تجاوز إلى المحتوى

شرح عمدة الفقه

الدرس العشرون — كِتَابُ الصَّلَاَةِ، بَابُ صَلَاَةِ التَّطَوُّعِ - السّننُ الرَّوَاتِبُ

ملفات PDF ١ ملف

دروس جامع الموسى كاملاعرض PDF ↗تنزيل PDF٤٫١ م.ب
الفقرة ١ من ١٨

النص المقروء

عناوين هذا الدرس
  1. الدَّرْسُ الْعُشْرُون
  2. كِتَابُ الصَّلَاَةِ
  3. بَابُ صَلَاَةِ التَّطَوُّعِ - السّننُ الرَّوَاتِبُ

[الدَّرْسُ الْعُشْرُون]

رابط الفقرة 1

[كِتَابُ الصَّلَاَةِ]

رابط الفقرة 2

[بَابُ صَلَاَةِ التَّطَوُّعِ - السّننُ الرَّوَاتِبُ]

رابط الفقرة 3

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك وأكرم وأنعم على خيرة خلقه وأفضل أنبيائه ورسله نبينا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.

رابط الفقرة 4

أما بعد؛ أيها الإخوة الأكارم سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وحياكم الله في العشرون من شرح كتاب الصلاة من عمدة الفقه للإمام «الموفق ابن قدامة رحمه الله ».

رابط الفقرة 5

قال الموفق رحمه الله ابن قدامة:

رابط الفقرة 6

بَابُ صَلاةِ التَّطَوُّعِ

رابط الفقرة 7

وَهِيَ عَلَى خَمْسَةِ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا: السُّنَنُ الرَّاتِبَةُ وَهِيَ الَّتِيْ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: عَشْرُ رَكَعَاتٍ، حَفِظْتُهُنَّ مِنْ رَسُوْلِ اللهِ صلى الله عليه وسلم : رَكْعَتَانِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ المَغْرِبِ فِيْ بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الْعِشَاءِ فِيْ بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَانِ قَبْلَ الْفَجْرِ، وحَدَّثَتْنِيْ حَفْصَةُ أَنْ رَسُوْلَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذا طَلَعَ الْفَجْرُ وَأَذَّنَ المُؤَذِّنُ، صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا آكَدُهَا، وَيَسْتَحَبُّ تَخْفِيْفُهُمَا، وَفِعْلُهُمَا فِي الْبَيْتِ أَفْضَلُ، وَكَذلِكَ رَكْعَتَا المَغْرِبِ.

رابط الفقرة 8

هذا الباب في بيان أحكام صلاة التطوع، ذكره رحمه الله عقب سجود السهو؛ لأن هذا جابرٌ كما أن سجود السهو جابر، وقد سبقت الإشارة أن الجوابر ثلاثة، أولها: الاستغفار عقب السلام ثلاثًا، وثانيها: سجود السهو سواءً كان في صلب الصلاة أو بعد السلام، وثالثها: صلاة التطوع، ومن فضل الله وجوده وكرمه وإحسانه على عباده أنه شرع من جنس العبادات المفروضات تطوعات، فتجد أن ثمة صلاة تطوع، وصدقة تطوع، وصيام تطوع، وحج تطوع، وجهاد تطوع، وذلك ليرفأ ويجبر ما كان من نقص أو قصور أو تقصير في تلك الفرائض وليرفع الدرجات.

