تجاوز إلى المحتوى

شرح عمدة الفقه

الدرس السادس والعشرون — كِتَابُ الصَّلَاَةِ، بَابُ السَّاعَاتِ الَّتِي نُهْي عَنِ الصَّلَاَةِ فِيهَا

ملفات PDF ١ ملف

دروس جامع الموسى كاملاعرض PDF ↗تنزيل PDF٤٫١ م.ب
الفقرة ١ من ٢٨

النص المقروء

عناوين هذا الدرس
  1. الدَّرْسُ السَّادِس والْعُشْرُون
  2. كِتَابُ الصَّلَاَةِ
  3. بَابُ السَّاعَاتِ الَّتِي نُهْي عَنِ الصَّلَاَةِ فِيهَا

[الدَّرْسُ السَّادِس والْعُشْرُون]

رابط الفقرة 1

[كِتَابُ الصَّلَاَةِ]

رابط الفقرة 2

[بَابُ السَّاعَاتِ الَّتِي نُهْي عَنِ الصَّلَاَةِ فِيهَا]

رابط الفقرة 3

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك وأكرم وأنعم على أفضل أنبيائه وأشرف خلقه وأصفيائه نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين أفضل صلاة وأزكى سلام.

رابط الفقرة 4

أما بعد؛ أيها الإخوة الأكارم سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وحياكم الله في الدرس السادس والعشرون من شرح كتاب الصلاة من عمدة الفقه للإمام الموفق «ابن قدامة رحمه الله »، انتهينا من باب صلاة التطوع.

رابط الفقرة 5

قال رحمه الله عقب ذلك:

رابط الفقرة 6

بَابُ السَّاعَاتِ الَّتِيْ نُهِيَ عَنِ الصَّلاةِ فِيْهَا، وَهِيَ خَمْسٌ: بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ طُلُوْعِهَا حَتَّى تَرْتَفِعَ قِيْدَ رُمْحٍ، وَعِنْدَ قِيَامِهَا حَتَّى تَزُوْلُ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَتَضَيَّفَ الشَّمْسُ لِلْغُرُوْبِ، وَإِذَا تَضَيَّفَتْ حَتَّى تَغْرُبَ، فَهذِهِ السَّاعَاتُ لا يُصَلَّى فِيْهَا تَطَوُّعًا، إِلاَّ فِي إِعَادَةَ الجَمَاعَةِ إِذَا أُقِيْمَتْ وَهُوَ فِي المَسْجِدِ، وَرَكْعَتَيْ الطَّوَافِ بَعْدَهُ، وَالصَّلاةَ عَلَى الجَنَازَةِ، وَقَضَاءَ السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ فِيْ وَقْتَيْنِ مِنْهَا، وَهُمَا: بَعْدَ الْفَجْرِ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ، وَيَجُوْزُ قَضَاءُ المَفْرُوْضَاتِ فِيْ جَمِيْعِ الأَوْقَاتِ.

رابط الفقرة 7

المناسبة بين باب صلاة التطوع وأوقات النهي لعلها ظاهرة، ذلكم أن الصلاة خيرٌ موضوع كما قال صلوات ربي وسلامه عليه: «اسْتَقيموا ولنْ تُحْصوا، واعْلَموا أنَّ خيرَ أعمالِكم الصَّلاةُ»() فنفس المؤمن تتوق للصلاة وتنشرح للصلاة، وهو يعلم أنه لا يسجد لله سجدة إلا رفعه الله بها درجة، فجاءت الشريعة فمنعت الصلاة في بعض الأوقات لتتوق نفس المؤمن أكثر وأكثر، ويترقب وقت النهي فيمتنع من الصلاة منه، فإذا انتهى عاد إلى الصلاة ورغب في الصلاة وزاد وتزود من الصلاة، مع حكمة أخرى ظاهرة لا سيما في الصلاة عند طلوع الشمس أو عند غروبها، فإن الشرع نهى عنها لما في ذلك من التشبه بالمشركين الذين يعبدون الشمس أو القمر، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم : «لا تتحروا الصلاة عند غروب الشمس أو عند طلوعها»() [الحديث متفق عليه].

