شرح عمدة الفقه
الدرس الحادي والعشرون — كِتَابُ الصَّلَاَةِ، بَابُ صَلَاَةِ التَّطَوُّعِ - الوِتْرُ - التَّطَوُّع المُطْلَق
ملفات PDF ١ ملف
النص المقروء
عناوين هذا الدرس
[الدَّرْسُ الحَادِي والْعُشْرُون]
رابط الفقرة 1[كِتَابُ الصَّلَاَةِ]
رابط الفقرة 2[بَابُ صَلَاَةِ التَّطَوُّعِ - الوِتْرُ - التَّطَوُّع المُطْلَق]
رابط الفقرة 3الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.
رابط الفقرة 4أما بعد؛ أيها الإخوة الأكارم سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وحياكم الله في الدرس الحادي والعشرين من دروس شرح كتاب الصلاة من عمدة الفقه للإمام الموفق «ابن قدامة رحمه الله » قد شرعنا في الدرس الماضي في باب صلاة التطوع، وانتهينا من الكلام على السنن الرواتب.
رابط الفقرة 5قال رحمه الله :
رابط الفقرة 6الضَّرْبُ الثَّانِيْ: الْوِتْرُ، وَوَقْتُهُ: مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَالْفَجْرِ، وَأَقَلُّهُ: رَكْعَةٌ، وَأَكْثَرُهُ: إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، وَأَدْنَى الكَمَالِ: ثَلاثٌ بِتَسْلِيْمَتَيْنِ، وَيَقْنُتُ فِي الثَّالِثَةِ بَعْدَ الرُّكُوْعِ.
رابط الفقرة 7هذا الضرب الثاني والنوع الثاني من صلاة التطوع وهو من آكدها، والمراد بالوتر: الركعة المنفصلة عما قبلها، ويطلق على الركعات مجتمعاتٍ إذا لم يفصل بينهن بسلام، فمن صلى ركعتين ركعتين ثم ختم بركعة فالركعة الأخيرة هي الوتر، ومن صلى ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا أو تسعًا بتسليمٍ واحدٍ، فإن الوتر يطلق على الجميع.
رابط الفقرة 8قال رحمه الله : (الْوِتْرُ) وقد اختلف أهل العلم في حكم الوتر على قولين مشهورين:
رابط الفقرة 9القول الأول: مذهب جمهور أهل العلم من المالكية والشافعية والحنابلة أنه سنة مؤكدة.
رابط الفقرة 10والمذهب الثاني: مذهب أبي حنيفة وهو أن الوتر واجبٌ.
رابط الفقرة 11وتوسط شيخ الإسلام رحمه الله بين القولين فقال بوجوبه على من قام الليل وكأنه يقول من قام الليل يختم بوتر وهذا أمرٌ سهلٌ يسير، فإن من قام الليل سيختم بوترٍ، فوجوبه على من قام الليل أمرٌ أو تحصيل حاصل.
