تجاوز إلى المحتوى

شرح عمدة الفقه

الدرس الرابع والعشرون — كِتَابُ الصَّلَاَةِ، بَابُ صَلَاَةِ التَّطَوُّعِ - صَلَاةُ الاسْتِسْقَاء

ملفات PDF ١ ملف

دروس جامع الموسى كاملاعرض PDF ↗تنزيل PDF٤٫١ م.ب
الفقرة ١ من ٢٣

النص المقروء

عناوين هذا الدرس
  1. الدَّرْسُ الرَابِعْ والْعُشْرُون
  2. كِتَابُ الصَّلَاَةِ
  3. بَابُ صَلَاَةِ التَّطَوُّعِ - صَلَاةُ الاسْتِسْقَاء

[الدَّرْسُ الرَابِعْ والْعُشْرُون]

رابط الفقرة 1

[كِتَابُ الصَّلَاَةِ]

رابط الفقرة 2

[بَابُ صَلَاَةِ التَّطَوُّعِ - صَلَاةُ الاسْتِسْقَاء]

رابط الفقرة 3

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.

رابط الفقرة 4

أما بعد؛ أيها الإخوة الأحبة سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وحياكم الله في الدرس الرابع والعشرون من شرح كتاب الصلاة من عمدة الفقه للإمام الموفق «ابن قدامة رحمه الله » قد انتهينا في الدرس الماضي من الكلام على صلاة الكسوف، واليوم حديثنا عن صلاة الاستسقاء.

رابط الفقرة 5

قال رحمه الله :

رابط الفقرة 6

الثَّالِثُ: صَلاةُ الاِسْتِسْقَاءِ، وإِذَا أَجْدَبَتِ الأَرْضُ، وَاحْتَبَسَ الْقَطْرُ، خَرَجُوْا مَعَ الإِمَامِ مُتَخَشِّعِيْنَ، مُتَبَذِّلِيْنَ، مُتَذَلِّلِيْنَ، مُتَضَرِّعِيْنَ، فَيُصَلِّيْ بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ، كَصَلاةِ العَيْدِ، ثُمَّ يَخْطُبُ بِهِمْ خُطْبَةً وَاحِدَةً، وَيُكْثِرُ فِيْهَا مِنَ الاِسْتِغْفَارِ وَتِلاوَةِ الآيَاتِ الَّتِيْ فِيْهَا الأَمْرُ بِهِ، وَيُحَوِّلُ النَّاسُ أَرْدِيَتَهُمْ، وَإِنْ خَرَجَ مَعَهُمْ أَهْلُ الذِّمَّةِ لَمْ يُمْنَعُوْا وَيُؤمِرُوْا أَنْ يَنْفَرِدُوْا عَنِ المُسْلِمِيْنَ.

رابط الفقرة 7

هذا الباب أو الفصل في صلاة الاستسقاء وهي من صلاة التطوع، والاستسقاء استفعالٌ من السقي أي طلب السقي، وهي في الشرع التعبد لله تعالى بطلب السقي على صفة مخصوصة، أنواع الاستسقاء جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم على عدة أنواع، عدها العلامة ابن القيم رحمه الله في كتابه القيم زاد المعاد في هدي خير العباد ستة أنواع: أشهرها، ما نحن بصدده وهو الصلاة، ومنها الدعاء في خطبة الجمعة فإنه صلى الله عليه وسلم استسقى في الخطبة كما في الصحيحين من حديث أنس()، ومنها أنه استسقى في غير صلاة وفي غير خطبة، ولهذا يشرع للمسلمين إذا أجدبت الأرض وأمحلت أن يستسقوا، إما في صلاةٍ أو في خطبة الجمعة أو في عموم الصلوات في أدبارها، وفي كل وقتٍ وحين يرجى فيه الإجابة.

رابط الفقرة 8

حكم صلاة الاستسقاء سنة مؤكدة، ذهب إلى هذا جماهير أهل العلم من المالكية والشافعية والحنابلة ودل على ذلك السنة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم وعد الناس يومًا ثم خرج وصلى بهم واستسقى كما في الصحيحين من حديث عبد الله بن زيد().

