وقد أبدلها النبي صلى الله عليه وسلم بخير الذكر الذي هو كنز من كنوز الجنة وهو قول: (لا حول ولا قوة إلا بالله) أي لا حول لي ولا قوة في انتقالي من مكاني إلى إجابة هذا المؤذن وهذا الداعي للصلاة وللفلاح إلا بحول الله وقوته وإعانته وتوفيقه وتسديده، فهو المعين وهو الموفق وهو المسدد لعبده، ولا حول للعبد ولا قوة، فينفي حوله وقوته ويستعين بالله المعين جل شأنه، ولابد أن تقال هكذا لا حول ولا قوة إلا بالله، لا كما يقول بعضهم: لا حول الله، نقول: لا يجوز هذا، وليس ثمة اختصار في الذكر مثل صلى الله عليه وسلم كثير ما نسمع من يختصرها كتابة أو قراءة، نقول: لا يجوز اختصارها لا بد أن يقولها كاملة فصيحة واضحة صلى الله عليه وسلم ، فلا يقال صلعم أو صلى وسلم يعني يفصحها، فإذا قال المؤذن في أذان الفجر: الصلاة خير من النوم، فظاهر الحديث أنه يقول مثله، لأنه صلى الله عليه وسلم قال: «إذا سَمِعتُمُ النِّداءَ، فقولوا مِثلَ ما يقولُ»، فإذا قال: الصلاة خيرٌ من النوم، فليقل مثله، ولا يقول: صدقت وبررت فإن هذا روي لكنه يقول ما صح عنه صلى الله عليه وسلم من قول الصلاة خير من النوم، وكذا إذا أقام المؤذن فإن السنة متابعته، وهذه سنة تخفى على بعض الناس يحسب أن المتابعة في الأذان فقط، نقول: الأذان والإقامة المتابعة فيهما مشروعة، فإذا أقام المؤذن الصلاة فتابعه وقل مثلما يقول، فإذا قال: قد قامت الصلاة فلتقل مثله، ولا تقل: صدقت وبررت بل تقل قد قامت الصلاة، فإذا فرغ المؤذن من الأذان شُرع لمن أجابه واستمع إليه أن يقول: اللهم رب هذه الدعوة التامة أي هذه الدعوة للصلاة والنداء لها، التامة الكاملة التي لا نقص فيها بوجه من الوجوه وهي من خصائص هذه الأمة المحمدية، أرشدهم الله إلى هذا الأذان العظيم في هذه الرؤيا التي أريها الفاروق أو أريها عبد الله بن زيد في جمل عظيمة فيها تكبير وإجلال وتعظيم لله ثم شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ثم دعوة للصلاة بأحسن عبارة، حي على الصلاة حي على الفلاح، ثم ختم بتعظيم الرب وإجلاله جل جلاله، ثم شهادة التوحيد، فإذا سمع المؤذن ونادى وأجابه يقول: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة -يعني التي ستقوم وقد نادى لها المنادي- آتِ محمدًا الوسيلة وهي الدرجة الرفيعة في الجنة التي لا تنبغي إلا لعبد، ونسأل الله أن يكون هو صلوات ربي وسلامه عليه، الوسيلة والفضيلة قيل: الفضيلة هي تكرار للوسيلة، وقيل: هي منزلة أخرى، وابعثه مقامًا محمودًا، هذا المقام المحمود اختلف أهل العلم فيه، وأقرب الأقوال الذي ذهبت إليه الجماهير أنه الشفاعة العظمى يوم القيامة التي يعتذر عنها النبيون والمرسلون، ثم يقوم صلى الله عليه وسلم ويسجد تحت العرش ويحمد الله بمحامد ويفتح عليه بمحامد، ثم يقال له: ارفع راسك، وسل تعطى، فيشفع للفصل بين الخلائق، وقيل: بل هو إجلاسه جوار ربه على العرش، وهذا قد جاء فيه حديث وهو صحيح أيضًا، والله جل شأنه يكرم هذا النبي المصطفى والرسول المجتبى بكل كرامة، فهو أكرم الأنبياء وأفضل المرسلين، آتِ محمدًا الوسيلة والفضيلة وابعثه اللهم مقامًا محمودًا الذي وعدته، وأما زيادة إنك لا تخلف الميعاد فإنها ضعيفة، فيقتصر المسلم على الصحيح، وثمرة هذا الذكر وهذا الدعاء أنه تحل له شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا فضل عظيم، يحصل به شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم .
رابط الفقرة 28هذا ما تيسر مما ذكره المؤلف باقي عندنا مسائل يذكرها أهل العلم لعلنا نذكرها هنا تباعًا تتعلق بالأذان لكن المؤلف لم يذكرها، منها فضل الأذان لا يخفى لكن هل هو الأفضل؟ أو هل هو أفضل أو الإمامة؟ أيهما أفضل؟ إذا أتيح للمسلم أن يكون إمامًا أو مؤذنًا، ما هو الأفضل؟ الأذان أو الإمامة؟ اختلف أهل العلم رحمهم الله في هذه المسألة على قولين مشهورين:
رابط الفقرة 29القول الأول: مذهب الحنفية والحنابلة أن الأذان أفضل من الإمامة وهو اختيار شيخ الإسلام وجمع من المحققين واحتجوا على ذلك بأحاديث كثيرة جدًا وردت في فضل الأذان ولم ترد في فضل الإمامة منها حديث معاوية في الصحيح عند مسلم «أطولُ النَّاسِ أعناقًا يومَ القيامةِ المؤذِّنونَ»(11). وهذا حديث عظيم وشرف دونه كل شرف، أن يأتي الناس يوم القيامة في المحشر فيعرف المؤذنون بطول أعناقهم، هذا شرفٌ ومزية ورفعة يعرفون بها من بين الخلائق، وقال بعضهم بل الأعناق هنا ليست الأعناق الرقاب وإنما السرعة، قالوا: ومنه العَنق وهو السرعة في المشي، فكأنه أسرع الناس في المحشر وصولًا، وعلى كلٍ نقول: هذا أو ذاك كلاهما يدل على فضل المؤذن وشرفه، كما يدل على فضل المؤذن أنه يشهد له كل من سمع صوته من جن وأنس وحجر ومدر، كل شيء، ولهذا في حديث عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة المازني أن أبا سعيد الخدري رضي الله عنه قال له: «إنك رجل تحب البادية، فإذا كنت في باديتك وغنمك وحضرت الصلاة فارفع صوتك بالنداء فإنه لا يسمع صوتك جن ولا أنس ولا شيء إلا شهد لك يوم القيامة» قال أبو سعيد: «هكذا سمعت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم » (12)[والحديث في الصحيح] وهذا فضلٌ عظيمٌ، أن يشهد للمؤذن كل من سمع صوته من الحجر والشجر والجبال والأشجار والناس والجن، يشهدون له يوم القيامة، ويكفيه فضلًا وشرفًا أنه أول من يدخل في قول الله جل شأنه: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًۭا مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَـٰلِحًۭا ﴾ [فصلت: ٣٣] فهو أول الداخلين وهو أول الداعين وهو يدعو إلى أفضل العبادات وأجلها وأشرفها، فهذه أحاديث كثيرة تدل على فضل المؤذن وشرفه.
رابط الفقرة 30القول الثاني: أن الإمامة أفضل وهو مذهب المالكية والشافعية، قالوا: لأن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه من بعده تولوا الإمامة ولم يتولوا الأذان، فدل على فضل الإمامة وشرفها على الأذان، قالوا: ولأنه يختار للإمامة الأكمل والأفضل، شروط الإمامة آكد وأعظم من شروط المؤذن.
رابط الفقرة 31والراجح والعلم عند الله تعالى: هو القول الأول وهو أن الأذان أفضل من الإمامة؛ لأن النصوص وردت في فضله وشرفه، وأما كون النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء من بعده لم يلوا الأذان وإنما ولوا الإمامة؛ فلأن هذه من وظائفهم ومهماتهم، فإن من مهام الإمام الأعظم أن يلي الإمامة الصغرى، أي الصلاة هذه وظيفة الإمام الأعظم إمام المسلمين، أن يكون واليًا وأن يكون إمامًا ولم يتيسر لهم أن يجمعوا بين الأذان والإمامة، فحافظوا على الوظيفة لهم وهي الإمامة وتركوا الأذان لعامة المسلمين، ولهذا جاء عن الفاروق عمر رضي الله عنه أنه قال: «لولا الخلافة لأذنت» فعُلم أنهم يعرفون فضلها وأنهم لا يتركونها لكنهم قد شغلوا عنها بالخلافة العظمى، وأما كونه يُختار للإمام الأفضل فهذا يدل على شرف الإمامة ولا خلاف في شرفها وفضلها، إنما الخلاف هل هو أفضل من الأذان أو لا؟ أما أن الإمام منصب عظيم وله فضلٌ وأجرٌ وشرفٌ، نقول: هذا لا خلاف فيه، لكن كونه يختار للإمامة الأفضل والأكمل، نقول: هذا لفضله وهذا لا تنافي فيه ولا يعارضه كون الأذان جاءت به النصوص، وإذا عُلم هذا فإنه يُعلم خطأ الناس وزهدهم في الأذان، وأنه لا يليه أحيانًا إلا العوام أو العمال ومن يلحن فيه ومن يخطئ ومن يقصر، نقول: الأذان منزلة عظيمة وشعيرة مهمة ينبغي أن يليه من يحسنه، وأن يهتم به أهل العلم والخير والفضل والصلاح، ففيه من الحديث والشرف ما ليس في غيره، وهو أول الداخلين للمسجد غالبًا وآخر الخارجين، هذا الأصل في المؤذن أنه أول من يدخل مسجد وآخر من يخرج، وهو مع ولاية الأذان غالبًا يهتم بالمسجد ويراعيه ويهتم بشؤونه، فهو يجمع خيرات مع خيرات، وهو إذا دخل المسجد أول الداخلين وخرج، كم يجلس في المسجد ويلبس ربما ساعة في بعض الفروض، فالله جل شأنه فضّله وشرّفه بهذه الفضائل واختصه بها من بين غيره، فلا يُزهد في الأذان ويليه العوام، وإنما نقول: ينبغي أن يتنافس فيه المتنافسون، ولهذا تشاحَ الصحابة رضي الله عنهم في الأذان في القادسية ، فأقرع بينهم سعد رضي الله عنه ، وهذا دليل على فضله وشرفه وهو مأخوذ من حديث النبي صلى الله عليه وسلم : «لو يعلمُ النَّاسُ ما في النِّداءِ والصَّفِّ الأوَّلِ ثمَّ لم يجِدوا إلَّا أن يستَهِموا عليهِ لاستَهموا»(13)، هذا دليل على فضله أيضًا، أن الناس لو علموا ما في الصف الأول من الفضل وما في النداء الأذان من الفضل ثم لم يجدوا إلا أن يقترعوا ويستهموا لاستهموا، حصل هذا في زمن الصحابة رضي الله عنهم ، تشاحَ كل واحد يريد الأذان فقرع بينهم سعد رضي الله عنه .
