شرح عمدة الفقه
الدرس الحادي والثلاثون — كِتَابُ الصَّلَاَةِ، بَابُ صَلَاَة المُسَافِر - مَتَى يَلْزَمُ المُسَافِرُ إتْمَامَ الصَّلَاَةِ؟ بِالْإضَافَةِ إِلَى بَابِ الْخَوْفِ
ملفات PDF ١ ملف
النص المقروء
عناوين هذا الدرس
[الدَّرْسُ الحَادِي والثَّلَاثُون]
رابط الفقرة 1[كِتَابُ الصَّلَاَةِ]
رابط الفقرة 2[بَابُ صَلَاَة المُسَافِر - مَتَى يَلْزَمُ المُسَافِرُ إتْمَامَ الصَّلَاَةِ؟ بِالْإضَافَةِ إِلَى بَابِ الْخَوْفِ]
رابط الفقرة 3الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك وأكرم وأنعم على خيرته من خلقه وأفضل أنبيائه ورسله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين أفضل وأتم تسليم.
رابط الفقرة 4أما بعد؛ أيها الأخوة الأكارم سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وحياكم الله في الدرس الحادي والثلاثون من شرح كتاب الصلاة من عمدة الفقه للإمام الموفق «ابن قدامة رحمه الله »، قد بدأنا الدرس الماضي باب صلاة المسافر وإن توسطنا فيه ولا بأس أن نعيد الباب من أوله.
رابط الفقرة 5قال رحمه الله : (بَابُ صَلاةِ المُسَافِرِ، وَإِذَا كَانَتْ مَسَافَةُ سَفَرِهِ سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا، وَهِيَ مَسِيْرَةُ يَوْمَيْنِ قَاصِدَيْنِ، وَكَانَ مُبَاحًا، فَلَهُ قَصْرُ الرُّبَاعِيَّةِ خَاصَّةً) انتهينا من هذا، قال رحمه الله : (إِلاَّ أَنْ يَأْتَمَّ بِمُقِيْمٍ) هذه حالات يلزم المسافر أن يتم الصلاة فيها، مع أن الأصل في المسافر أن يقصر وقد سبق بيان حكم القصر وأنه سنة مؤكدة جدًا، وأن شيخ الإسلام يرى كراهة ترك القصر، وأن الحنفية يوجبونه ويؤثمون من أتم، وذكرنا الراجح بدليله وهو أن القصد سنة ومن أتم فقد خالف السنة، لكن ثمة حالاتٌ يتعين على المسافر أن يتم الصلاة فيها، أولها: إذا ائتم بمقيم يعني إذا صار المسافر مأمومًا والإمام مقيمًا، فجمهور أهل العلم على أنه يلزمه الإتمام؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم : «إنَّما جُعِلَ الإمَامُ لِيُؤْتَمَّ به؛ فلا تَخْتَلِفُوا عَلَيه»(1)، ولما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما في الصحيح: «أنه سُئل عن ذلك، ما بالنا إذا صلينا خلفكم قصرنا وإذا صلينا في رحالنا أتممنا، قال: تلك سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم »(2)، وجاء عن ابن عمر أيضًا مثله عند الإمام مسلم: «أنه كان إذا صلى خلف المقيمين أتم، وإذا صلى وحده قصر»(3)، ويستوي في ذلك على الصحيح من دخل مع الإمام في أي جزء من الصلاة حتى ولو في التشهد الأخير، سُئل الإمام أحمد رحمه الله عن المسافر يدخل في تشهد المقيمين؟ قال: يتم، وهذا هو الصحيح؛ لأنه أدرك جزءًا من الصلاة معهم فأخذ حكمهم ولا يخالفهم فيقصر وهم يتمون، وأما المالكية فإنهم يرون أنه إذا أدرك ركعة كاملة أتم وإلا فلا، لكن الصحيح هو القول الأول، وهو أن من دخل مع المقيمين في أي جزء من الصلاة فإنه يأخذ حكم صلاتهم فيلزمه أن يتم.
