شرح عمدة الفقه
الدرس الثلاثون — كِتَابُ الصَّلَاَةِ، بَابُ صَلَاَة المُسَافِر - قَصْرُ الصَّلَاَةِ
ملفات PDF ١ ملف
النص المقروء
عناوين هذا الدرس
[الدَّرْسُ الثَّلَاثُون]
رابط الفقرة 1[كِتَابُ الصَّلَاَةِ]
رابط الفقرة 2[بَابُ صَلَاَة المُسَافِر - قَصْرُ الصَّلَاَةِ]
رابط الفقرة 3الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمدٍ عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
رابط الفقرة 4أما بعد؛ أيها الإخوة الأحبة سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وحياكم الله في الدرس الثلاثون من شرح كتاب الصلاة من عمدة الفقه للإمام الموفق «ابن قدامة رحمه الله »، قد انتهينا في الدرس الماضي من الكلام على صلاة المريض، وختم رحمه الله هذا الباب بالكلام على الجمع، وذكر أن المريض يجوز له الجمع بين الظهرين والعشاءين إذا كان يشق عليه أداء كل صلاةٍ بوقتها، وذكر رحمه الله شروط الجمع سواءً جمع التقديم أو جمع التأخير ثم ختم الباب بمسألتين بقيتا.
رابط الفقرة 5قال رحمه الله في آخر باب صلاة المريض: (وَيَجُوْزُ الجَمْعُ لِلْمُسَافِرِ الَّذِيْ لَهُ الْقَصْرُ، وَيَجُوْزُ الجَمْعُ فِي المَطَرِ بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ) إذن لما ذكر الجمع للمرض ذكر الجمع للسفر، والأصل في الجمع هو الجمع في السفر، وأوسع المذاهب وأسهلها وأيسرها في باب الجمع مذهب الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله ، فإن الحنابلة يجوزون الجمع في صورٍ كثيرةٍ جدًا، السفر، والمطر، والمرض، والمشقة، حتى ذكروا أن للمرضع إذا شق عليها الطهارة وإزالة النجاسة كما كان حال المرضعات قديمًا أن لها الجمع، إلى غير ذلك من الصور التي لا يوافقهم كثيرٌ من الأئمة فيها، والجمع له سببان عظيمان: إما السفر، وإما في الحضر إذا وجدت المشقة من مرضٍ أو مطرٍ أو نحوه.
رابط الفقرة 6يقول رحمه الله : (وَيَجُوْزُ الجَمْعُ لِلْمُسَافِرِ الَّذِيْ لَهُ الْقَصْرُ) سيأتينا في الباب الذي بعده باب صلاة المسافر، وسنعرف فيه من هو المسافر الذي له القصر، إذن المسافر الذي له القصر يجوز له الجمع ويجوز له الفطر؛ لأن القصر للمسافر خاص، ليس ثمة سبب يبيح قصر عدد الركعات إلا السفر، وكل من جاز له القصر جاز له الجمع، وجاز له الفطر، وجاز له رخص السفر الأخرى، ولا العكس، فليس كل من جمع يباح له القصر، كالمريض إذا كان في البلد يجمع إذا شق عليه أداء كل صلاةٍ في وقتها لكنه لا يقصر، وكذلك الممطور يجمع بين الصلاتين لكنه لا يقصر، إذن القصر ليس له سببٌ غير السفر، وأما الجمع فقد يجمع للسفر وللمرض وللمطر ولغير ذلك.