رابط الفقرة 8

قبل أن نعرض المسائل، نقول: ثمة أحاديثٌ صحاح دلت على النهي عن الصلاة في هذه الأوقات الخمسة، ولهذا صدر المؤلف رحمه الله الباب على غير عادته بعدم ذكر الحديث، والأصل أنه يصدر الباب بحديثٍ ويبني عليه مسائل، لكنه ذكر هنا الساعات التي نهي عنها ولم يذكر الحديث، وقد جاءت أحاديث كثيرة منها ما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: شهد عندي رجال مرضيون وأرضاهم عندي عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم : «نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حتَّى تَشْرُقَ الشَّمْسُ، وبَعْدَ العَصْرِ حتَّى تَغْرُبَ»() [الحديث متفق عليه]، وفي حديث آخر عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ، ولَا صَلَاةَ بَعْدَ العَصْرِ حتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ»() [الحديث متفق عليه أيضًا] وفي لفظ لمسلمٍ عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إِذَا بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ، فأخِّرُوا الصَّلَاةَ حتَّى تَبْرُزَ، وإذَا غَابَ حَاجِبُ الشَّمْسِ، فأخِّرُوا الصَّلَاةَ حتَّى تَغِيبَ»() [أخرجه الإمام مسلم] وله -أي مسلمٌ- عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: «ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كانَ رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ، أَوْ أَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا: حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حتَّى تَمِيلَ الشَّمْسُ، وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ حتَّى تَغْرُبَ»() [الحديث أخرجه الإمام مسلم وأصحاب السنن] إذن هذه أحاديث صحاح تدل على أن النهي ثابتٌ عنه صلى الله عليه وسلم في هذه الأوقات الخمسة.

رابط الفقرة 9

وبعض أهل العلم عدّها ثلاثة ولا فرق، فإن من عده من طلوع الفجر حتى ترتفع الشمس قيد رمح جعله واحد، نقول: لا حرج ولا إشكال، وإن قال: من طلوع الفجر حتى تطلع الشمس، ومن طلوعها حتى ترتفع، فهذا أقرب وأسهل وأفهم لا سيما للصغار.

رابط الفقرة 10

هذه أوقات النهي خمسةٌ، أولها: من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وهذا يعرفه صغار المسلمين قبل كبارهم؛ لأنهم يدرسون في المدارس أوقات النهي، لكن متى يبدأ وقت النهي هذا؟ هل يبدأ بطلوع الفجر أو بالفراغ من صلاة الفجر؟ هل يبدأ وقت النهي بطلوع الفجر أو من الفراغ من صلاة الفجر؟ عند الحنفية والحنابلة -رحم الله الجميع- أنه يبدأ من طلوع الفجر عدا ركعتي الفجر، يعني إذا طلع الفجر ليس للمسلم أن يصلي إلا ركعتي الفجر الراتبة والفريضة، وليس له أن يتنفل، فمسلمٌ يقدم للمسجد بعد أذان الفجر يصلي راتبة الفجر وتدخل فيها تحية المسجد، لو قال: أنا أريد أتنفل حتى يحضر الإمام، أصلي ما كتب الله لي، نقول: لا تصلي؛ هذا وقت نهي الآن، من طلوع الفجر يبدأ وقت النهي عند الحنفية والحنابلة فلا صلاة إلا ركعتي الفجر، ويستدلون على هذا بأحاديث صحيحة منها قول النبي صلى الله عليه وسلم : «إذا طَلعَ الفَجرُ فلا صلاةَ إلَّا رَكعَتيْ الفَجرِ»() [أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن أبي شيبة والبيهقي وهو حديث حسن] ومنها حديث: «لِيُبَلِّغِ شاهدُكُمْ غائِبَكُمْ، لَا تُصَلُّوا بَعْدَ الفجْرِ إلَّا سجدتَيْنِ»() [رواه الإمام أحمد بسند صحيح].