رابط الفقرة 32ولهذا نقول: في المسألة الثانية التي أيضًا لم يذكرها المؤلف، من هو الأولى بالأذان؟ الأولى بالأذان المتصف بالصفات التي ذكرها المؤلف هنا فإنه ذكر رحمه الله أن يكون أمينًا صيتًا عالمًا بالأوقات، فنقول: الأولى بالأذان من جمع هذه الصفات كلها بأن كان أمينًا عدلًا في ظاهره وباطنه، عالمًا بالأوقات، صيتًا، رفيع الصوت، حسن الصوت، فإذا اجتمعت هذه الأوصاف كلها في أكثر من شخص، كلهم ما شاء الله في التقى والصلاح والديانة وحسن الصوت ورفع الصوت والعلم بالأوقات سواء، قالوا: فالأولى من يختاره الجيران؛ لأنه يؤذن لهم، ولأنه يطلع على بيوتهم فإذا اختاروه كان أولى، والمقصود بالجيران ليسوا جيران المسجد الملاصقين بل كل من يصلي في المسجد يعد من جيران المسجد، ومن ثم فإنهم إذا اختُلف في من هو الأولى وكلٌ يريد هذه الولاية، فإنا نقول: إن كانوا في الصفات السابقة سواء، فمن يختاره الجيران أو أكثرهم هو الأولى، فإن اختار الجيران الجميع وقالوا ما نفضل هذا على هذا كلهم ما شاء الله في الصفات سواء، فإنه حينئذٍ يقرع بينهما، تجرى القرعة فمن خرج اسمه كان هو المؤذن.
رابط الفقرة 33من المسائل التي يذكرها أهل العلم أيضًا في باب الأذان، مسألة أخذ الأجرة على الأذان، هل يسوغ ذلك؟ هل يسوغ للمؤذن أن يأخذ من الناس أجرة، يقول: أؤذن لكم بكذا وكذا، ومثله هل يجوز للإمام أن يقول للناس: أصلي بكم بكذا وكذا أو معلم القرآن أو معلم العلوم الشرعية أو غيرها من الولايات الشرعية كالقاضي والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر ونحوه، نقول: هذه الولايات الشرعية، التي يشترط في أصحابها أن يكونوا من أهل القربة لا يجوز لهم أخذ الأجرة عليها، ولا يماكسون الناس ويشارطونهم ويقولون: بكم نؤذن أو بكم نصلي؟ نقول: هذا خروج من العبادة الى التجارة، أقول: لا يجوز المشارطة ولا المؤاجرة على هذه القرب، من إمامة أو تعليم قرآن أو أذان وهذا مذهب جماهير أهل العلم؛ لأن هذه عبادات وقرب لا يجوز تحويلها إلى تجارات، لكن إذا كان رَزقًا من بيت مال المسلمين، فإن هذا لا حرج فيه، إذ يجب على ولي أمر المسلمين أن يهيأ للناس بيوت الله، ومن يخدمها ويصلي بالناس فيها ويؤذن فيها ويخصص لهم من بيت مال المسلمين ما يكفيهم لانقطاعهم لهذا العمل مع ما يرجونه عند الله، ولا يكون هذا همهم ولا غايتهم لكن هذا من رَزقٍ من بيت مال المسلمين لا حرج، إنما الحرج أن يكون سبيل الأجرة، بأن يقول: كم تعطوني أؤذن؟ ولا كم تعطوني أصلي بكم؟ وهذا للأسف قد يقع في بعض الناس مثلًا في التراويح يأتون بإمامٍ ويشارطونه، بكم تصلي بنا؟ يزيد وينقص ويتفاوضا معًا، نقول: ما يجوز هذا، هذه عبادة وقربة، إذا دخلت فيها التجارة والدنيا أفسدتها.
