شرح عمدة الفقه
الدرس الخامس عشر — كتابُ الصَّلَاة، تَابِع بَابُ شُرُوطِ الصَّلَاَةِ
ملفات PDF ١ ملف
النص المقروء
[الدَّرْسُ الخَامِس عَشَر]
رابط الفقرة 1[كتابُ الصَّلَاة]
رابط الفقرة 2[تَابِع بَابُ شُرُوطِ الصَّلَاَةِ]
رابط الفقرة 3الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على البشير النذير والسراج المنير، نبينا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
رابط الفقرة 4أما بعد؛ أيها الإخوة والأخوات سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وحياكم الله في المجلس الخامس عشر من مجالس شرح عمدة الفقه، للإمام «موفق الدين ابن قدامة رحمه الله »، قد بدأنا في شرائط الصلاة، نكمل اليوم ما بقي من هذه الشروط ونسأل الله التوفيق والإعانة.
رابط الفقرة 5قال رحمه الله : (الشَّرْطُ الثَّالِثُ: سِتْرُ العَوْرَةِ بِمَا لا يَصِفُ البَشَرَةَ) الشرط الثالث من شروط الصلاة الواجب على المسلم المحافظة عليها والتي لا تصح الصلاة مع الإخلال بها ستر العورة والستر هو التغطية، وأما العورة فإنها تطلق على عدة إطلاقات، فقد تطلق على ما يُستحيا منه، وعلى ما فيه نقص وعيب، وعلى السوأة وعلى ما يجب ستره في الصلاة، وعلى ما يجب ستره في النظر ويحرم كشفه، هذه كلها إطلاقاتٌ على العورة، وقد جاءت العورة على لسان الشارع، فقد قال: صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: «المرأةُ عورَةٌ فإذا خرجتِ استشرفَها الشَّيطانُ»(1)، فدل هذا على أنها قد تطلق هذه العورة بهذه المفردة في لسان الشارع لكنه لم يرد في لسان الشارع الأمر بستر العورة بهذه الصيغة، إلا أن الفقهاء عبروا بها وهو تعبيرٌ حسن إذا فُهم، الله جل شأنه وتقدس اسمه أمر في الصلاة بما هو أعم وأشمل وأجمل من ستر العورة، فقال عز من قائل: ﴿ يَـٰبَنِىٓ ءَادَمَ خُذُوا۟ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍۢ ﴾ [الأعراف: ٣١] فأمر بأخذ الزينة وهو أمرٌ زائد على مجرد ستر العورة، ولهذا نقول للمصلي: خذ زينتك، سواءً كنت تصلي في المسجد أو في البيت، وسواءً كنت تصلي الفريضة أو النافلة، فإن أخذ الزينة للصلاة ذاتها، ومن ثم فإنه لا ينبغي للعبد المصلي أن يصلي بثياب النوم أو بثياب الرياضة وألبستها على اختلاف أنواعها، بل ينبغي له أن يتجمل لصلاته، وأن يهتم بأخذ الزينة لها؛ امتثالًا لأمر الله، ومن ذلك أيضًا وهو داخل في الزينة تغطية رأسه إذا كان في بيئة لا يخرجون كاشفي رؤوسهم ولا حاسريها كما هو عندنا هنا، فإن الأصل أن المسلم إذا أراد أن يخرج للناس يتجمل بلبس أحسن الثياب ويغطي رأسه بما جرت العادة به من طاقية وشماغ أو غترة، ومن ثم فلا يحسن له أن يأتي للصلاة حاسر الرأس أو لابسًا قميص نومٍ أو ملابس رياضة، والله جل شأنه قد أمره بأخذ الزينة فيدخل في ذلك هذا كله، وقد أنكر ابن عمر رضي الله عنهما على مولاه نافع لما صلى حاسر الرأس وقال له: «أرأيت لو خرجت إلى الناس تخرج هكذا؟ قال: لا، قال: فالله أحق أن يتجمل له».
رابط الفقرة 6إذن قول المؤلف رحمه الله : (سِتْرُ العَوْرَةِ) نقول: هذه عبارة الفقهاء والمقصود بالعورة هنا عورة الصلاة، وقد أشكل على بعض الناس ذكر شيءٍ من هذه المسائل هنا وخلط بين عورة الصلاة وعورة النظر، وبينهما فرق فإن الصلاة يجب ستر العورة فيها حتى عن الإنسان نفسه فلا ينظر إلى عورته وهو يصلي، ولهذا لو كان يصلي في ثوبٍ واسعٍ إذا ركع أو سجد نظر عورته، نقول له: لا يجوز لك ذلك، بل يجب عليك أن تستر عورتك حتى عن نفسك، وأما عورة النظر فإنه يحرم على المسلم أن يكشفها أمام من لا يحل له النظر، كما في قول المولى جل شأنه وتقدس اسمه في أمر عباده بحفظ الفروج: ﴿ وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَـٰفِظُونَ ٥ ﴾ [المؤمنون] فيدخل في ذلك حفظ العورة أن يطلع عليها من لا يحل له النظر، ولهذا لما سئل صلى الله عليه وسلم : «عوراتُنَا ما نأتِي منها وما نذرُ؟ قال: احفظْ عورتكَ إلا من زوجتكَ أو مما ملكتْ يمينكَ، فقال الرجلُ: يكون مع الرجلِ إن استطعتَ أن لا يَراها أحدٌ فافْعَل قلتُ والرجلُ يكون خاليًا قال فاللهُ أحقّ أن يُسْتَحيا منهُ»(2)، فدل هذا على أن المسلم لا يتكشف ولا يتعرى لا في الخلوة ولا في الجلوة، ولا يتساهل بكشف عورته حتى لو كان خاليًا إلا عند الحاجة أو الضرورة ككشف العورة عند قضاء الحاجة، وعند معاشرة الزوج أو الزوجة وعند التطبب، ونحو ذلك من الحالات التي يجوز فيها كشف العورة، وإلا فالأصل أن المسلم أحرص الناس على ستر عورته، وهذه هي السيرة وسنة المرسلين والصالحين، ولهذا جاء عن كليم الرحمن موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم: «أنه لما خلع ثوبه ودخل في البحر يغتسل جاءت الريح فذهبت بثوبه أو الموج، فأدرك ثوبه وهو يسرع ويهرول ويقول: ثوبي حجر ثوبي حجر»(3) مع أنه ليس عنده أحد ينظر إليه لكنه استحيا أن يخرج عريانًا، وجاء عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه لم يكشف عورته في جاهلية ولا إسلام، وأن الله صانه وحفظه من أن يتبذل أو يتكشف، وسنة هؤلاء المرسلين مأخوذة من سنة أبيهم آدم حيث أنه خلق مستورًا، وستره الله وستر زوجته، ولم يزل به الشيطان يراوده ويحاول به حتى ذاق الشجرة فانكشفت عورته، وطفق يسترها بورق الشجر، وما علم عليه الصلاة والسلام أن أحدًا سيحلف بالله كاذبًا، فلما سمع الشيطان يحلف بالله وهو يكذب أن الله جل شأنه ما منعهما من هذه الشجرة إلا أن يكونا ملكين أو يكونا من الخالدين، أكلا من الشجرة فبدت لهما سوآتهما، ولهذا نقول: إن كل من دعا الناس إلى التكشف والتبذل والتعري فله أسوة بالقواد الأكبر الشيطان الرجيم، وما كان الناس يتوقعون أن يأتي يوم يتكشف الناس رجالًا ونساءً ويخرجون للأسواق والطرقات وعلى الشواطئ والمتنزهات كاشفي عوراتهم حتى السوأة، وما كان الناس أيضًا يظنون ولا يخطر في بالهم أنه يوجد نواد للعراة يطالب أصحابها من الشذاذ بحقوقهم، لكن هذا والله كله من انتكاس الفطر والبعد عن شريعة رب العالمين، ولهذا نقول: المؤمن ستير ساتر لعورته لا يكشفها ولا يتبذل فيها، سواءً كانت هذه العورة السوأة المغلظة أو كانت مما يجب ستره، والحديث في هذا الباب إنما هو في عورة الصلاة التي يجب على المسلم أن يسترها في صلاته والتي لا يحل له أن يكشف شيئًا منها.
رابط الفقرة 7قال رحمه الله : (سِتْرُ العَوْرَةِ بِمَا لا يَصِفُ البَشَرَةَ) هذا شرط من أعظم شروط الساتر، وهو أن يكون هذا الساتر للعورة صفيقًا متينًا لا تُرى من ورائه البشرة، فإن رُئيت من ورائه ودونه البشرة بياضًا أو سوادًا فإنه لم يتحقق الشرط، وحينئذٍ فإنه كالعُريان لا تصح صلاته، وهذا أمرٌ يجب الانتباه إليه والاهتمام به في الذين يلبسون ثيابًا رقاقًا وسراويل قصيرة، فيبرز فخذ الواحد منهم ويُرى لونه من وراء هذا الثوب الرقيق، نقول: أدرك صلاتك عبد الله فإن ستر العورة شرطٌ مجمعٌ عليه، وثوبك هذا الرقيق لا يستر، فلا بدّ أن يكون الثوب ساترًا لا تُرى من ورائه البشرة، وقد حذر صلى الله عليه وسلم وتوعد أقوامًا من النساء يأتين في آخر الزمان يلبسن ألبسة لا تسترهن، إما لرقتها وهذا هو الذي يظهر وأقرب ما يحمل عليه أنهن يلبسن ألبسة رقيقة، قال صلى الله عليه وسلم : «صِنْفانِ مِن أهْلِ النَّارِ لَمْ أرَهُما»(4) يعني لم يرهما في عصره لكنهما يأتون في عصر متأخر «قَوْمٌ معهُمْ سِياطٌ كَأَذْنابِ البَقَرِ يَضْرِبُونَ بها النَّاسَ» وهؤلاء هم الشُرَط إذا كانوا ظالمين، إذا كانوا يضربون الناس بغير حق فهم متوعدون بهذا الوعيد الشديد «ونساءٌ كاسياتٌ عاريَاتٌ» وصفهن بوصفين بينهما شيءٌ من التنافر، كيف يكون ذلك؟ ساترة عارية، كاشفةٌ مع كونها ساترة، كاسيةٌ عاريةٌ أي لبست ثيابًا لا تستر عورتها، إما لرقتها وخفتها وكونها تشف وتصف ما تحتها، وهذا موجود في بعض النساء، فتلبس ثيابًا رقاقًا وتتساهل في هذا حتى ربما أمام المحارم، فيُرى من وراء ثيابها ملابسها الداخلية مما يخدش الحياء ويجعل الرجل الذي في قلبه إيمان يصرف بصره، وهذا التساهل في غير محله لا سيما في هذا العصر الذي كثر فيه الفساد وكبر، وأصبح بعض الناس عنده خسة طبع ربما والعياذ بالله يشتهي محرمة وربما ينظر إليها نظر شهوة، فلا يجوز لها بحال أن تتكشف أو أن تلبس ثيابًا رقاقًا يُرى ما وراءه من بشرتها، وربما كان هذا أنها تلبس ثيابًا ضيقة، تبين حجم أعضائها وعورتها وعجيزتها وصدرها ونحو ذلك، وهذا أيضًا موجود من ثيابٍ تفصل ضيقة أو من أقمشة من صفتها أنها تلصق على البدن، فهذا كله داخل في هذا الوعيد الشديد أو أنها تلبس ثيابًا قصيرة لا تستر ما يجب ستره، أو ثيابًا مشققة مفتوحة كما رأيناه في هذا العصر من كثرة الألبسة المفتوحة المشققة من الأمام ومن الخلف ومن الجنب وثياب رقاق وثياب قصيرة كل هذا نراه بأم أعيننا، فالواجب أن يتقي الله الأولياء في من تحت أيديهم من النساء فإن هذا لا يحصل به الستر، وإن كان في الصلاة لا تصح به الصلاة.