رابط الفقرة 9

متى تشرع؟ قال رحمه الله : (وإِذَا أَجْدَبَتِ الأَرْضُ، وَاحْتَبَسَ الْقَطْرُ) إذن تُشرع إذا حصل الجدب وهو ضد الخصب، فإذا أجدبت الأرض انقطع المطر وحصل بالناس ضرر في زروعهم ومواشيهم، فإنه يشرع لهم أن يستسقوا الله جل شأنه ويطلبونه السقية على هذه الصفة المخصوصة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ذلكم أن الله جعل من الماء كل شيء حي وامتن به على عباده، فإذا منعهم إياه تابوا إليه وأنابوا واستغفروا ودعوا فرده إليهم، فإنه ما يحبسه عنهم إلا ليبتليهم؛ لعلهم يرجعون، لعلهم يتوبون وإلى ربهم يتضرعون، وقد يظن بعض الناس من المتأخرين أن حاجة الناس إلى المطر إنما هي حاجة أصحاب الزروع والدواب والمواشي، وهذا جهل عظيم، فإن الله جعل من الماء كل شيء حي، والناس قبل المواشي والزروع يحتاجون إلى الماء، ولهذا إذا غارت الآبار والعيون وجفت الأنهار وانحبس المطر تضرر الكون كله، وتضرر الناس والحيوان والدواب والمواشي حتى الطيور في أوكارها تموت من جدب الأرض وقحط المطر، ولهذا جاء عن مجاهد أنه قال رحمه الله : «إن الحبارى لتلعن عصاة بني آدم، تقول منعنا القطر بسبب عصيانكم» إذن الطيور والوحوش والبهائم والزروع بل الإنسان قبل ذلك يتضرر، وكون بعض الناس يرى نعمة الماء الوفيرة لاسيما في مثل هذه البلاد عبرة تحلية مياه البحار يحسب أن هذا كافي، نقول: هذه مياه معالجة ومياه الأمطار لا يقوم مقامها غيرها، ومثلها مياه الأنهار والعيون والآبار، وهذه المياه المعالجة قد تتوقف في أي وقت وحين، ولهذا يتضرر الناس غاية الضرر لو حصل انقطاع في هذه المياه كما لا يخفى، تُسن صلاة الاستسقاء جماعةً وفرادى، والأفضل صلاتها جماعة كما هو مذهب جماهير أهل العلم.

رابط الفقرة 10

وصفتها كما قال المؤلف رحمه الله : (يُصَلِّيْ بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ، كَصَلاةِ العَيْدِ) وصلاة العيد لم ندرسها بعد، لكن نقول: هي كصلاة العيد في كثيرٍ من صفاتها؛ لقول ابن عباس رضي الله عنهما : «صَلَّى النبي صلى الله عليه وسلم ركعتينِ كما يُصَلِّي في العيدِ»() وفي رواية قال: «صنع رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في الاستسقاءِ كما صنع في العيدِ»() إذن هي كصلاة العيد في ماذا؟ أولًا: في المكان، فالسنة أن تصلى في المصلى خارج البلد، إن أمكن ذلك وسهل على الناس، وإن لم يمكن للناس كلهم فإنه يصلي من تيسر له الصلاة في المصلى خارج البلد، ويصلي الضعفة والناس الذين لا يقدرون الخروج خارج البلد في المسجد، لاسيما في المدن الكبيرة لا يتيسر للناس كلهم أن يخرجوا في المصليات، فنقول: صلاة العيد وصلاة الاستسقاء السنة أن تصلى في المصلى إلا في مكة شرفها الله، فالصلاة في المسجد أفضل من خارجه، وفي صلاة الاستسقاء على وجه الخصوص، الصلاة في المصلى أكثر تذللٌ وتواضعًا وافتقارًا، إذن فهي كصلاة العيد في المصلى، وفي الجهر بالقراءة وفي القراءة نفسها، فيما يقرأه الإمام في العيد وفيما يقرأه في الاستسقاء من سورتي سبح والغاشية، وكذلك في موضع الخطبة، في أنه يصلي ثم يخطب كالعيد تمامًا على الصحيح، فتكون خطبتها بعد الصلاة وفي التكبيرات الزوائد، فإنه يكبر في الركعة الأولى ستًا وفي الثانية خمسًا، هذا المشهور عن الإمام أحمد، وعند الشافعي سبع في الأولى وخمس في الثانية ولا إشكال، إن كبر ستًا أو سبعًا في الأولى فلا إشكال في ذلك كله جاءت به السنة، كما أنها تشبه صلاة العيد أيضًا في رفع الأيدي مع التكبير والذكر بين كل تكبيرتين لكن مع الإسرار، يجهر بالتكبير الإمام كسائر التكبيرات في جميع الصلوات، وأما المأموم فإنه يسر بها كما يسر في سائر التكبيرات، وهذه المسألة يجهلها فئامٌ كثيرٌ من الناس فنسمعهم يجهرون بالتكبير في العيدين وفي الاستسقاء مع الإمام، تسمع المسجد يرتج الله أكبر كلما كبر الإمام، نقول: ليس هذا من السنة بل هذا مخالف للسنة، السنة أن يجهر الإمام ويسر المأموم.