رابط الفقرة 11

أما المالكية والشافعية رحمهم الله فيرون أن النهي يبدأ بعد صلاة الصبح، وأنه ما بين الأذان إلى صلاة الصبح وقتٌ للصلاة وللتطوعات وللنوافل المطلقة، ويستدلون على ذلك بحديث: «لا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ»، وحديث: «نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حتَّى تَشْرُقَ الشَّمْسُ» [الحديثين متفق عليهما]، وحديث «فصَلِّ ما شئتَ؛ فإنَّ الصَّلاةَ مشهودةٌ مكتوبةٌ، حتى تُصلِّيَ الصُّبحَ، ثمَّ أَقصِرْ حتى تطلُعَ الشَّمسُ»() حتى ترتفع، والراجح والعلم عند الله تعالى هو القول الأول، وأن المسلم إذا طلع الفجر يمتنع عن الصلاة إلا ركعتي الفجر الراتبة والفريضة.

رابط الفقرة 12

أما الوتر فقد سبق الخلاف فيه، ومن ثم فإن المالكية الذين يبيحون الصلاة إلى أن يفرغ من صلاة الصبح يرون أنه يوتر بين الأذان والإقامة، والصحيح كما سبق أن هذا الوقت ليس وقتًا للوتر لكن لو أذن الفجر وهو في آخر ركعة من وتره أتمها.

رابط الفقرة 13

الوقت الثاني من أوقات النهي: من طلوع الشمس حتى ترتفع قيد رمح، قِيد بكسر القاف، رمحٍ -أي قدر رمحٍ- وطوله ستة أذرع، وقدره بالزمن المقدر في وقتنا الحاضر نحو ربع ساعة، وما أكثر ما يغلط بعض المسلمين فيتحين شروق الشمس المدون في التقويم فيصلي عقبه، وهذا أشد وقتٍ للنهي، إذن من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس هذا وقت واسع وهو وقت نهي، إذا طلعت الشمس حتى ترتفع هذا وقت نهي أشد من ذي قبل، حتى إن من أهل العلم من منع الصلاة على الجنازة في هذه الساعة، والساعة التي تسبق غروب الشمس، الأوقات القصيرة، على كلٍ نقول يتحين بعض المسلمين الصلاة بعد الشروق المدون في التقاويم، يحسبون أن هذا هو وقت انتهاء النهي، هذا المدون هو وقت الشروق وليس وقت ارتفاع الشمس، فيضيف المسلم إلى وقت الشروق المدون في التقاويم ربع ساعةٍ صيفًا وشتاءً فيسلم وتكون صلاته عقب انتهاء وقت النهي.

رابط الفقرة 14

الثالث: عند قيام الشمس في وسط السماء حتى تزول، وهذا وقتٌ يخفى أيضًا على بعض المسلمين، ولهذا تجد بعض الناس يصلي في هذا الوقت إلى أن يؤذن الظهر بل رأيت في غير مسجدي جماعةٍ ينتظرون بنياتهم عند مدرسة، وفارشين لهم سجاد يصلون وقبيل الأذان بدقائق، وكل يوم هذا فعلهم ولا يخطر في بالهم أنهم الآن يصلون في وقت نهي؛ لأن وقت النهي الذي يحفظه الناس بعد الفجر وبعد العصر، هؤلاء جزاهم الله خير يترقبون فتح المدرسة قبيل الأذان وفارشين السجاد يصلون، خير ما فعل المسلم الصلاة لكن في وقت النهي ينبغي أن ينتبه قبيل أذان الظهر بنحو ربع ساعة هذا وقت نهي، إذا صارت الشمس عامودية في كبد السماء حتى تميل للغروب الذي هو الزوال، هذا الوقت أيضًا يقدر بنحو ربع ساعة، أقصِر عن الصلاة ولا تصلي فيه صلاة نافلة.

رابط الفقرة 15

هذا وقت نهيٍ عند بعض أهل العلم في جميع الأيام، وبعض أهل العلم يستثني يوم الجمعة، إذن عند قيامها حتى تزول في جميع الأيام عند الحنفية والحنابلة، وأما الشافعية فيقولون: إلا يوم الجمعة فإنه وقت صلاةٍ ولو قبيل طلوع الخطيب أو صعود الخطيب المنبر إذا كان الخطيب يصعد المنبر على وقت أذان الظهر، فإن هذا الوقت الذي يسبق صعوده وقت نهي، الحنفية والحنابلة يقولون: هذا وقت نهي، الشافعية يقولون: ليس وقت نهيٍ، ويحتجون في ذلك بأنه صلى الله عليه وسلم رغب بالصلاة حتى تحضر الجمعة؛ ولأن جهنم لا تسجر يوم الجمعة وهذا من خصائص يوم الجمعة وفضائلها، الأيام كلها هذا الوقت الذي يسبق أذان الظهر هذا وقت تسجير جهنم، شدة عذاب أهلها -نسأل الله السلامة والعافية، وأن يجيرنا ووالدينا والمسلمين منها- فهذا اليوم يوم الجمعة لا تسجر فيه جهنم فاستثناه الشافعية، وعند المالكية يقولون: ليس وقتًا للنهي مطلقًا، والراجح أن هذا وقت نهيٍ كما جاء في الأحاديث المتقدمة.