رابط الفقرة 8قال رحمه الله : بعد أن بين شرط ما يستر به وهو ألا يصف البشرة، قال مبينًا حدود العورة، وقبل هذا، ما الدليل على أن ستر العورة شرط لصحة الصلاة؟ نقول: دل عليه الكتاب والسنة والإجماع، دل على أن ستر العورة شرط لصحة الصلاة الكتاب والسنة والإجماع، فمن الكتاب قول الله جل شأنه: ﴿ يَـٰبَنِىٓ ءَادَمَ خُذُوا۟ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍۢ ﴾ [الأعراف: ٣١] قد بينت سابقًا أنها تشمل ستر العورة وأكثر، ومن ثم فإن المؤمن في الصلاة يستر عورته وهذا هو الحد الأدنى وإن زاد أخذًا للزينة فهو أكمل، وكذلك في طوافه، لا يحل له أن يكشف عورته، فإن ستر العورة شرطٌ في الصلاة وشرطٌ في الطواف، وقد كان معروفًا عند الجاهلية، إلا أنهم من فرط جهلهم يقولون لمن قدم من خارج مكة: لا تطوف في ثيابك التي أتيت بها لأنها ثيابٌ عصيت الله بها، إذن ماذا يصنع؟ إما أن يشتري ثوبًا من أهل مكة، أو يجد صديقًا يهديه أو يعيره ثوبًا يستر به عورته، فإن لم يجد مالًا يشتري به ولا صديقًا يعيره ولا يهديه، تجرد من ثيابه وطاف عُريانًا، وهذا من فرط الجهل -سبحان ربي- أنتم يا أهل مكة قد عصيتم الله بثيابكم، وأعظم العصيان الشرك وتلطختم بأقبح وأقذر القذر وهو الشرك بالله، فكيف تنكرون على أهل الأمصار؟ وتتحكمون فيهم، وتمنعونهم من أن يطوفوا بثيابهم بحجة أنهم قد عصوا الله فيها -سبحان الله- فيضطرونهم إلى أن يتجردوا من الثياب حتى النساء، ولهذا تقول القائلة منهم وهي تطوف عريانة كما خلقت: (اليوم يبدو بعضه أو كله وما بدا منه فلا أحله)، حتى جاء هذا الإسلام، فأوجب الستر وحرم التعري، وأمر عليه الصلاة و السلام أبا بكر أن يؤذن في الناس ألا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان، طهّر صلى الله عليه وسلم البيت من المشركين ومن العراة قبل أن يحج حجة الوداع، وأما السنة فالأحاديث كثيرة تدل على ستر العورة منها قوله صلى الله عليه وسلم لما سئل أيصلي أحدنا في الثوب الواحد؟ قال: «إن كان ضيقًا فاتزر به وإن كان واسعًا فلتحف به»(5) لأنه ليس لكل واحد منهم ثوبان وسيأتي بيان هذا، وقال صلى الله عليه وسلم : «لا تصلي الحائض إلا بخمار»(6) يعني المرأة البالغة لا تصلي إلا مستترة ومتخمرة بخمار يستر رأسها وصدرها ونحرها وسائر بدنها ولا تُبرز إلا الوجه والكفين، كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وانعقد الإجماع على ذلك، فحكى غير واحد من أهل العلم: الإجماع على أن ستر العورة شرط في الصلاة وأن من صلى عريانًا وهو يجد الثوب ويقدر على الاستتار به، أن صلاته باطلةٌ، حكاه ابن عبد البَر وغيره من أهل العلم.
رابط الفقرة 9قال رحمه الله : (وَعَوْرَةُ الرَّجُلِ وَالأَمَةِ، مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ)، أما الرجل لا إشكال في أن عورته ما بين السرة والركبة، وهو قول جماهير أهل العلم، على خلاف يسير بينهم في السرة والركبة، هل تدخل أو لا تدخل؟ والجمهور يرون أن السرة والركبة لا يدخلان، المالكية والشافعية الحنابلة والحنفية يرون أن السرة تدخل دون الركبة لكن الخلاف يسير هنا، إذن جمهور العلماء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة يرون أن عورة الرجل ما بين سرته وركبته، وأنه يجب عليه أن يسترها وهذه عورة في الصلاة وعورة في النظر، وهذا الحد الأدنى للستر في الصلاة، ويدل عليه أحاديث كثيرة منها ما خرجه البخاري معلقًا عن ابن عباس ومحمد بن جحش وغيرهم أنه صلى الله عليه وسلم قال: «الفَخِذُ عَوْرةٌ»(7) وجاء أيضًا عن جرهد «غطِّ فَخِذَكَ، فإنَّ الفخِذَ عورَةٌ»(8) وجاء في حديث أبي أيوب «فإن ما بين السُّرَّةِ والركبةِ عورةٌ»(9) وهي أحاديث صحاح تدل على أن ما بين السرة والركبة عورة، قال الطحاوي: جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث متوافرة، تدل أن الفخذ عورة، ولهذا ذهب الأئمة الأربعة إلى ذلك على خلاف كما قلت في السرة والركبة هل تدخل أو لا تدخل؟ وهو خلاف يسير.
رابط الفقرة 10وذهبت الظاهرية إلى أن العورة السوأتان فقط، و قولهم مرجوح بهذه الأحاديث الصحاح التي تدل على أن ما بين السرة والركبة عورة أو تدل صراحةً على أن الفخذ عورة إما بقوله صلى الله عليه وسلم : «الفَخِذُ عَوْرةٌ» أو قوله: «غط فخذك ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت»(10)، ومن ثم فإن الواجب على الرجل أن يستر هذا القدر في صلاته وأمام الناظرين، في مزاولة الرياضة بأنواعها والسباحة بأنواعها، نقول: لا يحل للرجل أن يكشف عورته، ومِن كَشْفِ العورة كشف الفخذ، ولا يحل له النظر إلى من كشف فخذه، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم : «غطِّ فَخِذَكَ» هذا خطاب للمكلف للمسلم مباشرة «ولا تَنظُرْ إلى فَخِذِ حَيٍّ ولا ميِّتٍ»(11) يعني لو تساهل الناس وكشفوا أفخاذهم فإنه لا يحل لك أن تنظر، ولهذا اشترط أهل العلم كما سبق في باب الغسل إذا ذهب للحمام حمام السباحة أن يستر عورته وألا ينظر الى عورات الآخرين، وإذا غلب على ظنه أنه سيأتي في هذه المسابح ومثلها صالات الرياضة بأنواعها من يتكشفون ويبدون أفخاذًا فإنه لا يحل له الذهاب إليها؛ لأنه مأمور بالأمرين معًا، مأمور بستر الفخذ وعدم النظر إلى عورات الآخرين.
رابط الفقرة 11أما الأمة فإن إلحاقها بالرجل هنا إلحاقٌ غريب وإن ذهب إليه أئمةٌ كثيرون، قد تتبعت أقوال أهل العلم بهذه المسألة فوجدتها تسعة أقوال: أصحها أن الأمة كالحرة وأنه لا يحل لها أن تتكشف ولا تتبذل ولا أن تبرز شعرها ولا نحرها ولا صدرها ولا ظهرها ولا ساقها، وأن إلحاقها بالرجل إلحاقٌ بعيد جد بعيد، الخلاف المعتبر: هل تتحجب أو لا تتحجب؟ وكونها لا تتحجب لا يعني أنها تكشف شعرها، ولا صدرها ولا نحرها ولا ظهرها، هذا نقول: محال أن تأتي به الشريعة وأن تقر المرأة التي هي جنسٌ فاتن وهي جنسٌ مغري أن تتكشف وتتبذل ولو كانت أمة، ولهذا أنكر ابن حزم رحمه الله على الأئمة هذا القول، وقال: دين الله واحد والفطرة واحدة والخلقة واحدة، فأي دين يمكن أن يبيح للنساء إذا كنّ إماءً أن يخرجن كاشفات الشعور والنحور والصدور، هذا لا يمكن، ومثله شيخ الإسلام رحمه الله أنكر هذا القول وبين بطلانه، وقال رحمه الله : لو أراد أحدٌ أن يترك الإماء التركيات الحسان يخرجن كاشفات كما كن يخرجن في زمن عمر لكان هذا من الفساد، كان عمر يمنع من التحجب لئلا يتشبهن بالحرائر، وهذا محل نظر ومحل خلاف أعني كشف الوجه بالنسبة للأمة، لكنها تكشف شعرها أو صدرها أو نحرها، نقول: هذا بعيد عن روح الشريعة ونصوص الشريعة، و نهي الفاروق عمر أن تتحجب الإماء ليس معناها أنه يتركهن لمن شاء أن ينظر أو لمن شاء أن يتعرض لهن فإنه لا يمكن أن يقره رضي الله عنه ولا أن يرضاه للفساق أن يتعرضوا إماء المسلمين أو يتعرضوا حرائر المسلمين، إذن نقول: الأمة لا تُلحق بالرجل البتة لا بعورة الصلاة ولا في عورة النظر، فتتحجب وتغطي ما تغطيه الحرائر، سواءً كانت الإماء اللاتي يتخذن للتسري أو حتى للخدمة والمهنة والبذلة، الصحيح أنها كالحرة.