رابط الفقرة 11

ذكر رحمه الله أنه يخرج إذا احتبس المطر، يخرج الناس مع الإمام متخشعين متبذلين متذللين متضرعين، هذه أربع صفات جاءت عنه صلى الله عليه وسلم ، أنه خرج متذللًا متواضعًا متخشعًا متضرعًا، كمال الذل والافتقار والتواضع، إذن يتقصد التواضع والخشوع، هذا معنى متذللًا متواضعًا متخشعًا يعني يقصد ذلك، يقصد التواضع وهو ضد الكبر، والخشوع يقصده ويتخشع ويتذلل بأن يرمي بصره إلى الأرض ويخفض صوته وتسكن أعضائه، فيكون الخضوع والخشوع بالقلب والعين وفي الممشى وفي الجلوس، وهذا كله من كمال الافتقار لله جل شأنه، ولهذا لا يشرع لها غسلٌ كما لا يشرع لصلاة الكسوف بل يخرج على هيئته.

رابط الفقرة 12

قالوا وتخالف صلاة العيد في الوقت بمعنى أنها تصح ولو بعد الزوال، وإن كان المعروف والمألوف من فعله صلى الله عليه وسلم أنه صلاها حينما بدى حاجب الشمس، فصلاها كصلاة العيد لما ارتفعت الشمس قيد رمح لكن لو صليت بعد الظهر لا حرج، أما صلاة العيد فلا، صلاة العيد إذا زالت الشمس لا تصلى حتى لو جاء خبر العيد متأخرًا بعد الزوال، يعني بعد دخول وقت الظهر فإن صلاة العيد تؤجل إلى اليوم الثاني كما جاء في السنة، وسيأتينا إن شاء الله في باب صلاة العيد بيانه، أما صلاة الاستسقاء فهي دعاء ليس لها يوم محدد ولا وقت محدد إلا أن الأرفق بالناس والأسهل أن يصلوها أول النهار كما هو فعله صلى الله عليه وسلم ، وكما هو المعمول به في هذه البلاد وبعض بلدان المسلمين التي تحيي هذه السنة وهي سنة صلاة الاستسقاء.

رابط الفقرة 13

إذا أراد الإمام ولي أمر المسلمين الخروج فإنه يحدد للناس وقتًا، ويحسن أن يحدد اليوم والساعة ليرتبط الناس ويلتزموا لاسيما إذا كان في يوم دوام، وأن يعظ الناس بالتوبة من المعاصي والخروج من المظالم، وأن يأمرهم بترك التشاحن فإن الله جل شأنه كريمٌ رحيمٌ ودودٌ قريبٌ، فإذا خرج العباد وقد تابوا واستغفروا وإلى ربهم أنابوا منكسرين متذللين متخشعين متضرعين كانوا أجدر بالإجابة، والله جل شأنه يبتليهم بحبس المطر والقحط والجدب حتى يرجعوا إليه، فيعظهم الإمام، الإمام الأعظم أو أئمة المساجد يذكرون الناس بموعد الاستسقاء وبأنه ينبغي لهم أن يخرجوا على أحسن هيئة من الذل والافتقار، ومن التوبة من الذنوب والمعاصي التي هي شؤم، ومن شؤمها منع القطر واحتباس المطر، وكذلك الخروج من المظالم فيرد الإنسان المظالم التي عنده، ولا يخرج وهو متلطخ بالمظالم، كما يأمرهم بترك التشاحن والبغضاء والعداوة فإنها سبب لكل شر ولكل بلية، ولهذا خرج صلى الله عليه وسلم ليخبر أصحابه بليلة القدر على التحديد فتلاحى اثنان من الصحابة اختلفا، فقال صلى الله عليه وسلم : «خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بلَيْلَةِ القَدْرِ، فَتَلَاحَى فُلَانٌ وفُلَانٌ»() فلم يخبرهم، وبقيت ليلة القدر في هذه الأمة إلى قيام الساعة لكنه صلى الله عليه وسلم أراد أن يحددها لهم، فتلاحى اثنان من الصحابة، اختلفا تشاحنا، فدل ذلك على أن التشاحن والتباغض والخصام والحقد والبغضاء من أعظم ما يمنع الخيرات ويسبب الشؤم ونزع البركات.