رابط الفقرة 16

استدل الحنفية والحنابلة على أن هذا وقت نهي في جميع الأيام بقوله صلى الله عليه وسلم في حديث عمرو بن عبسة المتقدم: «ثُمَّ صَلِّ؛ فإنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ حتَّى يَسْتَقِلَّ الظِّلُّ بالرُّمْحِ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلَاةِ؛ فإنَّ حِينَئِذٍ تُسْجَرُ جَهَنَّمُ»() [الحديث رواه الإمام مسلم] وهذا هو الصحيح لكن يوم الجمعة، نقول: لا حرج على من دخل في أي ساعة أن يصلي، وأيضًا لو دخل مبكرًا أن يصلي حتى يصعد الخطيب؛ لأن الحديث جاء فيه وله خصوصية.

رابط الفقرة 17

الرابع من أوقات النهي: من بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، حيث نهى صلى الله عليه وسلم عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس كما تقدم، وقد ثبت ذلك في الصحيحين، والاعتبار بالفراغ من صلاة العصر لا بالشروع فيها، ما معنى ذلك؟ لو مسلمٌ صلى العصر كبر ثم سمع جماعةً حضرت، فحول صلاته هذه إلى نافلة وقال: أصلي معهم؟ نقول: نعم، قال: طيب الآن بدأ وقت النهي، نقول: لا، وقت النهي لا يبدأ إلا إذا فرغت من صلاة العصر، وأنت لم تصل العصر حينئذ.

رابط الفقرة 18

الخامس والأخير: إذا شرعت الشمس في الغروب، يعني بدأت في الغروب وهو وقت مضيق حتى يتم ويغيب حاجبها، كما جاء في الأحاديث المتقدمة.

رابط الفقرة 19

قال الشيخ: (فَهذِهِ السَّاعَاتُ لا يُصَلَّى فِيْهَا تَطَوُّعًا، إِلاَّ فِي إِعَادَةَ الجَمَاعَةِ إِذَا أُقِيْمَتْ) إذن استثنى صلوات تصلى، منها ما اتفق عليها الأئمة ومنها ما اختلفوا فيه، فمما اتفق عليه إِعَادَةَ الجَمَاعَةِ إِذَا أُقِيْمَتْ وَهُوَ فِي المَسْجِدِ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم في منى في أيام الحج صلى الفجر، فإذا هو برجلين جالسين لم يصليا، حديث يزيد بن الأسود، فدعاهما صلى الله عليه وسلم وأنكر عليهما جلوسهما، قال: «ما الذي منعكما من الصلاة؟» قالا: إنا صلينا في رحالنا فأخبرهما صلى الله عليه وسلم : «أنهما إذا صليا في رحالهما وأتيا ووجدا الناس يصلون فليصلوا معهم، فإنها نافلةٌ لهم»() وهذا ليس خاصًا بمن أقيمت الصلاة وهو في المسجد، حتى من دخل والناس يصلون وقد صلى في مسجد قومه أو جماعته وجاء لهذا المسجد يريد إمامه أو يريد درسًا أو حلقةً أو نحو ذلك، فإنا نقول: لا يجلس، وهذا الحديث احتج به بعض من يرى أن الجماعة غير واجبة، قالوا: لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر عليهما أنهما صليا في رحالهما وفات على هؤلاء المحتجين بهذا الحديث، أن هذا في الحج في منى، ومنى معلومٌ أنه لا يمكن أن يصلي أهل منى كلهم خلف إمامٍ واحد، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي مع أصحابه وأهل منى كل مجموعة تصلي، كما هو حال الحجاج في كل عام، يصلي الحجاج كل مجموعة في خيمتهم أو مخيمهم، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم أنكر عليهم أنهم جلسوا ما صلوا، وأما أنهم صلوا في رحالهم فهذا صحيحٌ، وليس هذا الحديث في المدينة حتى يقال أنهم صلوا في بيوتهم ولم ينكر عليهم بل اشتد نكيره ونهيه صلى الله عليه وسلم على من يصلي في البيت، حتى قال في حديث أبي هريرة المتفق عليه: «وَلقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بالصَّلَاةِ، فَتُقَامَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فيُصَلِّيَ بالنَّاسِ، ثُمَّ أَنْطَلِقَ مَعِي برِجَالٍ معهُمْ حُزَمٌ مِن حَطَبٍ إلى قَوْمٍ لا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ، فَأُحَرِّقَ عليهم بُيُوتَهُمْ بالنَّارِ»() فهذا هو حديثه صلى الله عليه وسلم في ترك الجماعة لكن أولئك أو هذان الرجلان صليا في منى في مخيمهم أو خيمتهم أو رحلهم.