رابط الفقرة 12قال رحمه الله : (وَالحُرَّةُ كُلُّهَا عَوْرَةٌ، إِلاَّ وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا) هذا في الصلاة، وهذه من المواطن التي يقع فيها اللبس بين بعض الناس، حينما يقرأ في كتب الفقهاء مثل هذه العبارة يحسب أن هذا في النظر، وهم هنا لا يتكلمون عن عورة النظر بل يتكلمون عن عورة الصلاة، ما الذي يجب على المرأة أن تستره في صلاتها؟ وما الذي يجوز لها أن تكشفه؟ يقول هنا: إن الحرة كلها عورة إلا وجهها وكفيها، أما كونها عورة فهذا منطوق رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الخمسة بسندٍ صحيح، قال صلى الله عليه وسلم : «المَرأةُ عَورةٌ»(12)، ولهذا نقول في باب النظر والحجاب والكلام فيه يطول وليس هذا موضعه، نقول: لو لم يرد في أمر المرأة بالستر وعدم التكشف وإظهار شيء من البدن إلا هذا الحديث لكفى، فإن الذي قاله من لا ينطق عن الهوى المعصوم أفصح من نطق بالضاد، وهو القائل في هذا الحديث: «المَرأةُ عَورةٌ»، إذن أطلق عليها أنها عورة، يعني يجب عليها أن تتستر، ولا يحل لها أن تتكشف ولا يحل لأحد أن ينظر إليها هذا معنى عورة، لأنها درة مصونة، فلا يباح أن تتكشف لكل أحد، ولهذا جاءت النصوص واضحة بيّنة في جواز من تكشف لهم، عدّهم ربنا جل شأنه عدًا واضحًا، ولو أن المرأة تكشف وجهها لكل الناس ما كان فيه فائدة بذكر من يباح لها أن تتكشف أمامهم من الأزواج والآباء والأبناء وأبناء الإخوة، وأبناء الأخوات في سورة النور، فلما عد جل شأنه من تظهر لهم الزينة عُلم أنها لا تظهر لغيرهم، بل قال ربنا جل شأنه قولًا واضحًا بينًا ﴿ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَٰجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الأحزاب: ٥٩]، وتأملوا نساء المؤمنين وضعوا تحتها ما شئتم من الخطوط؛ لأن كثيرًا من المخالفين يقولون: إن الحجاب خاصٌ بأمهات المؤمنين، نقول: سبحان الله، الله جل شأنه يقول: ﴿ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَٰجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَـٰبِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰٓ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ۗ ﴾ [الأحزاب: ٥٩] ، فسّرها ابن عباس رضي الله عنهما حبر الأمة وترجمان القرآن بتفسير صحيح قال: «أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن لحاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب وأن يبدين عينا واحدة»(13)، الراوي عنه عبيده السلماني غطى وجهه وأبرز عينًا واحدة، ليتبين للناس أن المرأة إذا خرجت للحاجة لا تتكشف ولا تبرز إلا ما تدعو الحاجة إليه كعين تبصر بها الطريق، وقد سبقت الإشارة إلى أن توسع النساء اليوم في النقاب نقاب الفتنة هذا غير شرعي وغير جائز، النقاب الذي جاءت به السنة مثل ما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما ، وإن دعت الحاجة إلى أن تبرز العينين فلا حرج، إذا كان المرأة عندها شيء من ضعف البصر تقول: أنا لو غطيت وجهي وعيني سقطت في طريقي، لا أبصر أو يضعف عندي النظر ولا أبصر ربما الدرج فربما أسقط أو أرادت أن تشتري سلعة فتريد أن تعرفها مباشرة، نقول: لا حرج، تبرز العينين فقط ولا تضع فيهما شيء من مساحيق الجمال والتزين لا كحل ولا نحوه، وأما تبرز العينين وتضع فيهما الكحل وتبرز معهما الوجنتين وأطراف الخدين في نقابٍ فاتنٍ فاضح، ربما لو كشفت وجهها لم يفتن أحد لكنه بهذا النقاب الفاضح فتنة، نقول: لا تأتي الشريعة بهذا، محال أن تأتي الشريعة بهذا وأن تأمر أو تأذن للمرأة أن تفتن الرجال بوجهها وقد نهتها أن تضرب بخلخالها الأرض، ليعلم ما تخفي زينتها، أي فتنةٍ أشد وأعظم من خلخال في القدم أو فتنة في الوجه، فاتنة فاضحة، إذا كان الشارع نهى عن ضرب الأرض لتعلم ما يخفى من الزينة فإنه عما يكون في الوجه من الزينة أشد أمرًا بالستر ومنعًا من الكشف.
رابط الفقرة 13ونصوص الحجاب كثيرة جدًا لعله يتاح لنا يومًا من الأيام، درس خاص في الحجاب نذكر فيه أدلته ونناقش المخالفين، لأن هذه المسألة قد شاع واشتهر هذه الأيام طرحها حتى بدأ بعض الناس يشكك؛ لأن من الناس من يذكر الخلاف وليس أمينًا في النقل، فيذكر الخلاف هكذا، ولا يذكر ما اتفق عليه أهل العلم قبل أن يذكر الخلاف، وهذا من كتمان العلم، وربما نقول: إنه من الخيانة للأمة، إذ يجب على الطالب والعالم ومن أراد النصح للناس أن يذكر كلام أهل العلم بتجرد، فنقول: إن أهل العلم الذين اختلفوا في الحجاب اتفقوا على وجوب ستر المرأة وجهها وتحريم كشفه وتحريم النظر إليه في حال خوف الفتنة باتفاق، كل الأئمة قد ذكروا هذا في كتبهم، فلا يحل للمرأة أن تكشف وجهها إذا كان فيه فتنة أو في عصر فتنة، وبعضهم صرح بأنه لا يحل للشواب أي الشابات، وإنما يحل للعجائز، والعجائز قد فصّل الله حكمهن وبيّن أنهن لا حرج عليهن أن يضعن ثيابهن، ومع ذلك أرشدهن إلى الحجاب وجعله خير وهن عجائز، لا يخطر في بال الواحدة منهن أن تتزوج ولا تُشتهى، ﴿ وَٱلْقَوَٰعِدُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ ٱلَّـٰتِى لَا يَرْجُونَ نِكَاحًۭا ﴾ [النور: ٦٠] يعني ما يخطر في بالها أن تتزوج ولا تُخطب ﴿ فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَـٰتٍۭ بِزِينَةٍۢ ۖ ﴾ [النور: ٦٠] يعني حتى وهي عجوز لا تُشتهى ولا تُخطب، لم يبح لها أن تتزين وأن تضع في وجهها شيء من مساحق الجمال لتفتن الرجال ولو أنها كبيرة قال: ﴿ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌۭ لَّهُنَّ ۗ ﴾ [النور: ٦٠] يعني حتى هذه المرأة هذا جائز لكن إن اختارت العفة والاستعفاف والستر فهو خير، والأحاديث في الحجاب ومشروعيتها كما قلت كثيرة جدًا ليس هذا محلها وإنما هي إشارة، ومن أوضح الأدلة العملية التي تدل على أن نساء المسلمين في العصور والقرون المفضلة إلى زمن قريب في بلدان المسلمين وأمصارهم كنّ يتحجبن، مشروعية النظر للمخطوبة ولو كانت النساء كاشفات الوجوه يخرجن في الطرقات كاشفات ما أذن الشارع للخاطب أن ينظر كان ينظر لأن كل العالم ينظرون، لكن لما كانت المرأة محتجبة مصونة لا ينظر إليها أحد أذن الشارع للخاطب الذي تقدم لوليها، أذن له أن ينظر وأذن للولي أن يمكنه من النظر إلى موليته إذا كان جادًا في الخطوبة، فلو كانت النساء يخرجن كاشفات الوجوه متبرجات سافرات ما كان لهذا الأذن فائدة، لأن العالم كلهم ينظرون حينئذٍ فلا يحتاج أن يُخص بحكم.
رابط الفقرة 14على كلٍ نعود إلى كلام المؤلف رحمه الله ، قال رحمه الله : (وَالحُرَّةُ كُلُّهَا عَوْرَةٌ، إِلاَّ وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا) فلا يجب عليها حال الصلاة أن تغطي وجهها ولا كفيها، واختلف في القدمين لكن الجمهور على أنها تستر القدمين، وأما الوجه والكفين فالصحيح أنها تكشفهما، وهذا في الصلاة إذا لم تكن بحضرة رجال أجانب، ومثل هذا يقال في الإحرام إذا أحرمت المرأة بحج أو عمرة، نقول: إحرامها في وجهها ويديها بمعنى أنها لا تغطيهما إذا كانت أمام نساء أو محارم، فإن كانت أمام رجال أجانب وجب عليها التغطية إلا أنها حينئذٍ تجتنب الغطاء المخيط على قدر الوجه وهو ما يسمى بالنقاب أو البرقع والغطاء المفصل والمخيط على قدر اليدين وهو ما يسمى بالقفازين، فالمحرمة ممنوعة من تغطية وجهها أمام الرجال الأجانب بمخيط، لكنه يجب عليها أن تغطي وجهها ولا يحل لها إذا كانت بحضرة رجال أجانب أن تكشف وجهها لا في طوافها ولا في سعيها ولا في سائر أنساك الحج أو العمرة، لا يحل لها ذلك، ما دامت أمام رجال أجانب أن تكشف، وهذا هو الذي فهمه نساء الصحابة رضي الله عنهم فكانوا «إذا حاذَوْا بنا، أسدَلَتْ إحْدانا جِلْبابَها من رَأسِها على وَجْهِها، فإذا جاوَزونا كَشَفْناهُ»(14) وهذا معروف عند أمهات المؤمنين ونساء الصحابة رضي الله عنهن أجمعين، يكن وحدهن فهي تكشف الواحدة وجهها فإذا قرب منهم الرجال سدلت إحدانا جلبابها على وجهها، فنقول للمحرمة والمصلية: إن كنت في مكان لا يراك فيه رجال أجانب فلا تغطي وجهك، المرأة التي تصلي في بيتها لا يحل لها أن تغطي وجهها ولا كفيها وتصلي، وإذا كانت في مسجدٍ أيضًا مفصولٍ بين الرجال والنساء بفاصل لا يرى ما وراءه فإنه أيضًا تكشف وجها ويديها، وأما إذا كانت تصلي في مسجد ترى فيه النساء كالمسجد الحرام وكثير من المساجد التي لا يكون بين الرجال والنساء فواصل كما في بعض بلدان العالم، فإنا نقول: يلزمها تغطية وجهها ويديها، فقول الفقهاء إن المرأة كلها عورة إلا وجهها وكفيها، نقول: هذه في الصلاة، وقولهم إحرام المرأة في وجهها يعني أنها لا تغطي وجهها ويديها إذا كانت بحضرة محارم أو نساء، وأما إذا كانت بحضرة رجال فإن إحرامها في وجهها، بمعنى أنها لا تغطي وجهها ويديها بمخيط على قدرهما.
رابط الفقرة 15قال رحمه الله : (وَأُمُّ الوَلَدِ وَالمُعْتَقُ بَعْضُهَا كَالأَمَةِ) أم الولد هي التي وطئها سيدها فأنجبت، هذه أم ولد، وإذا ولدت لسيدها فإنها تسلم من البيع والشراء، قال: (وَالمُعْتَقُ بَعْضُهَا) التي بعضها عتيق وبعضها رقيق، قال: كَالأَمَةِ، قد سبق أنه يقول: إن الأمة عورة كالرجل وقلنا هناك إن الصحيح إن الأمة كالحرة ومن ثم فإن أم الولد والمعتق بعضها، والمدبرة التي أوصى بعتقها بعد موته، نقول: كل الإماء بأنواعها كالحرائر يجب عليهن أن يستترن، ولا يحل لهن التكشف، وإنما الخلاف المعتبر في الوجه فقط، أي هل تحجبه أو لا تحجبه وأما أنها تتكشف كالرجال فهذا قولٌ بعيد.