رابط الفقرة 12الذين أوجبوه استدلوا بنصوصٍ جاءت في الأمر به كقوله صلى الله عليه وسلم : «الوتر حقٌ، فمن أحب أن يوتر بثلاثٍ فليوتر، ومن أحب أن يوتر بخمسٍ فليوتر، ومن أحب أن يوتر بسبعٍ فليوتر»(1) فأخذوا من قوله صلى الله عليه وسلم : «الوتر حقٌ» أي واجبٌ، والجمهور يقولون: بل يدل على تأكده لا على وجوبه؛ لأن النصوص الأخرى تدل على عدم الوجوب إلا الصلوات الخمس المكتوبات، كما استدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم : «يَا أهْلَ القُرْآنِ أَوْتِروا؛ فإنَّ اللهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الوِتْرَ»(2) وهذا كسابقه فيه التأكيد العظيم وبيان الشرف والفضل للوتر ولأهل القرآن، والذي يدل على عدم وجوبه ما اشتهر من حديث طلحة بن عبيد الله في الرجل الثائر الرأس من أهل نجد الذي جاء يسأل النبي صلى الله عليه وسلم ما فرض الله عليه من الصلوات، فقال: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ في اليَومِ واللَّيْلَةِ»(3) قال: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليها ولا أنقص، قال صلى الله عليه وسلم : «دخل الجنة»، وفي رواية: «أفلح إن صدق» [والحديث متفق عليه] قالوا: فدل على أنه لا يجب سوى الخمس، وإن كان من أهل العلم من يوجب سواها ويقول: إن حديث طلحة في الصلوات الواجبات والمفروضات في اليوم والليلة، كما يستدلون على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوتر على الراحلة، ومعلومٌ أنه لم يكن يصلي الفريضة على الراحلة، فدل على أن الوتر ليس مفروضًا، وعلى كلٍ فإنه متأكدٌ جدًا ولا ينبغي للمؤمن أن يتركه، ولهذا قال الإمام أحمد رحمه الله : «من تعمد ترك الوتر فهو رجل سوء لا ينبغي أن تقبل له شهادة»، وهذا الكلام من الإمام رحمه الله يحفز الهمم ويرغب أصحاب الإيمان أن يهتموا ويعتنوا بقيام الليل عامة وبالوتر خاصة، وجاء مثله في من ترك الرواتب، وهذا يدل على أن أصحاب الإيمان وأصحاب الهمم العلية الراغبة فيما عند الله والدار الآخرة لا يزهدون في الوتر ولا في الرواتب زهادةً تجعلهم يتركونها على سبيل الدوام، قد يترك أحيانًا لكنه لا يستمر في الترك، ولهذا إذا تعمد الترك واستمر عليه فهو رجل سوءٍ كما قال الإمام رحمه الله .
رابط الفقرة 13قال رحمه الله : (وَوَقْتُهُ: مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَالْفَجْرِ) ولو جُمعت العشاء مع المغرب، إذن يبدأ وقت الوتر وقيام الليل من بعد صلاة العشاء ولو مجموعةً مع المغرب، كما لو صلى الناس العشاء مع المغرب جمع تقديمٍ لمطر أو لسفر، فإن وقت قيام الليل والتهجد والوتر يبدأ من بعد صلاة العشاء على الصحيح من قولي أهل العلم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم من كل الليل أوتر من أوله ووسطه وأخره(4) كما في الصحيحين من حديث أم المؤمنين عائشة، وقال: «إن الله تفضل عليكم بصلاةٍ من العشاء حتى الفجر الوتر»(5) فدل على أن وقت الوتر وقيام الليل يبدأ من صلاة العشاء، فمتى فرغ المسلم من صلاة العشاء شُرع له أن يوتر.
رابط الفقرة 14قال رحمه الله : (مَا بَيْنَ الْعِشَاءِ وَالْفَجْرِ) فإذا طلع الفجر فقد انتهى قيام الليل والوتر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : «صلاةُ اللَّيلِ مَثنى مَثنى، فإذا خشِيَ أحدُكُم الصُّبحَ فليوتِرْ بواحِدةٍ»(6) لكن لو أذن المؤذن وهو في ركعة الوتر، نقول: يتمها ولا يقطعها بل لو صلى ما كتب الله له ركعتين ركعتين ثم أذن المؤذن قبل أن يفطن، نقول أيضًا: أتمها ركعةً خفيفة، صلي ركعةً خفيفة لكن لا تطيلها ولا تترك الوتر ما دام أنك لم تنتبه إلا على الأذان، قام يصلي آخر الليل وكان يحسب أن الوقت متسعٌ فإذا به يسمع المؤذن، نقول: يختم بركعة يختم بركعة على الصحيح.