رابط الفقرة 20

كذلك قال: (وَرَكْعَتَيْ الطَّوَافِ بَعْدَهُ) لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بركعتين بعد الطواف، ونهى عن نهي من طاف في أي ساعة من ليلٍ أو نهار أن يصلي ركعتين، فمن طاف بعد العصر أو بعد الفجر فإنه يصلي ركعتي الطواف.

رابط الفقرة 21

قال رحمه الله : (وَالصَّلاةَ عَلَى الجَنَازَةِ) كذلك؛ لحديث عقبة المتقدم أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة في هذه الساعات، الصلاة على الميت من أهل العلم من قيدها في الوقت الموسع، قال: لا يصلى عليه إلا بعد الفجر أو بعد العصر يعني من أوقات النهي، وأما الوقت المضيق الذي هو من طلوع الشمس حتى ترتفع ومن قيامها في كبد السماء حتى تزول ومن بداية الغروب حتى تغرب، قالوا: هذا الوقت المضيق لا تصلى فيه الجنازة إلا إن خشي تلفها وتغيرها كما هو حال الأولين، يأتون بالجنازة ربما بعد ساعات من الموت فربما تنتن وتتغير، أما اليوم يؤتى بالجنازة وهي غير منتنة لأنها تحفظ في ثلاجات ونحوه، لكن يشكل علينا فعل كثيرٍ من الناس اليوم الذين يموت ميتهم في أول النهار فيؤخرونه إلى العصر، وأغرب من هذا وأعجب أن يموت اليوم فيؤخرونه إلى عصر غدٍ ويوقعون الصلاة في وقت النهي اختيارًا، هذا من غير نكير نراه الآن في المساجد التي يصلى فيها على الجنائز يتحين الناس صلاة العصر أكثر، ولهذا تجد الجنائز العصر أكثر ليسوا هؤلاء كلهم ماتوا من الضحى المتأخر أو بعد الظهر، لا منهم من مات من أول النهار أو من اليل أو من يوم أمس، فيؤخرون الجنازة حتى يجتمع أكبر عدد من أهل البلد ويقدم المسافر ويتحينون العصر؛ لأنه لا دراسة فيه ولا دوام في الأعم الأغلب، ولأنه في الصيف يكون ربما أخف حرًا، نقول: كل هذه المعاني لا ينبغي أن تطغى على إيقاع الصلاة على الميت في وقت نهيٍ ونحن غير مضطرين، من مات الضحى ولم نتمكن من الصلاة عليه الظهر أو مات بعد الظهر ولم نتمكن من الصلاة عليه إلا العصر لا حرج، لكن أن يموت الميت ويحبس بين ظهراني أهله أو في ثلاجات الموتى يوم ويومين، نقول: هذا كله خلاف السنة وإن فعله الناس، خلاف السنة، فإكرام الميت دفنه والإسراع بتجهيزه وعدم حبسه لا ساعات ولا أيام، ومن جاء من خارج البلد فليدرك الصلاة على القبر ما شاء الله وليس له حدٌ على الصحيح.

