تجاوز إلى المحتوى

شرح عمدة الفقه

الدرس السابع والعشرون — كِتَابُ الصَّلَاَةِ، بَابُ الْإمَامَةِ - الجُزْءُ الأَوَّل

ملفات PDF ١ ملف

دروس جامع الموسى كاملاعرض PDF ↗تنزيل PDF٤٫١ م.ب
الفقرة ١ من ١٩

النص المقروء

عناوين هذا الدرس
  1. الدَّرْسُ السَّابَع والْعُشْرُون
  2. كِتَابُ الصَّلَاَةِ
  3. بَابُ الْإمَامَةِ - الجُزْءُ الأَوَّل

[الدَّرْسُ السَّابَع والْعُشْرُون]

رابط الفقرة 1

[كِتَابُ الصَّلَاَةِ]

رابط الفقرة 2

[بَابُ الْإمَامَةِ - الجُزْءُ الأَوَّل]

رابط الفقرة 3

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك وأكرم وأنعم على خيرة خلقه وأفضل أنبيائه ورسله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين أفضل صلاة وأتم تسليم.

رابط الفقرة 4

أما بعد؛ أيها الإخوة الأكارم سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وحياكم الله في الدرس السابع والعشرون من شرح كتاب الصلاة من عمدة الفقه للإمام الموفق «ابن قدامة رحمه الله ».

رابط الفقرة 5

قال رحمه الله :

رابط الفقرة 6

بَابُ الإِمَامَةِ

رابط الفقرة 7

رَوَى أَبُوْ مَسْعُوْدٍ الْبَدْرِيُّ رضي الله عنه ، أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ عز وجل فَإِنْ كَانُوْا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً، فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوْا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً، فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنَ كَانُوْا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً، فَأَقْدَمُهُمْ سِلْمًا، فَلْيَؤُمَهُم أَكْبَرُهُم سِنًا وَلا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِيْ بَيْتِهِ، وَلَا فِي سُلْطَانِه، وَلا يُجْلَسُ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ، وَقَالَ لِمَالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ وَصَاحِبِهِ: «إِذَا حَضَرَتِ الصَّلاةُ، فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمَا، وَليَؤُمُّكُمَا أَكْبَرُكُمَا»، وَكَانَتْ قِرَاءَتُهُمَا مُتَقَارِبَةً.

رابط الفقرة 8

هذا الباب في أحكام الإمامة، والإمامة في لغة العرب بمعنى الأَمْ وهو القصد، وأما في الشرع فهي ربط صلاة المؤتم بالإمام، وفضل الإمامة مشهورٌ، سبقت الإشارة عند شرح باب الأذان ذكر المفاضلة بين الأذان والإمامة، وأن أهل العلم قد اختلفوا في ذلك على قولين مشهورين:

رابط الفقرة 9

الأول: تفضيل الأذان وهو مذهب الشافعية والحنابلة، ويستدلون على ذلك بما سبق من أدلةٍ عظيمةٍ كثيرةٍ في فضل الأذان، كقوله صلى الله عليه وسلم : «أطوَلُ النَّاسِ أعناقًا المؤذِّنونَ»() وغير ذلك مما ورد في السنة وهو كثيرٌ سبق في بابه، وأن الحنفية والمالكية يرون تفضيل الإمامة على الأذان ويستدلون على ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء من بعده تولوا الإمامة ولم يتولوا الأذان، وبأنه يُختار للإمامة الأفضل، والراجح كما سبق تفضيل الأذان على الإمامة؛ لأن النصوص فيه كثيرةٌ مشهورةٌ صحيحةٌ ولا صارف لها، وأما كون النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه من بعده يلون الإمامة؛ فلأن هذه من مهامهم ومن مهام الإمام الأعظم، ولأنهم لم يستطيعوا أن يجمعوا بينها وبين الأذان، ولهذا جاء عن الخليفة الراشد عمر أنه قال: «لولا الخلافة لأذنت»، وهذا الخلاف يدل على فضل كلٍ منهما، وعلى أنه شرف دونه كل شرف، أن يلي المسلم الأذان في بيتٍ من بيوت الله أو الإمامة هذا شرفٌ عظيم وهذه منزلة سامقة، وقد جاء في فضل الإمامة، أولًا: تولي النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدون بعده أجمعين الإمامة، وجاء في حديث ابن عمر: «ثَلاثَةٌ على كُثْبانِ المِسكِ يَومَ القيامَةِ» وذكر منهم: «رَجُلٌ أَمَّ قَومًا وهم به راضون»() [أخرجه الإمام أحمد والترمذي وحسنه] هذا فضلٌ عظيم ومنزلة سامقة، وله أجر من صلى خلفه.