رابط الفقرة 7يقول رحمه الله : (وَيَجُوْزُ الجَمْعُ لِلْمُسَافِرِ الَّذِيْ لَهُ الْقَصْرُ) هذا هديه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، ولهذا ذهبت الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد إلى جواز الجمع للمسافر، إلا أن من الأئمة وهو مالك من حده وقصره على من جد به السير، وهو أن يكون المسلم في سفره سائرًا ثم يقف لأجل الصلاة فقط، والجمهور من الشافعية والحنابلة على أنه يجوز في حال السير وفي حال النزول ما دام مسافرًا وهو الصحيح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجمع وهو مسافرٌ إذا جد به السير وهو الأكثر من فعله، كما قال نافع مولى ابن عمر: كان ابن عمر إذا جد به السير جمع ويقول إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعله، فالغالب من فعله صلى الله عليه وسلم في الأسفار أنه يجمع إذا جد به السير، ومعنى جد به السير أنه نزل لأجل الصلاة لكنه ثبت في الصحيح أنه جمع صلوات ربي وسلامه عليه في تبوك وهو نازل، خرج فصلى الظهر والعصر ثم دخل، ثم خرج فصلى المغرب والعشاء، وإذا ثبت هذا في الصحيح فإنه يدل على جواز الجمع للمسافر الذي يقصر ولو كان نازلًا، كمسافرٍ سافر لبلدٍ ويريد الإقامة فيه يومان أو ثلاثة، فإن هذا مسافر له القصر بلا خلاف وله الجمع على الصحيح، لكن لو قال: ما الأفضل؟ نقول: الأفضل والسنة أن تقصر وتصلي كل صلاةٍ في وقتها؛ لأن هذا هو الغالب لفعله صلى الله عليه وسلم لكنه لما جمع وهو نازل في تبوك دل على الجواز.
رابط الفقرة 8قال رحمه الله : (وَيَجُوْزُ فِي المَطَرِ بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ) هذا مذهب الحنابلة، أن الجمع لأجل المطر إنما يجوز بين العشاءين أي المغرب والعشاء، جمع تقديمٍ أو تأخير ويوافقهم مالك في ذلك لكنه يقول جمع تقديم، وأما الشافعي فيرى الجمع بين الظهرين والعشاءين في المطر تقديمًا وتأخيرًا وفي قولٍ له تأخيرًا فقط، وأما الحنفية فإنهم لا يرون الجمع بين الصلاتين مطلقًا لا في سفرٍ ولا مطرٍ ولا مرضٍ، ليس عند الحنفية شيءٌ اسمه جمع إلا الجمع الصوري، وهو أن يؤخر الصلاة الأولى إلى آخر وقتها ثم يصلي الصلاة الثانية في أول وقتها، فإذا حُجوا واحتج عليهم الجمهور بأن النبي صلى الله عليه وسلم جمع في عرفة بين الظهر والعصر، وفي مزدلفة بين المغرب والعشاء، ما تقولون أيها الحنفية؟ قالوا: هذا جمع نسك وليس جمع سفر، إذن يقولون: هذا من أنساك الحج وليس لأجل السفر وهم محجوجون بما ثبت في السنة واستفاض من فعله صلى الله عليه وسلم في الجمع في السفر وإباحة الجمع في المطر والمرض، إذن نقول: إن الجمع في المطر بين العشاءين هو مذهب الأئمة الثلاثة، وأما الجمع بين الظهرين فهو مذهب الشافعية فقط، وذلك أن الحنابلة رحمهم الله يشددون في الظهرين، يقولون: لا مشقة غالبًا، إذ المطر إذا كان في الليل يصاحبه المشقة من حيث الظلمة ومن حيث شدة البرودة فإنها تكون في الليل أكثر منها في النهار، لكن الصحيح من قولي أهلي العلم أن الجمع لأجل المطر كالجمع لأجل السفر والجمع لأجل المرض، أنه يجوز بين العشاءين وبين الظهرين، لكن لا يتسرع الأئمة في الجمع بين الظهرين إذ ليس كل مطر يبيح الجمع في الليل يبيحه في النهار، إذن مسألة الجمع بين الظهرين ينبغي أن يشدد فيها لا أن تمنع، وإنما يشدد فيها جدًا، إذن الجمع في المطر بين العشاءين خاصة هو مذهب الحنابلة، ويقولون إن أبا سلمة قال: من السنة إذا كان في يوم مطر أن يجمع بين المغرب والعشاء، ويرون أن ابن عمر رضي الله عنهما كان يجمع إذا جمع الأمراء بين المغرب والعشاء، قالوا: ولا يجمع بين الظهر والعصر للمطر؛ لأن الأصل عدم الجمع لكن الصحيح أن الرخصة إذا جاءت في الجمع لأجل المطر تشمل الليل والنهار على حد سواء.
