تجاوز إلى المحتوى

شرح عمدة الفقه

الدرس الخامس والعشرون — كِتَابُ الصَّلَاَةِ، بَابُ صَلَاَةِ التَّطَوُّعِ - سُجُودُ التِلَاوَة

ملفات PDF ١ ملف

دروس جامع الموسى كاملاعرض PDF ↗تنزيل PDF٤٫١ م.ب
الفقرة ١ من ٢٢

النص المقروء

عناوين هذا الدرس
  1. الدَّرْسُ الخَامِس والْعُشْرُون
  2. كِتَابُ الصَّلَاَةِ
  3. بَابُ صَلَاَةِ التَّطَوُّعِ - سُجُودُ التِلَاوَة

[الدَّرْسُ الخَامِس والْعُشْرُون]

رابط الفقرة 1

[كِتَابُ الصَّلَاَةِ]

رابط الفقرة 2

[بَابُ صَلَاَةِ التَّطَوُّعِ - سُجُودُ التِلَاوَة]

رابط الفقرة 3

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.

رابط الفقرة 4

أما بعد؛ أيها الإخوة الأحبة سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وحياكم الله في الدرس الخامس والعشرين من شرح كتاب الصلاة من عمدة الفقه للإمام الموفق «ابن قدامة رحمه الله »، انتهينا في الدرس الماضي من الكلام على صلاة الاستسقاء، واليوم درسنا في سجود التلاوة وسجود الشكر.

رابط الفقرة 5

قال رحمه الله : (الضَّرْبُ الخَامِسُ) هذا الضرب الخامس والأخير من أضرب صلاة التطوع.

رابط الفقرة 6

الضَّرْبُ الخَامِسُ: سُجُوْدُ التِّلاوَةِ، وَهُي أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَجْدَةً، فِي الحَجِّ مِنْهَا اثْنَتَانِ، وَيُسَنُّ السُّجُوْدُ لِلتَّالِيْ، وَالمُسْتَمِعِ، دُوْنَ السَّامِع، وَيُكَبِّرُ إِذَا سَجَدَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأسَه، ثُمَّ يُسَلِّمُ.

رابط الفقرة 7

إذن اقتصر رحمه الله على هذه الجمل اليسيرة في أحكام سجود التلاوة.

رابط الفقرة 8

أولًا: تعريف سجود التلاوة: هو سجدة يسجدها قارئ القرآن إذا مر بآية سجدة، سواءً كان في الصلاة أو في خارجها، حكم هذه السجدة: سنةٌ، وإن شئت فقل سنةٌ مؤكدةٌ عند جماهير العلم، وأوجبها الحنفية ومال إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، والصحيح أنها سنة ولا ترقى للوجوب، وإن كان الحنفية وشيخ الإسلام ابن تيمية يرون الوجوب؛ لأن الله توعد من لم يسجد، لكن الوعيد إنما هو لمن ترك السجود استكبارًا وعنادًا، وأما من لم يسجد وليس في قلبه شيءٌ من الاستكبار والعناد فلا يدخل في الوعيد، والذي يدل على أنها سنة وليست بواجبة أنه صلى الله عليه وسلم سجد وترك، وجاء في البخاري من حديث عمر أن السجود لا يجب علينا إلا أن نشاء، «إنَّ اللَّهَ لَمْ يَفْرِضِ السُّجُودَ إلَّا أنْ نَشَاءَ»().