رابط الفقرة 14

ذكر بعض أهل العلم أنه يأمرهم بالصيام، لكن لم يرد عنه صلى الله عليه وسلم أمر الصحابة بالصيام، إلا أنه ينبغي إذا كان ذلك اليوم الذي تصلى فيه يومٌ يُسن صومه كالاثنين والخميس أن يصوموه؛ لأنه يومٌ يسن صومه، ولأن الصائم لا ترد دعوته ليس عند فطره بل جاء في الحديث: «ثلاثةٌ لا تُرَدُّ دعوتُهم» وذكر منهم: «الصَّائمُ حتَّى يُفْطِرَ»() فما دام متلبسًا بالصيام فهو أجدر بإجابة الدعاء، وكذلك يأمرهم بالصدقة، إذ الصدقة إحسان، فإذا أحسنوا إلى الخلق أحسن إليهم الخالق، والخلق كلهم عيال الله فمن أحسن إليهم أحسن إليه مولاه.

رابط الفقرة 15

ولا يشرع الغسل كما تقدم، إذا حضر في الصلاة بعض الصالحين الذين ترجى لهم الإجابة لا حرج أن يقدم للدعاء، فقد قدم الفاروق عمر رضي الله عنه العباس بن عبد المطلب وطلب منه أن يستسقي() هذا في البخاري، كذلك معاوية استسقى بيزيد بن الأسود، قد ضل قومٌ في هذين الأثرين وفهموها على غير مرادها، وظنوا أن هذا من التوسل بذوات الأولياء والصالحين وهذا بعيدٌ جد بعيد، فإن عمر لم يستسقي بجاه صالحٍ ولا وليٍ، وإنما طلب من العباس أن يدعوا والعباس حاضرٌ ماثلٌ أمامه، ولو أنا عمر رضي الله عنه استسقى بجاه أحد لاستسقى بجاه النبي صلى الله عليه وسلم ، فجاهه صلى الله عليه وسلم أعظم الجاه ومع ذلك لم يستسقي رضي الله عنه ، قال: إنا كنا نستسقي برسولك لما كان بيننا كان يدعو وينزل القطر كما في جاء في الصحيحين من حديث أنس في الرجل الذي دخل وسأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يستسقي، فرفع يديه وهو على المنبر فما نزل حتى نزل القطر وابتلت الأرض وسالت الشعاب، واستمر القطر والمطر أسبوعًا كاملًا حتى جاء الرجل في الأسبوع الثاني وسأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يسأل الله أن يخفف عليهم ما نزل بهم، فقال: «اللَّهمَّ حوالَينا، ولا علَينا، اللَّهمَّ علَى الآكامِ والظِّرابِ، وبُطونِ الأوديةِ ومَنابتِ الشَّجرِ»() كما في الصحيح، إذن لم يستسق عمر بجاه النبي صلى الله عليه وسلم وإنما استسقى برجلٍ صالحٍ موجود، فقال له: استسقِ لنا يعني ادع لنا، ومن ثم فالدعاء من الصالحين أرجى إجابة، يُسن أن يخرج معه الصالحون الأخيار الأتقياء، قالوا: ويخرج أيضًا بالصغار المميزين فإنهم لا ذنب لهم وهم أجدر بالإجابة، وهل يخرج بالدواب؟ ذكر بعض أهل العلم أنه يخرج معه بالدواب فإنها أيضًا ممن تضرر، والله جل شأنه يرحمها، لكن الصحيح لم يرد في ذلك سنة، ولهذا لا يقال بإخراجها وإنما يكفي إخراج الآدميين من المميزين والكبار والبالغين والرجال والنساء، لكنهم نصوا على الشيوخ والصلحاء وعلى الصبيان المميزين، قالوا: لأنهم لا ذنب لهم فيكون دعائهم أجدر وأرجى إجابة.