رابط الفقرة 10

بناءً على فضل الإمامة، هل طلبها مما يشرع؟ هل يشرع للمسلم أن يطلب الإمامة ويتقدم يطلب الإمامة في المساجد، الإمامة الصغرى؟ قال أهل العلم: يجوز طلبها، وليس من طلب الرياسة المكروهة، فإن ذلك -أي المكروه- إنما يتعلق برياسة الدنيا التي لا يعان عليها من طلبها ولا يستحق أن يعطاها، أما الإمامة الصغرى فنعم، للمسلم أن يطلبها إذا آنس من نفسه قدرة وانضباطًا وحضورًا، وقبل ذلك علمًا وفقهًا بأحكام الصلاة على وجه الخصوص والإمامة، ويشهد له عموم قول الله تعالى: ﴿ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ٧٤ ﴾ [الفرقان]، فإنه وإن كان المراد هنا الأسوة والقدوة كما قاله قتادة، لكن يدخل في عمومها الإمامة الصغرى، فإن المتقي يسأل ربه أن يجعله للمتقين إمامًا، وفي حديث عمرو بن أبي العاص رضي الله عنه أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم : اجعلني إمام قومي، قال: «أنتَ إِمامُهمْ واقتَدِ بأضعفِهمْ»() [رواه النسائي بسند صحيح] إذن لا بأس، بل نقول: يشرع لمن آنس من نفسه قدرةً أن يطلب الإمامة، لكن ينبغي أن يقيد ذلك بمن خلصت نيته، سواءً في طلب الإمامة أو طلب الأذن، وأن يكون قصده وجه الله والدار الآخرة، وأن يعين نفسه على الانضباط في الصلاة والأذان والتبكير وإعانة المسلمين وتوجيههم، واقتدائه بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم ، والمؤذن بضبط الأذان في وقته وإعلام الناس به، فإذا احتسب هذه الأجور العظيمة سُن له وشرع له أن يطلبها، لكن إذا كانت مقاصده دون ذلك فلا يمكن أن يقال إنه يشرع له أن يطلبها، وبناءً على ما سبق كله فإنه ينبغي للمأمومين في المساجد عامة أن يشعروا بفضل الإمامة والأذان، وأن يشعروا ويعتقدوا ويجزموا ولا يترددوا أن للإمام والمؤذن فضلٌ عليهم وإحسانٌ على من صلى خلفهم، وهذا المعنى أقوله لأنه تسرب لبعض نفوس المسلمين ولا أقول كلهم، الشعور بالمنة على الإمام أو المؤذن أن يؤمهم أو يؤذن بهم، ولا شك أن هذا شعور منتكس وشعور خاطئ بعيدٌ عن الصواب، المنة لله ثم لهذا الإمام الذي تفرغ للإمامة بالمسجد وفرغ نفسه، أنت أيها المسلم تصلي حيث شئت وهذا الإمام مهما بعد إذا حان وقت الصلاة يحرك ويأتي للمسجد، ومثله المؤذن فمن ربط نفسه لهذه الشعيرة العظيمة أذانًا أو إمامةً فينبغي أن يشعر المسلمين كلهم ولا سيما المصلين خلفهم بأن له فضلًا عليهم وشرفًا، وهو لا يريد منهم جزاءً ولا شكورًا لكن ينبغي أن يكون هذا الشعور عند أهل الإسلام حتى يقولوا للمحسن أحسنت.