رابط الفقرة 15قال رحمه الله : (وَأَقَلُّهُ: رَكْعَةٌ) جاء ذلك في الصحيح وجاء عن عشرة من الصحابة رضي الله عنهم منهم أبو بكرٍ وعمر، فأقل الوتر ركعة وأدنى الكمال ثلاث ركعات والكمال إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً وقيل ثلاث عشر ركعة، وذلك أنه ثبت في الصحيحين من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها : «أنَّ النَّبِي صلى الله عليه وسلم مَا كَانَ يَزِيدُ في رَمَضَانَ ولَا في غيرِهِ علَى إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً»(7)، وثبت في الصحيحين عنها رضي الله عنها : «أنَّه صلى الله عليه وسلم صَلَّى ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً»(8) فمن أهل العلم من قال: إن هاتين الركعتين الزائدتين هما راتبة العشاء، وقيل: هما الركعتان الخفيفتان اللتان يستفتح بهما قيام الليل، وقيل: هما راتبتا الفجر، وقيل: وهو الصحيح أن هذا من باب التنوع، وأنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي إحدى عشرة تارةً وثلاث عشرة تارة.
رابط الفقرة 16قال رحمه الله : (وَأَدْنَى الكَمَالِ: ثَلاثٌ بِتَسْلِيْمَتَيْنِ) لأنه صلى الله عليه وسلم قال: «صلاةُ اللَّيلِ مَثنى مَثنى» ولأن فيها زيادة، فيصلي ركعتين ثم يسلم، ثم يصلي ركعةً ويسلم، هذا أدنى الكمال، ولو جمعها بتسليمٍ واحدٍ صح ذلك؛ لأنه صح عن النبي صلى الله عليه وسلم لكن لا يجلس إلا في أخراهن، فلا يجلس كصلاة المغرب، إذ قد جاء النهي عن أن يتشبه بصلاة المغرب في صلاة الليل، فمن شاء أن يصلي ثلاثًا بتسليمٍ واحدٍ فلا يجلس بعد الركعتين وإنما يكون جلوسه في آخر ركعة ويسلم، وكذلك لو صلى خمسًا له أن يصليهن بتسليمٍ واحدٍ لا يجلس إلا في أخراهن وكذلك في السبع، إذن الثلاث والخمس والسبع وسيأتي في كلام المؤلف في صلاة التراويح، له أن يصليهن بتسليم واحد وتشهد واحد، وأما التسع فإنه جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه يجلس في الثامنة ويسلم ثم يقوم للتاسعة أو يصلي التسع بتسليم واحد لكن يجلس بعد الثامنة(9)، وسيأتي مزيد بيانٍ لهذه الصفات والهيئات في صلاة التراويح التي هي الضرب الرابع من أضرب صلاة التطوع على ترتيب المؤلف رحمه الله .
رابط الفقرة 17قال رحمه الله : (وَيَقْنُتُ فِي الثَّالِثَةِ بَعْدَ الرُّكُوْعِ) أي يدعو وهذا سنة وليس هو الوتر كما يعتقده بعض العامة، فالقنوت هو الدعاء ويطلق على القيام وعلى طول القيام وعلى الدعاء، ومحله بعد الركوع غالبًا لكن صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قنت قبل الركوع وكل ذلك ثابت في الصحيح، ومن ثم فمن أنكر القنوت قبل الركوع فهو محجوج بما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولهذا قال شيخ الإسلام إن هذا كله من باب التنوع فتارة يقنت قبل الركوع وتارة بعده، وقد ذكر المؤلف شيئًا مما ورد في الدعاء في القنوت لعله يأتي مع الكلام على التراويح ويكون ذكره هناك أنسب.