رابط الفقرة 16قال رحمه الله : (وَمَنْ صَلَّى فِيْ ثَوْبٍ مَغْصُوْبٍ، أَوْ دَارٍ مَغْصُوْبَةٍ، لَمْ تَصِحَّ صَلاتُهُ) من صلى في ثوبٍ مغصوبٍ يعني ستر عورته بثوبٍ مغصوبٍ أو صلى في دارٍ مغصوبةٍ أو أرضٍ مغصوبةٍ لم تصح صلاته، لأن النهي عاد إلى شرط العبادة، وقد سبقت الإشارة أن النهي إذا عاد إلى أصل العبادة أو إلى شرطها أفسدها، وهذا هو الصحيح، وقيل إن صلاته صحيحة مع الإثم لكن الصحيح هنا أنه لو صلى في ثوبٍ مغصوب مع قدرته على ثوبٍ آخر، نقول: لا تصح صلاته؛ لأنه ستر عورته بما لا يجوز ستره، وبما لا يحل له أن يتقرب إلى الله به، فإن ستر العورة قربة وطاعة لكن لا يحل أن تكون بمعصية، وكذلك في الدار المغصوبة، نقول: لا يحل له أن يبقي هذه الدار المغصوبة في يده بل يجب عليه أن يردها إلى صاحبها، وكذلك الأرض المغصوبة، فلا يبقيها وإذا أبقاها نقول: صلاتك فيها غير صحيحة، والماء الذي تستخرجه من باطن هذه الأرض ماءٌ مغصوب، لا يحل لك الوضوء به، ومن ثم فمن يغصبون الناس أراضيهم ويشبكونها، نقول: هم آثمون إثمًا عظيمًا، يوم القيامة يطوقونها من سبع أراضين -نسأل الله السلامة والعافية- الإنسان اليوم ما يستطيع أن يحمل متر أرض فوق رأسه، فكيف إذا طوق هذه الأرض التي غصبها وأخذها بدون وجه حقٍ من سبع أراضين، ثم إنه والعياذ بالله لا تصح له طهارة ولا صلاة ما دام في هذه الأرض التي غصبها وأخذها بغير وجه حق.
رابط الفقرة 17قال رحمه الله : (وَلُبْسُ الحَرِيْرِ وَالذَّهَبِ، مُبَاحٌ لِلنِّسَاءِ دُوْنَ الرِّجَالِ، إِلاَّ عِنْدَ الحَاجَةِ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي الحَرِيْرِ وَالذَّهَبِ: «هذانِ حرامٌ على ذُكورِ أُمَّتي حِلٌّ لإناثِها»(15)) يقول رحمه الله : وَلُبْسُ الحَرِيْرِ وَالذَّهَبِ، مُبَاحٌ لِلنِّسَاءِ دُوْنَ الرِّجَالِ، مر بنا في باب الآنية أنه لا يحل اتخاذ ولا استعمال آنية الذهب والفضة، وهناك قلنا أن هذا يشمل الرجال والنساء على حدٍ سواء لعدم المخصص، هنا يقول رحمه الله : إن لبس الذهب يعني التحلي بالذهب في حق الرجال محرم وكذلك الحرير، وأن هذا مباح للنساء لأن الله جل شأنه جعل هذا من خصائصهن أي التزين والتحلي به ﴿ أَوَمَن يُنَشَّؤُا۟ فِى ٱلْحِلْيَةِ وَهُوَ فِى ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍۢ ١٨ ﴾ [الزخرف] فيباح للمرأة ما جرت العادة بلبسه من ذهب وكذلك الحرير، لأنه صلى الله عليه وسلم قال: «هذانِ -أي الذهب والحرير- حرامٌ على ذُكورِ أُمَّتي حِلٌّ لإناثِها» [الحديث أخرجه أصحاب السنن بسندٍ صحيح]، فبيّن صلى الله عليه وسلم تحريم هذا وذا على الذكور، مرت العلة في تحريم آنية الذهب والفضة هناك، قوله صلى الله عليه وسلم «فإنَّه لهم في الدُّنيا ولكم في الآخرةِ»(16). هنا نقول: نفس العلة في اتخاذ الذهب وأما الحرير فكذلك؛ لأن الله جل شأنه أكرم أهل الجنان بالنعيم المقيم ومنه استعمال آنية الذهب والفضة ولبس الحرير، فعبيد الله لا يستعملون هذا من الذكور في الدنيا أي الحرير، كما أن لبس الحرير يورث شيئًا من الخيلاء والكبر، ويورث شيئًا من الأنوثة والتأنث والتخنث، ولهذا قالوا: لا يحل للرجل أن يلبسه فإنه يورثه هذا الأمر الذي لا يليق به ويتنافى مع رجوليته، ولهذا قال بعضهم أيضًا: ولأنه من خصائص النساء فإذا لبسه أشبههن وتشبه بهن وهو صلى الله عليه وسلم يقول: «لعن اللهُ المتشبهين بالنساءِ من الرجالِ والمتشبهاتِ من النساءِ بالرجالِ»(17) فلا يحل للرجل أن يتشبه بالنساء ومن تشبهه بالنساء أن يلبس الذهب ويتحلى به سواءً كان سوارًا في عنقه او خاتمًا في إصبعه، وقد أبصر صلى الله عليه وسلم رجلًا متختمًا بخاتم ذهب فأخذه وطرحه وقال: «يَعْمِدُ أَحَدُكُمْ إلى جَمْرَةٍ مِن نَارٍ فَيَجْعَلُهَا في يَدِهِ، فقِيلَ لِلرَّجُلِ بَعْدَ ما ذَهَبَ رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : خُذْ خَاتِمَكَ انْتَفِعْ به، قالَ: لا وَاللَّهِ، لا آخُذُهُ أَبَدًا وَقَدْ طَرَحَهُ رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم »(18) مع أنه يمكن يأخذه ويعطيه امرأته أو نسائه لكنه عافته نفسه وطابت نفسه من لبسه، واليوم يتختم بعض الذكور ما نقول الرجال؛ لأن الرجل حقًا لا يتختم بخاتم الذهب ولا أيضًا يتأنث ولا يلبس ألبسة النساء ولا يلبس من الحرير.
رابط الفقرة 18والحرير المقصود هنا هو الحرير الطبيعي، المستخرج من دود القز، وأما ما يسمى حريرًا لنعومته، وليس من ذاك فإنه لا يلحق به، مثل ما يسمى ذهبي لأنه مصبوغ بلون ذهبي ليس ذهبًا، نقول: هذا لا حرج فيه، فالمقصود بالذهب الذهب الخالص والمموه والمطلي والمكفت والمطعم كل ما سبق، أن يكون فيه شيء من الذهب، كذلك الحرير إذا كان حريرًا مستخرجًا من دود القز، هذا الحرير الناعم، البارد على الجسم، نقول: هذا من نعيم أهل الجنة، فيصبر أهل الإيمان على فقده في دنياهم رجاء أن ينعمهم الله به يوم القيامة، لكنه يجوز في حال الحاجة ولهذا قال: (إِلاَّ عِنْدَ الحَاجَةِ) مثل القمل، والحكة والمرض والجرب والحرب، هذه أعذار، «جاء عن عبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام رضي الله عنهما أنهما كان بهما قمل، فرخص لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بلبس الحرير»(19)، وجاء الأذن بلبسه في الحرب؛ لأنه في الحرب يباح للخيلاء إغاظةً للعدو، وكذلك الجرب وهو مرض في البشرة لا يتحمل صاحبه أي لبس، فإذا لبس الحرير هدء وسكن ألمه وحكته ووجعه، فمن كان به جرب أو حكة، لم ينفع معه جميع الألبسة، لا حرج عليه شرعًا أن يلبس الحرير وإلا فلا.
رابط الفقرة 19قال رحمه الله :
رابط الفقرة 20وَمَنْ صَلَّى مِنَ الرِّجَالِ فِيْ ثَوْبٍ وَاحِدٍ، بَعْضُهُ عَلَى عَاتِقِهِ، أَجْزَأَهُ ذلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إِلاَّ مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ، سَتَرَهَا، فَإِنْ لَمْ يَكْفِ جَمِيْعَهَا، سَتَرَ الفَرْجَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَكْفِهِمَا، سَتَرَ أَحَدَهُمَا، فَإِنْ عَدِمَ السِّتْرَ بِكُلِّ حَالِ، صَلَّى جَالِسًا يُوْمِئُ بِالرُّكُوْعِ وَالسُّجُوْدِ، وَإِنْ صَلَّى قَائِمًا جَازَ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِلاَّ ثَوْبًا نَجِسًا، أَوْ مَكَانًا نَجِسًا، صَلَّى فِيْهِمَا، وَلا إِعَادَةَ عَلَيْهِ.
رابط الفقرة 21هذه جملة من المسائل، قوله: (وَمَنْ صَلَّى مِنَ الرِّجَالِ فِيْ ثَوْبٍ وَاحِدٍ، بَعْضُهُ عَلَى عَاتِقِهِ، أَجْزَأَهُ ذلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إِلاَّ مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ، سَتَرَهَا) هذا مما انفرد به الحنابلة رحمهم الله ، أوجبوا على الرجل أن يستر مع عورته أحد عاتقيه، قالوا: لا يحل للرجل أن يصلي كاشف العاتقين؛ «لأنه صلى الله عليه وسلم نهى أن يصلي الرجل ليس على عاتقه شيء»(20)، والحديث في الصحيحين، فحمله الحنابلة على الوجوب، وقالوا: إنه يشترط مع ستر العورة من السرة إلى الركبة أن يستر أحد عاتقيه، قالوا: ولو بحبلٍ ولو بشيءٍ يشف أو يصف ما تحته، المقصود أن يكون على عاتقه شيء، أيُ شيء، وذهب الجمهور وهو رواية عن الإمام أحمد إلى أن هذا من باب الاستحباب، واستدلوا على ذلك بما جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن كان الثوب ضيقًا فاتزر به»(21)، يعني اجعله إزارًا، والإزار يستر ما بين السرة والركبة فقط، «وإن كان واسعًا فلتحف به»(22) لأنه أشكل على الصحابة ذلك فقالوا: أيصلي أحدنا بثوبٍ واحد؟ الثوب هو القطعة ما كان عندهم الثياب القمص هذه كان أكثر لبسهم الإزار والرداء، فقال صلى الله عليه وسلم : أو لكلكم ثوبان؟ يعني ليس كل واحد يملك ثوبين ثم أخبر كيف يصنع من كان عنده ثوب واحد يعني قطعة واحدة، قال: «إنْ كانَ ضَيِّقًا» يعني صغير لا يستطيع أن يلفه على أسفل بدنه وعلى عاتقيه أو أحدهما «فَاتَّزِرْ بهِ» يعني يجعله إزارًا، فأقرهم على ستر العورة وإن لم يكن على العاتق شيء، فدل على أن هذا هو الواجب وأن ستر العاتقين من الزينة بل أكمل من ذلك أن يستر عاتقيه وأن يستر سائر بدنه إلا ما يظهر غالبًا عند الخدمة من اليدين والقدمين والوجه، وكذلك الرأس كما سبق السنة ما دامت العادة جرت بأنه يغطي رأسه عند الرجال وعند الضيوف ونحو ذلك أنه يغطيه إذا أراد أن يصلي ولا يصلي حاسر الرأس، نقول: هكذا يعني ستر ما جرت العادة بستره، لكن إنسانٌ ما عنده إلا قطعةٌ واحدةٌ أو ثوبٌ واحدٌ أو سروالٌ طويلٌ فقط، ليس عنده فنيله ولا ثوب، ما بقي عنده وهذا يحصل أحيانًا، إما للفقر والعوز والحاجة أو أنه يأتيه سُراق وقطاع طرق أحيانًا، لا يبقون معه شيء ربما يجردونه، أو غرق في مركب أو سفينة ولم يبقى معه شيء، الشاهد أنه إذا لم يبقى عنده إلا ما يستر عورته سترها، وهذا محمول على الاستحباب أي ستر العاتقين أو أحد العاتقين.