رابط الفقرة 9

قال رحمه الله : (بَابُ صَلاةِ التَّطَوُّعِ) أضاف الصلاة هنا إلى التطوع فإنه نوع من أنواعها، إذ الصلاة جنسٌ لها أنواع: منها الصلوات المفروضة، ومنها الصلوات المسنونة، وأصل التطوع فعل الطاعة أو فعل الطاعة غير الواجبة، فقد اختلف الأئمة رحمهم الله في أفضل التطوعات، قبل أن نذكر التطوع في الصلاة، ما أفضل ما يتطوع به العبد من الطاعات والقربات؟ ذهب الإمام أحمد رحمه الله إلى أن أفضل ما يتطوع به العبد الجهاد في سبيل الله، ثم النفقة فيه، ثم تعلم العلم وتعليمه، ثم الصلاة، وذهب الإمام الشافعي رحمه الله إلى أن أفضل ما يتطوع به العبد الصلاة، وذهب الإمام أبو حنيفة ومالك رضي الله عنهما ورحمهما وجميع أئمة المسلمين إلى أن أفضل ما يتطوع به العبد العلم تعلمٌ وتعليمًا، والمتأمل لهذه الأقوال الثلاثة والأدلة التي استدل بها الأئمة يصل إلى فضيلة هذه العبادات وشرفها، والصحيح أن ذلك يختلف باختلاف كل فرد بحسبه فربما كان الجهاد أفضل لبعض الناس، وربما كان طلب العلم وتعليمه أفضل لبعض الناس، وربما كانت العبادات البدنية أفضل لبعض الناس، ولهذا اختلف جوابه صلى الله عليه وسلم لما سئل في أكثر من حديث عن أفضل العبادات وأفضل الطاعات، بابنا في صلاة التطوع، ذكر رحمه الله أنها على خمسة أضرب أي على خمسة أنواع، وبدأها بالسنن الرواتب مع أن ثمة ما هو آكد من السنن الرواتب لكنه قسمها على تقسيمٍ رآه، وهو أن يبدأ بالصلاة التي لا يسن فيها الاجتماع مثل الرواتب، ثم ثنى بالوتر، ثم ذكر الصلوات التي يشرع فيها الاجتماع كالتراويح والاستسقاء والكسوف، وعلى كل لا مشاحة في الاصطلاح، آكد صلوات التطوع ما قال بعض أهل العلم بوجوبه، فما اختلف في وجوبه آكد مما لم يختلف في وجوبه، ومما اختلف في وجوبه أي الوتر فذهبت الحنفية إلى وجوبه، ومما اختلف في وجوبه السنن الرواتب ذهب الحسن البصري رحمه الله إلى وجوبها، وسيأتي الكسوف أنه أيضًا من آكدها، وأن جمع من أهل العلم أوجبه عند حصول سببه.

رابط الفقرة 10

قال رحمه الله : (أَحَدُهَا: السُّنَنُ الرَّاتِبَةُ) هذه الرواتب المرتبطة بالصلوات المفروضات، سميت رواتب؛ لمداومته صلى الله عليه وسلم على فعلها ولاختصاصها بأحكامٍ دون غيرها، منها: أنه يسن قضاءها، قال: (وَهِيَ الَّتِيْ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: عَشْرُ رَكَعَاتٍ، حَفِظْتُهُنَّ مِنْ رَسُوْلِ اللهِ صلى الله عليه وسلم : -هذا بالاتفاق بين الأئمة وبين أهل العلم أن الرواتب عشرٌ- رَكْعَتَانِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ المَغْرِبِ فِيْ بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الْعِشَاءِ فِيْ بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَانِ قَبْلَ الْفَجْرِ) لهذا الحديث المخرج في الصحيحين، وقد حفظ ابن عمر وهو من هو في ملازمته للنبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يحافظ ويداوم على عشر ركعات، ذكر في هذه الركعات، قال: وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ المَغْرِبِ فِيْ بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الْعِشَاءِ فِيْ بَيْتِهِ، وهذا يدل على عظم شأن الصلاة في البيت، وقد جاء الأمر الصريح بأداء الصلاة غير المفروضة في البيت، وقال صلى الله عليه وسلم : «أفضلُ صلاةِ المرءِ في بيتِهِ إلَّا المَكتوبةَ»() [الحديث متفق عليه]، وقال: «اجْعَلُوا مِن صَلاتِكُمْ في بُيُوتِكُمْ، ولا تَتَّخِذُوها قُبُورًا»()، إذ القبور لا يصلى فيها، فمن لا يصلي في بيته فقد جعل بيته كالقبر أو كالمقبرة، هذا الحديث فيه عشر ركعات، وقد رواه ابن عمر رضي الله عنهما وروت أخته حفصة أم المؤمنين رضي الله عنها وعن أبيها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَن صلَّى كلَّ يومٍ وليلةٍ ثِنْتَيْ عشرةَ ركعةً تطوعًا؛ بُنِيَ له بيتٌ في الجنةِ»() [رواه الإمام مسلم]، وجاء في رواية تفسيرها وتفصيلها، أربعٌ قبل صلاة الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الفجر، فاتفقت رواية حفصة مع رواية أخيها غير أن في رواية حفصة زيادة ركعتين قبل الظهر، جاء في الصحيح عن أم المؤمنين عائشة: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي أربعًا في بيتها قبل الظهر»()، قال العلامة ابن القيم في الجمع بين هذه الأحاديث: فيحتمل أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي أربعًا في البيت وإن صلى في المسجد صلى ركعتين هذا احتمال، الاحتمال الثاني: أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي تارةً أربعًا ويصلي تارةً ثنتين، والاحتمال الثالث: قال أن هذه الأربع ليست من الرواتب؛ لما ثبت في الصحيح من حديث عبد الله بن السائب: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كانَ النَّبيُّ يُصَلِّي أرْبَعَ رَكَعاتٍ إذا زالَتِ الشَّمْسُ، ويقول: إن هذه ساعةٌ تُفتَحُ فيها أبْوابُ السَّماءِ، فأُحِبُّ أن يَصعَدَ لي فيها عَمَلٌ صالِحٌ»().

