شرح عمدة الفقه
الدرس التاسع والعشرون — كِتَابُ الصَّلَاَةِ، بَابُ صَلَاَةِ المَرِيض
ملفات PDF ١ ملف
النص المقروء
[الدَّرْسُ التَّاسِع والْعُشْرُون]
رابط الفقرة 1[كِتَابُ الصَّلَاَةِ]
رابط الفقرة 2[بَابُ صَلَاَةِ المَرِيض]
رابط الفقرة 3الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمدٍ وعلى آله وأصحابه أفضل صلاةٍ وأزكى تسليم.
رابط الفقرة 4أما بعد؛ أيها الإخوة الأحبة سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وحياكم الله في الدرس التاسع والعشرون من شرح كتاب الصلاة من عمدة الفقه للإمام الموفق «ابن قدامة رحمه الله » فقد انتهينا من باب الإمامة، واليوم نشرح باب صلاة المريض.
رابط الفقرة 5وقبل أن نبدأ الدرس نذكر بما جاء في السنة من الأدب النبوي عند الريح وتحركها وسؤال الله خيرها والاستعاذة بالله من شرها، فقد ثبت في الصحيحين من حديث أم المؤمنين عائشة بنت الصديق رضي الله عنها وعن أبيها، أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا عصفت الريح يقول: «اللَّهُمَّ إنِّي أسأَلُكَ خيرَها، وخيرَ ما فيها، وخيرَ ما أُرسِلَتْ به، وأَعوذُ بكَ من شرِّها، وشرِّ ما فيها، وشرِّ ما أُرسِلَتْ به»(1) إذن نتأدب بهذا الأدب ونعلمه صغارنا إذا رأوا الريح أو الرياح الشديدة المتحركة، يسألون الله خيرها ويستعيذون بالله من شرها، كما نبه صلوات ربي وسلامه عليه إلى أنه لا يجوز للمسلم أن يسب الريح، فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الرِّيحُ مِن رَوحِ اللهِ، تأتي بالرَّحمةِ وتأتي بالعذابِ؛ فلا تسبُّوها وسَلُوا اللهَ خيرَها واستعيذوا مِن شرِّها»(2) [رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجة بسندٍ حسن] هذه آداب ينبغي أن تأدب بها ونؤدب صغارنا بها.
رابط الفقرة 6قال رحمه الله : (بَابُ صَلاةِ المَرِيْضِ) قد جرت عادة غيره من أهل العلم كصاحب المقنع والإقناع والزاد وغيره من كتب الحنابلة، أنهم يعنونون ويترجمون بترجمةٍ تشمل المريض والمسافر والخائف، فيقولون: باب صلاة أهل الأعذار، ويجعلون كل نوعٍ منهم في فصلٍ خاص، لكن المؤلف هنا أفرد المريض ببابٍ، والمسافر ببابٍ، والخائف ببابٍ، ولا مشاحة في الاصطلاح.
رابط الفقرة 7قال رحمه الله :
رابط الفقرة 8بَابُ صَلاةِ المَرِيْضِ
رابط الفقرة 9وَالمَرِيْضُ إِذَا كَانَ الْقِيَامُ يَزِيْدُ فِيْ مَرَضِهِ، صَلَّى جَالِسًا، فَإِنْ لَمْ يُطِقْ، فَعَلَى جَنْبِهِ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: «صلِّ قائمًا، فإنْ لم تستطعْ فقاعدًا، فإنْ لم تستطعْ فعلى جنبٍ»(3) فَإِنْ شَقَّ عَلَيْهِ، فَعَلَى ظَهْرِهِ، وَإِنْ عَجَزَ عَنِ الرُّكُوْعِ وَالسُّجُوْدِ، أَوْمَأَ بِهِمَا، وَعَلَيْهِ قَضَاءُ مَا فَاتَهُ مِنَ الصَّلَوَاتِ فِيْ إِغْمَائِهِ، وَإِنْ شَقَّ عَلَيْهِ فِعْلُ كُلِّ صَلاةٍ فِيْ وَقْتِهَا، فَلَهُ الجَمْعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَبَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ فِيْ وَقْتِ إِحْدَاهُمَا.