رابط الفقرة 22ولهذا قال رحمه الله : (وَمَنْ صَلَّى مِنَ الرِّجَالِ فِيْ ثَوْبٍ وَاحِدٍ، بَعْضُهُ عَلَى عَاتِقِهِ، أَجْزَأَهُ ذلِكَ) مفهوم أنه إذا لم يكن على عاتقه شيء أنه لا يجزئ، لكنه قال عقب ذلك: (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إِلاَّ مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ، سَتَرَهَا) يعني الإنسان ما وجد إلا ستر العورة، نقول: يستر عورته وصلاته صحيحة (فَإِنْ لَمْ يَكْفِ جَمِيْعَهَا، سَتَرَ الفَرْجَيْنِ) قال: ما عندي ما يستر ما بين السرة والركبة، ما عندي إلا سروال صغير، نقول: يستر به عورته المغلظة الفرجان القبل والدبر، (فَإِنْ لَمْ يَكْفِهِمَا، سَتَرَ أَحَدَهُمَا) ما وجد، حتى العورة المغلظة ما عندهم إلا قطعة صغيرة من قماش إما يستر قبله وفرجه أو يستر دبره، قال هنا: يسَتَرَ أَحَدَهُمَا؛ لأنه اختلفت الرواية عن الإمام أحمد، تارة يقول: يستر القبل لأنه يستقبل به القبلة وتارة يقول: يستر الدبر لأنه ينفرج، ومن ثم قال: يسَتَرَ أَحَدَهُمَا يعني أيهما، المقصود أنه يستر ما تيسر ﴿ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ ﴾ [التغابن: ١٦] «إذا أمَرْتُكم بأمرٍ فأْتُوا منه ما استَطَعْتُم»(23) لكن ستر القبل يمكن أقرب، قالوا: لأن الإليتين تستر الدبر لكنه اذا ركع أو سجد ينفرج، ومن ثم نقول: هذا مضطر فليستر ما تيسر بأيهما ستر حصل المقصود.
رابط الفقرة 23قال رحمه الله : (فَإِنْ عَدِمَ السِّتْرَ بِكُلِّ حَالِ، صَلَّى جَالِسًا يُوْمِئُ بِالرُّكُوْعِ وَالسُّجُوْدِ، وَإِنْ صَلَّى قَائِمًا، جَازَ)، هكذا أيضًا خيره هنا، كما أنه إذا لم يجد ما يستر العورة المغلظة، القبل والدبر، قال: يستر أيهما شاء، قال: هنا (فَإِنْ عَدِمَ السِّتْرَ) يعني إنسان عدم ثيابه كلها ولم يبقى عليه شيء يستر به عورته حتى المغلظة، هل تسقط عن الصلاة؟ نقول: لا، الصلاة لا تسقط بحال، ما دام العقل موجودًا فإنه يجب عليه أن يصلي ولو عريانًا، مثل إذا عدم الماء والتراب المحبوس في مكان لا يستطيع فيه أن يتوضأ ولا يتيمم، نقول: يصلي، ولو لم يتوضأ ولو لم يتيمم وهو عادم الطهورين، فكذا هنا نقول: يصلي عريانًا، لكن هل يصلي جالسًا أو يصلي قائمًا؟ هو الآن إن قام أتى بركن القيام والركوع والسجود حتمًا وإن صلى جالسًا أسقط ركن القيام والركوع واستتر، فإن صلاة الإنسان جالسًا أستر من صلاته قائمًا، ومن ثم تردد العلماء، هل يراعي الركن وهو القيام والركوع أو يراعي الستر فيصلي جالسًا لأنه أستر له؟ فخيره المؤلف هنا وبعض أهل العلم وهو اختيارٌ شيخنا الشيخ محمد بن عثيمين يقول: حسب الحال والمكان الذي هو فيه، فإن كان في حال خلوة لا يراه أحد أو في ظلمة من الليل فليصلي قائمًا ويركع ويسجد؛ لأنه حينئذٍ يأتي بالقيام وهو ركن والركوع وهو ركن، وليس ثمة عنده من ينظر إلى عورته أو يطلع عليه، وإن كان في حضرة أناس فإنه يصلي جالسًا لأنه أستر له، ولعل هذا توسط بين القولين، وقد يكون التعري ليس له وحده، قد يكون القوم كلهم عراة، فكيف يصلون؟ نقول: يصلون ولا تسقط الجماعة، وهذا كله يدل على عظم شأن الجماعة، أنها لا تسقط عن المحاربين، والمواجهين للعدو والمصافين له ولا العراة، قد يتصور أن يجتمع قوم عراة في قديم الزمان، كان السُراق وقطاع الطرق إذا وجدوا الناس لم يبقوا عليهم شيء، وهذا من جرمهم وقسوة قلوبهم، أنهم لا يبقون معهم أحيانًا لا ما يأكلون ولا يشربون ولا ما يسترون به عوراتهم، واليوم في بعض الأحداث التي تقع في بعض الغرق الذي يتصور أحيانًا يخرج الناس ما يسلمون إلا بأنفسهم حتى ثيابهم قد تتهتك وتسقط، فحاصل ذلك أنه إذا اجتمع عراة يصلون جماعة لكن إمامهم وسطهم لا يتقدمهم أمامهم لأن هذا أستر، حتى إنهم قالوا لو اجتمع قوم رجال ونساء عراة فإن الرجال يستقبلوا القبلة ويصلون والنساء مستدبرات حتى لا يطلعن على عوراتهم، الشاهد أن الفقهاء رحمهم الله لم يتركوا شيئًا إلا بيّنوه، وذلك لعظم شأن الصلاة وعدم سقوطها.
رابط الفقرة 24قال رحمه الله : (وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِلاَّ ثَوْبًا نَجِسًا، أَوْ مَكَانًا نَجِسًا، صَلَّى فِيْهِمَا، وَلا إِعَادَةَ عَلَيْهِ) لاحظ قبل قليل قال: إنه إذا وجد مكانًا مغصوبًا أو ثوبًا مغصوبًا لا يصلي به، لأن هذا متعمد يعني إنسانٌ غصب ثوبًا أو غصب أرضًا لا يصلي وصلاته باطلة لكن هنا ما وجد إلا ثوبًا نجسًا أو مكانًا نجسًا، ما عنده إلا هذا الثوب وهذا الثوب نجس وليس عنده شيء يطهره به، فهو بين خيارين إما أن يخلع هذا الثوب ويصلي عريانًا، وإما أن يصلي به، فإما أن يراعي شرط ستر العورة، أو يراعي شرط طهارة الثوب من النجاسة، فأيهما يراعي؟
رابط الفقرة 25قال رحمه الله : يراعي ستر العورة، لماذا يراعي ستر العورة؟ لأن ستر العورة مع كونها من شروط الصلاة، نقول: هي مما أوجبه الله على العباد، ولهذا تجب في الصلاة وخارج الصلاة، بينما اجتناب النجاسة هو واجب في الصلاة فقط، فكونه يصلي بثوبٍ نجس أولى من أن يصلي عريانًا، لماذا نقول؟ لأن ستر العورة أمر مفروض حتى في غير الصلاة، ولأنه يقبح أن يبقى الإنسان عريانًا، ويلحقه من الحرج والمشقة الأمر الذي لا يخفى فإنه ليس هينًا على الإنسان أن يبقى عريانًا أو يراه الناس ويروا عورته المغلظة، ومن ثم فنقول: إذا لم يجد إلا هذا الثوب النجس الذي لم يستطع تغييره ولا تبديله ولا غسله ولا عارية ثوبٍ آخر ولا شراء ثوب ولا قبول ثوب، ضاق الأمر عليه كمحبوس في ثوب أصابته نجاسة ما عنده أي شيء يغسله، بين أمرين، إما أن يخلع الثوب ويصلي في زنزانته عريانًا، أو يصلي بهذا الثوب، نقول: يصلي بالثوب ومثله لو كان في مكان نجس لا يستطيع أن يبرحه ولا أن يغسله ولا أن يزيل نجاسته فإنه يصلي فيه على حسب حاله، وهذه تتصور حينما يسجن الإنسان في مكان لا يُسمح له فيه بالخروج لمحل قضاء الحاجة، ليكون مكان جلوسه وأكله ونومه كله محل قضاء حاجته وهذا موجود في بعض السجون ونحوها، فنقول: مثل هذا يصلي، كيف يصلي؟ نقول: يصلي كما أمره الله، فإن كانت النجاسة رطبة أومأ إيماءً ولم يسجد على الأرض، يقف يصلي ثم يركع ثم يجلس على قدميه على هيئة المتحفز، ثم يومئ بالسجود ثم يقوم ويكمل بقية صلاته، الشاهد أنه لا يباشر بوجهه ويديه النجاسة ما دامت النجاسة موجودة وعامة في الأرض ولو كانت حتى جامدة أو يابسة، نقول: لا يباشر النجاسة بوجهه ويديه، يومئ بالسجود إيماءً، قال: وَلا إِعَادَةَ عَلَيْهِ؛ لأنه أدى ما فرضه الله عليه ولم يفرط، وهذه قاعدة عظيمة، أن كل من أدى ما فرضه الله عليه فإنه لا إعادة عليه ولا إثم، وإنما الذي يجب عليه أن يعيد الصلاة هو المفرط، كالمسيء في صلاته، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يُعيد الصلاة مرات وكَرات، جاء وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، «ارجع فصلِّ فإنَّكَ لم تصلِّ»(24) فلما تكرر ذلك منه ثلاثًا، قال: والذي بعثك بالحق لا أحسن غير هذا فعلمني، هذه أهمية السؤال والتكرار منه صلى الله عليه وسلم جعلت عند هذا الرجل اهتمام وإصغاء لما يقول له صلى الله عليه وسلم ، ومن ثم فلما أرشده امتثل، فأمره بالتكرار؛ لأنه أساء لكن هذا المسلم الذي عدم الثوب الطاهر أو الأرض الطاهرة، نقول: لم يفرط ما فرط ولا قصر، أمنيته أن يجد ثوبًا طاهرًا أو يجد مكانًا طاهرًا، لكنه لم يجد ذلك فاتقى الله ما استطاع وصلى على حسب حاله، ومن ثم فإنا نقول لمرضى المسلمين -أسأل الله أن يشفيهم ويعافيهم ويجمع لهم بين الأجر والعافية- : لا يحل لكم بحال أن تؤخروا الصلاة حتى يخرج وقتها إلا ما يُجمع، فلا حرج أن يؤخر الظهر إلى العصر؛ لأن المريض يجوز له الجمع إذا شق عليه أداء كل صلاة في وقتها وإن أخر المغرب إلى العشاء لكن ما سوى ذلك لا يحل بحجة أنه ليس طاهر الثوب أو طاهر البدن أو أن جرحه يثعب دمًا أو أنه عنده نزيف أو نحو ذلك أو أنه غير مستقبل القبلة، نقول: كل هذه الأعذار لا تبيح لك تأخير الصلاة عن وقتها إلا فقط الجمع، نقول: لا بأس لك أن تؤخر الظهر إلى العصر والمغرب مع العشاء، وتجمع لأن هذا أرفق بك وأيسر، إما أنك تؤخر الصلاة بحجة أنك تقول: والله أنا ما عندي يعني ثياب نظيفة أو أنا ما أستطيع أتوضأ أو لا أستطيع أستقبل القبلة أو غير ذلك، نقول: الصلاة لا تسقط بحال ما دام العقل موجودًا، وهذه قاعدة ينبغي بيانها للمرضى أن الصلاة لا تسقط بحال إلا في حال سقوط العقل والتكليف، أما إنسان معه عقله فإنه لا يحل له أن يؤخر الصلاة، هو ما يدري هذا المسكين الجاهل أنه يموت في هذا المرض فيكون قد ختم حياته بترك الصلاة وهذا جهل، وقد يعذر وقد لا يعذر، ومن ثم نقول: يجب عليه أن يصلي على حسب حاله لكن لا يترك ركنًا ولا شرطًا ولا واجبًا مع القدرة عليه، ما قدر عليه من الأركان والشروط والواجبات تعين، وهذا أيضًا يؤكد على أولياء وأهل المرضى أن يعتنوا بذلك عناية فائقة، ليس مجرد التعليم بل الإعانة، يعينه على طهارته، ويعينه على صلاته، ويعينه على ستر عورته، ويعينه على استقبال القبلة، فيعينه وهو على أجرٍ عظيم، فلا يُترك المريض وحده تدركه الصلاة تلو الصلاة وهو ما عنده أحد يعينه على الوضوء ولا على التيمم إذا كان لا يستطيع الوضوء، ولا على ما يحتاج إليه في أمر طهارته وأمر صلاته.