رابط الفقرة 6قال رحمه الله : (أَوْ لَمْ يَنْوِيَ الْقَصْرَ) هذا مبني على شرط عندهم، وهو أن نية القصر لابد منها، والصحيح أنه لا تلزم نية القصر وأن المسافر يقصر الصلاة متى كان مسافرًا ولو لم ينوِ، يعني لو قال: أنا والله دخلت الصلاة ونسيت أني مسافر وأني أنوي القصر، نقول: ما دمت مسافرًا فصلاتك مقصورة نويت أو لم تنوِ، وحينئذ فمن لم ينوِ القصر وهو مسافر، على الصحيح له القصر ولو لم ينوه، نقول: صلاة المسافرين مقصورة؛ لأن الصلاة أول ما فُرِضَت فُرِضَت ركعتين كما في الصحيحين من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنهما وعن أبيها، فأُقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر(4)، فصلاتك أيها المسافر مقصورة أو شُرعت مقصورة على الصحيح.
رابط الفقرة 7قال رحمه الله : (أَوْ نَسَى صَلاةَ حَضَرٍ، فَذَكَرَهَا فِي السَّفَرِ) هذه حكى بعضهم الإجماع على وجوب الإتمام فيها، مسلمٌ فاتته صلاة من الصلوات وهو في الحضر مقيم لكنه لم يذكرها إلا لما سافر، نقول: يلزمه الإتمام؛ لأن القضاء يحكي الأداء، ولأن الصلاة التي تعلقت بذمته تامة أربع فيلزمه الإتمام، هذا قول جماهير أهل العلم بل حكى بعضهم الإجماع عليه، لكن جاء عن الحسن البصري وعن المزني من الشافعية وعن ابن حزم أن له القصر لكن هذا القول ضعيف جدًا، إذن الصحيح أن من نسي صلاة حضر فذكرها في السفر أنه يتمها لأنها تعلقت بذمته تامة، ووجبت عليه تامة والقضاء يشبه الأداء، فيلزمه أن يؤديها تامة.
رابط الفقرة 8العكس، قال رحمه الله : (أَوْ صَلاةَ سَفَرٍ، فَيَذْكُرَهَا فِي الحَضَرِ، فَعَلَيْهِ الإِتْمَامُ) هذه فيها خلاف معتبر وخلاف مشهور بين الأئمة، مسافرٌ نسي صلاةً في سفره لكنه لم يذكرها إلا لما أقام وصار في الحضر، فالشافعية والحنابلة يقولون: يتمها وجوبًا؛ لأنهم عندهم قاعدة أنه لو اجتمع الحضر والسفر غُلِّب جانب الحضر، قالوا: ولأن رخص السفر انتهت بإقامته، فلا يترخص برخص السفر ومن رخص السفر القصر، فما دام أنه نسي هذه الصلاة في السفر ولم يذكرها إلا وقد انقطع سفره وانتهى فإنه يصليها صلاة المقيمين، وأما الحنفية والمالكية فقالوا: له القصر لأنها تعلقت بذمته ناقصة مقصورة والقضاء يحكي الأداء، القول الأول قول الشافعية والحنابلة هو الاحوط والأبرئ للذمة، والقول الثاني معهم الدليل لكن الاحتياط في قول من أوجب عليه الإتمام، وهذه مسألة نادرة الوقوع يمكن تمر سنين ما حصلت للمسلم أنه ينسى صلاة الحضر ويذكرها في السفر أو العكس، لكننا نقول: القاعدة أنه يتم في الصورتين.