رابط الفقرة 11

الخلاصة من هذا كله، أنه ينبغي للموفق أن يحافظ على ثنتي عشرة ركعة، أولًا: لأن الأحاديث فيها صحيحة، في حديث حفصة عند مسلم، وحديث أم المؤمنين في الصحيح عند البخاري: «أنه كان صلى الله عليه وسلم يصلي أربعًا» ولأن فيه زيادة عمل، وفيه بشرى من الهادي صلى الله عليه وسلم بأن يبني الله لمن حافظ وداوم عليها بيت في الجنة، يبني الله بيتًا له في الجنة، هذا فضل عظيم ويعرفه أهل الدنيا اليوم، كم ينفق الإنسان من مالٍ وجهد ليبني له بيتًا يسكنه أو لا يسكنه، أما بيت الآخرة ولموضع صوت أحدكم في الجنة خيرٌ من الدنيا وما فيها، فإنه يُبنى من الآن بالمحافظة على هذه الرواتب وعدم الإخلال بها حتى إذا فاتته قضاها، فالمحافظة عليها تجبر ما صار في الصلاة وكان من نقص ترفع الدرجات، وقد قال صلى الله عليه وسلم : «اسْتَقيموا ولنْ تُحْصوا، واعْلَموا أنَّ خيرَ أعمالِكم الصَّلاةُ»() وأخبر أن العبد إذا سجد لله سجدة فإنه يرفعه بها درجة ويحط عنه خطيئة() ولهذا الذي يحافظ على الرواتب الثنتي عشرة ركعة يصلي في السنة أربعة آلاف وثلاثمائة ركعة أو نحوها، واضرب كل ركعة فيها سجدتان فيسجد لله ما شاء الله هذه السجدات، كل سجدة ترفع درجة وتحط سيئة، ذلك فضل الله فليستعن العبد على هذا وليحافظ عليه، وهذا سر من أسرار الرواتب، وقد كان صلى الله عليه وسلم إذا عمل عملًا أثبته، ولما سئلت أم المؤمنين عن أحب الأعمال للنبي صلى الله عليه وسلم قالت الدائم()، ولما دخل صلى الله عليه وسلم الجنة سمع دف نعل بلال رضي الله عنه سأله عن السبب، فذكر مداومة على عمل صالح، قال: إني ما توضأت في ساعة من ليل أو نهار إلا صليت لله ما كتب الله أن أصلي()، فالمداومة على العمل الصالح تكون سبيلًا وسببًا لنيل أعلى الدرجات.

رابط الفقرة 12

قال رحمه الله : (وحَدَّثَتْنِيْ حَفْصَةُ أَنْ رَسُوْلَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذا طَلَعَ الْفَجْرُ وَأَذَّنَ المُؤَذِّنُ، صَلَّى رَكْعَتَيْنِ) هاتين آكد الرواتب، ولهذا لم يكن صلى الله عليه وسلم على شيء أشد تعاهدًا منه على ركعتي الفجر كما ثبت في الصحيحين عن أم المؤمنين عائشة()، وقالت رضي الله عنها كما عند مسلم: «رَكْعَتَا الفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَما فِيهَا»().