رابط الفقرة 26قال رحمه الله :(الشَّرْطُ الرَّابِعُ: الطَّهَارَةُ مِنَ النَّجَاسَةِ فِيْ بَدَنِهِ، وَثَوْبِهِ، وَمَوْضِعِ صَلاتِهِ، إِلاَّ النَّجَاسَةَ المَعْفُوَّ عَنْهَا، كَيَسِيْرِ الدَّمِ وَنَحْوِهِ) هذا الشرط الرابع من الشروط المجمع عليها أيضًا، الطهارة من النجاسة، في البدن والثوب والبقعة التي يصلي عليها، و قد سبق هذا الشرط في باب إزالة النجاسة، وفي كتاب الطهارة لكن لا بأس من الإشارة إليه هنا إشارةً يسيرة، وهو أنه كما يجب على المصلي أن يتطهر من الحدث الأصغر والأكبر بالوضوء والغسل أو التيمم، فكذلك يجب عليه أن يجتنب النجاسة ويتوقاها في بدنه وثوبه وبقعة صلاته، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع، فمن الكتاب قول الله جل شأنه ﴿ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ ٤ ﴾ [المدثر]، اختلف المفسرون فيها على أقوال عدة، منها ما ذهب إليه بعض المتأخرين من أن المراد بالثياب ما يستر، وأن تطهيرها اجتناب النجاسة فيها، إلا أن الآية عمومها يشمل ما هو أعم من ذلك على الصحيح وهو الذي عليه المفسرون من السلف، وهو أن المراد الطهارة من الشرك والطهارة المعنوية وكذلك الحسية وتطهير النفس وتزكيتها، ولهذا نزلت هذه في مكة بل هي من أوائل ما نزل في سورة المدثر قبل فرضية الصلاة، لكن بعض أهل العلم استدل بعمومها.
رابط الفقرة 27ومن السنة قول النبي صلى الله عليه وسلم لأسماء بنت أبي بكر، لما سألته عن دم الحيضة يصيب الثوب فقال لها: «قال: حتيه ثم اقرصيه، ثم اغسليه بالماء، ثم صلي فيه»(25) فأرشدها إلى غسل ما أصاب الثوب من دم الحيض فدل على أنه نجس وأنها لا تصلي بثوب فيه دم نجاسة أو دم حيض، وكذلك حديث أنس في الأعرابي الذي بال في المسجد(26)، وقد سبقت الإشارة إليه فإنه صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه أن يصبوا على بوله ذنوبًا من ماء، فدل على أن المسلم يجتنب النجاسة في بدنه وفي ثوبه وفي بقعة صلاته إلا ما يعفى عنه كيسير الدم ونحوه، اليسير يعفى عنه، مثل الرعاف اليسير، ومثل البثرة، ومثل الدمل، ومثل لو أدخل أصبعه في أنفه فخرج على طرف أصبعه دم، مر بنا في كتاب الطهارة أنه يعفى عن الشيء اليسير من ذلك.
رابط الفقرة 28قال رحمه الله : (وَإِنْ صَلَّى وَعَلَيْهِ نَجَاسَةٌ لَمْ يَكُنْ عَلِمَ بِهَا، أَوْ عَلِمَ بِهَا ثُمَّ نَسِيَهَا، فَصَلاتُهُ صَحِيْحَةٌ، وَإِنْ عَلِمَ بِهَا فِي الصَّلاةِ أَزَالَهَا وَبَنَى عَلَى صَلاتِهِ) هذه مسألة يكثر سؤال الناس عنها، وهو أن الإنسان قد يصلي وعليه نجاسة، لم يكن علم بها من قبل، يعني ما علم بها ولم يراها إلا بعد أن سلم أو علم بها ثم نسيها، يعني قال: إذا جئت للوضوء أو قمت للوضوء غسلتها فنسي، ولم يشعر فصلى، إذن عندنا صورتان: الصورة الأولى: مسلم صلى وبعد أن سلم رأى في طرف كمه أو ثوبه أو جوربه أو شماغه أو عمامته نجاسة، ولم يعلم إلا بعد الفراغ من الصلاة، الصورة الثانية: لا، هو يعلم لكنه نسي، يعني هو أصابته نجاسة، فقال: إذا قمت مثلًا للوضوء سأغسلها، فنسي أن يغسلها ثم صلى ولم يتذكر إلا بعد الفراغ، إذن عندنا صورتان: جهل ونسيان.
رابط الفقرة 29ماذا يلزمه؟ يقول رحمه الله : (وَإِنْ صَلَّى وَعَلَيْهِ نَجَاسَةٌ لَمْ يَكُنْ عَلِمَ بِهَا، أَوْ عَلِمَ بِهَا، ثُمَّ نَسِيَهَا، فَصَلاتُهُ صَحِيْحَةٌ) هذا هو الصحيح؛ لأن الله جل شأنه وتقدس اسمه رفع المؤاخذة عن عباده، في حال الجهل والنسيان ﴿ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ ﴾ [البقرة: ٢٨٦] أخطأنا: جهلنا، قال جل شأنه وتقدس اسمه: «قدْ فَعَلْتُ»(27) [رواه الإمام مسلم] يعني استجبت لهذا الطلب وهذا الدعاء منكم، بل هو جل شأنه الذي امتن على عباده وعلمهم وطلب منهم أن يسألوه، وما طلب منهم أن يسألوه إلا ليجيبهم، ولهذا هو الذي علمنا أن ندعوه هذا الدعاء ثم أجاب بقوله: قد فعلت، والنبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن الله تجاوز لهذه الأمة عن الجهل والخطأ والنسيان، «إنَّ اللهَ تجاوَز عنْ أُمَّتي الخطأَ والنِّسيانَ وما استُكرِهوا عليه»(28)، هذا هو الصحيح، وثمة رواية أخرى في المذهب أنه يلزمه الإعادة لا سيما في حال النسيان، بل يصرحون بها في الجهل والنسيان، يقول: لأنه تارك لأحد شقي الطهارة، فكما أنه لو صلى بدون طهارة صلاته لا تصح إجماعًا، قالوا: فهذا مثله لكنه قياس مع الفارق ولا يصح ذلكم أن الطهارة من المأمورات، فإذا تركها بطلت صلاته إجماعًا، يعني إنسان صلى بدون وضوء يحسب أنه متوضأ أو أكل لحم إبل فصلى ثم علم بعد الصلاة أنه أكل لحم إبل، نقول: تلزمه الصلاة ولا إثم عليه، لا إثم عليه لأنه نسي أو جهل، لكنه تلزمه الصلاة ولو مضى عليها سنون، لو بعد سنين تذكر نقول: يلزمه لأن هذا من باب المأمورات فلا يسقط إلا الإثم لا إثم عليه، أما إزالة النجاسة هي من التروك من المنهيات فتسقط، ولهذا تأملوا ما يمكن أن يدل على هذا ويلحق به، قول النبي صلى الله عليه وسلم في الصائم «مَن أكَلَ أو شرِبَ في صَومِهِ ناسيًا، فليُتِمَّ صَومَهُ؛ فإنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ أطعَمَهُ وسَقاهُ»(29)، أمره بإتمام الصوم فدل على صحة صومه، ونسب الأكل والسقي أو الشرب إلى الله ليرفع عنه المؤاخذة؛ لأن هذا من باب التروك، هو منهي عن الأكل والشرب فنسي فأكل وشرب، نقول: صومك صحيح، والنبي صلى الله عليه وسلم صلى وفي نعليه قذر لم يعلم به، ثم جاءه جبرائيل فأخبره فخلع صلى الله عليه وسلم نعليه، فخلع الصحابة نعالهم امتثالًا واقتداء به صلى الله عليه وسلم ، فلما فرغ سألهم ما بالكم خلعتم نعالكم؟ قالوا: إنا رأيناك خلعت نعليك فخلعنا نعالنا، قال: إن جبرائيل أخبرني أن فيهما قذرًا(30)، فدل على أنه صلى جزءًا من صلاته وفي النعلين قذر ولم يستأنف صلاته بل أكملها ولو لم يعلم إلا بعد الفراغ لصحت لكنه لما علم أزال هذه النجاسة ومضى في صلاته صلى الله عليه وسلم ، فدل على ما ذكره المؤلف هنا وهو أن من صلى وعليه نجاسة لم يكن يعلم بها سابقًا أو كان يعلم بها ثم نسيها فإن صلاته صحيحة.