رابط الفقرة 9قال رحمه الله : (وَلِلْمُسَافِرِ أَنْ يُتِمَّ، وَالْقَصْرُ أَفْضَلُ) هذه كأنه يبين حكم الإتمام في السفر وأنه لو أتم صحت صلاته لكنه خالف السنة، ودليل ذلك أن الله جل شأنه قال: ﴿ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِى ٱلْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا۟ مِنَ ٱلصَّلَوٰةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ ۚ ﴾ [النساء: ١٠١] قالوا: فنفي الجناح والإثم يدل على الرخصة وأنه ليس بواجب، فلو أتم المسافر صلاته، نقول: خالفت السنة وصلاتك صحيحة، ودليل صحة صلاة من أتم؟ أولًا: هذه الآية؛ فإن الله جل شأنه نفى الجناح وهو الإثم والمؤاخذة عمّن قصر، فدل على أنه رخصة ﴿ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا۟ مِنَ ٱلصَّلَوٰةِ ﴾ ، ثانيًا: النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن القصر صدقة من الله، ولهذا لما سأل يعلى بن أمية الفاروق عمر وقال قد أمن الناس، يعني فهذا القصر لا يزال باقيًا، والله جل شأنه قال: ﴿ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ ۚ ﴾ ، فقال عمر: عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال: «صَدَقَةٌ تصدَّقَ اللهُ بِها عَلَيْكُم فاقبلوا صدقَتَه»(5) [الحديث رواه الإمام مسلم] فدل على أنه صدقة وأنه ليس بفرض حتم لازم، كما يدل على ذلك أيضًا أن المسافر إذا ائتم بمقيم وجب عليه الإتمام، وهذا دليل على أن المسافر قد يتم ولو كان القصر واجبًا والإتمام محرمًا لم يجز له أن يتم الصلاة في سفر، ولأن عثمان رضي الله عنه لما أتم في الحج أتم الصحابة وهم مسافرون ولم يخالفوه، فدل على أن القصر هو الأفضل، وهو الأتم وهو السنة، وأن من أتم الصلاة في السفر فقد خالف السنة، وهذا أكبر ما يمكن أن نصف فعله، أنه خلاف السنة أو نقول: فعلك مكروه، أما أننا نؤثمه أو نقول بتحريم فعله أو أكثر من ذلك أن نقول لا تصح صلاتك، فهذا بعيد جد بعيد.
رابط الفقرة 10قال رحمه الله : (وَمَنْ نَوَى الإِقَامَةَ أَكْثَرَ مِنْ إِحْدَى وَعِشْرِيْنَ صَلاةً، أَتَمَّ، وَإِنْ لَمْ يُجْمِعْ عَلَى ذلِكَ، قَصَرَ أَبَدًا) هذه حالة من الحالات التي يلزم المسافر الإتمام فيها، وهي إذا نوى الإقامة أكثر من إحدى وعشرين صلاة، جمهور العلماء من المالكية والشافعية والحنابلة يقولون: إن المسافر إذا دخل بلد ونوى الإقامة فيها أكثر من أربعة أيام فإنه يأخذ الحكم المقيمين، وإن كان أربعة أيام فأقل فهو في حكم المسافرين، على خلاف بين الجمهور، هل يُعد يوم الدخول ويوم الخروج أو لا يعد؟ الحنابلة لا يعدونه، والمالكية والشافعية يعدونه، لكنهم يقولون في هذه المدة، يقولون: الفيصل لمن عزم على الإقامة في بلد الأربعة أيام، إن كان أكثر فهو مقيم يلزمه الإتمام، وإن كان أربعة فأقل فهو مسافر، وحجتهم في ذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، والحديث في الصحيحين، فإنه صلى الله عليه وسلم قدم مكة صبيحة رابعة من ذي الحجة، دخل مكة في اليوم الرابع وصلى في مكة قبل أن يخرج إلى منى اليوم الرابع والخامس والسادس والسابع والفجر يوم الثامن، الفجر الذي يوم الثامن، ثم خرج إلى منى، وكان يقصر صلوات ربي وسلامه عليه، قالوا: وهذه أطول مدة قصر بها صلى الله عليه وسلم وهو يعلم أنه سيقيمها، فإنه من حين ما دخل مكة صبيحة الرابع من ذي الحجة يعلم أنه لن يخرج منها إلا يوم الثامن واستمر يقصر، فدل على أن هذه أطول مدة علم صلى الله عليه وسلم إقامته فيها وقصر، فإذا قيل لهم: إنه صلى الله عليه وسلم أقام عام الفتح نحوًا من عشرين يومًا يقصر، لما فتح مكة في السنة الثامنة، وفي تبوك أقام نحوًا أيضًا من عشرين يومًا أو تسعة عشر يومًا يقصر، قالوا: هذا في حق من لم يعزم الإقامة، فإنه صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة ولما ذهب لتبوك في غزوة لم يعزم على الإقامة، وإنما كان يحدث نفسه أنه كل يوم ينتهي ويمضي، فإذا استتب الأمر في مكة رجع إلى المدينة وكذلك في تبوك، قالوا: فلم يجزم ولم يعزم صلى الله عليه وسلم عن إقامة مدة محددة، فهذا وأمثاله له أن يقصر ولو أقام شهورًا، كما حصل من بعض الصحابة رضي الله عنهم كابن عمر أنه أقام في أذربيجان ستة أشهر يقصر لما حبسهم الثلج والجليد، ومثله كل مسلم سافر لغرض لا يدري متى ينتهي، عنده معاملة في بلد سافر لأجلها، يقول: لو انتهت اليوم رجعت، وربما يجلس أسبوع أو أسبوعين، ويسألهم متى تنتهي؟ قالوا: ما ندري، أنت وحظك، في ناس تنتهي في يوم يومين، وناس أسبوع أسبوعين، وربما شهر أو شهرين، فهو كل يوم يحدث نفسه أنه ينتهي ويرجع، نقول: هذا يقصر ولو بقي شهرين أو ثلاثة، ما دام أنه لم يعزم الإقامة، إلا أن الحنابلة يقولون: إذا غلب على ظنه أو ظن أنه سيقيم أكثر من أربعة أيام فإنه يأخذ حكم المقيمين، نقول: ما ذكرت عن الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة هو الأقرب والأحوط والدليل معهم، والمسلم إذا قدم للبلد لا يخلو من حالتين: إما أنه محدد الإقامة، قد عزم وجزم وربما دفع الأجرة وحدد متى المغادرة؟ كل شيء يعلمه، نقول: كم مدتك؟ قال: يومين ثلاثة أربعة، نقول: أنت مسافر، لا تترك الصلاة في المسجد لأجل السفر، صلِ مع المسلمين وحينئذ لا قصر ولا جمع، لكن لو فاتتك الصلاة أو صليت مع رفقتك فأنت في حكم المسافرين لك القصر ولك الجمع، لكن قال: لا، أنا مدة إقامتي خمسة أيام أو ستة أو سبعة أو أكثر من ذلك، نقول: أنت مقيم ولا قصر ولا جمع إلا في الطريق، فإذا وصلت البلد وقد استأجرت وعزمت على إقامة خمسة أيام فأكثر، فجمهور أهل العلم على أنك في حكم المقيمين، وهذا القول هو الأقرب والعلم عند الله تعالى، بعض الناس يفهم هذا القول فهمًا آخر، فيحسب أنه يقصر أربعة أيام ثم يترك القصر، نقول: لا، أنت من حين ما تصل للبلد حدد مدة اقامتك، هي أربعة أيام فأقل أنت مسافر اقصرها كلها واجمع وافطر، وإن كنت تعزم على إقامة أكثر من أربعة أيام فأنت من حين وصولك وانقطاع سفرك عن وصولك للبلد للذي تعزم الإقامة فيه أكثر من أربعة أيام فأنت في حكم المقيمين.