رابط الفقرة 9

هل هي صلاة؟ سجود التلاوة، هل هو صلاة أو غير صلاة؟ وينبني على هذا الخلاف، إذا قلنا إنها صلاة فإنه يشترط لها ما يشترط للصلاة من الطهارة واجتناب النجاسة واستقبال القبلة وستر العورة إلى غير ذلك مما يشترط للصلاة، جمهور أهل العلم على أنها صلاة واستدلوا بأحاديث ونصوص منها حديث ابن عمر قال: «لا يسجُدُ الرَّجلُ إلَّا وَهوَ طاهرٌ»() [رواه البيهقي وصححه الحافظ ابن حجر في الفتح] وجاء عن ابن عمر مرفوعًا: «لَا يقبَلُ اللَّهُ صلاةً بغيرِ طُهورٍ»() [رواه الإمام مسلم] لكن هذا الحديث إذا سلمناه أنها صلاة فنعم، ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إلى أنها ليست صلاة، واستدل رحمه الله بحديث عبادة المخرج في الصحيحين قول النبي صلى الله عليه وسلم : «لَا صَلَاةَ لِمَن لَمْ يَقْرَأْ بفَاتِحَةِ الكِتَابِ»() وسجود التلاوة لا تشرع فيه قراءة الفاتحة بالإجماع، فدل على أنه ليس بصلاة؛ ولأن ما دون الركعة لا يعد صلاة، فأقل صلاةٍ عندنا في الشرع ركعة الوتر أو صلاة الليل مثنى مثنى، وأما ما دون الركعة فإنه لا يسمى صلاةً، بل روى البخاري معلقًا بصيغة الجزم أن ابن عمر رضي الله عنهما كان يسجد على غير وضوء، وهذا هو الأقرب والصحيح، ومن ثم فإنه لو قرأ المسلم القرآن عن ظهر قلب من دون أن يكون على طهارة، ومعلوم أنه الحدث الأصغر الذي يباح له أن يقرأ، وأما المحدث حدثًا أكبر لا يقرأ، فمن كان محدثًا حدثًا أصغر وقرأ ومر بآية سجدة فإنه يسجد على الصحيح من قولي أهل العلم، ولا يشترط له استقبال القبلة، ولا أن يكون القارئ كالإمام؛ لأن الذين يرون أنه صلاة يقولون: إذا كان القارئ امرأة وسجدت لا يسجد الرجل؛ لأنها لا تكون إمامًا ولا يكون قدامه أي الساجد لابد أن يكون خلف القارئ أو عن يمينه، يعني يعتبرونها صلاة، هذا قول جمهور العلماء لكن الصحيح أنها لا تعد صلاة، ومن ثم فلا يشترط لها شيءٌ من شروط الصلاة.

رابط الفقرة 10

لمن يسن السجود؟ يسن للقارئ وهذا واضحٌ بين، وللمستمع دون السامع، ثمة قارئ ومستمع وسامع، المستمع هو الذي يجلس للاستماع يستمع بقصد، هذا كالقارئ في الأجر والثواب وفي أحكام السجود، فهو يسجد تبعًا للقارئ إذا سجد، وقيل يسجد ولو لم يسجد القارئ، لكن ارتباطه بالقارئ أقرب، إذن نقول: إذا كان يستمع بقصدٍ فإنه يسجد إذا سجد القارئ، وجاء عن عثمان رضي الله عنه قوله: «إنما السجدة على من استمع» [رواه البخاري معلقًا] ذلك أنه مر رضي الله عنه على قاص فلما رأى عثمان قرأ آية، آية سجدة، وكأنه يريد أن يسجد عثمان معه فلم يسجد رضي الله عنه ، وقال: «إنما السجدة على من استمع» يعني أنا لم أستمع بقصد وإنما مررت وسمعتك تقرأ فلا أسجد، إذن السنة دلت على أن المستمع كالقارئ، والله جل شأنه ندب عباده إلى الاستماع بقصد ﴿ وَإِذَا قُرِئَ ٱلْقُرْءَانُ فَٱسْتَمِعُوا۟ لَهُۥ وَأَنصِتُوا۟ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ٢٠٤ ﴾ [الأعراف]، فمن استمع القرآن فإنه على أجر القارئ ويأخذ أحكامه أيضًا، إذا سجد فيسجد معه.

رابط الفقرة 11

إذا نسي سجدةً، قرأ آية سجدة ونسي ومر بآية أو آيتين بعدها، نقول: لا يعيد بل يمضي في قراءتها ولا يسجد أيضًا للسهو، ومثل ذلك لو خطر آية سجدة سهوًا فإنه لا يسجد، لو كرر آية السجدة وهذا يحدث عند الحفاظ، يكرر آية ويحفظها ومر بآية من آيات السجدة، فهل يسجد كلما كرر؟ نقول: لا، إنما يسجد أول مرة، ومثل ذلك من كرر الآية ليستنبط منها معنىً أو يتدبرها أو يتأملها أو يتخشع عند قراءتها، فلا يكرر السجود إلا إن طال الفصل يعني قرأ آية ثم جلس مدةً ثم أعاد قراءتها يعيد، وكذلك لو قطع القراءة ثم استأنف فإنه يكرر السجود، جاء في أثر عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قرأ عنده غلام يسمى تميم بن حذلم سجدةً، فقال له ابن مسعود: «اسجد نسجد معك» [رواه البخاري بصيغة الجزم] فأخذ بعد أهل العلم بهذا، أن المستمع تبعٌ للقارئ وأنه إذا لم يسجد لم يسجد معه.