رابط الفقرة 34وليس هذا فقط في الأذان وإنما في كل ما يشترط في صاحبه أن يكون قربة، ولهذا جاء بالحديث حديث عثمان بن العاص «واتَّخِذْ مُؤذِّنًا لا يأخذُ على أذانِه أجْرًا»(14)، ولهذا إذا تقدم للآذان مجموعة وكان أحدهم يريد التطوع فهو أولى، مقدم على من يأخذ حتى لو من رَزق من بيت مال المسلمين، إذا كان محتسبًا فهو أولى بالإمامة وأولى بالأذان، أما على سبيل المشارطة والمؤاجرة؟ نقول: لا يجوز، ومثل هذا وهو يقع فيه الناس جهلًا، المشارطة في النيابة في الحج والعمرة، إذ الأذان والإمامة بحمد الله في هذه البلاد ما أحد يشارط أحد لأن ولي الأمر قد خصص لهم رَزقًا يكفيهم أو يسد بعض حاجتهم فلا يشارط الناس أحدًا على الإمامة والأذان في الأعم الأغلب، لكن قد يحتاج بعض الناس أن يحج عن ميته أو قريبه أو مريضه أو هو نفسه مريض لا يستطيع الحج فيريد من يحج عنه، يقع الناس في خطأ فادح وهو أن يبحثوا عمن يريد الحج فيشارطوه ويشارطهم، وكأنه بيع وشراء، يقولون له: كم تريد؟ ويقول: أريد كذا يقول: لا ما عندنا إلا كذا، يقول: لا بعد تزيد وإلا بدور على غيرك؟ نقول: سبحان الله، هذه الحجة إذا دخلتها الدنيا بهذا القصد هل هي تصح وتقبل عند الله؟ لو حج الإنسان لنفسه لقصد التكسب، هل يصح هذا الفعل؟ لا يصح، فإذا لم يصح عنه فلا يصح عن غيره، يقول قائل: كيف؟ هو ما يبي يحج عن أحد، نقول: سبحان الله، يحج عن غيره ويأخذ مالًا لكن ليس على سبيل الأجرة ولا المشارطة، ولهذا يقول أهل العلم: إن النائب أمين فيما يعطاه، فينفق بالمعروف ويرد ما فضل، اليوم لو يطبق هذا على عامة الذين يحجون عن غيرهم ممكن يتقاعس أكثرهم، يقول: ما دام الدعوة ما فيها فائدة، كم يبقى لي؟ يقول: لا، يعني يكون همه من الحج كم يبقى لي بعد الرجوع من الحج؟ ولهذا تجده يختار أقل المصاريف، حتى أن بعضهم إذا لم يشرط عليه نوع نسك يختار الإفراد أحيانًا لئلا يذبح هديه، وهذا بلا شك ليس نصحًا لصاحب الحجة، كيف العمل وكيف الطريق؟ نقول: الناس اليوم اعتادوا أن يخصصوا مبلغًا يزيدون فيه إحسانًا لمن يحج وحينئذ فلا حرج، لكن لا يكون همه كم يكسب وكم يحصل وكم يوفر، أما إذا دخلت المشارطة والمؤاجرة فلا يجوز، يقول شيخ الإسلام رحمه الله كلاما نفيسًا في هذه المسألة: ينبغي أن يكون الحاج عن غيره كأم موسى، فإنها تأخذ الأجرة وترضع، كيف أم موسى؟ أم موسى لما وعدها ربنا جل شأنه: ﴿ إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ ٧ ﴾ [القصص] ألقته في اليم؛ لأن الله طمأن قلبها وأيقنت بوعد الله، وإلا فأي أمٍ تلقي صغيرها في اليم في صندوق وتلقيه في البحر، لكنها صدقت بوعد الله وموعوده فرده الله إليها، ولم يلتقم ثدي امرأةٍ قط، بحثوا عن من ترضع، كل ما جاءت امرأة لا يلتقم ثديها حتى ردوه إلى أمه، فالتقم ثديها، وأصبح هذا العدو فرعون يعطي أمه أجرةً على رضاعته، يقول شيخ الإسلام: الذي يحج عن غيره يصير مثل أم موسى، يتمنى من قلبه الحج، ويتقطع قلبه شوقًا ولهفًا إلى تلك المشاعر، ويتمنى أن يحج عن نفسه لكن ما عنده قدرة مالية فإذا علم أن عبدًا من عبيد الله مات أو مرض لم يستطع الحج فرح أن يقضي حجته وأن يتبلغ بما يأخذ من المال لا يريد زيادة فقط، يقول: يكفيني أنه يوصلني للحج فأرى تلك البقاع وأصلي فيها وأطوف بالبيت وأسعى وأقف في عرصات عرفات، فقلبه يتقطع شوقًا للحج لكنه ما يستطيع أن يحج عن نفسه فإذا علم أن ثمة مريض أو ميت ما يستطيع الحج يفرح أنه يأخذ شيئًا من المال ليتبلغ به بيت الله ويؤدي فرض الله عن أخيه المسلم، فإذا كان مثل هذا ينبغي أن يحج، ولهذا لو الناس يبحثون عن مثل هذا قد يعسر عليهم وجوده، الذي قلبه في الحج ويريد الله والدار الآخرة ويتمنى الحج، ويتقطع قلبه شوقًا لتلك المشاعر لكنه ما يستطيع أن يحج كل سنة عن نفسه، فإذا علم أن ثمة من يعطيه مالًا يتبلغ به، نقول: لا حرج، وإذا زاد في المال وأعطاه وهو لا يريد أن يرد، نقول: هذا المعمول به اليوم، لكن الفقهاء يقولون : النائب أمين فيما يُعطاه ينفق بالمعروف ويرد ما فضل، يعني ليس له إلا النفقة فقط، الزائد يرده، نقول: اليوم عامة الذين يريدون من يحج عنهم ما يريدون الفاضل، وهم يقولون: نحن مزودين إحسانًا وإشفاقًا عليه يريد أنه يحصل شيء من المال لا حرج عندنا لكن عليه أن يتقي الله، وأن يهتم بتعلم المناسك وأداء النسك على أتم وجه وألا يكون همه الدنيا، ولهذا يقول شيخ الإسلام في تتمة كلامه وخلاصة كلامه جاء بعبارة موجزة بليغة، قال: يأخذ ليحج، ولا يحج ليأخذ، هذه الكلمة تكفي عن كل عبارة، يقول الخلاصة أن من يريد أن يحج عن غيره يأخذ من المال ليحج، لا أن يحج ليأخذ، ما يصير الحج هو الوسيلة يعني همه المال وجعل الحج وسيلة، لكنه همه الحج فيأخذ ما يتبلغ به ليحج عن غيره، ومثل هذا يقال: في الإمام والمؤذن ومعلم القرآن لا يكون همهم الدنيا وحطامها الفاني لكنهم يعطون من بيت مال المسلمين ما يكافئ انقطاعهم وتفرغهم للإمامة أو الأذان أو تعليم القرآن.