رابط الفقرة 10أولًا: ما المراد بالمرض؟ وما ضابطه هنا؟ المرض: ضد الصحة وهو السقم، وضابطه هنا: ما يلحق بأداء كل صلاةٍ فيه الحرج والمشقة، فإذا قلنا متى يباح للمريض مثلًا أن يجمع؟ نقول: إذا كان يلحقه بأداء كل صلاةٍ في وقتها حرجٌ ومشقة، وإذا قلنا متى يصلي المريض جالسًا، قلنا أيضًا: إذا لحقه بالقيام حرجٌ ومشقة، إذن ضابطه وجود الحرج والمشقة، ذلكم أن الحرج جاءت معه الشريعة بالتيسير، بل هذه الشريعة شريعة اليسر ورفع الحرج كما وصفها ربنا جل شأنه ورسوله صلى الله عليه وسلم ، يقول جل شأنه وتقدس اسمه: ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍۢ ۚ ﴾ [الحج: ٧٨]، ويقول: ﴿ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ويقول سبحانه: ﴿ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، ويقول: ﴿ لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، فالتكليف في الوسع والطاقة، وإذا وُجدت مشقة جاء التيسير، والنبي صلى الله عليه وسلم يقرر هذا ويبينه فيقول: «إنَّ هذا الدِّينَ يُسرٌ»(4)، ويقول: «يَسِّروا ولا تُعسِّروا»(5)، ويقول: «إنَّما بُعِثتُم مُيَسِّرينَ، ولم تُبعَثوا مُعَسِّرينَ»(6)، ولم يخير صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما، كما ثبت في الصحيحين من حديث أم المؤمنين عائشة: «مَا لَمْ يَكُنْ إثْمًا»(7) إذن الأصل في هذه الشريعة والصفة الغالبة والسمة البارزة أنه لا حرج ولا إعنات ولا آصال ولا أغلال كما كان على من سبقنا، وهذا فضل من الله ورحمة وتيسير ورفع للحرج عن هذه الأمة، ومع هذا فإذا جاءت مظنة المشقة جاءت الرخص وجاء التيسير، فلما كان المرض مظنةٌ للمشقة جاءت فيه رخص عدة، في صلاة المريض، في صيام المريض، في طهارة المريض، في حج المريض، وكذلك المسافر لما كان السفر قطعةً من العذاب جاءت الرخص في السفر، في قصر الصلاة، في جمعها في المسح على الخائفين ثلاثًا، في الفطر، إلى غير ذلك من الرخص التي سيأتي طرف منها في هذا الباب والأبواب التي تليه.
رابط الفقرة 11قال رحمه الله : (وَالمَرِيْضُ إِذَا كَانَ الْقِيَامُ يَزِيْدُ فِيْ مَرَضِهِ) إذن الأصل أن المريض كالصحيح، القيام في حقه ركنٌ في الفريضة إذا أطاقه وهذا بالإجماع، فلا يترك المريض القيام في الفريضة إلا حال العجز وهذا محل إجماع؛ لأن الله جل شأنه أمر بالقيام: ﴿ وَقُومُوا۟ لِلَّهِ قَـٰنِتِينَ ٢٣٨ ﴾ [البقرة]، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا قُمتَ إلى الصَّلاةِ»(8) وعمران بن حصين جاء يشكو للنبي صلى الله عليه وسلم مرضًا ألمَّ به وهو البواسير، فقال له صلى الله عليه وسلم : «صلِّ قَائِمًا»، فدل على أن المريض كالصحيح يصلي قائمًا وجوبًا إذا أطاق القيام، ولا يحل له بحال أن يجلس وهو يقدر على القيام سواءً قدر على القيام منتصبًا أو منحنيًا ولو على هيئة الراكع، وسواءً قدر على القيام بدون مساعدةٍ أو كان بمساعدةٍ كالاتكاء على عصى أو الاستناد إلى جدار أو نحوه، نقول: يجب عليه أن يقوم ولو على هيئة الراكع أو محدودب الظهر، ويجب عليه أن يقوم ولو مستندًا إلى عصى أو متكًا إلى جدار؛ لأن ما لا يتم الواجب به إلا به فهو واجب، ولا يحل له بحالٍ أن يجلس وهو يقدر على القيام، وقد نبهت على هذا مرارًا حينما ترى كثيرًا من المرضى يدخلون المسجد وهم يمشون أحسن ما كان ثم يأتون فيجلسون في الفريضة، نقول: جل هؤلاء جهلة ومخطئون ومقصرون ولا تصح صلاتهم؛ لأنهم يقدرون على القيام في الأعم الأغلب ويقدرون عن الركوع وربما يعجزون عن الركوع أو السجود ومن ثمة فلا يحل لهم ترك القيام وهم يقدرون عليه، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث المخرج في الصحيحين بل رواه الجماعة: «صلِّ قَائِمًا» وهو مريض فقال المؤلف: (وَالمَرِيْضُ إِذَا كَانَ الْقِيَامُ يَزِيْدُ فِيْ مَرَضِهِ صَلَّى جَالِسًا) إذن متى ينتقل المريض إلى الصلاة جالسًا في ثلاثة حالات فقط:
رابط الفقرة 12الحالة الأولى: إذا كان لا يقدر على القيام مطلقًا كالمشلول، هذا ما يستطيع الوقوف ولا القيام البتة، فهذا فرضه أن يصلي جالسًا.