رابط الفقرة 16

قال رحمه الله : (فَيُصَلِّيْ بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ، كَصَلاةِ العَيْدِ، ثُمَّ يَخْطُبُ بِهِمْ خُطْبَةً وَاحِدَةً) يجلس للاستراحة بين الخطبتين لا حرج كالعيد تمامًا، وبعض أهل العلم يقول: خطبة واحدة كالعيد لكن الصحيح أنه يجلس جلسةً يسيرة، قال (وَيُكْثِرُ فِيْهَا مِنَ الاِسْتِغْفَارِ -أي في الخطبة- وَتِلاوَةِ الآيَاتِ الَّتِيْ فِيْهَا الأَمْرُ بِهِ) كقول الله جل شأنه: ﴿ فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ إِنَّهُۥ كَانَ غَفَّارًۭا ١٠ يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًۭا ١١ ﴾ [نوح]، وكقوله: ﴿ وَأَنِ ٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ ﴾ [هود: ٣] ولهذا خرج الفاروق عُمر رضي الله عنه يستسقي فلم يزِدْ على الاستغفارِ، فقالوا: ما رأيناكَ استسقيتَ! فقال: «لقد طلبتُ الغيثَ بمَجاديحِ السماءِ التي يُستنزَلُ بها المطرُ»()، إذن الاستغفار وقراءة الآيات الآمرة به والدالة عليها والمرغبة فيه، هذا ينبغي أن يكون أكثر ما يكون في خطبته، قال: (وَتِلاوَةِ الآيَاتِ الَّتِيْ فِيْهَا الأَمْرُ بِهِ، وَيُحَوِّلُ النَّاسُ أَرْدِيَتَهُمْ) إذا فرغ من الخطبة والدعاء استقبل القبلة وحول إذ ذاك رداءه، فاستقبل الناس القبلة ووقفوا يدعون وحولوا أرديتهم لفعله صلى الله عليه وسلم ، وذلك كله من باب التفاؤل أن يغير الله حالهم إلى أحسن حال، لقد جاءوا وهم في جدب وقحط فيؤملون ويتفاءلون أن يحول الله حالهم إلى خصبٍ وإلى مطر.

رابط الفقرة 17

قال رحمه الله : (وَإِنْ خَرَجَ مَعَهُمْ أَهْلُ الذِّمَّةِ لَمْ يُمْنَعُوْا) أهل الذمة هم الكفار الذين بيننا وبينهم عقد ذمة، يعيشون في بلاد المسلمين في عقد الذمة، ومن ثم فهم خلقٌ من خلق الله ويصيبهم الضرر باحتباس القطر، فإذا أرادوا أن يخرجوا مع المسلمين في يومهم لم يُمنعوا لكن لا يكونون مع أهل الإسلام في مكانٍ واحد، يعني إذا خرج أهل الإسلام للمصلى ينفرد أهل الذمة في مكانٍ واحد ويصلون صلاتهم ويدعون دعائهم، لماذا لا يجتمعون مع أهل الإسلام؟ لأنهم مفارقين لهم في الدين ولئلا تنزل عليهم عقوبة فتعم أهل الإسلام معهم ﴿ وَٱتَّقُوا۟ فِتْنَةًۭ لَّا تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنكُمْ خَآصَّةًۭ ۖ ﴾ [الأنفال: ٢٥] فهؤلاء مهما كانوا، نقول: قد تنزل عليهم عقوبة، ومن ثم فأهل الإسلام لا يجتمعون معهم في مكان، لو سألوا إمام المسلمين أن يخرجوا في يومٍ واحد في يومٍ غير يوم أهل الإسلام، فإنهم لا يجابون في ذلك ولا يُقرون عليه، يُقال لهم: نحن إذا خرجنا نستسقي تخرجون معنا لكن ما تكونون معنا في المكان، لماذا لا يقرون على خروجٍ في يومٍ آخر؟ لئلا ينزل القطر والمطر في يوم خروجهم فتقع الفتنة، هم يفتنون ويظنون أنهم على هدى وهم كفار مخالفين لأهل الإسلام، والله جل شأنه قد ينزل القطر في يوم خروجهم ولا ينزل في وقت دعاء المسلمين، فيصيبهم شيءٌ من الافتتان والغرور وربما يصيب بعض أهل الإسلام ذلك فيفتنون، يقولون: نحن استسقينا ولم ينزل شيء والكفار لما خرجوا نزل القطر، لهذا نقول: يكون خروجهم مع أهل الإسلام في يومٍ واحدٍ لكنهم ينفردون عن أهل الإسلام في المكان، هذه أهم المسائل التي ذكرها المؤلف رحمه الله .