رابط الفقرة 35من المسائل التي أيضًا نلحقها ونذكرها هنا أن الناس قد أحدثوا في الأذان بدعًا، منها أنهم قبل الأذان في بعض الدول، يشغلون المكبر أو يفتحونه ويجعلون شيئًا من الأذكار أو قراءة القرآن أو الترانيم أو الأناشيد كل هذا بدعة منكرة، لا يشرع شيء غير الأذان لا قبل الأذان ولا بعده ثم بين الأذان والإقامة ينادون أحيانًا الصلاة أو حي على الصلاة أو نحو ذلك يتفاوتون فيها، فنقول هذا كله بدعة منكرة والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «مَن أحْدَثَ في أمْرِنا هذا ما ليسَ منه فَهو رَدٌّ»(15) «مَن عَمِلَ عَمَلًا ليسَ عليه أمْرُنا فَهو رَدٌّ»(16)، لا يسوغ للمؤذن أن يقول غير الجمل المعروفة، فلا يفتح المكبر ويضع له شريط قرآن ليُتلى قبل الأذان بوقت ولا ترانيم ولا أدعية ولا أناشيد، ولا بين الأذان والإقامة ينادي الناس، يكفيهم الأذان ثم الإقامة، فإن الهدي والخير كله في هدي النبي صلى الله عليه وسلم ولم يرد عنه غير الأذان والإقامة، في بعض البلدان ما يؤذن المؤذن وإنما يوضع مكبر مسجل ويفتح وهذا من أقبح الفعال، ويدل على ضعف الهمة وضعف التدين، إذ كيف يُكتفى بأذانٍ مسجل؟ نقول: ما يشرع هذا ولا يجوز، و أقبح منه توحيد الأذان في بعض الدول كما سمعت ولم أطلع على هذا أنه أيضًا يوحد الأذان بمعنى أنه ضغطة زر يؤذن في المساجد كلها بدون أن يكون ثمة مؤذن، هذا أمر منكر ولا يجوز، والأذان كما لا يخفى شعيرة فيؤدى كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولهذا لم نذكر في أول الباب أن الأذان فرض على الكفاية وأن النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يقاتل قوم انتظر قبيل الفجر فإن أذنوا وإلا غار عليهم فإذا ترك الناس الأذان استحقوا أشد العقوبة وهي أن يقاتلهم الإمام، ولو لم يتواطؤوا على ذلك، مجرد أنهم تركوا أهل البلدة كاملة ما يؤذن فيها أحد، نقول: هؤلاء يستحقون أشد العقوبة، إذ الأذان شعيرة أهل الإيمان وأهل الإسلام، فلا يسوغ للمسلمين أن يتركوا هذه الشعيرة أو يكتفوا بمسجل أو إذاعة يُرفع فيها الأذان ميتًا ليس حيًا، يقال: حصل المقصود نقول: المقصود الشرعي أن يؤذن المؤذن إذا دخل الوقت وأن يحتسب الناس في هذا الأمر بل يتنافسوا فيه ليس مجرد أن يحتسبوا، نقول يتنافسوا فيه.
رابط الفقرة 36أيضًا من الأخطاء التي يقع فيها بعض الناس أنه لا يحسن أداء الأذان بجمله الصحيحة، إما أنه يطرب به تطريب لحون الفساق، هذا منكر لا يجوز أو أنه يزيد بالحركات حتى يحولها إلى حروف، أو يترك بعض الحركات أو يستبدلها بغيرها، فمن ذلك قول بعض أالله أكبر، هذا منكر لا يجوز؛ لأنه حول الهمزة إلى همزة استفهام، كأنه يسأل يقول: أالله أكبر أالله هذا خطأ، لا يسوغ لأنه يحيل المعنى، من إخبار إلى استفهام، وآخرون وهم كثر يقول: الله وكبر، فالهمزة يحولها إلى واو هذا لا يغير المعنى لكنه لا يحسن، الله أكبر يخرج الهمز، أيضًا مد أكبر الله أكبر، نقول: هذا أيضًا يحيل المعنى قالوا : إن الكبر هو الطبل وهو لا يريد هذا حتمًا، لا يقصده لكننا نقول: ينبغي أن يتقن، وإذا كان عاميًا لا يحسن فليستمع إلى من يحسن الأذان، ويكرر الأذان ويردده عبر شريط ونحوه من المؤذنين المعتبرين حتى يُحسن لفظه وأداءه، إذن ينتبه المؤذن إلى الألفاظ، لا يحيل المعنى أو لا يلحن لحنًا يحيل المعنى فإن هذا يبطل الأذان، وأما إذا كان اللحن والتغيير لا يحيل المعنى فإن أذانه صحيح لكنه ليس هو الأكمل.