رابط الفقرة 13الحالة الثانية: إذا كان القيام يزيد في مرضه أو يؤخر برأه، قال له الطبيب المعالج: لا تقوم؛ لأن فيه كسرًا وربما كسرًا مغلظًا في فخذه أو في ساقه أو نحو ذلك، فيقول للمريض أسبوع أو أسبوعان لا تقف أو أكثر من ذلك، نقول: إذا كان القيام يزيد في مرضه أو يؤخر برأه وجب عليه أن يصلي جالسًا، وحرم عليه أن يصلي قائمًا ما دام القيام يزيد في مرضه أو يؤخر برأه.
رابط الفقرة 14الحالة الثالثة: إذا شق عليه القيام، قال له الطبيب: قد تماثلت للشفاء أو قربت منه فإن استطعت القيام فقم لكنه لمّا يقوم يشعر بالتعب والإعياء والحرج الشديد الذي لا يجعله يخشع، وإنما يفكر متى يجلس أو متى يسجد، يتململ لأنه حديث عهدٍ بمرض ولم يتماثل للشفاء بعد، فعنده حرجٌ ومشقةٌ تذهب خشوعه، نقول: هذا له أن يجلس، قال إمام الحرمين: الذي أراه في ضبط العجز أن يلحق بالقيام مشقة تذهب خشوعه؛ لأن الخشوع مقصود الصلاة أي لبها ومقصودها الأعظم، فهذه حالات ثلاث إذا وجدت واحدةٌ منها جاز له الجلوس وإلا فإن الأصل أن يصلي قائمًا.
رابط الفقرة 15قال رحمه الله : (صَلَّى جَالِسًا) كيف يكون حال جلوسه؟ نقول: على الهيئة التي تريحه، فإن كان الجلوس على الكرسي أيسر له؛ لأنه لو جلس على الأرض لم يستطع القيام جلس على الكرسي وأومئ بالسجود، وإذا كان يقول لا، لا مشقة علي في القيام، نقول: اجلس على الأرض واختر أي جلسة تريحك متربعًا متوركًا مفترشًا مادًا رجليك، أي جلسةٍ من هذه تناسبك فلا حرج، فإن قال: ما الأفضل وكل الجلسات تناسبني؟ نقول: الأفضل أن تجلس متربعًا؛ لما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يصلي متربعًا آخر حياته لما كبرت سنه وثقل جسمه كان يصلي قيام الليل جالسًا(9) [الحديث رواه النسائي بسند جيد] فإذن نقول: صلي متربعًا، فإن قال: لا، التربع يعيقني ولا أستطيع أن أتحرك وأسجد، نقول: صلي على هيئة التشهد الأول أو هيئة التشهد الأخير متوركًا أو مد قدميك، المقصود أنك اختر الأرفق بك.