رابط الفقرة 18قال رحمه الله : (الضَّرْبُ الثَّالِثُ: التَّطَوُّعُ المُطْلَقُ، وَتَطَوُّعُ اللَّيْلِ أَفْضَلُ مِنْ تَطَوُّعِ النَّهَارِ، وَالنِّصْفُ الأَخِيْرُ أَفْضَلُ مِنَ الأَوَّلِ، وَصَلاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، وَصَلاةُ الْقَاعِدِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلاةِ الْقَائِمِ) هذا هو الضرب الثالث وهو التَّطَوُّعُ المُطْلَقُ، وهو ما لا حد له من صلاة الليل والنهار، إذا تكلمنا عن الرواتب ثم الوتر فإن ما سوى ذلك تطوعٌ مطلق مما لا يشرع له جماعة، وأما ما يشرع له جماعة فسيأتي بيانه في الضرب الرابع، إذن ما لا يشرع له جماعة وليس بواتر وراتبة يسمى تطوعًا مطلقًا ويدخل فيه صلاة الليل وصلاة النهار لكنه كما قال رحمه الله : وَتَطَوُّعُ اللَّيْلِ أَفْضَلُ كما قال صلى الله عليه وسلم : «أفضلُ صلاةِ المرءِ في بيتِهِ إلَّا المَكتوبةَ»(10) وقال: «أَفْضَلُ الصَّلاةِ بَعْدَ الفَرِيضَةِ، صَلاةُ اللَّيْلِ»(11) فأفضل صلاةٍ يؤديها العبد صلاة الليل، وآخر الليل وجوف الليل الآخر أفضل، ولهذا قال رحمه الله : (وَالنِّصْفُ الأَخِيْرُ أَفْضَلُ) حتى في الوتر مع ما سبق أنه يبدأ من بعد صلاة العشاء فجعله في آخر الليل أفضل، وهذا هو الصحيح والأرجح من أقوال أهل العلم، من أهل العلم من قال إن الوتر أول الليل أفضل، واحتجوا على ذلك بأنه صلى الله عليه وسلم أمر أبا هريرة وأبا ذر أن يوترا قبل أن يناما، لكن هذا على الصحيح محمولٌ على من لم يثق في نفسه القيام، كما ثبت في الصحيح من حديث جابر صريحًا في أن الصلاة آخر الليل أفضل لمن وثق، ومن لم يثق فالوتر أول الليل أفضل في حقه وهكذا في كل صلاة الليل، نقول: من كان يثق من نفسه أن يقوم آخر الليل فالأفضل له أن يؤخر صلاته حتى ينام ثم يقوم، وأما من لا يثق بالقيام أو كان مشغولًا في مراجعة محفوظه كأبي هريرة رضي الله عنه ، أو مدارسة علمٍ فيخشى إذا نام أن لا يستيقظ إلا على صلاة الفجر فإنه يوتر قبل أن ينام، ومن أهل العلم من قال إن صلاة الليل كلها سواء أول الليل وأوسطه وآخره، واحتجوا بما ثبت في الصحيحين من حديث أم المؤمنين عائشة: «أن النبي صلى الله عليه وسلم أوتر من أول الليل وأوسطه وآخره -لكن الصحيح أنها قالت- «وانتهى وتره إلى السحر»(12) إذن كان في أول حياته صلوات ربي وسلامه عليه يوتر أحيانًا أول الليل وأحيانًا أوسط الليل وأحيانًا آخره، لكن في آخر حياته انتهى وتره إلى السحر، فدل على أن الوتر وقيام الليل آخر الليل أفضل من أوله وهو قيام داود، كان ينام نصف الليل ثم يقوم ثلثه ثم ينام سدسه، وصلاة الليل مشهودة ومرغبٌ فيها ووصف الله جل شأنه عباده بها، ليس في رمضان خاصة وإنما طول الدهر، قال جل شأنه وتقدس اسمه: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًۭا وَقِيَـٰمًۭا ٦٤ ﴾ [الفرقان] يبيتون يعني يمضون الليل ما بين قيامٍ وسجودٍ وركوع، يتضرعون ويبتهلون ويخلون بربهم جل شأنه، ولهذا وصفهم في الآية الثانية بأنها ﴿ تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ ﴾ [السجدة: ١٦] أي: ترتفع وتنبوا، ولا يطيب لهم لذيذ المنام، فجنبه يرتفع ينبوا كأنه يرفض المنام والاستمرار في النوم حتى الفجر ﴿ تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ ﴾ [السجدة: ١٦] ماذا يفعلون؟ وبأي شيءٍ يقومون؟ ﴿ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًۭا وَطَمَعًۭا وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ ١٦ ﴾ [السجدة] ثم قال مبينًا جزاءهم الأوفى وجزاءهم من جنس عملهم ﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌۭ مَّآ أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍۢ ﴾ [السجدة: ١٧] لما أخفوا قيام الليل؛ أخفى الله جزاءهم فلا يخطر لهم على بال، أي خاطر يخطر فالنعيم أوفى وأعظم وأكبر مما يخطر في البال، في هذا النعيم ما لا أذنٌ سمعت ولا عينٌ رأت ولا خطر على قلب بشر، وفي الآية الثانية يقول جل شأنه وتقدس اسمه: ﴿ كَانُوا۟ قَلِيلًۭا مِّنَ ٱلَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ١٧ وَبِٱلْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ١٨ ﴾ [الذاريات] إذن يقطعون الليل صلاةً وتهجدًا وتضرعًا وقيامًا وركوعًا وسجودًا، فإذا أوشك الفجر أن يبزغ وجاء السدس الأخير من الليل وهو السحر استغفروا الله وكأنهم قد أمضوا ليلهم في لهوٍ أو في أمرٍ مباح، أمضوه في طاعة وقربة وتهجد وصلاة ومع ذلك إذا جاء السحر ختموا ليلهم بالاستغفار، فجمعوا بين حسن العمل والاستغفار والقرب من المولى جل شأنه، فقيام الليل شأن الصالحين ودأبهم من أول الزمان وهو أول وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة، أول خطابٍ ألقاه في المدينة أن قال للناس: «أيُّها النَّاسُ، أَفْشُوا السَّلامَ، وصِلوا الأرحامَ، وأَطْعِموا الطَّعامَ، وصَلُّوا باللَّيلِ والنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلوا الجنَّةَ بسلامٍ»(13) فنجتهد أحبتي الكرام في قيام الليل ولا نترك الوتر ولو ركعة، فالقليل خيرٌ من العدم، إذا عجزت أو تعبت أو رُهقت فلا أقل من أن تركع لله ركعةً قبل أن تنام، وإن طمعت في القيام آخر الليل فاجتهد أن يكون قيامك آخر الليل وصلاتك آخر الليل.
رابط الفقرة 19قال رحمه الله : (وَصَلاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى) وهذه سنة، أن يسلم من كل ركعتين، لكن جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه سرد خمسًا وسبعًا وتسعًا، ودلت السنة على التنوع في هذا لكن الأفضل أن يصلي ركعتين ركعتين، قال أهل العلم: وما جاء عنه صلى الله عليه وسلم من السرد في الثلاث والخمس والسبع والتسع هذا خاصٌ بمن كان يصلي وحده أو في جماعة محصورةٍ وهذا يأتي التنبيه عليه في التراويح، أما من كان يصلي في جماعة كثيرةٍ عامةٍ فلا ينبغي له أن يصل أكثر من ركعتين، الذي ينبغي للإمام في صلاة التراويح أن يسلم من كل ركعتين، فإنه هذا أرفق بالناس وأيسر لهم ولا ترتبك نياتهم ولا تختلف عليهم الصلاة، يصلي من كل ركعتين حتى إنه لو قام ساهيًا للثالثة يجلس وجوبًا وكأنه قام لثالثة في صلاة الفجر، ما دام أنه دخل بنية ركعتين ركعتين فإن سهى وقام حتى لو استتم وشرع في الفاتحة يرجع وجوبًا على الصحيح؛ لأنه قد نوى ركعتين فيرجع، وهذا أيسر للمأمومين؛ لأن منهم من يريد أن يصلي بعض الصلاة فينصرف، فإذا سرد الإمام شق عليهم، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في الفريضة: «من أم الناس فليخفف؛ فإن فيهم المريض والضعيف والكبير وذا الحاجة»(14) فالنافلة وصلاة التراويح من باب أولى وأحرى، وسيأتي بيانها إن شاء الله في الضرب الرابع.