رابط الفقرة 9بقي عندنا المهم في هذا، وهو ما هو المطر الذي يجمع فيه؟ هل هو أي مطر وأي رش أو لا بد أن يكون المطر على صفةٍ معينة؟ نقول: لا بد أن يكون المطر على صفة معينةٍ، وهو المطر الذي يبل الثياب وتحصل المشقة بالخروج فيه، وهذا الضابط قد لا يستوعبه عامة الناس ويكون أيضًا في تفاوت في الأفهام لكنه لا بد من ضابط، بمعنى أن أوقات الصلاة محفوظة وهي آكد شروط الصلاة ولا يحل للمسلم أن يقدم الصلاة عن وقتها، إذن لا بد من ضابط ما هو هذا الضابط؟ أن يكون هذا المطر يبل الثياب، بمعنى أنه يمكن أن يعصر الثوب فيخرج منه الماء، وأما الرش اليسير الخفيف الذي لا يبل الثياب بل لن يحصل به العصر فإنه لا يبيح الجمع، الأمر الثاني: وهو المهم بل الأهم أن تحصل المشقة بالخروج فيه إذ قد يكون المطر شديدًا ويبل الثياب لكن لا مشقة في الخروج فيه، لا سيما في المطر الذي يكون في الصيف أو يكون في الربيع أو في الخريف أو في أوائل الشتاء أو في خواتم الشتاء أو يكون ليس معه أي بردٍ ولا ريح، وإنما يخرج الناس زرافات ووحدانًا يفرحون بالمطر وينتشرون في الشوارع والطرقات والأسواق والبراري، نقول: هذا المطر الذي ما حبس الناس في بيوتهم ولا عطل حركتهم هذا لا يبيح الجمع، إذن المطر الذي يبيح الجمع بين الصلاتين هو المطر الذي تحصل المشقة بالخروج فيه لكثرته وربما يصاحبه شيءٌ من البرد أو الظلمة أو الزلق أو الوحل أو الطين كما كان حالهم، وإن كنا لا نعتبر أن هذا قيدًا بمعنى أنه يجوز الجمع حتى في مثل هذه السنين، وقد عبدت الشوارع وأضيئت ورصفت لكنه يحصل أحيانًا مع كثرة المطر وشدته والريح التي تصاحبه أو البرد يحصل مشقة فلا حرج في الجمع حينئذٍ، وكذلك الثلج والبرد والريح الشديدة والوحل ونحو ذلك كله يباح فيه الجمع.
رابط الفقرة 10قال رحمه الله عقب ذلك: (بَابُ صَلاةِ المُسَافِرِ) لأنه خص المريض بباب والمسافر ببابٍ ثم ذكر الخائف في باب، المسافر صلاته إما أن يقصرها، وإما أن يجمعها والجمع تقدم، فالمراد بهذا الباب الآن صلاة السفر من حيث القصر، ولهذا قال رحمه الله : (بَابُ صَلاةِ المُسَافِرِ) ويعني بها قصر المسافر الصلاة، والقصر هو رد الصلاة من أربعٍ إلى ركعتين، القصر هو رد الصلاة الرباعية من أربعٍ إلى ركعتين وهو إنقاصها وردها وقصرها.