رابط الفقرة 11

ذكر المؤلف رحمه الله في صدر هذا الباب حديث أبي مسعود البدري، وفيه ترتيب من يكون أولى بالإمامة، فقال صلى الله عليه وسلم : «يَؤُمُّ القومَ أَقْرَؤُهُمْ لكتابِ اللهِ»() هذا القدر من الحديث يدل على شرف هذا الكتاب العزيز وشرف أهله، وهذا أول الشرف والسيادة والرفعة في الدنيا، أن أهل القرآن هم أهل الإمامة وهم أولى بالإمامة من غيرهم كما قال صلى الله عليه وسلم : «يَؤُمُّ القومَ أَقْرَؤُهُمْ لكتابِ اللهِ» وهذه من خيريتهم التي قال عنها صلوات ربي وسلامه عليه: «خيرُكم مَّنْ تَعَلَّمَ القرآنَ وعلَّمَهُ»() [رواه البخاري من حديث الخليفة الراشد عثمان رضي الله عنه ] وهذا من الرفعة العاجلة في الدنيا التي بشر بها صلى الله عليه وسلم في قوله في الحديث الصحيح: «إنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ بهذا الكِتَابِ أَقْوَامًا»() فمن رفعة العبد أن يحفظ كتاب ربه وأن يختاره الناس للإمامة وأن يتقدم عليهم إمامًا، ونحن نشعر بهذا وعامة المسلمين لأئمة المساجد الكبار كإمامة المسجد الحرام والمسجد النبوي، نقول: كل إمام مهما صغر المسجد ومهما كان في قريةٍ نائية، نقول: هذا إمامٌ قد فضله الله وشرفه وجعل له الرفعة في تقديمه على غيره.