رابط الفقرة 30قال رحمه الله : (وَإِنْ عَلِمَ بِهَا فِي الصَّلاةِ، أَزَالَهَا، وَبَنَى عَلَى صَلاتِه) يقول: أنا لا، لما رفعت شماغي رأيت النجاسة، الدم أو البول أو نحوه، نقول: اخلعه وامضي في صلاتك كما خلع صلى الله عليه وسلم نعليه ولا حرج في ذلك وصلاتك صحيحة، فإن لم يمكنه إزالتها؛ لأنها في الملابس السفلية، ويلزمه أن يرفع ثوبه ويخلع الثياب، وإذا فعل ذلك فإنها تنكشف عورته أو أن هذا يستغرق زمنًا طويلًا، نقول: يقطع صلاته ، ويزيل النجاسة ويستأنف الصلاة من أولها، إذن نقول: من علم بالنجاسة في صلاته وأمكنه إزالتها بدون عمل كثير ولا وقت كثير ولا كشفٍ لعورة، تعين عليه ذلك كأن تكون النجاسة في عمامة أو في قميص وعليه ما يستر عورته أسفل منه أو شماغ أو غترة ونحو ذلك أو جورب لم يمسح عليه، يعني توضأ ولبس الجوربين ثم لما كبر وهو يصلي رأى في الجورب أثر نجاسة وهو لا يزال على طهارة الوضوء لم يحدث حتى نقول إذا خلع يفسد وضوؤه، نقول: لا، هو الآن لم يحدث ولم يمسح، فيكفيه أن يخلع الجورب، إذن علم بها في الصلاة أزالها وبنى على صلاته، ثم ختم هذا الشرط بقوله رحمه الله : (وَالأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ تَصِحُّ الصَّلاةُ فِيْهَا) لقوله صلى الله عليه وسلم «وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فعنده مسجده وطهوره»(31) وقد مر بيان ذلك وتفصيله في كتاب الطهارة.
رابط الفقرة 31قال رحمه الله : (إِلاَّ المَقْبَرَةَ، وَالحَمَّامَ، والحُشَّ، وَأَعْطَانَ الإِبِلِ، وقَارِعَةَ الطَّرِيق) هذه مما استثناها الشارع وحرم الصلاة فيها، أما المقبرة فقد تكاثرت النصوص في النهي عن الصلاة فيها، لماذا نهى الشارع عنها؟ ظن بعض الفقهاء أنه للنجاسة الحسية، وأن هذا لما يمكن أن يكون من صديد الأموات، نقول: سبحان الله، أي نظرة هذه النظرة؟ هذه بعيدة جدًا ولم يردها الشارع وإنما حذّر ومنع وبالغ في المنع من الصلاة في المقبرة أو عند القبور؛ لئلا تُتخذ أوثانًا تُعبد من دون الله، ولهذا شدد صلى الله عليه وسلم ولعن اليهود والنصارى على هذا الفعل، قال: «اتَّخَذوا قُبورَ أَنبِيائِهم مَساجِدَ»(32)، يحذر ما صنعوا، فنهيه صلى الله عليه وسلم في أكثر من حديث عن اتخاذ القبور مساجد، أي محلًا للتعبد والسجود، نهيٌ صحيح صريح سواء كانت قبورًا كثيرة أو قبران أو قبرًا واحدًا لا يحل، ومن ثم فإننا نقول: إذا بني المسجد فإنه لا يحل بحالٍ أن يُؤتى بميت مهما كان فيدفن فيه، وإذا دفن المسلم لا يحل بحال أن نأتي فنبني عليه مسجدًا، الحكم للأسبق، فإن كان هذا محل قبر فإنه لا يبنى عليه، ما العمل؟ نقول: يرجع للجهات المختصة وزارة الشؤون الإسلامية ونحو ذلك للعمل، إذا كان هذا المسجد أو المكان مخصص لأن يبنى عليه مسجد وقد دفن فيه ميتًا واحدًا، نقول: يرجع فيه لأهل الاختصاص وربما ينبش هذا القبر ويدفن مع مقابر المسلمين، وأما أن يبنى عليه المسجد وهو يعلم أنه قبر فلا يحل والعكس كذلك، لو أن هذا المسجد قد بني لا يحل لأحد أن يدخل فيه قبرًا لأحد كائنًا من كان، فإن أدخل فيه القبر حرمت الصلاة فيه، وإن كان المسجد هو السابق فإن القبر ينبش، وإذا كان القبر هو السابق وصاحب هذا القبر أحق بالمكان كأن يكون به أرضًا من أرضه، فإنه أحق بهذا المكان فيهدم هذا المسجد ولا يصلى فيه، لأن الأمر جد خطير، في الصلاة في المساجد التي فيها قبور، فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك وبالغ في النهي والزجر، ووصل فيه الأمر إلى لعن من فعل، فإن من سبق من اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد والصالحين منهم، فلا نقتدي بهم ولا نفعل فعلهم، ومن ثم فما يوجد في بلدان المسلمين اليوم من قبور كل هذا منكر عظيم، لا يحل الصلاة في مسجد فيه قبر.
رابط الفقرة 32قال رحمه الله : (وَالحَمَّامَ) الحمام حمام السباحة، ولأنه مظنة لكشف العورات والنظر إليها، ومثله بل أعظم منه الحش وهو المرحاض الذي يقضى فيه الحاجة، والأصل في الحش أنه مكان قضاء الحاجة، كانوا يقصدون لقضاء حوائجهم البساتين، فسمي حشًا من هذا الباب، ومن ثم فنقول: الحش والمرحاض ومحل دورة المياه وما تقضى فيه الحاجة لا يحل، إذا نهى عن الحمام فمن باب أولى ألا يقضى في الحشوش والأماكن التي تستقذر.
رابط الفقرة 33قال رحمه الله : (وَأَعْطَانَ الإِبِلِ) أي مباركها التي تجتمع فيها الإبل وتأوي إليها، نهى الشارع عن الصلاة فيها، قال صلى الله عليه وسلم : «لا تصلوا في مبارك الإبل، ولا تصلوا في معاطن الإبل، وسئل أنصلي في معاطن الإبل؟ قال: لا، أنصلي في مرابض الغنم؟ قال: نعم»(33) فرّق صلى الله عليه وسلم بين هذه وتلك، لماذا؟ نقول: لأن مبارك الإبل مظنة للنجاسة، فإن الناس يأتون فيستترون بها ويقضون حاجتهم، هذا معنى وحكمة ظاهرة بيّنة، فإن الناس جاءوا في البر وجدوا الإبل باركة ربما يجعلها سترة ويقضي الحاجة، فيكون الذي صلى في موضع هذا قد صلى على نجاسة الآدمي؛ لأن أبوال وأرواث الإبل طاهرة، كما مر بنا في حديث العُرنيين لما أمرهم صلى الله عليه وسلم أن يشربوا من أبوال وألبان إبل الصدقة، فدل على أن بول وروث الإبل مثل بول وروث البقر والغنم، كل ما يؤكل لحمه بوله وروثه ومنيه طاهر، إذن لماذا نهى؟ نهى لأنها ربما تُقصد للاستتار بها ويصلي خلفها، فيكون من صلى فيها صلى على نجاسة الآدمي، أو ربما ثارت الإبل فآذته في صلاته، بخلاف الغنم فإنها لا تقصد الاستتار بها ولا تثور مثل الإبل.
رابط الفقرة 34قال رحمه الله : (وقَارِعَةَ الطَّرِيق) أي الممر الذي يمر الناس به ويسلكونه فإنه ليس محلًا للصلاة، وليس نجسًا لكنه لا يخشع فيه قلب المصلي ولا يتأمل ما يقرأ أو يقول فنهي عن الصلاة فيه، ومثل الممرات التي تكون في المساجد، في المسجد الحرام وفي الأماكن التي يكثر الناس فيها، لا يصلي الإنسان في الطرق يصلي في الممرات يصلي في الدرج، يحبس الناس أولًا من الدخول والخروج ثم لا يخشع قلبه في صلاته، فإنه يتعرض لكثرة المارين سواءً أثناء الصلاة أو الخارجين بعد تسليم الإمام، ومن ثم نقول: لا يحسن للناس أن يصلوا في أماكن مخصصة للمرور والطرق ونحو ذلك، وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد.
رابط الفقرة 35[أسئلة الدرس]
رابط الفقرة 36سائل يقول: هل يجوز للمرأة أن تصلي بدون جورب أو شراب؟
رابط الفقرة 37الجواب: لا بأس لكن الأولى والأكمل أن تستر قدميها؛ لحديث أم سلمة تصلي إحدانا في درع سابغًا قال: «إذا كان يغطي قدميها»(34) فذهب الجمهور إلى تغطية القدمين، وذهبت الحنفية واختار شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أنه لا حرج في كشف القدمين لكن ما دام المسألة فيها خلاف وخلافٌ معتبر، فالأولى بالمرأة أن تغطي قدميها سواء بجورب أو بالعباءة أو بالشرشف أو بالملاءة التي تُلبس وقد جرت عادة النساء بلبسها فوق ثيابها فتستر قدميها، وإن ظهر شيء من القدم حال السجود فإنه لا يؤثر إن شاء الله تعالى.