رابط الفقرة 11ثمة مسائل لم يذكرها المؤلف، منها: إذا دخل وقت الصلاة وهو في الحضر ثم سافر، وهذا يرد عند كثير من الناس، يؤذن المؤذن وهو في البلد مرتبًا عفشه وينطلق، فيصلي الصلاة في السفر مع أنه دخل وقتها وهو في الحضر، فالحنابلة رحمهم الله يقولون: يلزمه الإتمام لأن الصلاة وجبت عليه وهو في الحضر وأداها في السفر، والقول الثاني وهو الصحيح: أن له القصر لأنه صار مسافرًا وضرب في الأرض وحينئذٍ فإنه يترخص برخص السفر؛ لأن الله جل شأنه علّق أحكام السفر على الضرب في الأرض ﴿ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِى ٱلْأَرْضِ ﴾ وهذا ضارب في الأرض، فله أن يترخص برخص السفر كلها قصرًا وجمعًا وفطرًا، ومن ثم فالصحيح أن له أن يقصر ويجمع ولو أن أذن المؤذن وهو في البلد لكن الأفضل في حق مثل هذا أن يصلي في البلد ولو في طرفه مع المسلمين في المساجد، لكن لو قدر الله ومضى لغرض ما أو لشغل ما أو لم يتيسر له الوقوف أو نحو ذلك من الاعذار ولم يصلها إلا بعد الخروج من البلد، فالصحيح من قولي أهل العلم أن له أن يقصرها ولو أنه أذن المؤذن ودخل وقت الصلاة وهو في الحضر، هذه أبرز مسائل صلاة المسافرين.
رابط الفقرة 12أما صلاة الخوف فلقصر بابه فلعلنا نأتي به اليوم لأننا تأخرنا حتى لا يبقى عندنا من الأبواب بعد هذا الباب إلا صلاة الجمعة والعيدين ثم الجنائز ولعلنا ننهي الجمعة وربما العيدين قبل أن نتوقف بإذن الله تعالى.
رابط الفقرة 13قال رحمه الله : (بَابُ صَلاةِ الخَوْفِ، وَتَجُوْزُ صَلاةُ الخَوْفِ، عَلَى كُلِّ صِفَةٍ صَلاَّهَا رَسُوْلُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ) إذن صلاة الخوف فرضها الله في كتابه وأنزل فيها قرآنًا يتلى إلى يوم الدين ﴿ وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌۭ مِّنْهُم مَّعَكَ ﴾ [النساء: ١٠٢] وهذه الآية دليل على أهمية وفرضية الجماعة، حيث أوجب الله جل شأنه على المصافين للعدو أن يجتمعوا في صلاتهم، ولم يبح لهم أن يصلوا متفرقين وهم في حال خوف وذعر وللعدو مواجهين، فدل على أنه من كان آمنًا من باب أولى أن يصلي في المسجد جماعة، جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف على عدة صفات، أكثر من ست صفات، فيقول الإمام أحمد: كل صفة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي جائزة، لكنه اختار رحمه الله ما جاء في حديث صالح بن خوات وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه كما في آية صلاة الخوف، قال: (وَالمُخْتَارُ مِنْهَا: أَنْ يَجْعَلَهُمُ الإِمَامُ طَائِفَتَيْنِ، طَائِفَةً تَحْرُسُ -ما تصلي-، وَالأخرى تُصَلِّيْ مَعَهُ رَكْعَةً، فَإِذَا قَامَ إِلَى الثَّانِيَةِ، نَوَتْ مُفَارَقَتَهُ)، يصلي الركعة الأولى الإمام ومعه نصف الجيش الفرقة أولى، فإذا قام للركعة الثانية قاموا هم فأتموا لأنفسهم ركعتهم الثانية وانطلقوا.