رابط الفقرة 12

ما المراد بالأقرأ؟ المشهور عند الحنابلة رحمهم الله أن المراد بالأقرأ الأكثر حفظًا، وهم يجرونه على ظاهره، ويستدلون بهذا الحديث حديث أبي مسعود: «يَؤُمُّ القومَ أَقْرَؤُهُمْ لكتابِ اللهِ»، وفي حديث أبي سعيدٍ الخدري: «إِذَا كَانُوا ثَلَاثَةً فَلْيَؤُمَّهُمْ أَحَدُهُمْ، وَأَحَقُّهُمْ بالإِمَامَةِ أَقْرَؤُهُمْ»() [رواه الإمام مسلم]، وأما جمهور أهل العلم فيرون أن الأفقه مقدمٌ على الأقرأ، وليس هذا القول بمعارض لحديث النبي صلى الله عليه وسلم ، وإنما هو فهمٌ فهمه جمهور الأئمة، فهموا أن المراد بالأقرأ لكتاب الله، الأفقه في دينه لا سيما في فقه الصلاة والإمامة، قالوا: لأن النبي صلى الله عليه وسلم قدم أبا بكرٍ ليصلي بالناس() [والحديث متفقٌ عليه]، وفي الصحابة من هو أقرأ منه كما قال صلى الله عليه وسلم : «أقرؤُهم أُبيٌّ»() [رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه وقال الترمذي حديث حسن صحيح] وفي حديث عقبة بن عمروٍ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يَؤُمُّ القَومَ أقدَمُهُم هِجرةً، فإنْ كانوا في الهِجرةِ سَواءً فأفقَهُهُم في الدِّينِ، فإن كانوا في الدِّينِ سَواءً فأقرَؤُهُم للقُرآنِ»() [أخرجه الحاكم لكنه معلولٌ بالحجاج بن أرطأة]، وقيل وهذا قولٌ حسن وهو يجمع بين الأقوال كلها، إن الأقرأ في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعهد أصحابه رضي الله عنهم هو الأفقه، إذ لم يكونوا رضي الله عنهم يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلمون ما فيهما من العلم والعمل، فليس عندهم إنسان يهذ القرآن ويحفظه وهو لا يفقه شيئًا من دينه أو لا يفقه شيئًا من أحكام صلاته، إذن الأقرأ في زمن النبي صلى الله عليه وسلم هو الأفقه، ولهذا يجتمع عنده أنه أقرأ لكتاب الله وأفقه وأفهم لمراد الله ورسوله، وعلى هذا فإنه إذا وجد عندنا الآن قارئ وفقيه فإننا نقدم القارئ الفقيه، إذا وجد قارئ فقيه وأقرأ فإننا نقدم القارئ الفقيه، وإذا كان كل منهما فقيهًا قدمنا الأقرأ، ما دام أنهم استووا في الفقه والفهم في الدين ومعرفة أحكام الصلاة، نقول: أيكم أقرأ؟ أيكم أكثر أخذًا للقرآن؟ والحنابلة كما ذكرت لكم يروون أن المراد بالأقرأ الأكثر حفظًا، وعند بعضهم أن المراد بالأقرأ الأكثر إجادةً ونطقًا وضبطًا للمخارج، والظاهر والعلم عند الله تعالى أن المراد بالأقرأ الأكثر حفظًا، كما جاء في الحديث الصحيح لما قدم المهاجرون الأولون قبل مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، تقدم بهم وصلى سالمٌ مولى أبي حذيفة وكان أكثرهم قرأنًا، وفيهم كبار الصحابة أو بعض كبار الصحابة كالفاروق عمر وأبو سلمة، والحديث رواه البخاري، وفي حديث عمرو بن سلمة الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا حَضَرَتِ الصَّلاةُ فَلْيُؤَذِّنْ أحَدُكُمْ، ولْيَؤُمَّكُمْ أكْثَرُكُمْ قُرْآنًا»() فالصحيح أن الأقرأ هو الأكثر، لكن لا بد معه من الفقه، وحديث عمرٍو عند البخاري، فالأقرب إذن هو القول بأن المراد بالأقرأ الأكثر حفظًا مع الإتقان مع الفقه والفهم لا سيما لأحكام الصلاة والإمامة.

رابط الفقرة 13

قال رحمه الله بعد أن ذكر حديث أبي موسى وحديث عمرو بن الحويرث وصاحبه وأرشده النبي صلى الله عليه وسلم : «إِذَا حَضَرَتِ الصَّلاةُ فليؤذِّن أحدُكُما، وليؤُمَّكُما أَكْبرُكُما»() قال: وكانت قراءتهما متقاربة، ولهذا قال: «وليؤُمَّكُما أَكْبرُكُما» لأنهما متفقين في الإتقان وفي الحفظ للقرآن.