رابط الفقرة 16قال رحمه الله : (فَإِنْ لَمْ يُطِقْ) أي الصلاة جالسًا (فَعَلَى جَنْبِهِ) كيف لا يطيق الجلوس؟ نقول: مثل ما قلنا في القيام، إذا كان لا يستطيع الجلوس البتة كمن به شلل رباعي، هذا حياته على جنبه أو مستلقيًا لا يستطيع أن يجلس، فنقول: هذا فرضه أن يصلي على جنبه أو مستلقيًا كما سيأتي، آخر طرأ عليه مرض منعه من الجلوس مؤقتًا، قال له الطبيب: لا تجلس فجلوسك يضرك يزيد في مرضك يؤخر برؤك، لأنه أجرى مثلًا عملية في فقرات ظهره أو في عموده الفقري أو نحو ذلك، فأصبح يحتاج إلى فترة ربما تأخذ شهورًا لا يستطيع أن يجلس، فمثل هذا نقول: يصلي على جنبه، ومثل ذلك أيضًا لو شق عليه الجلوس مشقةً تذهب خشوعه.
رابط الفقرة 17قال رحمه الله : (فَإِنْ لَمْ يُطِقْ، فَعَلَى جَنْبِهِ) ثم أورد حديث عمران وهو حديثٌ متفق عليه بل رواه الجماعة لكنه قال: «فعلى جنبك»، الرواية المشهورة: «عَلَى جَنْبٍ»، قال رحمه الله : (فَإِنْ شَقَّ عَلَيْهِ، فَعَلَى ظَهْرِهِ) لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر العاجز عن الجلوس أن يصلي على جنب، وعلى أي جنبين يكون؟ نقول: الأفضل الأيمن فإن كان الأيسر أرفق به فليكن على الأيسر، إذ الأصل أنه يصلي على أي الجنبين لكن الأيمن أفضل؛ لأن هذا هدي النبي صلى الله عليه وسلم في نومه فيلحق به هذا، ولأن هذا نوعٌ من الاستقبال فيكون وجهه للقبلة، وإذا كان في مثل نجد رأسه للشمال ورجلاه للجنوب ووجهه للقبلة، فإن شق عليه ذلك صلى مستلقيًا، وحينئذٍ تكون صلاته مستلقيًا جائزةٌ بلا كراهة، لكن لو صلى مستلقيًا وهو يقدر على الصلاة على جنبٍ فالمشهور عند الحنابلة أنه يُكره له ذلك وقيل لا تصح صلاته، قالوا: لأنه ترك المأمور به لكن الصحيح أن الصلاة تصح ولو كان يقدر على الصلاة على جنبٍ إذا صلى مستلقيًا؛ لأن الاستلقاء نوعٌ من الاستقبال، ولهذا الميت يوضع مستلقيًا على ظهره مع أنه صلى الله عليه وسلم في القبلة: «قِبْلَتِكم أحياءً وأمواتًا»(10) قالوا: فإذا استلقى على ظهره يكون وجهه للقبلة ورجلاه للقبلة بمعنى أنه لو جلس يكون وجهه للقبلة تكون رجلاه إلى القبلة، إذن متى يكون على ظهره؟ نقول: إن شق عليه، هذا بلا خلاف، يستلقي ولا حرج في ذلك ولا كراهة، وإن كان يقدر على الجنب ويقدر على الاستلقاء، قالوا: فإنه يكره له، وقيل لا يصح، والصحيح صحته.
رابط الفقرة 18قال رحمه الله : (فإِنْ عَجَزَ عَنِ الرُّكُوْعِ وَالسُّجُوْدِ، أَوْمَأَ إِيمَاءً) هذا في حال العجز عن القيام والركوع والسجود مباشرةً، فإنه يقوم إذا قدر على القيام، وإذا عجز عن الركوع أومئ به وهو قائم، ثم جلس على الأرض وأومئ بالسجود وهو جالسٌ؛ لأن هيئة رجليه حال صلاته وهو صحيحٌ في ركوعه كهيئته حال قيامه، يعني إذا كان لا يعجز عن القيام لكنه يعجز عن الركوع وعن السجود وهو يقدر على القيام وعلى القعود، نقول: قم وصلي قائمًا ثم أومئ بالركوع حال قيامك؛ لأن الصحيح إذا ركع قدماه منتصبتان قائمتان لا تتغير، إنما يركع فينحني جذعه الأعلى، فكذلك المريض إذا صلى قائمًا ينحني بظهره إن استطاع وإن لم يستطع فبرأسه، ثم يجلس على الأرض على الهيئة التي يطيقها، ويسجد على الأرض وجوبًا إن أطاق وإلا فإنه يومئ برأسه أو بجذعه الأعلى، ويكون إيماؤه بالسجود أخفض من إيمائه بالركوع.