رابط الفقرة 37كذلك لا يسوغ للمؤذن أن يتكلم أثناء الأذان بغير جمل الأذان، وإذا تكلم بكلام لا حاجة ولا داعي فإنه يستأنف أذانه، ومن باب أولى إذا قطع الأذان بكلامٍ فاحش، كسب أو شتم ونحوه، فإنا نقول: يقطع الأذان، كما أن الأذان أيضًا عبادة من شخص واحد، فلا يكبر بعض التكبيرات إنسان ويكملها آخر، لابد أن يلي الأذان واحد، وهل يشترط أن يؤذن أو يقيم من أذن؟ نقول: هذا الأفضل وهو السنة، من أذن فهو يقيم لكن لو أذن مؤذن وأقام غيره فلا حرج، إذا سابق المؤذن غيره على الأذان وهو لم يتأخر فإنه يسوغ له أن يؤذن أذانًا ثانيًا بدل هذا الأذان، إذ لا يسوغ لأحد أن يسابق المؤذن الراتب ولا الإمام الراتب، ما دام أنه لم يتأخر ولم يوكل فلينتظر، لكن إذا تأخر تأخرًا فاحشًا لا حرج.
رابط الفقرة 38هل يؤذن لكل الصلوات؟ من المؤداة والمقضيات وفي السفر والحضر؟ نقول: نعم، السنة دلت على أن كل صلاة مؤداة أو مقضية يؤذن لها كما فعل صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب لما شغله المشركون عن الصلوات فصلاهن جمعًا أذن وأقيم لكل صلاة، كما هو أيضًا في الجمع يؤذن للأولى ويقام، ويقام للثانية، مثل فعله صلى الله عليه وسلم يوم عرفة، أذن المؤذن ثم أقام للظهر ثم أقام للعصر، وكذلك في مزدلفة أذن المؤذن ثم أقام للمغرب ثم أناخ كل واحد بعيره ثم أقام العشاء وصلى، كذلك لو كانت الصلاة فائتة فإنه يؤذن لها، والنبي صلى الله عليه وسلم لما فاتته صلاة الفجر مع أصحابه انتقلوا من المكان الذي أدركتهم الشمس وطلعت عليهم وهم فيه ثم أمر بلالًا فأذن ثم صلى الله عليه وسلم راتبة الفجر والشمس قد طلعت ثم أمره فأقام، فدل على أن الأذان مشروع في الصلاة المؤداة وفي المقضية كذلك، كذلك في السفر هو كالحضر كان صلى الله عليه وسلم يحافظ على الأذان في سفره وحضره، كما سبق وقال لمالك بن الحويرث ومن معه: «إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكما أحدكما وليأمكما أكبركما»(17) فأمر الاثنين أن يؤذنا وأن يقيما وأن يصليا، وأخبر: «أنه ما من ثلاثة في بدو لا يصلون الجماعة إلا استحوذ عليهم الشيطان»(18)، وأول استحواذ الشيطان أنهم لا يؤذنون، إذا كانوا لا يصلون جماعة فإنهم لا يؤذنون، كل واحد يصلي وحده فالشيطان قد استحوذ منهم وتمكن، فدل هذا كله على شعيرة الأذان وأنها مشروعة لكل مصلٍ من الصلوات الخمس أداءً أو قضاءً أو فائتةً فيقضيها أو في الحضر أو في السفر.
رابط الفقرة 39[أسئلة الدرس]
رابط الفقرة 40سائل يقول: هل يصح الأذان من الصبي؟
رابط الفقرة 41الجواب: نعم يصح آذان الصبي بل تصح إمامته إذا كان مميزًا، في حديث عمرو بن سلمة أنه صلى بأصحابه وهو مميز ابن ست أو سبع سنين، حتى إنه رضي الله عنه كان إذا سجد تكفئ فانكشفت عورته، فقالت إحدى النساء: واروا عنا سوأة قارئكم، فاشترى له ثوبًا عمانيًا، قال رضي الله عنه صغير سن، قال: ما فرحت بشيء بعد فرحي بالإسلام فرحي بهذا الثوب فرحه لأنه أعطى له ثوبًا وأهدي له ثوب ليصلي به، فإذا صحت إمامته صح أذانه لكن ينبغي أن يكون في البلد مؤذنون آخرون حتى ما يكون هذا الصبي قد انقطع في الوقت ونحوه.
رابط الفقرة 42نريد صيغة للسؤال هنا
رابط الفقرة 43أقول إذا افتات على المؤذن، الأصل أن الإمام والمؤذن يتعاونون ويتعاون أهل المسجد معهم في خلافتهم والنيابة عنهم لكن بعض الناس يسابق الإمام أو المؤذن، موجود في بعض المساجد، يأتي على الدقيقة أو الثانية ما جاء المؤذن سابقه، هو نفسه تتوق للأذان ويرغب في الأذان ويتمنى أجر الأذان، لكنه يخطئ في مسابقة الإمام أو المؤذن الراتب، ولهذا نقول لمثل هذا: يقول للمؤذن أتمنى أن تأذن لي بالأذان أحيانًا أو إذا غبت هذا رقمي نوبني، أما أنه يسابق المؤذن فلا، ومثله الإمام، قد نص الفقهاء رحمهم الله على أن الإمام أولى بالإمامة وأنه لو سبقه أحد فتقدم فله أن يجبذه، يسحبه ويصلي عنه ولا يحل لأحد أن يسابق الإمام، الإمام الراتب له أهميته حتى أنه لو جاء في المسجد العالم الكبير الشهير أكبر عالم في البلد، الإمام الراتب أولى منه بالإمامة إلا أن يتنازل إذا رجع الإمام وقدم غيره فله ذلك لكن ليس لأحد أن يسابقه فهو أولى بالإمامة مثل الرجل في بيته هو أولى بالإمامة من أي أحد إلا إذا قدم أحدًا ليصلي في بيته.