رابط الفقرة 14

قال رحمه الله : (وَلا تَصِحُّ الصَّلاةُ خَلْفَ مَنْ صَلاتُهُ فَاسِدَةٌ، إِلاَّ لمَنْ لَمْ يَعْلَمْ بحَدَثَ نَفْسِهِ، وَلَمْ يَعْلَمْهُ المَأْمُوْمُ حَتَّى سَلَّمَ، فَإِنَّهُ يُعِيْدُ وَحْدَهُ) هذه مسألة من مسائل الإمامة ومسائل الإمامة لا يمكن حصرها ولا الانتهاء منها في ليلة، يقول رحمه الله : إن الصَّلاةُ خَلْفَ مَنْ صَلاتُهُ فَاسِدَةٌ، إذا علم الإمام والمأموم فساد صلاة الإمام بطلت صلاتهما، يعني إذا صلى وهو محدث وهو يعلم والمأموم يعلم، نقول: لم تصح صلاة واحد منهما بل لم يصح للإمام أن يستمر في صلاته، ولا للمأموم أن يتابعه وهو يعلم فساد صلاته، ولهذا قال: (إِلاَّ لمَنْ لَمْ يَعْلَمْ بحَدَثَ نَفْسِهِ، وَلَمْ يَعْلَمْهُ المَأْمُوْمُ حَتَّى سَلَّمَ) يعني إمام صلى بالناس وهو محدثٌ حدثًا أصغر أو أكبر ولم يعلم بهذا، فلما فرغ تذكر أنه قد أحدث أو أنه أكل لحم إبلٍ مثلًا أو أنه قد أجنب ولم يغتسل، لما عاد إلى بيته وجد أثر الاحتلام في ملابسه مثلًا، نقول: يعيد هو ولا يعيد المأمومون، صلاة المأمومين صحيحة وهو الذي يُعِيْدُ وَحْدَهُ، وقد جاء في الأحاديث والآثار الصحيحة أن الفاروق عمر رضي الله عنه صلى ثم خرج فأهرق الماء يعني قضى حاجته، فوجد أثر المني فاغتسل وأعاد ولم يأمر الصحابة بالإعادة، وجاء هذا أيضًا بسندٍ صحيحٍ عند الدار قطني والبيهقي عن عثمان رضي الله عنه ، إذن جاء عن عمر وعثمان وعلي، لكن أثر عليٍ فيه ضعفٌ جاء عنه الأمر بالإعادة وعدم الأمر، لكن هذا اشتهر عند الصحابة، يقولون: فكان كالإجماع يعني لم ينكر عليه منكر، وذلك لأنه لا خلل في صلاة المأموم، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «يصلُّونَ بِكُم فإن أَصابوا فلَكُم ولَهُم، وإن أخطَأوا فلَكُم وعلَيهم»() إذن الصحيح أن من صلى بالناس وهو محدثٌ لا يحدث خبرًا ولا يكلم الناس ولا يأمرهم بالإعادة ولا يقول شيء، نقول: توضأ وصلي إن كان حدثك أصغر، وإن كان حدث أكبر اغتسل وصلي وحدك وصلاة الناس صحيحةٌ.

رابط الفقرة 15

قال رحمه الله : (وَلا تَصِحُّ خَلْفَ تَارِكِ رُكْنٍ، إِلاَّ إِمَامَ الحَيِّ، إِذَا صَلَّى جَالِسًا؛ لِمَرَضٍ يُرْجَى بُرْؤُهُ، فَإِنَّهُمْ يُصَلُّوْنَ وَرَاءَهُ جُلُوْسًا، إِلاَّ أَنْ يَبْتَدِئَهَا قَائِمًا، ثُمَّ يَعْتَلُّ، فَيَجْلِسُ، فَإِنَّهُمْ يُتِمُّوْنَ مَعَهُ قِيَامًا) يقول رحمه الله : لا تَصِحُّ خَلْفَ تَارِكِ رُكْنٍ -كالقيام- إِلاَّ إِمَامَ الحَيِّ، إمام الحي أي الإمام الراتب، سواءً عُين من قبل الدولة كما هو الحال في هذه البلاد أو اختاره الجماعة، فإن أحكام الإمام الراتب له أحكام خاصة ولا يلزم تعينه، ففي بعض البلدان لا يُعين من جهةٍ حكومية وإنما يرتضيه الناس ويقدمونه، فنقول: له أحكام الإمام الراتب، إذن إذا صلى الإمام الراتب إمام الحي وكان معتلًا علةً تمنعه من القيام، وكانت هذه العلة مما يرجى زواله ليس مشلولًا شللًا دائمًا، وإنما أصابه حادثٌ أو كسرٌ أو جرحٌ منعه من القيام المؤقت، فإنه يصلي جالسًا ويصلي الناس خلفه جلوسًا أجمعون، كما ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم ركب فرسًا فسقط منه فجحش جنبه، فصلى جالسًا فصلى الناس خلفه جلوسًا().