رابط الفقرة 13

قد اختلف أهل العلم في المفاضلة بينها وبين الوتر على قولين مشهورين، وذلك أن كل واحدةٍ منهما جاء في فضلها أحاديث، وكل واحدة منهما، أعني الوتر وراتبة الفجر قال بعض أهل العلم بوجوبها، وهذا الخلاف يدلنا على فضيلتهما وأنه صلى الله عليه وسلم كان يداوم عليهما ولم يكن يتركهما، قال رحمه الله : (وَهُمَا آكَدُهَا) إذن آكد الرواتب التي لم يكن صلى الله عليه وسلم يدعها حضرًا ولا سفرًا راتبة الفجر، ولهذا إذا سافر المسلم سفرًا يقصر فيه الصلاة فإنه يحافظ على راتبة الفجر وعلى الوتر وعلى السنن المطلقة كسنة الوضوء وسنة الضحى، لكن الرواتب المرتبطة بالفرائض كراتبة الظهر والمغرب والعشاء يتركها إذا كان سيقصر الصلاة، فإنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يصلي الرواتب إذا قصر، كما كان في منى يقصر الصلاة ولم يرد عنه صلى الله عليه وسلم أنه جاء براتبة، إذن من خصائص راتبة الفجر المداومة عليها والمحافظة حتى ذهب الحسن البصري إلى وجوبها.

رابط الفقرة 14

قال رحمه الله : (وَيَسْتَحَبُّ تَخْفِيْفُهُمَا) لما ثبت في الصحيحين من حديث أم المؤمنين عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخففهما حتى أقول هل قرأ أم الكتاب أو لم يقرأ()، ذهب الجمهور من أهل العلم أخذًا بهذا الحديث إلى أن السنة التخفيف مع قراءة الفاتحة وسورة أو آية، إما سورة الكافرون والإخلاص، وإما آية البقرة وآل عمران كما سيأتي، وفهموا من حديث أم المؤمنين عائشة التخفيف النسبي، وذهبت الحنفية وهذا قول غريب عندهم إلى تطويلهما جدًا؛ لأنهم يرون تأخير صلاة الفجر إلى نصفها وهو قول ضعيف كما تقدم في بيان مواقيت الصلاة، وذهب الإمام مالك إلى أنه يقتصر على قراءة الفاتحة فقط، والصحيح على ما عليه جمهور أهل العلم أنه يقرأ الفاتحة وسورة إما الكافرون والإخلاص، وإما آية البقرة وآل عمران، قال: (وَفِعْلُهُمَا فِي الْبَيْتِ أَفْضَلُ) لأن حديث حفصة صريح في هذا، ولعمومات الأمر بالصلاة غير المكتوبة في البيوت، وجاء في حديث ابن عمر تسمية ركعتي المغرب والعشاء في البيت والنص عليها، وهذه القاعدة مستمرة إلا ما يسن الاجتماع له كالتراويح والاستسقاء والكسوف.