رابط الفقرة 20قال رحمه الله : (وَصَلاةُ الْقَاعِدِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلاةِ الْقَائِمِ) هذا إذا كان قادرًا على القيام فجلس في النافلة، فإن أجره على النصف كما ثبت في الصحيح، أما إن كان عاجزًا وصلى قاعدًا فإن أجره على التمام؛ لقوله صلى الله عليه وسلم كما في البخاري من حديث أبي موسى: «إذا مَرِضَ العبدُ أوْ سافرَ كُتِبَ لهُ من العملِ ما كان يَعْملُ وهو صحيحٌ مُقيمٌ»(15) إذن المريض والمسافر يكتب لهم ما كانوا يعملون حال الصحة وحال الإقامة، ومن كبرت سنه ورق عظمه ولم يستطع القيام فإنه يصلي جالسًا وأجره على التمام، وقد كان صلوات ربي وسلامه عليه آخر حياته أكثر صلاته قاعدًا، أكثر صلاة الليل قاعدًا متربعاً.
رابط الفقرة 21أسأل ربي بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يوفقنا جميعًا لما يحب ويرضى، وأن يأخذ بنواصينا للبر والتقوى، وأن يرزقنا الفقه في دينه، وأن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح إنه ولي ذلك والقادر عليه، وبالله التوفيق وصلى الله وسلم وبارك وأكرم وأنعم على خيرة خلقه وأفضل أنبيائه ورسله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
رابط الفقرة 22الحواشي
(1)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه أبو داود (1422)عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الوِترُ حقٌّ على كلِّ مسلمٍ، فمن أحبَّ أن يوترَ بخمسٍ فليفعَلْ ومن أحبَّ أن يوترَ بثلاثٍ فليفعل، ومن أحبَّ أن يوترَ بواحدةٍ فليفعَلْ»، والحديث صححه الألباني في صحيح أبي داود.
(2)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه أبو داود (1416)، والترمذي (453)، والنسائي (1675)، وابن ماجه (1169)، وأحمد (877)، والحديث حسنه الألباني في صحيح الترغيب (594).
(3)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه البخاري (2678)، ومسلم (11).
(4)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه البخاري (996)، ومسلم (745)، وأبو داود (1435)، والترمذي (456) أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها «سُئلت عن وترِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فقالت من كلِّ الليلِ قد أوترَ: أوَّلُه، وأوسطُه، وآخرُه، فانتهى وترُه حين مات في وجهِ السَّحرِ».
(5)
العودة إلى موضع الحاشيةلم أجد من خرجه.
(6)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه البخاري (990)، ومسلم (749)، وأبو داود (1326)، والترمذي (437)، والنسائي (1673)، وأحمد (4848) باختلاف يسير، وابن ماجه (1175) بنحوه، والشافعي في الأم (486/8) واللفظ له.
(7)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه البخاري (2013).
(8)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه البخاري (698)، ومسلم (763).
(9)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه مسلم مطولًا (746).
(10)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه البخاري (7290)، ومسلم (781)، وأبو داود (1447)، والنسائي (1599)، وأحمد (21624) واللفظ له.
(11)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه مسلم (1163).
(12)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه البخاري (996)، ومسلم (745)، وأبو داود (1435)، والترمذي (456) أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها «سُئلت عن وترِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فقالت من كلِّ الليلِ قد أوترَ: أوَّلُه، وأوسطُه، وآخرُه، فانتهى وترُه حين مات في وجهِ السَّحرِ».
(13)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه الترمذي (2485)، وابن ماجه (1334)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (7865).
(14)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه البخاري (703)، ومسلم (467)عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أمَّ أحَدُكُمُ النَّاسَ، فَلْيُخَفِّفْ، فإنَّ فِيهِمُ الصَّغِيرَ، والْكَبِيرَ، والضَّعِيفَ، والمَرِيضَ، فإذا صَلَّى وحْدَهُ فَلْيُصَلِّ كيفَ شاءَ».
(15)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه البخاري (2996).