رابط الفقرة 12

قال رحمه الله : (سُجُوْدُ التِّلاوَةِ، وَهُي أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَجْدَةً، فِي الحَجِّ مِنْهَا اثْنَتَانِ) هذا في عدها، والمختلف فيه من سجدات التلاوة سجدتان، أولاهما: السجدة الأخيرة في سورة الحج، والثانية: سجدة ص، وما سوى ذلك متفق عليه، فإذا قلنا إن السجدات كلها معتبرة ومن عزائم السجود، في الحج سجدتان وسجدة ص معها، فإن عدد السجدات يكون خمس عشرة وهو الصحيح، ويدل على ذلك ما جاء عن عمرو بن العاص رضي الله عنه : «أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرأه خمس عشرة سجدة منها ثلاث في المفصل وثنتان في الحج»() [رواه أبو داود بسند صحيح]، وقد ذهب جمهور الأئمة المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن سجدة الحج الأخيرة من عزائم السجود، واستدلوا على ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم قرأها وسجد، وذهبت الحنيفة إلى أنها ليست من عزائم السجود، واحتجوا بحجة لست بذاك، قالوا: إن الله قرن في هذه الآية الأمر بالركوع مع السجود: ﴿ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱرْكَعُوا۟ وَٱسْجُدُوا۟ وَٱعْبُدُوا۟ رَبَّكُمْ وَٱفْعَلُوا۟ ٱلْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ۩ ٧٧ ﴾ [الحج] فقالوا: إن ذكر الركوع هنا يدل على أنه ليس المراد سجود التلاوة، وإنما المراد ركوع الصلاة وسجودها، لكنا نقول: النبي صلى الله عليه وسلم سجد وأقرأ عمرو بن العاص السجدات خمس عشرة وعدَّ منها سجدتي الحج، بل جاء في حديث لا بأس في أوله وفي آخره ضعفٌ، حديث عقبة بن عامر أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم «في الحجِّ سجدتانِ؟ قالَ: نعَم» هذا الحديث صحيح ويكفينا هذا لأنه قال «في الحجِّ سجدتانِ؟ قالَ: نعَم، ومن لَم يسجُدهما فلا يقرأهُما»() لكن الزيادة هذه فيها ضعفٌ، إذن عندنا ثلاث أدلة: فعل النبي، وإقراره لعقبة لما سأله عن السجدتين في الحج، وإقراءه صلى الله عليه وسلم لعمرو وإثبات سجدتي الحج في السجدات الخمس عشرة.

رابط الفقرة 13

كذلك سجدة ص، اختلف الأئمة فيها على قولين مشهورين: فعند الشافعية والحنابلة أنها ليست من عزائم السجود وإنما سجدة شكر، وذهبت الحنفية والمالكية إلى أنها من عزائم السجود، ولهذا يقول المؤلف عندكم (أَرْبَعَ عَشْرَةَ) فأسقط سجدة ص، والصحيح أنها سجدة، الصحيح أنها من السجدات المعتبرات؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سجد فيها، وجاء في حديث أبي سعيد عند أصحاب السنن بسند حسنٍ أنه أُري في المنام، قال: «رأيت أني أقرأ سورة ص وأني مررت بآية السجدة فيها، فسجد كل شيء فسجد كل شيء، فأصبحت فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم فسجد وأمر بالسجود»()، وجاء في حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في سجدة (ص): «سجدها نبيُّ اللهِ داودُ توبةً، ونسجدها شكرًا»() إذن الصحيح أنها سجدةٌ من عزائم السجود، فيسجد المسلم إذا قرأ الآيتين في سورة الحج، ويسجد إذا قرأ آية (ص) ﴿ وَخَرَّ رَاكِعًۭا وَأَنَابَ ۩ ٢٤ ﴾ [ص].