رابط الفقرة 16

قال رحمه الله : (إِلاَّ أَنْ يَبْتَدِئَهَا قَائِمًا، ثُمَّ يَعْتَلُّ) يعني لو ابتدأ الإمام الصلاة قائمًا ثم أصابه علة في صلاته ثقل ما استطاع أن يقوم، فإن الناس يتمون صلاتهم قيامًا، اختار الإمام أحمد هذا جمعًا بين النصوص، واستدل على هذا الجمع بحدث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ، لما مرض النبي صلى الله عليه وسلم مرض موته صلى بالناس أبو بكر، وفي أثناء الصلاة جاء صلى الله عليه وسلم فصف عن يسار أبي بكر، فأتم صلى الله عليه وسلم بهم الصلاة وهو جالسٌ وهم قيام()، فدل على أنه إذا ابتدأ المأموم والإمام الصلاة ثم اعتل، أنهم يتمون الصلاة خلفه قيامًا، أما إذا ابتدأ الصلاة وهو معلولٌ جالسٌ من أول صلاته فإنا الناس يصلون خلفه جلوسًا، لو تنازل أثناء مرضه وقدم غيره، نقول: له ذلك لكن لا يلزمه أن يتنازل ولا يجوز للمأمومين أن يرفضوا إمامته ولو كان جالسًا؛ فإن الإمامة حقًا له لا يجوز لأحد أن يفتات عليه، ومن حقوقه في الإمامة أنه لا يجوز لأحدٍ أن يتقدم عليه إلا بإذنه، حتى لو جاء أعلم من في الأرض فإنه يصلي خلف هذا الإمام الراتب ولا يحل لأحد أن يقدم أحدًا على الإمام بل إنه لو قدمه لم تصح، وأما الحرام فإنه محرم يعني من صلى بدون إذن الإمام وتقدم فإن فعله محرمٌ وقيل لا تصح صلاته، ولهذا الحنابلة يقولون: يجذبه لو جاء ويرجعه، وذلك لأن من حق الإمام أن يُحترم لكن إذا كان الإمام قد أذن إذا غاب أو تأخر أن يصلي الناس فلا حرج لكن لو كان دقيقًا حريصًا، يقول: لا أحد يصلي وأنا سآتي وإذا لم أعتذر فأنا في الطريق، نقول: ليس للمؤذن ولا للمأمومين أن يتقدموا ويصلون ولو تأخر دقيقتين أو ثلاث أو خمس، لكن الغالب على الأئمة اليوم لكثرة انشغالاتهم وذهابهم أنهم يأذنون ويفوضون ويقولون للمؤذن إذا حانت الصلاة فأقم، نقول: لا حرج لكن لو كان حريصًا لا يريد أن يتقدم أحد فلا يحل لأحدٍ أن يتقدم إلا بإذنه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل هذا له، لا يتقدم أحد لا في المسجد الإمام الراتب ولا في البيت إلا بإذنه، كذلك إذا صلى الإنسان في بيته وعندهم ضيوف فإنه لا يحل لأحدٍ أن يتقدم في بيته إلا بإذنه ما دام أهلًا للإمامة، لا يتقدم أحدٌ على أحدٍ، كما قال صلى الله عليه وسلم : «ولا يؤمن الرجل الرجل في بيته ولا في سلطانه إلا بإذنه»() إذا أذن سقط.