رابط الفقرة 19من عجز عن الحركة بالإيماء برأسه وببدنه أو بجذعه، فهل يومئ بعينه؟ ذكروا رحمهم الله أنه يومئ بعينه وذكروا حديثًا لا يصح مطلقًا، حديث ساقطٌ لا يصح ولم يعرف عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: أومئ بطرفك أو يومئ بطرفه أي عينه، فالصحيح أنه إذا عجز عن الإيماء برأسه سقط عنه الفعل وليست الصلاة، فالصلاة على الصحيح لا تسقط ما دام العقل موجودًا، من كان يعقل فالصلاة واجبةٌ لكنه إذا عجز عن الإيماء ولو برأسه، نقول: ينتقل وجوب الصلاة إلى قلبه، فينوي بقلبه القيام ثم يقرأ ويمر القرآن على قلبه إن لم يستطع تحريك شفتيه لشدة مرضٍ ونحوه، وإلا فإنه يجب عليه أن يحرك شفتيه بالقراءة والتسبيح وما يقال، فإن عجز عن الإيماء برأسه انتقل إلى الصلاة بقلبه وينطق أو يحرك شفتيه إن أطاق ذلك وإلا يمر القرآن والتسبيح والتكبير بقلبه.
رابط الفقرة 20إذا قدر على القيام منفردًا وعجز عنه في الجماعة، هذا مريض يقول: أنا لو صليت وحدي أستطيع أن أقوم لأني أمير نفسي، أقرأ باليسير وأركع باليسير وأتي بالصلاة تامةً على هيئتها ولا أترك قيامًا ولا ركوعًا ولا سجودًا، وإن صليت مع الجماعة فإني أجلس، فما الأفضل في حقه؟ المشهور عند الحنابلة رحمهم الله أنه يخير، قالوا: لأنه سيأتي في كل صلاةٍ بواجبٍ ويترك واجبٍ، فإن أتى بركن القيام أسقط واجب الجماعة، وإن أتى بواجب الجماعة أسقط ركن القيام، وقيل: بل الأفضل أن يأتي بالصلاة منفردًا قائمًا؛ لأنه ركنٌ والصلاة واجبة وتسقط عنه وجوبها لأنه معذور، والقول الثالث: وهو الصحيح أن الجماعة تجب في حقه ويصلي جالسًا، قال العلامة ابن سعدي رحمه الله : والصحيح أنه يصلي مع الجماعة جالسًا؛ لأن مصالح الجماعة لا يوازنها شيء، ويقصد بالمصالح الشرعية وحتى نقول مصالح الاجتماعية، إذ مثل هذا المريض قد ينقطع عن الناس ولا يحضر جمعة ولا جماعة لأنه ربما كان مرضه مستمرًا وحالته هكذا غير مرجوٍ الشفاء، فمثله لو قيل له صلي وحدك منفردًا انقطع عن الجماعة وفاتته الخيرات العظيمة في الأجور والثواب وسماع الذكر والموعظة وغير ذلك من المصالح التي عبر عنها الشيخ بالمصالح، قال -وهذا من فقهه رحمه الله - ولأنه إذا وصل إلى المحل لم يكن القيام في حقه واجبًا، فإن فرضه ما قدر عليه، يقول: فهو إذا وصل للمسجد ليس القيام في حقه واجب وهو عاجزٌ عنه، فصلاته قاعدًا كصلاة القائم على التمام، وحينئذٍ فيدرك الجماعة ولا يفوت مصالحها ولا يفوته أجر القيام، فأجر القيام في حقه تام، ومع هذا نقول للأئمة راعوا المرضى إذا كان خلفكم مرضى في التوسط والتخفيف النسبي.