رابط الفقرة 14

قال رحمه الله : (وَيُسَنُّ السُّجُوْدُ لِلتَّالِيْ، وَالمُسْتَمِعِ، دُوْنَ السَّامِع) سبق هذا (وَيُكَبِّرُ إِذَا سَجَدَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَه) لا يخلو قارئ القرآن إما أن يكون في الصلاة أو في خارجها، فإن كان في الصلاة فالأئمة كلهم متفقون على أنه يكبر إذا هوى ساجدًا وإذا رفع، ويدل على ذلك عمومات منها حديث ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكبر في كل خفض ورفع، فإذا كان في الصلاة فيكبر عند هويه ويكبر عند رفعه، وكذا إذا كان خارج الصلاة على الصحيح، فكل سجدة يكبر عندها عند الهوي لها وعند الرفع منها.

رابط الفقرة 15

هل يرفع يديه إذا أراد أن يسجد؟ المشهور عند الحنابلة أنه يرفع يديه، والصحيح خلافه، الصحيح أنه لا يسن رفع اليدين إذا أراد السجود، لا في سجود الصلاة ولا في سجود التلاوة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان يرفع يديه في الصلاة في أربع مواضع: عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع من الركوع، وعند القيام من التشهد الأول في الصلاة التي فيها تشهدان، ثم إنه جاء عن ابن عمر وهو راوي الحديث، قال: «ولَا يَفْعَلُ ذلكَ حِينَ يَسْجُدُ»() وهذا نص صحيحٌ صريحٌ يدل على أن الهاوي للسجود لا يرفع يديه إذا أراد أن يسجد، لا لسجود الصلاة ولا لسجود التلاوة.

رابط الفقرة 16

قال رحمه الله : (ثُمَّ يُسَلِّمُ) هذا أيضًا مما اختلف فيه، والصحيح أنه لم يرد عنه صلى الله عليه وسلم أنه سلم في سجود التلاوة، إذن يكتفي الساجد بالتكبير عند السجود وعند الرفع سواءً كان في صلاةٍ أو خارج الصلاة، ولا يتشهد إذا كان خارج الصلاة ولا يسلم؛ لعدم وروده عن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، ماذا يقول في سجوده؟ يقول مثل ما يقول في سجود الصلاة، سبحان ربي الأعلى سبحان ربي الأعلى ويكررها.

رابط الفقرة 17

لم يذكر رحمه الله سجود الشكر لكن أهل العلم يذكرونه، وهو مثل سجود التلاوة في أحكامه، ذلك أنه يشرع للمسلم إذا تجددت له نعمة أو اندفعت عنه نقمة أن يسجد، وفي حديث أبي بكرة أن النبي صلى الله عليه وسلم : «كان إذا بشر بخبرٍ يسره سجد»() [والحديث رواه أصحاب السنن وسنده حسن] فكان صلى الله عليه وسلم يسجد إذا أُخبر بخبرٍ يسره، وجاء في حديث عليٍ رضي الله عنه لما بعثه صلى الله عليه وسلم إلى اليمن يدعوهم، أن عليًا كتب للنبي صلى الله عليه وسلم بإسلام همدان، قبيلة كاملة أسلمت، «فلمَّا قَرَأَ رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الكِتابَ خَرَّ ساجِدًا، ثُمَّ رَفَعَ رأسَه فقالَ: السَّلامُ على هَمَدانَ، السَّلامُ على هَمَدانَ»() وجاء عن كعب بن مالك رضي الله عنه : «أنه لما بشر بالتوبة سجد لله سجدة شكرٍ»() [والحديث متفق عليه]، وجاء عن الفاروق عمر رضي الله عنه : «أنه لما وجد ذا الثدية في الخوارج سجد لله شكرًا»() إذن يُسن للمسلم إذا تجددت له نعمة سواءً كانت نعمةً عامةً للمسلمين أو خاصةً به، وسواءً كانت هذه النعمة دينية أو دنيوية، كأن يُرزق ولد أو يُرزق خبرًا سارًا كنجاح أو تفوق أو ترقية أو نحو ذلك مما يسر به المؤمن، أو اندفعت بلية ونقمة عنه أو عن أهله أو عن المسلمين، أن يسجد لله شكرًا وسجود الشكر مثل سجود التلاوة، يكبر عند سجوده وعند رفعه خارج الصلاة، لو سجد لله شكرًا في الصلاة، قال بعض أهل العلم: تبطل الصلاة، وهو الصحيح إذا كان عالمًا بحكم السجود وأنه لا يجوز؛ لأنه زاد في الصلاة ما ليس منها، وبأن الحكم أنها تبطل صلاته، لكن إذا كان جاهلًا أو ناسيًا لا تبطل صلاته، إذن نقول: يسجد لله شكرًا إذا تجددت نعمة أو اندفعت بلية أو نقمة لكن ليس في الصلاة.