رابط الفقرة 11قال رحمه الله : (وَإِذَا كَانَتْ مَسَافَةُ سَفَرِهِ سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا، وَهِيَ مَسِيْرَةُ يَوْمَيْنِ قَاصِدَيْنِ، وَكَانَ مُبَاحًا، فَلَهُ قَصْرُ الرُّبَاعِيَّةِ خَاصَّةً) إذن ذكر رحمه الله جملةً من شروط القصر، أولًا: ما حكم القصر للرباعية في السفر؟ نقول: القصر للصلاة الرباعية في السفر سنةٌ عند جماهير أهل العلم، ومن أتم الصلاة وهو مسافرٌ فقد خالف السنة، وذهبت الحنفية إلى وجوب القصر وتأثيم من أتم الصلاة، والصحيح مذهب الجمهور وهو أن القصر سنة ومن أتم وهو مسافر فقد خالف السنة، ودليل مشروعية القصر الكتاب والسنة والإجماع، فمن الكتاب قول الله جل شأنه: ﴿ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِى ٱلْأَرْضِ ﴾ أي سافرتم ﴿ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا۟ مِنَ ٱلصَّلَوٰةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ ۚ ﴾ [النساء: ١٠١] ظاهر الآية أن القصر إنما يكون في حال الخوف لكن هذا القيد غير معتبرٍ، بمعنى أنه ليس بشرط لكنه جرى على الغالب، إذ كان الغالب في أسفارهم الخوف، ولهذا روى الإمام مسلمٌ من حديث يعلى بن أمية رضي الله عنه أنه لقي الفاروق عمر، فقال: قد أمن الناس، ذكر الآية ﴿ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا۟ مِنَ ٱلصَّلَوٰةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ ۚ ﴾ قد أمن الناس، يعني كأنه يقول للفاروق هل بقي القصر مشروعًا مع الأمن؟ فقال الفاروق عمر : رضي الله عنه «فقال: عجِبْتُ ممَّا عجِبْتَ منه؛ فسألْتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال: صدَقةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بَها عليكم، فاقْبلُوا صَدَقتَهُ»(1) [الحديث رواه الإمام مسلم] إذًا دل الكتاب على مشروعية القصر وأنه يشرع في حال الخوف وهو الغالب من أسفارهم، وفي حال الأمن لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن القصر رخصة من الله تعالى والله يحب أن تؤتى رخصه، والدليل عليه من السنة أحاديث كثيرةٌ مستفيضة، بل كل أسفاره صلى الله عليه وسلم كان يقصر فيها، ولم يرد عنه صلى الله عليه وسلم في سفرٍ قط لا في حديثٍ صحيحٍ ولا حسنٍ ولا ضعيفٍ ولا مرسلٍ ولا مسندٍ أنه أتم الصلاة في سفرٍ قط أبدًا، محال أن يجد مسلمٌ حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أتم الصلاة في سفر، فدل ذلك كله على أن هذه سنة واظب عليها صلى الله عليه وسلم وداوم والخلفاء من بعده، ولهذا لما أتم عثمان رضي الله عنه في حجته بالناس استرجع ابن مسعود، قال: إن لله وإنا إليه راجعون، عدها مصيبة، كيف يتم الخليفة الراشد الصلاة وهو مسافرٌ؟ وقال: إني صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكرٍ وعمر ولم يزد واحد منهم عن ركعتين، وودت أن لي من أربعٍ ركعتين متقبلتين، لكنه الفقه العظيم عند ابن مسعود لم يخالف، أتم مع عثمان، عثمان رضي الله عنه أتم لعذرٍ، وذلك أنه رضي الله عنه تزوج في مكة لما جاء حاجًا، والمتزوج يعتبر مقيمًا، إذا دخل الإنسان في بلدٍ وتزوج فيها فهو في حكم المقيمين، هذا من أبرز الأعذار التي ذكرها أهل العلم لفعل عثمان رضي الله عنه لما أتم الصلاة في الحج ولم يتمها في أول خلافته، فدل على أنه تغير شيءٌ عنده وهو أنه تزوج في مكة فعدَّ نفسه كأهل مكة مقيمًا، إذن النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان في صدر خلافته والخلفاء والمسلمون من بعده صلى الله عليه وسلم وفي عصره كانوا يقصرون، ولهذا رجلٌ سافر مع صاحبه فكان يتم الصلاة وصاحبه يقصر، فجاء هذا الرجل لابن عباسٍ حبر الأمة وترجمان القرآن رضي الله عنه وأرضاه، فقال: يا ابن عباس إني سافرت مع صاحبٍ لي وكنت أتم الصلاة وصاحبي يقصر، فأنكر عليه ابن عباس، وقال: أنت الذي كنت تقصر وصاحبك يتم، أي صاحبك الذي كان يقصر الصلاة هو الذي يتم في الأخذ بالسنة، وأنت مع إتمامك كنت تقصر في الأخذ بالسنة، ولهذا بعض العوام ما تطيب نفسه أن يقصر، يحسب أن زيادة الركعات أعظم أجرًا، نقول للعامي وغيره: إنك إذا أتممت الصلاة في السفر فقد خالفت هدي النبي صلى الله عليه وسلم وأجرك ليس كأجر من قصر، من قصر فقد أخذ بالسنة وأصاب الصواب وأنت خالفت السنة، وانعقد الإجماع على مشروعية القصر على خلاف، هل هو واجب أو مسنون؟ لكن الصحيح أنه مسنون، وأن من تركه فقد خالف السنة مع صحة صلاته كما نبه المؤلف لاحقًا.
رابط الفقرة 12قال رحمه الله مبينًا شروط القصر: (وَإِذَا كَانَتْ مَسَافَةُ سَفَرِهِ سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا) هذا مذهب الجمهور، المالكية والشافعية والحنابلة يرون أن السفر الذي تقصر به الصلاة مسيرة يومين قاصدين بسير الإبل والأقدام، سواء يومين أو يوم وليلة أو ليلتين، كانوا يسيرون في اليوم القاصدين بالإبل نحو من ما ذكره هنا وهو ستة عشر فرسخًا، إذ كانوا يسيرون أربعة بُرد في اليومين القاصدين، في اليوم بريدين، وقد كانوا في إرسال طلباتهم وحاجياتهم يرسلون عن طريق البريد، فيقطع الفرس مسافة ثم يستقبل الفرس الثاني ويواصل، ففي اليوم الواحد يقطعون مسيرة بريدين، البريد يساوي أربعة فراسخ، فيكون الناتج عندنا أربع برد مضروبة في أربعة فراسخ يساوي ستة عشر فرسخًا، إذن أربعة برد والبريد الواحد أربعة فراسخ تساوي ستة عشر فرسخًا، والفرسخ الواحد يساوي ثلاثة أميال، فناتج الضرب ستة عشر فرسخًا مضروبة في ثلاثة أميال تساوي ثمانية وأربعين ميلًا، الميل المسافة المعروفة الآن، وإذا أردنا أن نحول ثمانية وأربعين ميلًا إلى الكيلوات المعروفة، فإننا نضرب ثمانية وأربعين في كيلو وستمائة متر أي 1.6 من الكيلو، والناتج يكون ماذا؟ ستة وسبعين كيلًا وثمانمائة متر تحديدًا وثمانين تقريبًا، ولهذا عامة فقهائنا ومشايخنا يقولون ثمانين كيلًا يعني تقريبًا وإلا فهي بالدقة ستة وسبعين كيلًا وثمانمائة متر، وهي نتيجة ضرب أربعة برد في أربعة فراسخ، فيكون الناتج ستة عشر فرسخًا، والفرسخ الواحد يساوي ثلاثة أميال، فنضرب ستة عشر فرسخًا في ثلاثة أميال يكون الناتج ثمانية وأربعين ميلًا، ثم نحول الثمانية وأربعين ميلًا إلى كيلوات بأن نضرب ثمانية وأربعين في 1,6 من الميل، فيكون الناتج الإجمالي ستة وسبعين كيلًا وثمانمائة متر.