رابط الفقرة 44سائل يقول: هل يجب الأذان قبل الصلاة في العمل بالمؤسسات والشركات؟
رابط الفقرة 45الجواب: الأصل أن الشركات والمؤسسات والدوائر الحكومية يخرجون للمسجد ما دام أنهم يسمعون النداء والمسجد في محيطهم فإنه يجب عليهم أن يصلوا في المساجد التي أمر الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، لكن إذا ساغ لهم الصلاة في هذه الشركة أو تلك المؤسسة لعدم المسجد أو نحوه فإنهم يؤذنون ويقيمون ويصلون، ولا يتركون الأذان والإقامة، الفرض يؤذن ويقيم وهو سنة، وإذا ترك الأذان فلا أقل من إقامة، فكيف بالجماعة؟ الصلاة بدون أذان؟ هذه نقص عظيم، بدون أذان ولا إقامة، أو بدون أذان وهم جماعة.
رابط الفقرة 46نريد صيغة للسؤال هنا؟
رابط الفقرة 47إذا سهى المؤذن فيفوت وقت الأذان عليه فلا يريد أن يشوش على الناس، نقول: لا حرج أن يؤذن بدون مكبر، إذا فات الوقت لأنه لو أذن في وقت متأخر شوش على بعض الناس، وزاد كسل الكسالى، يقولون: الأن يُؤذن وقد أذن الناس من عشر دقائق أو ربع ساعة مثلًا، فنقول: إذا تأخر الإنسان عن الأذان يؤذن لا يترك الأذان، يؤذن للمسجد لكن بدون مكبر، وكذلك لو أن إنسان يصلي مع رفقته مروا في بلد وأرادوا أن يصلوا، نقول: إن كان في بلد قد أذن الناس فيه، فيكفيهم الإقامة وإن كان لم يؤذن الناس فيؤذن ثم يقيم بشرط ألا يشوش على أهل البلد، لأنهم يأتون مثلًا بين الظهر والعصر وهم مسافرين يصلون ظهر وعصر جمع، نقول: لا يرفع الأذان بمكبر لئلا يشوش على أهل البلد، يؤذنون بينهم، وإذا كان أهل البلد قد أذنوا أذن الناس لصلاة الظهر، وهم جاءوا بعد صلاة الظهر نقول: يكفي إذا أقاموا لأن الأذان قد حصل.
رابط الفقرة 48إذا أذن في البلد من يسقط به الفرض، لأن الأذان فرض كفاية إذا قام به من يكفي سقط الفرض وأصبح سنة في حق الباقي.
رابط الفقرة 49الأذان شعيرة لا يستعاض عنها بمكبر أو بمسجل أو واحد يؤذن للبلد كله، والمؤذنون موجودون والناس يتمنون الأذان ويرغبونه.
رابط الفقرة 50سائل يسأل عن الأذان في أذن المولود؟
رابط الفقرة 51الجواب: نعم، هذا جاءت به السنة، والآثار، فيكون أول ما يَسمع الصغير الأذان في أذنه لكن بصوت منخفض لئلا يؤثر على سمعه، يؤذن باليمنى ويقيم في اليسرى، هذا جاء عن الحسن وغيره.
رابط الفقرة 52سائل يسأل عن متابعة المؤذن في منتصف الأذان؟
رابط الفقرة 53الجواب: تابع ما بقي وإن كان لم يفتك إلا جمل يسيرة تستطيع أن تأتي بها، وأهم شيء في المتابعة أن تتابع المؤذن الذي ستصلي معه، المسجد الذي سمعته وتصلي معه تابعه، إن لم تستطع متابعة أكثر من المؤذن، نقول: تابع المؤذن أو المسجد الذي هو قريب منك وستصلي معه تابعه، وعَودوا أنفسكم وأهل بيوتكم من نساءٍ وذراري وصغار وكبار متابعة المؤذن، لا يفوت هذا الأجر العظيم بالسواليف والانشغالات، إذا أذن المؤذن قولوا تابعوا، أشر بيدك إذا تكلم أحد، صمته وسكته حتى ينصت، ويتابع ويُحَصل أجرًا عظيمًا وهو شفاعة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم .
رابط الفقرة 54سائل يقول: ما حكم الأذان؟ هل هو فرض عين أو فرض كفاية؟
رابط الفقرة 55الجواب: فرض كفاية، الأذان والإقامة فرض كفاية، ومن قال من الأئمة سنة وهم الحنفية والمالكية والشافعية فإنهم محجوجون بالسنة، وبعضهم يقول: إنه سنة ويأثم تاركها، ولهذا نقول: الخلاف لفظي، كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، أن من قال إنه سنة وهو يرى أن تارك السنة يأثم، نقول: هو كمن قال بالوجوب، ومن ثم في الأذان فرض كفاية إذا كان المسجد واحدًا أذن المؤذن وإذا كانت مساجد يؤذن في كل مسجد، وربما احتاج الناس قديمًا أكثر من مؤذن في المسجد الواحد يؤذن في كل جهة، بل المسجد الحرام كان إلى زمن يؤذن في كل ناحية مؤذن، لكن الآن مع وجود المكبر يبلغ الناس الأذان مهما تباعدت بيوتهم.