رابط الفقرة 18

بقي عندنا أن أهل الإسلام إذا حدد لهم ولي الأمر يومًا يستسقون فيه، فنزل المطر قبل خروجهم، فالسنة أن يخرجوا وأن يصلوا وأن يحمدوا الله ويشكروه ويطلبوه المزيد، لاسيما إذا كان المطر نزل على جهات ولم ينزل على جهات، لهذا نقول: القطر قد ينزل على أماكن وبلدان ويحبس عن بلدان، فيستسقي المسلم لإخوانه، وإن سقي هو وإخوانه فإن صلاتهم حينئذٍ تكون حمدًا وشكرًا وثناءً على ما أنعم الله به عليهم وأغدق من الخير العميم.

رابط الفقرة 19

يسن عند نزول المطر أن يخرج المسلم له؛ ليصيب شيئًا من بدنه ورحله، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل المطر يقول: اخرجوا بنا إلى هذا الوادي المبارك، ولما سألوه قال: «إنَّه حديثُ عهدٍ برَبِّه»() فالسنة لمن أنعم الله عليهم وأغدق بنزول المطر أن يخرجوا لكن الخروج كخروجه صلى الله عليه وسلم ، ليس الخروج الذي فيه إلقاء بالنفس للتهلكة والخوض في الأودية وهي تمشي مشيًا عظيمًا سواءً بالأبدان أو بالسيارات والمراكب، فإن هذا فيه مخاطرةٌ عالية، ولهذا يتحول الفرح إلى ترح ونفقد بعض الناس في كل مطر وقطر، وذلك بسبب الجهل ليس هذا هو الخروج الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم ، الخروج أن يخرج فيصيب شيئًا من بدنه ورأسه، يحصر عن رأسه إذا كان وقت نزول المطر ليصيب رأسه ويصيب شيئًا من بدنه ورحله، ولا يهرب من المطر لكن أيضًا لا يتقصد الأودية والشعاب وهي تسيل، وينزل فيها يجري وربما يهلك هو وربما يهلك من معه من نساء وذراري، لا شك أن هذا من المخاطرة العالية ومن إلقاء النفس للتهلكة ويخشى على من هلك فيه أن يكون ممن قتل نفسه أو أودى بحياته بفعلٍ اختياريٍ ليس اضطراري.

رابط الفقرة 20

كذلك مما يسن عند نزول القطر والمطر الدعاء فإنه لا يرد، كما جاء في الحديث الصحيح: «اثنتان لا تردان أو قلما تردان، الدعاء عند نزول المطر وعند البأس»() أي عند الحر، فيسن للمسلم أن يدعو وأن يتحين وقت نزول الغيث بالدعاء مع رجاء الإجابة.