رابط الفقرة 15

قال رحمه الله : (وَكَذلِكَ رَكْعَتَا المَغْرِبِ) يعني تليها في الرتبة من حيث التأكيد وهي مثلها في التخفيف، ومثلها في ما يسن في القراءة من سورة الكافرون وسورة الإخلاص، يسن قراءتهما، وقد كان صلى الله عليه وسلم أكثر ما يقرأ فيهما بهاتين السورتين، وكذلك في ركعتي الطواف؛ لأنهما تضمنتا التوحيد بأنواعه، التوحيد العلمي والعملي، توحيد الإرادة والقصد والطلب والعمل، كل أنواع التوحيد مجتمعة في هاتين السورتين، فسورة الإخلاص فيها العلمي، فيها ذكر صفات المولى جل شأنه وما ينبغي له جل شأنه وما ينزه عنه من الشبيه والمثيل والولد والند، وفي سورة الكافرون توحيد العمل توحيد القصد تنزيه الله جل شأنه أن يكون له ند في العبودية أو الألوهية، فكانت قراءة هاتين السورتين وافتتاح النهار واختتامه بهما تثبيت لهذه العقيدة وتثيبت لهذا التوحيد، ولهذا كان آكد الصلوات ما يفتتح به الصلاة صبحًا راتبة الفجر وما يختم به الصلاة قبل المنام وهي الوتر، فكانت آكد وكان يقرأ فيها هاتين السورتين وكذلك تقرآن في ركعتي المغرب وتقرآن في ركعتي الطواف، مما يسن في ركعتي الفجر الاضطجاع بعدهما، قد ثبت في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم كان يضطجع()، ومع هذا اختلف أهل العلم حتى ذهب الشوكاني في النيل إلى أن أهل العلم اختلفوا فيه على ستة أقوال وهذا من عناية أهل العلم في البحث عن كل ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فذهب بعضهم من الصحابة والتابعين والفقهاء السبعة إلى أنه سنة، وهذا هو الصحيح مع قيدٍ يأتي، وذهب آخرون إلى الوجوب وهم الظاهرية، قالوا: يجب واحتجوا بفعله وأمره؛ لأنه جاء في الحديث عند الإمام أحمد وأبي داود أنه أمر بالاضطجاع()، قالوا: والأمر للوجوب، وذهب آخرون إلى أن الاضطجاع مكروه بل حكموا بالبدعة، وذهب آخرون إلى أنه خلاف الأولى، وذهب آخرون إلى التفريق بين من كان يقوم الليل فيسن له أن يضطجع، ومن لم يقم الليل لا يضطجع، وذهب آخرون إلى أن المقصود بهذا بالاضطجاع مجرد الفصل بين النافلة أو الراتبة والفريضة، والصحيح أنها سنة إذا احتاج إليها، وكان صلى الله عليه وسلم يضطجع على شقه الأيمن كما قال العلامة ابن القيم ليبقى مستيقظًا غير مستغرق، فإن القلب في الجهة اليسرى فلو اضطجع على شقه الأيسر استغرق في منامه وحصل له التعب والسكون والنوم الطويل، وهذا هديه في النوم دائمًا ينام على شقه الأيمن ليبقى مستيقظًا أو منتبهًا أكثر من حال الاستغراق لو نام على شقه الأيسر، نقول: إذا احتاج ينام لكن بشرط أن لا يستغرق بهذه النومة فينتقض وضوئه أو تفوته تكبيرة الإحرام في الفجر أو تفوته الجماعة أو يفوته الوقت، إنسان يقول: والله أنا طبقت السنة لكني ما انتبهت إلا والشمس طلعت، نقول: هذا حرمان، فلا تطبق سنة ستفضي بك إلى تفويت تكبيرة الإحرام فضلًا عن الجماعة أو الوقت، إذا كنت تخشى فلا تنام، أم المؤمنين عائشة تقول إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يضطجع وإن كنت مستيقظة حدثني، يعني كأنه أحيانًا وأحيانًا، إن وجدها رضي الله عنها مستيقظة صلى الركعتين ثم حدثها قليلًا ثم انطلق للصلاة صلوات ربي وسلامه عليه، وإن لم يجدها مستيقظة اضطجع اضطجاعةً يسيرة.