رابط الفقرة 13قال: (وَهِيَ مَسِيْرَةُ يَوْمَيْنِ قَاصِدَيْنِ) بعض الأئمة قال: إننا لا نحتاج هذا التحديد وإنما نرده إلى العرف، وممن قال بهذا صاحب الكتاب هذا الموفق ابن قدامة وشيخ الإسلام قالوا يرد إلى العرف، فما عد في عرف الناس سفرًا فهو سفر،،تقصر فيه الصلاة ويفطر فيه الصائم ويجمع المسافر فيه، والراجح والعلم عند الله هو قول الجمهور وهو أضبط، فإن المسافة يعرفها القاصي والداني ويقدرها كل من خرج من البلد إذا فارق عن القرية، وهو مثل الآن في السيارة يكيل سيارته، فإذا بلغ هذه المسافة سبعة وسبعين كيلًا أو ستة وسبعين وثمانمائة أو ثمانين وأكثر فهو مسافرٌ، وإن كان دون ذلك فهو غير مسافر.
رابط الفقرة 14بقي شروط من شروط القصر وهو ما ذكره رحمه الله بقوله: (وَكَانَ مُبَاحًا) هذا أيضًا مذهب الجمهور، أن الذي يسافر سفرًا مباحًا هو الذي يقصر، وأما من سافر سفرًا محرمًا فلا يقصر لأن الله جل شأنه إنما شرع الرخص إعانة لعباده على الطاعة، فأما من سافر ليقطع الطريق ويخيف السبيل ويتاجر في المحرمات أو للبغاء ونحوه، فهذا عاصٍ بسفره فلا يترخص، لا يقصر ولا يجمع ولا يمسح عن خفيه ثلاثًا لعله يزدجر ويرجع ويتوب، وحينئذٍ يترخص برخص السفر، الحنفية واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية يقولون: كل مسافر يقصر ولو كان عاصيًا.
رابط الفقرة 15قال رحمه الله : (فَلَهُ قَصْرُ الرُّبَاعِيَّةِ خَاصَّةً) نقف عند هذا، قصر الرباعية خاصة بمعنى أنه بالإجماع لا تقصر المغرب ولا الفجر، القصر إنما هو للرباعية الظهر والعصر والعشاء، أما المغرب قالوا: هي وتر النهار فإذا قصرها اختل وترها، وأما الفجر فهي ركعتان إذا قصرها أخل بهيئتها وحولها إلى وترٍ، ومع هذا الإجماع والشهرة ثمة من جهلة المسلمين من يقصر، أحدهم صلى بالناس الفجر وقصر وهذا جاهل جهل مركب، وآخر يصلي مع زوجه كلما سافر والمغرب مقصورة، فلما أنكرت عليه إحدى النساء على المرأة، قالت: كيف تقصرين؟ المغرب ما تقصر، قالت: والله أنا من سنين أنا وزوجي كل ما سافرنا نقصر المغرب وزوجي جامعي، فلما شككت قالت: المغرب قولًا واحدًا إجماع أهل العلم أنه ما يقصر المغرب، لكن هذا جاهل وزوجته مسكينة تبعته، فارجعي وكلميها بأن ما حصل منكم خطأٌ محضٌ وأنه محل إجماع لا خلاف فيه بين أهل العلم، أن المغرب لا تقصر.
رابط الفقرة 16وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، وصلى الله وسلم وبارك وأكرم وأنعم على خيرة خلقه وأفضل أنبيائه ورسله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
رابط الفقرة 17الحواشي
(1)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه مسلم (686)، وأبو داود (1199)، والترمذي (3034)، والنسائي (1433)، وابن ماجه (1065).