رابط الفقرة 14قال رحمه الله : (وَجَاءَتِ الأُخْرَى، فَصَلَّتْ مَعَهُ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ) يستمر قائمًا حتى تأتي الطائفة الثانية فيصلي بهم الركعة الثانية، (فَإِذَا جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ، قَامَتْ فَأَتَتْ بِرَكْعَةٍ أُخْرَى، وَيَنْتَظِرُهَا حَتَّى تَتَشَهَّدَ، ثُمَّ يُسَلِّمُ بِهَا) هذه الصفة اختارها الإمام أحمد، أولًا: لثبوت الحديث فيها في الصحيح، ثانيًا: لأنها تشبه آية صلاة الخوف، ثالثًا: الحركة فيها قليلة، والتغيير فيها يسير، رابعًا: فيها مراعاة للعدو عدم هجومه واستغلاله صلاة المصلين، لكن هذه إنما يصار إليها إذا كان العدو في غير جهة القبلة، أما إذا كان العدو في جهة القبلة فإنه يمكن أن يأتون كلهم ويصلون خلف الإمام، وقد صح الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان العدو في جهة القبلة فصفَّ الصحابة خلفه صفين، ثم قام فصلى الركعة الأولى فقاموا معه جميعًا، ثم ركع فركعوا جميعًا، ثم سجد فسجد الصف الأول، والصف الثاني في وجه العدو يترقب؛ لأنه ربما يغير عليهم العدو لو رآهم كلهم سجود، فلما سجد صلى الله عليه وسلم بالفرقة الأولى سجدتين ثم قام سجدت الفرقة الثانية، لما قاموا للركعة الثانية سجدت الفرقة الثانية سجدتين ثم قاموا، ثم تقدموا في الصف الأول وتأخر الذين في الصف الأول للصف الثاني، وهذا غاية في العدل بين الفرقتين حتى الصف الأول كلٌ منهم نال منه جزءًا من صلاته، فصار إمامهم واحد وصلى بهم كل فرقة ركعة كاملة مع السجود لكن الأولى تسجد والثانية تنتظر، ثم التي سجدت تقوم فالثانية تسجد، ثم يتقدم الذين في الصف الثاني للصف الأول، والذين في الصف الأول يرجعون بعمل انسيابي وحركة يسيرة ثم يصلي بهم، فتكون الفرقة التي كانت مؤخَرة تكون مقدَمة فيصلي بهم قيامًا ثم يركع، ثم إذا سجد سجد الصف الأول معه، وانتظر الصف الثاني يرون العدو في وجههم لئلا يهجم عليهم بغتة، فإذا سجدوا سجدتين مع النبي صلى الله عليه وسلم قام فسجدت الفرقة الثانية ثم سلم بهم جميعًا، هذه أيضًا من الصفات، جاءت صفات أخرى لكن يكفينا هذا القدر أنه أي صفة جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم فإنها تُصلى، وهذا كله كما قلت يدل على عِظم شأن الجماعة في الصلاة وأن الله أوجبها على المحاربين بل أوجبها في كتابه المبين في قوله جل شأنه: ﴿ وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱرْكَعُوا۟ مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ ٤٣ ﴾ [البقرة] فلو كان مجرد أمرٍ بإقامة الصلاة لاكتفى بأول الآية، فلما قال: ﴿ وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ ﴾ علمنا وجوبها، ﴿ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ ﴾ علمنا وجوبها، فلما قال: ﴿ وَٱرْكَعُوا۟ مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ ﴾ علمنا أنه يريد منا أن نركع مع الراكعين يعني نصلي مع المصلين في بيوت الله التي أذن أن تُرفع ويُذكر فيها اسمه، ولا أعظم من أنه شرع صلاة الجماعة في الخوف.