رابط الفقرة 21قال رحمه الله : (وَعَلَيْهِ قَضَاءُ مَا فَاتَهُ مِنَ الصَّلَوَاتِ فِيْ إِغْمَائِهِ) نقول: من فاتته الصلاة بنوم فإنه يقضي وجوبًا إجماعًا مهما طال نومه ولا خلاف في هذا، لكن من أغمي عليه فهل يقضي ما فاته وقت الإغماء؟ المشهور عند الحنابلة أنه يقضي مطلقًا ولم يقدروا ذلك بزمن، وذهبت الحنفية إلى أنه يقضي يوم وليلة فقط، يقول: إذا فاتته خمس صلوات وأفاق قضاهن فإن كن أكثر فلا يقضيهن، وأما المالكية والشافعية قالوا: لا يقضي صلاةً خرج وقتها إذا أغمي عليه وخرج وقت الصلاة فإنه لا يجب عليه، والصحيح من هذا كله أنه يقضي إذا كان الإغماء ثلاثة أيام فأقل وهو رواية عند الحنابلة وهو اختيار سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز رحمه الله وقدس روحه في الجنان، فنقول: إذا كان الإغماء ثلاثة أيام فأقل فإنه يقضي وإذا كان أربعة فأكثر من ثلاثة فإنه لا يقضي، ودليل ذلك ما صح عن عمار بن ياسر رضي الله عنه أنه غشي عليه ثلاثًا فقضى، وهذا أكثر ما ورد عن الصحابة في الغيبوبة أو الإغماء أو ما يسمى بالغيبوبة والأشهر عندنا الغيبوبة أو الإغماء، نقول: وأما الغيبوبة الطويلة المعروفة اليوم في بعض الحوادث التي تدوم شهورًا وربما سنين فمثل هذا لا يقضي ولا ينبغي أن يدخل في الخلاف ولا يقصده الحنابلة حينما قالوا مطلقًا، يقصدون الغيبوبة اليسيرة التي يعرفونها، إذ كانت الغيبوبة في زمنهم باليوم واليومين والثلاثة ونحوها، ما كانت الغيبوبة تعرف عندهم بالشهور المتطاولة، أما قول من قال أنه لا يقضي إلا ما أدرك وقته، نقول: هذا بعيد جد بعيد، وقياسهم للمغمى عليه على المجنون قياسٌ مع الفارق، بل المغمى عليه أقرب منه للنائم منه إلى المجنون، والمجنون قد رفع عنه التكليف، والمجنون يقام عليه الولاية، والمجنون لا يرد على الأنبياء، بينما الإغماء يرد على الأنبياء، فقد أغمي صلى الله عليه وسلم ولا يقام على المغمى عليه ولاية شرعية، وهو إلى الانتباه واليقظة أكثر منه إلى الاستمرار، ومن ثم فإنا نقول: الصحيح أن المغمى عليه يقضي إذا كانت غيبوبته أو إغمائه في حدود ثلاثة أيامٍ فأقل.
رابط الفقرة 22إذا شفي وعوفي أثناء الصلاة وقد افتتحها وهو جالسٌ، نقول: ينتقل، والعكس بالعكس لو صلى قائمًا ثم اعتل في صلاته فإنه يجلس ويبنى على ما مضى، ومثل ذلك لو كان قد شرع في الفاتحة وهو جالسٌ أو أكملها وهو جالس، نقول: يقوم ولا يقرأها ثانيةً؛ لأن فرضه قراءتها حال الجلوس لعجزه عن القيام.
رابط الفقرة 23قال رحمه الله : (وَإِنْ شَقَّ عَلَيْهِ فِعْلُ كُلِّ صَلاةٍ فِيْ وَقْتِهَا، فَلَهُ الجَمْعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَبَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ فِيْ وَقْتِ إِحْدَاهُمَا) هذا الجمع له فصلٌ خاص لكنه ذكره هنا واستوفى مسائله فذكر الجمع للمرض والجمع للسفر والجمع للمطر، الذي يهمنا الآن الجمع للمريض، متى يجمع المريض؟ نقول: إذا شق عليه أدى كل صلاةٍ في وقتها، ودليله أن النبي صلى الله عليه وسلم : «جَمَعَ فِي المدِينةِ مِنْ غَيْر خَوْفٍ وَلَا مَطَرٍ»(11) وفي روايةٍ: «مِنْ غَيرِ خوفٍ ولا سَفَرٍ»(12) [الحديث رواه الإمام مسلم من حديث ابن عباسٍ رضي الله عنهما ] قالوا: فلم يبق إلا عذر المرض، ما دام انتفت الأعذار الشرعية المعروفة لا مطر ولا خوف ولا سفر، ما بقي إلا عذر المرض، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر المستحاضة أن تجمع، والاستحاضة نوع مرض، أمر سهلة بنت سهيل وحمنة بنت جحش رضي الله عنهما أن يجمعن، قال: فيجمع من شق عليه للمرض فعل كل صلاةٍ في وقتها، بين الظهر والعصر وبين العشاءين، أي المغرب والعشاء في وقت إحداهما، ويختار الأرفق به في جمع التقديم أو جمع التأخير.