رابط الفقرة 21

كما يسن بل يتأكد على المسلم أن ينسب هذا الخير إلى الله الذي قدره وأنشأ سحابه وأمره بالهطول حيث شاء وبالكم الذي يريد جل شأنه وتقدس اسمه، ولهذا صلى النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث زيد بن خالد الجهني: «صَلَّى لَنَا رَسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَلَاةَ الصُّبْحِ بالحُدَيْبِيَةِ علَى إثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلَةِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أقْبَلَ علَى النَّاسِ، فَقالَ: هلْ تَدْرُونَ مَاذَا قالَ رَبُّكُمْ؟ قالوا: اللهُ ورَسولُهُ أعْلَمُ، قالَ: أصْبَحَ مِن عِبَادِي مُؤْمِنٌ بي وكَافِرٌ، فأمَّا مَن قالَ: مُطِرْنَا بفَضْلِ اللهِ ورَحْمَتِهِ، فَذلكَ مُؤْمِنٌ بي وكَافِرٌ بالكَوْكَبِ، وأَمَّا مَن قالَ: بنَوْءِ كَذَا وكَذَا، فَذلكَ كَافِرٌ بي ومُؤْمِنٌ بالكَوْكَبِ»() [الحديث متفق عليه]، وهذا دليل على خطورة نسبة هذا الغيث وهذا المطر إلى الأنواء والمنخفضات الجوية ونحو ذلك، كثيرًا ما نسمع بعض الناس يقول مطرنا بالمنخفض الجوي، وهذا إذا كان على سبيل السبب فهو شرك أكبر، وإذا كان يقول يعني بمعنى في، فإنه يكره له ذلك؛ لأنه لو قال مطرنا في المنخفض الجوي أو في النوي كذا بمعنى أنها للظرفية لا بأس، لكن إذا كان يقول مطرنا بنوء كذا فإن هذا اللفظ مشكلٌ، ولهذا نقول تجنب ذلك وقل مطرنا بفضل الله ورحمته، اللهم صيبًا نافعًا وادعُ الله جل شأنه، واعلم أن هذه من أعظم النعم وأجلها على العبد أن يغدق الله عليه بالأمطار، واسأله أن يجعله مطرًا مباركًا نافعًا كما كان في دعاءه صلى الله عليه وسلم ، فإنه صلى الله عليه وسلم دعا بأن يجعله الله غيثًا مغيثًا هنيئًا مريئًا سحًا طبقًا عاجلًا غير آجل، وأن ينبت به الزرع وأن يدر به الضرع، وأن يجعله نافعًا مباركًا، وسؤال الله أن يجعله غيثًا مغيثًا هنيئًا مريئًا إلى آخره، وسؤال أن يجعله عاجلًا، أن يغيثهم غيثًا عاجلًا، ويرفع يديه بالدعاء، قد ثبت رفع اليدين في الدعاء أكثر من ثلاثين حديث حتى عده بعد أهل العلم من المتواتر، وأعظم المواضع التي يُسن فيها رفع اليدين عند الاستسقاء حتى إنه صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه حتى يبين بياض إبطيه، وحتى إذا دعا الخطيب يوم الجمعة بالاستسقاء وحده سُن للمأمومين أن يرفعوا أيديهم، وأما سائر الدعاء فإنه لا يسن فيه رفع الأيدي وهذه مسألة يجهلها بعض مصلين الجمعة، إذا أمن الإمام ودعاء يرفعوا أيديهم، نقول: لا يسن لك أن ترفع يديك إلا إذا دعا في الاستسقاء خاصة.

رابط الفقرة 22

وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، وأخذ بنواصينا للبر والتقوى ورزقنا العلم النافع والعمل الصالح، وبالله التوفيق وصلى الله وسلم وبارك وأكرم وأنعم على خيرة خلقه وأفضل أنبيائه ورسله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

رابط الفقرة 23

الحواشي

  1. (1)

    أخرجه البخاري (1014)، ومسلم (897).

    العودة إلى موضع الحاشية
  2. (2)

    أخرجه البخاري (1025).

    العودة إلى موضع الحاشية
  3. (3)

    أخرجه أبو داود (1165)، والترمذي (558)، والنسائي (1521)، وابن ماجه (1266)، وأحمد(3331) ، والحديث حسنه الألباني في صحيح ابن ماجة (1053).

    العودة إلى موضع الحاشية
  4. (4)

    أخرجه أبو داود (1165) بنحوه، وأحمد (2423) باختلاف يسير، وحسنه الألباني في إرواء الغليل (671).

    العودة إلى موضع الحاشية
  5. (5)

    أخرجه البخاري (2023).

    العودة إلى موضع الحاشية
  6. (6)

    أخرجه الترمذي (3598)، وابن ماجه (1752) باختلاف يسير، وأحمد (8030) مطولًا، والحديث صححه ابن الملقن في البدر المنير (5/152)، ولكن ضعفه الألباني في الكلم الطيب (163).

    العودة إلى موضع الحاشية
  7. (7)

    أخرجه البخاري (3710).

    العودة إلى موضع الحاشية
  8. (8)

    أخرجه البخاري (1013).

    العودة إلى موضع الحاشية
  9. (9)

    أخرجه البيهقي (3/351-352)، وضعفه الألباني في رواء الغليل (673).

    العودة إلى موضع الحاشية
  10. (10)

    أخرجه مسلم (898)، وأبو داود (5100)، والنسائي في السنن الكبرى (1837)، وأحمد (13820).

    العودة إلى موضع الحاشية
  11. (11)

    أخرجه أبو داود (2540)، والدارمي (1200)، وابن خزيمة (419) عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثِنْتَانِ لا تُرَدَّانِ: الدعاءُ عند النداءِ، وعند البأسِ حين يُلْحِمُ بعضُهم بعضًا»، والحديث صححه الألباني في تخريج مشكاة المصابيح (642).

    العودة إلى موضع الحاشية
  12. (12)

    أخرجه البخاري (846)، ومسلم (71).

    العودة إلى موضع الحاشية