رابط الفقرة 17

قال رحمه الله : (وَلا تَصِحُّ إِمَامَةُ المَرْأَةِ بالرِّجَال) جاء فيه حديثٌ صريحٌ لكنه ضعيف إلا أن الإجماع منعقدٌ على أنه لا تصح إمامة المرأة بالرجال لا في الفرائض ولا في النوافل، وإن حُكي الخلاف في النوافل فهو خلافٌ شاذ، وغاية ما يحتج به أولئك أن أم ورقة كانت تصلي بأهل بيتها وكان رجلٌ يؤذن، نقول: هو يؤذن وينطلق يصلي مع النبي وأصحابه ولم يصلِ خلفها، فالمرأة لا تصح أن تكون إمامة إلا لمثلها، نساء مثلها تؤمهم، أما أن تؤم الرجال حتى لو كانت أقرأ وأفقه لا تؤم أحدًا من الرجال، هذا في الإمامة الصغرى، أما الإمامة الكبرى فإن النبي صلى الله عليه وسلم حسم أمرها وبين، كما في الصحيح عند البخاري أنه: «لَن يُفلِحَ قومٌ ولَّوا أمرَهمُ امرأةً»() فلا يحل أن تتولى المرأة النيابة العامة والإمامة العظمى والقضاء ونحو ذلك من الولايات العظمى؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَن يُفلِحَ قومٌ ولَّوا أمرَهمُ امرأةً».

رابط الفقرة 18

أسأل ربي بمنه وكرمه وجوده وإحسانه أن يجود علينا بالتوفيق والتسديد، وأن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، وأن يجعل ما تعلمناه وقلناه وسمعناه حجةً لنا لا حجةً علينا، وبالله التوفيق وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

رابط الفقرة 19

الحواشي

  1. (1)

    أخرجه مسلم (387).

    العودة إلى موضع الحاشية
  2. (2)

    أخرجه الترمذي (1986)، وأحمد (4799)، والحديث ضعفه الألباني في ضعيف الجامع (2579).

    العودة إلى موضع الحاشية
  3. (3)

    أخرجه أبو داود (531)، والنسائي (672)، وأحمد (16270)، والحديث صححه الألباني في صحيح النسائي (671).

    العودة إلى موضع الحاشية
  4. (4)

    أخرجه مسلم (673)، وأبو داود (582)، والترمذي (235)، والنسائي (780)، وابن ماجه (980)، وأحمد (17063).

    العودة إلى موضع الحاشية
  5. (5)

    أخرجه البخاري (5027).

    العودة إلى موضع الحاشية
  6. (6)

    أخرجه مسلم (817).

    العودة إلى موضع الحاشية
  7. (7)

    أخرجه مسلم (672)، والنسائي (782)، وأحمد (11190) واللفظ له.

    العودة إلى موضع الحاشية
  8. (8)

    أخرجه البخاري (679)، ومسلم (418).

    العودة إلى موضع الحاشية
  9. (9)

    أخرجه الترمذي (3790) واللفظ له، والنسائي في السنن الكبرى (8242)، والحديث صححه الألباني في صحيح الترمذي (3790).

    العودة إلى موضع الحاشية
  10. (10)

    أخرجه الحاكم (807) في المستدرك، والدارقطني في سننه (1085)، والحديث صححه شعيب الأرناؤوط في تخريج سنن البيهقي (1085).

    العودة إلى موضع الحاشية
  11. (11)

    أخرجه البخاري (4302).

    العودة إلى موضع الحاشية
  12. (12)

    أخرجه موفق الدين وصححه في الكافي (1/187).

    العودة إلى موضع الحاشية
  13. (13)

    أخرجه البخاري (694).

    العودة إلى موضع الحاشية
  14. (14)

    أخرجه البخاري (805)، ومسلم (411).

    العودة إلى موضع الحاشية
  15. (15)

    أخرجه البخاري (664).

    العودة إلى موضع الحاشية
  16. (16)

    أخرجه مسلم (673)، وأبو داود (582) عن أبي مسعود عقبة بن عمرو رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ولا يُؤَمُّ الرَّجُلُ في بيتِهِ ولا في سُلطانِهِ ولا يُجلَسُ على تكرمتِهِ إلَّا بإذنِهِ».

    العودة إلى موضع الحاشية
  17. (17)

    أخرجه البخاري (4425)، والترمذي (2262)، والنسائي (5388)، وأحمد (20517).

    العودة إلى موضع الحاشية