رابط الفقرة 18

من مسائل سجود التلاوة، هل يقرأ الإمام السجدة في الصلاة السرية؟ ما حكم قراءة السجدة في الصلاة السرية؟ الحنابلة رحمهم الله يقولون: يكره للإمام أن يقرأ السجدة في الصلاة السرية مثل صلاة الظهر والعصر، ويكره له إن قرأ أن يسجد، إذن ينصون على الكراهة في القراءة وفي السجود، يقولون: لأنه إذا قرأها فهو إما أن يترك السجود وهذا خلاف السنة، وإما أن يسجد فيخلط على الناس ويصيبهم بالإيهام، وذلك أن من الناس أن يحسب أن الإمام نسي الركوع وهوى ساجدًا، فإذن الحنابلة يرون كراهة القراءة وكراهة السجود، ويقولون: إن المأموم مخيرٌ يتابعه أو لا يتابعه؛ لأن الأصل في المأموم أن يتابع الإمام في سجود التلاوة ولا يجوز له أن يقف والإمام ساجد سجود التلاوة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إنَّما جُعِلَ الإمَامُ لِيُؤْتَمَّ به، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وإذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وإذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا»() فلا يحل للمأموم أن يخالف الإمام وأن يبقى قائمًا والإمام قد سجد للتلاوة إلا هنا، قالوا: إذا سجد في الصلاة السرية فإن المأموم مخير، ومن أهل العلم من قال: إن قراءة السجدة في الصلاة السرية غير مكروه؛ لأن الكراهة حكمٌ شرعي تحتاج إلى دليل شرعي فلا يمكن أن نقول بالكراهة إلا بدليل، نقول لهم: هاتوا دليل على الكراهة، وهذا هو الصحيح أن قراءة آية سجدة في الصلاة السرية للإمام، الكلام في الإمام أما المأموم يقرأ ويسجد ولا إشكال لكن الكلام في الإمام، نقول: أن قراءة الإمام لآية سجدةٍ في الصلاة السرية غير مكروه لعدم الدليل، ولأن الكراهة حكمٌ شرعيٌ فتحتاج إلى دليلٍ شرعي، بل جاء في السنن من حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ آية سجدة في صلاة الظهر فسجد، قال: فلما رفع علمنا أنه قرأ سجدة()، إذن لا وجه للكراهة.

رابط الفقرة 19

بقي عندنا هل يسجد أو لا يسجد؟ إذن الأصل أنه يقرأ ولا يتجاوز آية السجدة لأنه في الصلاة السرية، قد يكون الإمام يقرأ ما شاء الله في الصلاة السرية متواليًا، فإذا مر بآية سجدة نقول: اقرأها كما تقرأها في غير الصلاة، هل يسجد؟ من أهل العلم من قال: يُكره، ومنهم من قال: لا يُكره، ومنهم من فصل وهو الصحيح، قالوا: إن أمن التخليط على المأمومين فليسجد، وإن خشي التخليط عليهم فلا يسجد، وهذا تفصيلٌ حسن.

رابط الفقرة 20

قد يكون جماعة المسجد محصورين، وربما أيضًا طلاب علم يدركون أن هذا السجود ليس سهوًا وإنما الإمام قرأ آية سجدة، أو يرفع صوته بها يسيرًا ليزيل الإيهام والتخليط عندهم، وإذا كان الذين خلف الإمام سمعوه قبل أن يسجد رفع صوته بآية السجود وسجدوا، يسجد البقية من الصفوف ولا لبس، إذن نقول: إذا أمن الإمام التخليط والإيهام على المأمومين فليسجد، وإذا خشي الإيهام أو التخليط فلا يسجد؛ لأن السجود كما تقرر سنة وليس بواجبٍ، هذه أهم المسائل المتعلقة بسجود التلاوة وسجود الشكر.