رابط الفقرة 24قال رحمه الله : (فَإِنْ جَمَعَ فِيْ وَقْتِ الأُوْلَى، اشْتُرِطَ نِيَّةُ الجَمْعِ عِنْدَ فِعْلِهَا، ويُعْتَبَر اسْتِمْرَارُ الْعُذْرِ حَتَّى يَشْرَعَ فِيْ الثَّانِيَةِ مِنْهُمَا، وَأَنْ لا يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا، إِلاَّ بِقَدْرِ الْوُضُوْءِ) هذه ثلاثة شروط يشترطونها رحمهم الله تعالى إذا نوى جمع التقديم، سواءً لمطر أو مرض أو سفر، يقولون: هذه ثلاثة شرائط لا يحل الجمع إلا إذا استوفاها، أولها: نية الجمع عند الإحرام بالأولى، والصحيح عدم اشتراطه لعدم الدليل، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يقول لأصحابه أني سأجمع سواءً في سفره أو في جمعه في مطر أو غيره، ولهذا قولهم رحمهم الله أنه يشترط النية لحديث: «إنَّما الأعْمالُ بالنِّيّاتِ»(13) نقول: يكفي نية الصلاة، ولهذا لو صلى الإمام صلاة المغرب، ثم بعد الصلاة قال الجماعة نجمع وتبين له أن الجمع أولى لمشقةٍ تلحقهم بالخروج في هذا المطر الذي يبل ثيابهم ويشق عليهم الخروج فيه، فله الجمع ولو لم ينوون، فالصحيح أنه لا يشترط نية الجمع عند الصلاة الأولى.
رابط الفقرة 25قال رحمه الله : (ويُعْتَبَر اسْتِمْرَارُ الْعُذْرِ حَتَّى يَشْرَعَ فِيْ الثَّانِيَةِ) إذن لو زال العذر فإنه لا يجمع، مثل مسافر قدم بعد أن صلى الصلاة الأولى، نقول: انتهى السفر في حقه حتى هذه الصلاة التي أداها، إن كان أداها في السفر ثم وصل، نقول: الصلاة هذه الأولى التي أداها مقصورة صحيحةٌ لكن الصلاة الثانية ما دام العذر زال فلا قصر ولا جمع.
رابط الفقرة 26قال رحمه الله : (ولَا يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا، إِلاَّ بِقَدْرِ الْوُضُوْءِ) هذا الشرط الثالث وهو الموالاة، فيقولون: فلا يفرق بين الصلاتين المجموعتين إلا بمقدار وضوءٍ يسير وإقامة صلاة، وشددوا رحمهم الله في ذلك حتى قالوا: لو تكلم ثلاث كلمات بطل جمعه، ولو صلى بين الصلاتين المجموعتين راتبةً بطل جمعه، وهذا كله لا دليل عليه، ولهذا ذهب المزني من الشافعية وشيخ الإسلام ابن تيمية إلى عدم اشتراط الموالاة، وأن كل من أوقع الصلاتين في وقت إحداهما فقد جمع، سواءً كان جمع تقديمٍ أو جمع تأخير ما دام العذر موجودًا، إذن لو صلى الظهر وبدا له بعد ساعة أو نصف ساعة أنه يجمع وهو مسافرٌ أو مريضٌ فله الجمع؛ لأن الجمع إنما هو إيقاع الصلاتين في وقت إحداهما.