رابط الفقرة 56الحواشي
(1)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه البخاري (605)، ومسلم (378).
(2)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه البخاري في التاريخ الكبير (5/183)، والعقيلي في الضعفاء الكبير (2/296)، والبيهقي (1947) باختلاف يسير، وصححه الألباني في إرواء الغليل.
(3)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه ابن خزيمة في صحيحة عن عبدالله بن زيد بلفظ: «لمَّا أصبَحْنا أتينا رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فأخبرتُهُ بالرُّؤيا، فقالَ: إنَّ هذِهِ الرُّؤيا حقٌّ، فقُم معَ بلالٍ فإنَّهُ أندَى - أو أمدُّ صَوتًا- مِنكَ فألقِ عليهِ ما قيلَ لَكَ فيُنادي بذلِكَ قالَ: ففَعلتُ فلمَّا سمعَ عمرُ بنُ الخطَّابِ نداءَ بلالٍ بالصَّلاةِ خرجَ إلى رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَجرُّ رداءَهُ وَهوَ يقولُ: يا رسولَ اللَّهِ والَّذي بَعثَكَ بالحقِّ لقد رَأيتُ مثلَ الَّذي قالَ: فقالَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : فللَّهِ الحَمدُ».
(4)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه البخاري في التاريخ الكبير (5/183)، والبيهقي (1947)، وصححه الألباني في إرواء الغليل (220).
(5)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه البخاري (4203)، ومسلم (111).
(6)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه الترمذي (200)، وضعفه السيوطي في الجامع الصغير (9920)، وأيضًا ضعفه الألباني في ضعيف الترمذي (200).
(7)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه مسلم (655).
(8)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه البخاري (634)، ومسلم (503) عَنْ وهب بن عبدالله السوائي أبو جحيفة قال: «أَتَيْتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم بمَكَّةَ وهو بالأبْطَحِ في قُبَّةٍ له حَمْرَاءَ مِن أدَمٍ، قالَ: فَخَرَجَ بلَالٌ بوَضُوئِهِ، فَمِنْ نَائِلٍ ونَاضِحٍ، قالَ: فَخَرَجَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم عليه حُلَّةٌ حَمْرَاءُ كَأَنِّي أنْظُرُ إلى بَيَاضِ سَاقَيْهِ، قالَ: فَتَوَضَّأَ وأَذَّنَ بلَالٌ، قالَ: فَجَعَلْتُ أتَتَبَّعُ فَاهُ هَا هُنَا وهَا هُنَا يقولُ: يَمِينًا وشِمَالًا يقولُ: حَيَّ علَى الصَّلَاةِ حَيَّ علَى الفلاحِ».
(9)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه البخاري (622) باختلاف يسير، ومسلم (1092).
(10)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه البخاري (611)، ومسلم (383)، وأبو داود (522)، والترمذي (208)، والنسائي (673)، وابن ماجه (720)، وأحمد (11742) واللفظ له.
(11)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه مسلم (387).
(12)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه البخاري (609) بلفظ: «أنَّ أبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ، قالَ له: إنِّي أرَاكَ تُحِبُّ الغَنَمَ والبَادِيَةَ، فَإِذَا كُنْتَ في غَنَمِكَ، أوْ بَادِيَتِكَ، فأذَّنْتَ بالصَّلَاةِ فَارْفَعْ صَوْتَكَ بالنِّدَاءِ، فإنَّهُ: لا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ المُؤَذِّنِ، جِنٌّ ولَا إنْسٌ ولَا شيءٌ، إلَّا شَهِدَ له يَومَ القِيَامَةِ».
(13)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه البخاري (615)، ومسلم (437).
(14)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه أبو داود (531)، والترمذي (209)، والنسائي (672)، وابن ماجه (714)، وأحمد (17906) واللفظ له.
(15)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه البخاري (2697)، ومسلم .(1718)
(16)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه البخاري (2697)، وأبو داود (4606)، وابن ماجه (14) بنحوه، ومسلم (1718) باختلاف يسير، وأحمد (26191) واللفظ له.
(17)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه البخاري (631)، ومسلم (674) عن مالك بن الحويرث رضي الله عنه قال: «أَتَيْتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم في نَفَرٍ مِن قَوْمِي، فأقَمْنا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً، وكانَ رَحِيمًا رَفِيقًا، فَلَمَّا رَأَى شَوْقَنا إلى أهالِينا، قالَ: ارْجِعُوا فَكُونُوا فيهم، وعَلِّمُوهُمْ، وصَلُّوا، فإذا حَضَرَتِ الصَّلاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أحَدُكُمْ، ولْيَؤُمَّكُمْ أكْبَرُكُمْ»
(18)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه أبو داود (547)، والنسائي (847) عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما مِن ثلاثةٍ في قريةٍ ولا بدوٍ لا تقامُ فيهمُ الصَّلاةُ إلَّا قدِ استحوذَ عليْهمُ الشَّيطانُ»، والحديث حسنه الألباني في صحيح النسائي (846).