رابط الفقرة 21

وفق الله الجميع لما يحب ويرضى وأخذ بنواصينا جميعًا للبر والتقوى، ورزقنا العلم النافع والعمل الصالح، وجعل ما سمعناه وتعلمناه حجةً لنا لا حجةً على علينا، إن ربي قريب مجيب ودود، وبالله التوفيق وصلى الله وسلم وبارك وأكرم وأنعم على خيرة خلقه وأفضل أنبيائه ورسله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

رابط الفقرة 22

الحواشي

  1. (1)

    أخرجه البخاري (1077).

    العودة إلى موضع الحاشية
  2. (2)

    أخرجه ابن حجر وصحح إسناده في فتح الباري (2/644)، ولكن ضعفه ابن القيم في تهذيب السنن (1/101).

    العودة إلى موضع الحاشية
  3. (3)

    أخرجه مسلم (224) باختلاف يسير وفي أوله قصة، والنسائي (139).

    العودة إلى موضع الحاشية
  4. (4)

    أخرجه البخاري (756)، ومسلم (394).

    العودة إلى موضع الحاشية
  5. (5)

    أخرجه أبو داود (1401)، وابن ماجه (1057) عن عمرو بن العاص رضي الله عنه «أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أَقرأَه خَمْسَ عَشْرةَ سَجدةً في القُرآنِ، منها ثلاثٌ في المُفَصَّلِ، وفي سورةِ الحجِّ سَجدتَينِ»، والحديث ضعفه الألباني في ضعيف أبي داود (1401)، وضعف إسناده شعيب الأرناؤوط في تخريج المسند (28/595).

    العودة إلى موضع الحاشية
  6. (6)

    أخرجه أبو داود (1402)، والترمذي (578)، وأحمد (17412)، والحديث حسنه الألباني في صحيح أبي داود.

    العودة إلى موضع الحاشية
  7. (7)

    أخرجه أحمد (11799) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: «رَأيتُ رُؤْيا وأنا أكتُبُ سورةَ (ص)، قال: فلمَّا بَلَغتُ السَّجْدةَ، رَأيتُ الدَّواةَ والقَلَمَ وكُلَّ شَيءٍ بحَضْرَتي انقَلَبَ ساجِدًا، قال: فقَصَصتُها على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فلم يَزَلْ يَسجُدُ بها»، والحديث ضعف إسناده شعيب الأرناؤوط في تخريج المسند.

    العودة إلى موضع الحاشية
  8. (8)

    أخرجه النسائي (957)، والطبراني (12/ 34) (12386)، والدارقطني (1/ 407)، وأصله في صحيح البخاري (1069)، وصححه الألباني في صحيح النسائي (956).

    العودة إلى موضع الحاشية
  9. (9)

    أخرجه البخاري (738)، ومسلم (390).

    العودة إلى موضع الحاشية
  10. (10)

    أخرجه أبو داود (2774)، والترمذي (1578)، وابن ماجه (1394) عن أبي بكرة نفيع بن الحارث رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم «كانَ إذا أتاهُ أمرٌ يسرُّهُ أو بشِّرَ بِه، خرَّ ساجدًا شُكرًا للَّهِ تبارَك وتعالى»، والحديث حسنه الألباني في صحيح ابن ماجة (1151).

    العودة إلى موضع الحاشية
  11. (11)

    أخرجه البيهقي وصححه في الخلافيات (2202)، وصححه الذهبي في تاريخ الإسلام (2/690)، وصحح إسناده ابن القيم في زاد المعاد (3/544).

    العودة إلى موضع الحاشية
  12. (12)

    أخرجه البخاري(4418) ، ومسلم(2769) .

    العودة إلى موضع الحاشية
  13. (13)

    أخرجه الألباني وحسنه في إرواء الغليل (476) عن طارق بن زياد رضي الله عنه : «أن عليًّا سجد حينَ وجد ذا الثُّدَيةِ في الخوارجِ».

    العودة إلى موضع الحاشية
  14. (14)

    أخرجه البخاري (805)، ومسلم (411).

    العودة إلى موضع الحاشية
  15. (15)

    أخرجه أبو داود (807) عن عبدالله بن عمر رضي الله عنه «أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم سجدَ في صلاةِ الظُّهرِ، ثمَّ قامَ فرَكَعَ فرأَينا أنَّهُ قرأَ تنزيلَ السَّجدةِ»، والحديث ضعفه الألباني في ضعيف أبي داود (807).

    العودة إلى موضع الحاشية