رابط الفقرة 16

من خصائص السنن الرواتب أنها تُقضى، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قضاها مع أصحابه في راتبة الفجر، لما انصرف صلوات ربي وسلامه عليه من خيبر إلى المدينة عرّس في بعض الطريق ونام هو وأصحابه، وكانوا مرهقين متعبين من سفر وغزو، وأمر من يرقب لهم الفجر فغلبته عينه رضي الله عنه ونام ولم يستيقظوا إلا من حر الشمس، فأمرهم صلى الله عليه وسلم أن يرحلوا من هذا الوادي الذي حضرهم فيه الشيطان، ثم أذن مؤذن وصلوا الراتبة ثم أقيمت الصلاة فصلى الفجر()، فدل على القضاء لأنه الآن الصلاة والراتبة كلها بعد طلوع الشمس، فهذا قضاء ثابت في الصحيح وقضى صلوات ربي وسلامه عليه راتبة الظهر بعد العصر، وهذا ثابت في الصحيح أيضًا، في حديث أم سلمة أنه صلى الله عليه وسلم جاءه وفدٌ شغلوه من صلاة الظهر فلم يفق حتى دخل وقت العصر فلما صلى العصر صلى راتبة الظهر البعدية()، هل هذا خاص به صلى الله عليه وسلم أو عام للأمة، «سألته أم سلمة، أنقضيها يا رسول الله؟ قال: لا»() [الحديث عند الإمام أحمد، وقد جوده سماحة شيخنا ابن باز قال جيد إسناده]، فدل على أن القضاء في وقت النهي محل خلاف بينهم، من قضى أخذًا بفعله صلى الله عليه وسلم فلا يثرب عليه ولا ينكر عليه، ومن لم يقضِ استنادًا لرواية أم سلمة لما سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله لا، يعني كأنه اختص صلى الله عليه وسلم هذا في القضاء في وقت النهي، أما في غير وقت النهي فلا خلاف بين أهل العلم أنها تقضى، يعني إنسان فاتته السنة القبلية لصلاة الفجر فإن السنة أن يقضيه ولا يتركها، وأفضل وقت للقضاء بعد ارتفاع الشمس قيل يعني وقت الضحى هذا أفضل، لكن إذا كان سينام أو يذهب لعمل أو ينسى فإنه يصليها عقب الصلاة وإن كان وقت نهي فإنها من ذوات الأسباب، وقد أقر صلى الله عليه وسلم قيسًا لما صلاها بعد الفجر، فعُلم أن من صلاها بعد الفجر ولو كان وقت نهيٍ أن هذه من ذوات الأسباب، وكذلك لو دخل المسجد والناس يصلون الظهر، فاتته راتبة الظهر القبلية فليصليها ويقضيها عقب صلاة الظهر، الخلاف في قضائها في وقت النهي.

رابط الفقرة 17

أسأل ربي بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يوفقنا جميعًا لما يحب ويرضى، وأن يأخذ بنواصينا للبر والتقوى، وأن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، وأن يجعل ما تعلمناه وسمعناه حجة لنا لا حجة علينا، إن ربي قريب مجيب ودود وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

رابط الفقرة 18

الحواشي

  1. (1)

    أخرجه البخاري (7290)، ومسلم (781)، وأبو داود (1447)، والنسائي (1599)، وأحمد (21624) واللفظ له.

    العودة إلى موضع الحاشية
  2. (2)

    أخرجه البخاري (432)، ومسلم (777).

    العودة إلى موضع الحاشية
  3. (3)

    أخرجه مسلم (728) أوله في أثناء حديث، وأبو داود (1250)، وابن ماجه (1141)، وأحمد (26768) مختصرًا، والترمذي (415)، والنسائي (1802) باختلاف يسير.

    العودة إلى موضع الحاشية
  4. (4)

    أخرجه مسلم (730) أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها سُئلت عن تطوع النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: «كانَ يُصَلِّي في بَيْتي قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعًا».

    العودة إلى موضع الحاشية
  5. (5)

    أخرجه أحمد (23551)، وابن خزيمة (1215)، والطبراني (4/170)(4038) ، وصححه لغيره شعيب الأرناؤوط في تخريج المسند (23551)، ولكن ضعفه جدًا الألباني في السلسلة الضعيفة (5052).

    العودة إلى موضع الحاشية
  6. (6)

    أخرجه ابن ماجه (277)، وأحمد (22436)، والحديث صححه الألباني في تمام المنة (234).

    العودة إلى موضع الحاشية
  7. (7)

    أخرجه الترمذي (388)، والنسائي (1139)، وابن ماجه (1423)، وأحمد (22411) عن ثوبان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما مِن عبدٍ يَسجُدُ للهِ سَجدةً، إلَّا رَفَعَه اللهُ بها دَرجةً، وحَطَّ عنه بها خَطيئةً»، والحديث صححه الألباني في صحيح الترمذي (388).

    العودة إلى موضع الحاشية
  8. (8)

    أخرجه النسائي (1615) عن مسروق بن الأجدع أنه سأل أم المؤمنين عائشة رضي الله عنه : «أيُّ الأعمالِ أحبُّ إلى رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ؟ قالت الدَّائم»، والحديث صححه الألباني في صحيح النسائي (1615).