رابط الفقرة 22

من الصلوات التي تفعل أيضًا بلا خلاف، قضاء الفرائض، فمن فاتته فريضة فليقضها متى زال السبب المانع من أدائها، سواءً كان بنوم أو إغماء أو غيبوبة أو صرع أو بنج، زال العذر يصلي بعد العصر أو يصلي بعد الفجر، متى زال العذر يصلي؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : «مَن نام عن صَلاةٍ أو نَسِيَها فلْيُصَلِّها إذا ذَكَرَها»() [الحديث متفق عليه] لا كفارة لها إلا ذلك ولا يتحين، يقول: هذا وقت نهي، نقول: أنت الآن الصلاة واجبة متعلقة بذمتك، عذرك زال، نومك زال، صرعك زال، بنجك زال، فبادر بالصلاة.

رابط الفقرة 23

المنذورة، لو نذر أن يصلي بعد العصر، هل يصلي؟ من أهل العلم من قال: يصلي لأنها تعلقت بذمته ووجبت عليه فأشبهت الفرائض، وهذا المشهور في المذهب عند الحنابلة، وعن الإمام أحمد رحمه الله رواية ثانية: أنه لا يصليها، وتوسط ابن عقيل من الحنابلة وقال قولًا جيدًا في هذا، قال: يجب عليه أن يكفر كفارة يمين ويصلي بعد خروج وقت النهي، وهذا من أحسن الأقاويل في المسألة، يقول: هذا لماذا يتعمد؟ يقول لله عليَّ أن أصلي بعد العصر ركعتين، ما شاء الله عليك، ما نذرت إلا في وقت النهي؟ تعلق في ذمتك الآن، صلي بعد ما ينتهي وقت النهي وكفر عن هذا النذر الذي تعلق بذمتك، وهذا يردعه أيضًا حتى ما ينذر، أصلًا النذر لا يأتي بخير، والنبي صلى الله عليه وسلم نهى عنه، والمؤمن يفعل الطاعات بدون أن ينذر.

رابط الفقرة 24

كذلك ذوات الأسباب، لكن هذه فيها خلاف عظيم وكبير بين الأئمة، من غير تلك الصلوات، يعني الصلوات التي تصلى في أوقات النهي ولا خلاف فيها والخلاف شاذ، قضاء الفرائض متى ذكرها والمنذورة، وقلنا الصحيح أنه لا يحل له أن ينذر أن يصلي في وقت النهي، مثل لو نذر أن يصوم يوم العيد، هل يفي بنذره؟ نقول: لا، هذا نذر محرم، «مَن نَذَرَ أنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، ومَن نَذَرَ أنْ يَعْصِيَهُ فلا يَعْصِهِ»() فمن نذر أن يصلي بعد العصر؟ نقول: لا تصلي لكن ذمتك مشغولة بهذا النذر، كفر عنه وصلي في غير وقت النهي، وكذلك ركعتي الطواف في أي ساعة طاف ،وإعادة الجماعة إذا أقيمت وهو في المسجد، والصلاة على الجنازة بعد الفجر والعصر في الوقت الموسع، وذوات الأسباب عند الشافعية، ورواية عن الإمام أحمد واختيار شيخ الإسلام وهو الصحيح، أن أي صلاةٍ لها سببٌ تصلى في وقت النهي، أما الحنابلة والمالكية والحنفية، يقولون: لا، ما تصلى إلا الصلوات المنصوص عليها تلك، مثال ذلك: تحية المسجد، إذا دخل بعد العصر أو بعد الفجر، هذه فيها خلاف عند الأئمة، الجمهور يقولون: لا يصلي، يجلس لأنه نهى الشارع عن الصلاة في هذا الوقت وهذه ليست من ذوات الأسباب عندهم أو لا يعتدونها من ذوات الأسباب التي يشرع أن يصلي، ومثله ركعتي الوضوء، لو توضأ وهو ممن اعتاد أن يصلي عقب كل وضوء، ومثله كسوف الشمس لو كسفت بعد العصر، يقولون: ما تصلى، جمهور الأئمة يقولون: لا تصلى، والقول الثاني وهو الراجح ومذهب الشافعية ورواية عن الإمام أحمد واختيار شيخ الإسلام، أن كل صلاةٍ لها سببٌ تصلى، والدليل على ذلك أحاديث كثيرة، منها حديث أبي قتادة قول النبي صلى الله عليه وسلم : «إِذَا دَخَلَ أحَدُكُمُ المَسْجِدَ، فَلاَ يَجْلِسْ حتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ»() هذا عام في كل من دخل مسجد في أي ساعةٍ من ليلٍ أو نهار، الحديث متفق عليه، ولقوله صلى الله عليه وسلم في الكسوف: «إِذَا رَأيتُم ذلك، فافْزَعوا إلى الصَّلاةِ»() فمن كسفت الشمس عندهم بعد العصر فليصلوا، وفي سنة الوضوء قال صلى الله عليه وسلم لبلال: «أخبرني بأرجى عملٍ عملته، فإني سمعت دف نعليك»() يعني سمعت صوت نعليك في الجنة وهو من أول الداخلين رضي الله عنه وأرضاه، فقال رضي الله عنه : إني لم أتطهر طهورًا في ساعةٍ من ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي، فربما يتطهر بعد الفجر، يتطهر بعد العصر فيصلي، كما يدل على ذلك أنه صلى الله عليه وسلم قال: «لَا تَحَرَّوْا بصَلَاتِكُمْ طُلُوعَ الشَّمْسِ ولَا غُرُوبَهَا»() فنهى عن التحري، أن يصلي هكذا نافلةً مطلقة، وأما مسلمٌ دخل المسجد أو توضأ أو كسفت الشمس أو نحو ذلك من ذوات الأسباب، فالصحيح أنه يصلي، ونقول: إن أحاديث النهي عن الصلوات في هذه الأوقات الخمسة مخصوصةٌ عندكم أيها الجمهور في أنه يصلي ركعتي الطواف، يصلي قضاء الفرائض ويعيد الصلاة ويصلي على الجنائز، ما دمتم استثنيتم هذه بأدلتها، فيلزمكم أن تستثنوا أيضًا ما دل عليه الدليل كركعتي تحية المسجد والوضوء ونحوها.