رابط الفقرة 27قال رحمه الله : (وَإِنْ أَخَّرَ -يعني وإن جمع جمع تأخير- اعْتُبِرَ اسْتِمْرَارُ الْعُذْرِ إِلَى دُخُوْلِ وَقْتِ الثَّانِيَةِ) وهذا شرطٌ معتبر، فلو زال العذر قبل دخول وقت الصلاة الثانية، نقول: لا جمع، مثال ذلك: إنسانٌ مسافر ونوى الجمع بين الظهر والعصر جمع تأخير لكنه وصل إلى البلد في وقت الظهر، نقول: ما دمت وصلت للبلد وقت الظهر فيجب عليك أن تؤدي صلاة الظهر تامةً غير مقصورة وتؤخر العصر حتى يدخل وقتها وتصليها تامةٍ غير مقصورةٍ؛ لأنه انتهى السفر في حقك فلا جمع ولا قصر (وَأَنْ يَنْوِيَ الجَمْعَ فِيْ وَقْتِ الأُوْلَى، قَبْلَ أَنْ يَضِيْقَ عَنْ فِعْلِهَا) وهذا شرط معتبر، وذلك أن من أراد جمع التأخير ينوي بقلبه والنية عملٌ قلبي، هو نفسه يبيت أنه سيجمع جمع تأخير، لماذا يبيت هذا؟ لئلا يكون تأخيره الصلاة حتى يخرج وقتها بدون عذر، نقول: إذا دخل وقت الصلاة فإن المكلف يلزمه أن يفعلها أو ينوي جمعها إن كان ممن يباح له الجمع والصلاة فيما تجمع، مثل: المسافر في الطريق دخل وقت الصلاة وهو إما أن ينزل يصلي أو ينوي الجمع حتى لو قالت له رفقته نريد أن نصلي يا فلان، قال: أريد أن أجمع، هذه النية، فإذا دخل وقت الفريضة فلا بد من إيقاع الصلاة أو نية الجمع إذا كانت الصلاة مما يجمع وهو ممن يجوز له الجمع، أما جمع المسافر فأشار إليه إشارةً وسنؤجل الحديث عنه حيث قال رحمه الله في آخر هذا الباب: (وَيَجُوْزُ الجَمْعُ لِلْمُسَافِرِ الَّذِيْ لَهُ الْقَصْرُ، وَيَجُوْزُ فِي المَطَرِ بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ) إذن سنؤجل الحديث عن الجمع للسفر والجمع للمطر في الدرس القادم إن شاء الله تعالى.
رابط الفقرة 28أسأل ربي بمنه وكرمه وجوده وإحسانه أن يوفقنا جميعًا لما يحب ويرضى، وأن يأخذ بنواصينا للبر والتقوى، وأن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، وأن يجعل ما تعلمناه وسمعناه حجةً لنا لا حجةً علينا إن ربي قريب مجيب ودود، وبالله التوفيق وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
رابط الفقرة 29الحواشي
(1)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه مسلم (899)، والترمذي (3449).
(2)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه أبو داود (5097)، والنسائي في الكبرى (10699)، وأحمد (9288)، وأخرجه ابن ماجة (3727) بدون لفظ "من روح الله"، والحديث صححه الألباني في صحيح أبي داود (5097).
(3)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه البخاري (1117).
(4)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه النسائي (5049)، وصححه الألباني في صحيح النسائي.
(5)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه البخاري (69)، ومسلم (1734) مطولًا.
(6)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه البخاري (220)، والنسائي (56)، وأبو داود (380)، والترمذي (147)، وأحمد (7255).
(7)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه البخاري (3560)، ومسلم (2327).
(8)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه البخاري (6251)، ومسلم (397).
(9)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه النسائي (1661)، وابن خزيمة (1238) عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: «رأيتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يصلِّي متربِّعًا»، والحديث صححه الألباني في صحيح النسائي (1660).
(10)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه أبو داود (2875)، والنسائي (4012)، والحديث حسنه الألباني في صحيح أبي داود (2875).
(11)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه مسلم (705)، وأبو داود (1211)، والترمذي (187)، والنسائي (602)، وأحمد (3323).
(12)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه البخاري (1107) بنحوه، ومسلم (705)باختلاف يسير.
(13)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه البخاري (1)، ومسلم (1907).