    العودة إلى موضع الحاشية
  9. (9)

    أخرجه البخاري (1149)، ومسلم (2458) عن أبي هريرة رضي الله عنه «أن رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِبِلَالٍ: عِنْدَ صَلَاةِ الغَدَاةِ يا بلَالُ حَدِّثْنِي بأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ عِنْدَكَ في الإسْلَامِ مَنْفَعَةً، فإنِّي سَمِعْتُ اللَّيْلَةَ خَشْفَ نَعْلَيْكَ بيْنَ يَدَيَّ في الجَنَّةِ، قالَ بلَالٌ: ما عَمِلْتُ عَمَلًا في الإسْلَامِ أَرْجَى عِندِي مَنْفَعَةً، مِن أَنِّي لا أَتَطَهَّرُ طُهُورًا تَامًّا، في سَاعَةٍ مِن لَيْلٍ وَلَا نَهَارٍ، إلَّا صَلَّيْتُ بذلكَ الطُّهُورِ، ما كَتَبَ اللَّهُ لي أَنْ أُصَلِّيَ».

    العودة إلى موضع الحاشية
  10. (10)

    أخرجه البخاري (1169) عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: «لَمْ يَكُنِ النبيُّ صلى الله عليه وسلم علَى شيءٍ مِنَ النَّوَافِلِ أشَدَّ منه تَعَاهُدًا علَى رَكْعَتَيِ الفَجْرِ».

    العودة إلى موضع الحاشية
  11. (11)

    أخرجه مسلم (725).

    العودة إلى موضع الحاشية
  12. (12)

    أخرجه البخاري (1171) عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: «كانَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم يُخَفِّفُ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ حتَّى إنِّي لَأَقُولُ: هلْ قَرَأَ بأُمِّ الكِتَابِ؟».

    العودة إلى موضع الحاشية
  13. (13)

    أخرجه البخاري (1160) عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: «كانَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إذَا صَلَّى رَكْعَتَيِ الفَجْرِ اضْطَجَعَ علَى شِقِّهِ الأيْمَنِ».

    العودة إلى موضع الحاشية
  14. (14)

    أخرجه أبو داود (1261)، والترمذي (420) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا صلى أحدكُم ركعتي الفجرِ فليَضْطَجِع على يمينِهِ»، والحديث صححه الترمذي، وأيضًا صححه الألباني في صحيح الترمذي (420).

    العودة إلى موضع الحاشية
  15. (15)

    أخرجه أبو داود (443) عن عمران بن حصين رضي الله عنه : «أنَّ رَسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كانَ في مَسيرٍ له، فناموا عن صَلاةِ الفَجْرِ، فاسْتَيْقَظوا بحَرِّ الشَّمْسِ، فارْتَفَعوا قَليلًا، حتَّى اسْتَقَلَّتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ أمَرَ مُؤَذِّنًا فأَذَّنَ، فصلَّى رَكْعتَينِ قَبْلَ الفَجْرِ، ثُمَّ أقامَ، ثُمَّ صلَّى الفَجْرَ»، والحديث صححه الألباني في صحيح أبي داود (443).

    العودة إلى موضع الحاشية
  16. (16)

    أخرجه البخاري (1233) عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا بنْتَ أبِي أُمَيَّةَ، سَأَلْتِ عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ العَصْرِ، وإنَّه أتَانِي نَاسٌ مِن عبدِ القَيْسِ، فَشَغَلُونِي عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ، فَهُما هاتانِ».

    العودة إلى موضع الحاشية
  17. (17)

    أخرجه أحمد (26678)، وأبو يعلى (7028)، وابن حبان (2653) عن أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت: «صلَّى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم العصرَ، ثم دخل بيتي فصلَّى ركعتين. فسألتُه؟ فقال: شُغلتُ عن ركعتين بعد الظهرِ، فصلَّيتُهما الآن فقالت: أفنقضيهما إذا فاتتا؟ قال: لا»، والحديث جود إسناده ابن باز في حاشية بلوغ المرام (158).

    العودة إلى موضع الحاشية