رابط الفقرة 25

إذا دخل وقت النهي وهو في تطوع؟ مسلمٌ بدأ يصلي الضحى لكنه أخرها، فجاء وقت النهي الذي يسبق صلاة الظهر وهو في هذه النافلة، من أهل العلم من قال يقطعها، والصحيح أنه إن بقي ركعة فدون يكملها، وأما إن كان كبر والآن تبين أنه وقت نهي فلا يصلي.

رابط الفقرة 26

ما الذي يُقضى من الرواتب؟ مر الخلاف فيه وأن الحديث دل على قضاء سنة الفجر خاصة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لقيسٍ أن يصلي ما دام أنه لم يصلِ راتبة الفجر، ذلك أن قيس بن سهل قال: «خرجَ النَّبي صلى الله عليه وسلم ، فأُقيمتِ الصَّلاةُ ، فصلَّيتُ معَهُ الصُّبحَ، ثمَّ انصَرفَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ فوجدَني أصلِّي، فقالَ: مَهْلًا يا قَيسُ، أصَلاتانِ معًا، قُلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، إنِّي لم أَكُن رَكَعتُ رَكْعتيِ الفَجرِ، قالَ: فلا إذَنْ»() يعني لا أمنعك إذن، فدل على أن من صلى الفجر قبل أن يأتي براتبة الفجر، فالسنة والأفضل في حقه أن ينتظر حتى تطلع الشمس وترتفع قيد رمح فيصلي، لكن إن قال لا أنا والله أذهب إلى الدوام أو الدراسة أو أخشى أنام وأنسى هذه الصلاة فليصلي ولا حرج؛ لحديث قيسٍ هذا وقد رواه أبو داود والترمذي وهو حديث حسن، أما غيرها فلا تقضى في وقت النهي على خلافٍ سبق بيانه عند الكلام على الرواتب، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قضى راتبة الظهر بعد العصر، هل يقتدى به في ذلك أو أنها من خصوصياته؟ جاء في حديثٍ صحيحٍ أن أم سلمة رضي الله عنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، هل نقضي؟ قال: لا وقد جود سماحة شيخنا ابن بازٍ هذا الحديث، فيُقتصر على مثل راتبة الفجر إذا فاتته ولم يصلها قبل صلاة الفجر فليصلها، إما بعد طلوع الشمس وهذا أفضل أو يصليها بعد صلاة الفجر ولا يعد وقت نهيٍ في حقه؛ لأنها أيضًا من ذوات الأسباب.