رابط الفقرة 38سائل يقول: ما حكم الحلف بالله في وقت الغضب والرجوع من حلف؟
رابط الفقرة 39الجواب: إذا كان معه وعيه ويدرك ما يقول فإنه تنعقد يمينه، ومثل الطلاق وما أكثر السائلين، يقول: أنا طلقت زوجتي وأنا غضبان، نقول: سبحان الله، ما في أحد يطلق إلا وهو غضبان، لكن أي غضب؟ غضب يشعر الإنسان معه بما يقول؟ نقول: يقع طلاقه ولينتبه لنفسه، فقد فرط وفوت فرصة، فلا يفوت فرصة ثانية ثم الثالثة ثم لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره، لكن إنسان أطبق عليه الغضب حتى صار كالمجنون، هو لا يدري ما قال، لما أفاق وزالت غضبته قالوا: إنك قلت وقلت، قال: والله لا أدري، هذا الذي لأهل العلم فيه كلام ولهذا من ابتلي بمثل هذا يستفتي فتوى خاصة يذهب للإفتاء ويسأل، مثل الآن الحلف إنسان حلف وهو غضبان، نقول: هل أنت وتدرك ما تقول؟ قال: نعم، نقول: إذن عليك إما الوفاء والبر في اليمين أو كفارة اليمين وهي عتق رقبة أو إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم، هذي كلها على تخيير الثلاثة، عتق الرقبة هذا اليوم غير موجود، إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم من أوسط ما تطعمون أهليكم، كيلو ونصف لكل مسكين مجموعه خمسة عشر كيلًا يشتري طعام، خمسة عشر كيلو ويعطيها عشرة مساكين أو يذهب لجمعيات البر ويعطيهم هذا الطعام أو يعطيهم قيمته، يقول لهم: كم الكفارة؟ يقولون له: مثلًا سبعين، ريال ثمانين، خمسين، مائة، يعطيهم المال وهم يشترون وهم وكلاء عنه، إذ لا يحل إخراج النقد بدل الإطعام، الواجب أن يطعم أو يكسو فإن عجز عن ذلك كله، لا عتق، ولا إطعام، ولا كسوة، صام ثلاثة أيام، بعض الناس أول ما يحلف ويحنث يصوم وهو قادر، نقول: ما يحل لك، لو صمت وأنت تقدر على الإطعام أو الكسوة ما يحل لك ذلك.
رابط الفقرة 40سائل يقول: لماذا لم نقل إن الوقت أهم شروط الصلاة؟ مع أننا لأجله نسقط الكثير من الشروط كالطهارة واستقبال القبلة؟
رابط الفقرة 41الجواب: بل قلنا هذا وأكدناه، قلنا هذا في الدرس الماضي، قلنا عند الكلام على شرط الوقت أنه من أوكد وأعظم شروط الصلاة، ولهذا تعين حتى أن الإنسان يتيمم إذا عدم الماء ولا يحل له أن يخرج الصلاة عن وقتها، فوقت الصلاة هو أوكد الشروط.
رابط الفقرة 42الحواشي
(1)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه الترمذي (1173) واللفظ له، وابن خزيمة (1685)، وابن حبان (5598) مطولًا باختلاف يسير، صححه السيوطي في الجامع الصغير.
(2)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه البخاري معلقًا بصيغة الجزم قبل حديث (278) مختصرًا، وأخرجه أبو داود (4017)، والترمذي (2769) واللفظ له، والنسائي في السنن الكبرى (8972)، وابن ماجه (1920)، وأحمد (20034).
(3)
العودة إلى موضع الحاشيةخرجه البخاري (278)، ومسلم (339)بلفظ: «كانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ يَغْتَسِلُونَ عُراةً، يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إلى سَوْأَةِ بَعْضٍ. وكانَ مُوسَى عليه السلام يَغْتَسِلُ وحْدَهُ، فقالوا: واللَّهِ ما يَمْنَعُ مُوسَى أنْ يَغْتَسِلَ معنا إلَّا أنَّه آدَرُ قالَ: فَذَهَبَ مَرَّةً يَغْتَسِلُ فَوَضَعَ ثَوْبَهُ علَى حَجَرٍ، فَفَرَّ الحَجَرُ بثَوْبِهِ. قالَ: فَجَمَحَ مُوسَى بإثْرِهِ يقولُ: ثَوْبِي حَجَرُ، ثَوْبِي حَجَرُ، حتَّى نَظَرَتْ بَنُو إسْرائِيلَ إلى سَوْأَةِ مُوسَى قالوا: واللَّهِ، ما بمُوسَى مِن بَأْسٍ، فَقامَ الحَجَرُ حتَّى نُظِرَ إلَيْهِ، قالَ: فأخَذَ ثَوْبَهُ فَطَفِقَ بالحَجَرِ ضَرْبًا. قالَ أبو هُرَيْرَةَ: واللَّهِ إنَّه بالحَجَرِ نَدَبٌ سِتَّةٌ، أوْ سَبْعَةٌ، ضَرْبُ مُوسَى بالحَجَرِ».
(4)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه مسلم (2128)، وأحمد (8665).
(5)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه البخاري (361) بلفظ: «فإنْ كانَ واسِعًا فَالْتَحِفْ به، وإنْ كانَ ضَيِّقًا فَاتَّزِرْ بهِ».
(6)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه أبو داود (641)، والترمذي (377)، وابن ماجه (655)، وأحمد (25167)، بلفظ: «لا تُقبَلُ صَلاةُ حائِضٍ إلَّا بخِمارٍ» وصححه شعيب الأرناؤوط في تخريج المسند.
(7)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه البخاري معلقًا بصيغة التمريض قبل حديث (371)، وأخرجه موصولا أبو داود (4014)، والترمذي (2795)، وأحمد (15968)وصححه الألباني في صحيح الترمذي.
(8)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه البخاري معلقًا بصيغة التمريض قبل حديث (371)، وأخرجه موصولًا أبو داود (4014)، والترمذي (2795)، وأحمد (15932)وحسنه بشواهده شعيب الأرناؤوط في تخريج المسند.
(9)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه السيوطي وصححه في الجامع الصغير (7838)، وأيضًا حسنه الألباني في إرواء الغليل (271).
(10)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه أبو داود (3140)، وابن ماجه (1460) عن على بن أبي طالب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تُبرِزْ فخِذَك ولا تَنظرْ إلى فخِذِ حيٍّ أو ميِّتٍ».
(11)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه أبو داود (3140) باختلاف يسير، وابن ماجه (1460)، وعبدالله بن أحمد في زوائد المسند (1249)، وقال عنه الألباني في إرواء الغليل: ضعيف جدًا لكن حسنه لغيره شعيب الأرناؤوط في تخريج سنن أبي داود.
(12)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه الترمذي (1173)، والبزار (2061)، وابن خزيمة (1685) مطولًا، صححه الألباني في إرواء الغليل (273).
(13)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه ابن أبي حاتم (10/ 3154)، والطبري (20/324) وانظر: تفسير ابن كثير (3/283).
(14)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه أبو داود (1833)، وابن ماجه (2935)، وأحمد (24021)، ضعف إسناده شعيب الأرناؤوط في تخريج المسند (24021)، وحسن إسناده الألباني في الشواهد في جلباب المرأة (108).
(15)
العودة إلى موضع الحاشيةحسنه النووي في المجموع (4/440)، وصححه ابن حزم في المحلى (7/421).
(16)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه البخاري (5632)، ومسلم (2067).
(17)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه البخاري (5885) باختلاف يسير.
(18)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه مسلم (2090).
(19)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه البخاري (2919)، ومسلم (2076)عن أنس بن مالك بلفظ: «أنَّ الزُّبَيرَ بنَ العَوَّامِ وعبدَ الرحمنِ بنَ عَوفٍ شَكَوَا إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم القَملَ، فرَخَّصَ لهما في قميصِ الحريرِ في غَزاةٍ لهما».
(20)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه البخاري (359) بلفظ: «لَا يُصَلِّي أحَدُكُمْ في الثَّوْبِ الوَاحِدِ ليسَ علَى عَاتِقَيْهِ شيءٌ».
(21)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه البخاري (361) بلفظ: «فإنْ كانَ واسِعًا فَالْتَحِفْ به، وإنْ كانَ ضَيِّقًا فَاتَّزِرْ بهِ».
(22)
العودة إلى موضع الحاشيةنفس المرجع السابق.
(23)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه البخاري (7288)، ومسلم (1337).
(24)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه البخاري (6251)، ومسلم (397).
(25)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه البخاري (307) عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها بلفظ: «سَأَلَتِ امْرَأَةٌ رَسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقالَتْ: يا رَسولَ اللَّهِ، أرَأَيْتَ إحْدَانَا إذَا أصَابَ ثَوْبَهَا الدَّمُ مِنَ الحَيْضَةِ كيفَ تَصْنَعُ؟ فَقالَ رَسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : إذَا أصَابَ ثَوْبَ إحْدَاكُنَّ الدَّمُ مِنَ الحَيْضَةِ فَلْتَقْرُصْهُ، ثُمَّ لِتَنْضَحْهُ بمَاءٍ، ثُمَّ لِتُصَلِّي فِيهِ».
(26)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه البخاري في صحيحه (6025) بلفظ: «أنَّ أعْرَابِيًّا بَالَ في المَسْجِدِ، فَقَامُوا إلَيْهِ، فَقَالَ رَسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : لا تُزْرِمُوهُ ثُمَّ دَعَا بدَلْوٍ مِن مَاءٍ فَصُبَّ عليه».
(27)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه مسلم (126).
(28)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه ابن ماجه (2045)، وابن حبان (7219) واللفظ له، وصححه الألباني بمجموع طرقه في تخريج مشكاة المصابيح.
(29)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه البخاري (6669)، ومسلم (1155)، والنسائي في السنن الكبرى (3275)، وابن ماجه (1673)، وأحمد (10348) واللفظ له.
(30)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه أبو داود (650) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه بلفظ: «بينَما رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يصلِّي بأصحابِهِ إذ خلعَ نعليهِ فوضعَهُما عن يسارِهِ فلمَّا رأى ذلِكَ القومُ ألقوا نعالَهُم فلمَّا قضى رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صلاتَهُ قالَ ما حملَكُم علَى إلقاءِ نعالِكُم قالوا رأيناكَ ألقيتَ نعليكَ فألقينا نعالَنا فقالَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إنَّ جبريلَ عليه السلام أتاني فأخبرَني أنَّ فيهِما قذرًا - أو قالَ أذًى - وقالَ إذا جاءَ أحدُكُم إلى المسجدِ فلينظُر فإن رأى في نعليهِ قذرًا أو أذًى فليمسَحهُ وليصلِّ فيهِما»، صححه الألباني في صحيح أبي داود.
(31)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه أحمد (22137)، والبيهقي (1059) بلفظ: «جُعِلَتِ الأرضُ كُلُّها لي ولأمتي مَسْجِدًا وطَهُورًا فأينما أَدْرَكَتْ رجلًا من أمتي الصلاةُ فعنده مَسْجِدُهُ وعنده طَهورُه»، وصححه الألباني في إرواء الغليل.
(32)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه البخاري (437)، ومسلم (530).
(33)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه أبو داود (493)، والترمذي (81)، وابن ماجه (494) مختصرًا، وأحمد (18725) مطولًا باختلاف يسير، وحسن إسناده ابن عبدالبر في التمهيد (22/333) عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: «سُئل رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عن الصَّلاةِ في مَبارِكِ الإبلِ فقال :لا تُصلُّوا في مَبارِكِ الإبلِ فإنَّها من الشَّياطينِ، وسُئل عن الصَّلاةِ في مِراحِ الغنمِ، فقال: صلُّوا فيها فإنَّها برَكةٌ».
(34)
العودة إلى موضع الحاشيةضعفه الألباني في إرواء الغليل (274).