رابط الفقرة 27

وفق الله الجميع لما يحب ويرضى وأخذ بنواصينا جميعًا للبر والتقوى، ورزقنا العلم النافع والعمل الصالح، وجعل ما تعلمناه حجةً لنا لا حجةً علينا، إن ربي قريب مجيب ودود وبالله التوفيق، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

رابط الفقرة 28

الحواشي

  1. (1)

    أخرجه ابن ماجه (277)، وأحمد (22436)، والحديث صححه الألباني في تمام المنة (234).

    العودة إلى موضع الحاشية
  2. (2)

    أخرجه البخاري (582) عن عبدالله بن عمر رضي الله عنه بلفظ: «لَا تَحَرَّوْا بصَلَاتِكُمْ طُلُوعَ الشَّمْسِ ولَا غُرُوبَهَا».

    العودة إلى موضع الحاشية
  3. (3)

    أخرجه البخاري (581).

    العودة إلى موضع الحاشية
  4. (4)

    أخرجه البخاري (586).

    العودة إلى موضع الحاشية
  5. (5)

    أخرجه البخاري (829)، ومسلم (829).

    العودة إلى موضع الحاشية
  6. (6)

    أخرجه مسلم (831).

    العودة إلى موضع الحاشية
  7. (7)

    أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (816)، وابن عدي في الكامل في الضعفاء (1/301)، والحديث صححه الألباني في إرواء الغليل (478).

    العودة إلى موضع الحاشية
  8. (8)

    أخرجه أبو داود (1278)، والترمذي (419)، وابن ماجه (235)، وأحمد (5811)، والحديث صححه الألباني في صحيح أبي داود (1278).

    العودة إلى موضع الحاشية
  9. (9)

    أخرجه أبو داود (1278)، والحاكم (584)، والبيهقي في السنن الصغرى (925)، وابن خزيمة في صحيحه (1/360)، وصحح اسناده شعيب الأرناؤوط في تخريج سنن أبي داود (1277).

    العودة إلى موضع الحاشية
  10. (10)

    أخرجه مسلم (832).

    العودة إلى موضع الحاشية
  11. (11)

    أخرجه أبو داود (577)، والطبراني (22/238) (624)، والدارقطني (1/276) عن يزيد بن عامر السوائي رضي الله عنه بلفظ: «إذا جِئْتَ إلى الصلاةِ فوجدتَّ الناسَ يُصَلُّونَ فصلِّ معهم، وإِنْ كنتَ قَدْ صلَّيْتَ تَكُنْ لكَ نافِلَةً، وهَذِهِ مكتوبةٌ»، والحديث ضعفه الألباني في ضعيف الجامع (446).

    العودة إلى موضع الحاشية
  12. (12)

    أخرجه البخاري (644)، ومسلم (651).

    العودة إلى موضع الحاشية
  13. (13)

    أخرجه مسلم (680) بنحوه.

    العودة إلى موضع الحاشية
  14. (14)

    أخرجه البخاري (6696).

    العودة إلى موضع الحاشية
  15. (15)

    أخرجه البخاري (1167)، ومسلم .(714)

    العودة إلى موضع الحاشية
  16. (16)

    أخرجه البخاري (1058)، ومسلم (901).

    العودة إلى موضع الحاشية
  17. (17)

    أخرجه البخاري (1149)، ومسلم (2458) عن أبي هريرة رضي الله عنه «أن رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِبِلَالٍ: عِنْدَ صَلَاةِ الغَدَاةِ يا بلَالُ حَدِّثْنِي بأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ عِنْدَكَ في الإسْلَامِ مَنْفَعَةً، فإنِّي سَمِعْتُ اللَّيْلَةَ خَشْفَ نَعْلَيْكَ بيْنَ يَدَيَّ في الجَنَّةِ».

    العودة إلى موضع الحاشية
  18. (18)

    أخرجه البخاري (3273)، ومسلم (828).

    العودة إلى موضع الحاشية
  19. (19)

    أخرجه الترمذي (442) من حديث قيس بن أبي حازم رضي الله عنه ، وصححه الألباني في صحيح الترمذي (442).

    العودة إلى موضع الحاشية