رابط الفقرة 15قال رحمه الله : (وَإِنِ اشْتَدَّ الخَوْفُ) يعني أصبحوا في كرٍ وفرٍ وحمي الوطيس ولم يستطيعوا أن يصلوا صلاة الخوف على أي صفة من الصفات الست أو السبع الواردة، فماذا يفعلون؟ قال: (وَإِذَا اشْتَدَّ الخَوْفُ صَلَّوْا رِجَالًا) يعني راجلين على أقدامهم قيامًا (وَرُكْبَانًا) على دوابهم راكبين (إِلَى الْقِبْلَةِ، وَإِلَى غَيْرِهَا، يُوْمِئُوْنَ بِالرُّكُوْعِ وَالسُّجُوْدِ) جاء في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما تفسير ذلك، وأنه إذا اشتد الخوف أكثر من ذلك فإنهم يصلون رجالًا وركبانًا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها، قال نافع مولى ابن عمر: لا أُرى ابن عمر قال ذلك من عند نفسه، يعني لا يمكن أن يقول ذلك من رأيه وإنما فهمه عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فإذا اشتدت الحرب وحمي الوطيس وأصبحت الساعات الطوال فيه كر وفر لا يستطيعون أن يجتمعون ولا أن يصلون على أي صفة من الصفات الواردة في صلاة الخوف، فإنهم يصلون أفرادًا منهم الراكب على دابته ومنهم الماشي ومنهم القائم، يومئون قدر طاقتهم لئلا يسجدوا فيهجم عليهم العدو في أي لحظة، وهذا أيضًا دليلٌ على عظم شأن الصلاة وأنها لا تسقط بحال.
رابط الفقرة 16قال رحمه الله : (وَكَذلِكَ كُلُّ خَائِفٍ عَلَى نَفْسِهِ) يعني يُلحق بصلاة الخوف التي هي الصلاة في الحرب (كُلُّ خَائِفٍ عَلَى نَفْسِهِ، فَإِنَّه يُصَلِّيْ عَلَى حَسَبِ حَالِهِ، وَيَفْعَلُ كُلَّ مَا يَحْتَاجُ إِلَى فِعْلِهِ، مِنْ هَرَبٍ، أَوْ غَيْرِهِ) قالوا: يعني يلحق بصلاة الخوف في الحرب الخائف من السيل، لو إنسان في شعيب ما درى أن السيل وهديره وقد دخل وقت الصلاة، والصلاة لا تُجمع مع غيرها كصلاة فجر ولو انتظر حتى يسلم من هذا الشيء طلعت الشمس، نقول: يصلي ولو كان يهرب ولو كان في قمة خلفه أو نار أو سبع أو كان هو الطالب لا المطلوب، كما فعل الصحابي الجليل رضي الله عنه البطل عبدالله بن أنيس، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أرسله في مهمة عظيمة في قتل خالد الهذلي الذي جمع الجموع ليقاتل النبي صلى الله عليه وسلم ، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم من يجتز رأس هذا المجرم الأثيم، وهي مهمة عظيمة، ينطلق من المدينة إلى مكة ويأتي برأس رجل شجاع عن ألف رجل، هذه لا يقوم لها إلا الشجعان، فابتدر عبدالله بن أنيس وقال للنبي صلى الله عليه وسلم : صفه لي، يعني أنا ما أعرفه، قال: إذا رأيته هبته، هذه الصفة العظيمة أنه رجل مهيب، فذهب إليه عبدالله بن أنيس رضي الله عنه وخدعه والحرب خدعة، وقال له: إني سمعت أنك تجمع لحرب محمد وأنا أريد أن أنضم معك، فرحب به وأنامه معه في خيمته أو قبته، فقام رضي الله عنه في الليل فاجتز رأسه وخرج به من مكة إلى المدينة ولم يظفر به أحد من العدو، وقد كانوا كلهم هجود ينتظرون قيام رئيسهم وكبيرهم، فأصبحوا وهو جثة هامدة في خيمته، فجاء رضي الله عنه برأسه وأعطاه صلى الله عليه وسلم مقابل هذه الجنة وعدًا منه صلوات ربي وسلامه عليه، الشاهد أن عبدالله بن أنيس وهو هارب وهو في طريقه إلى هذا المجرم الأثيم الظالم الهذلي، كان يصلي على وجهته مع أنه هو الطالب ليس المطلوب وأقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، فدل على أن من كان خائفًا أو كان خائفًا من سبع أو نار أو كان طالبًا، قالوا: ومثله لو خاف من فوات يوم عرفة، هذا إنسان ما اكتملت الشروط في حقه إلا في آخر يوم، في ليلة عرفة أو يوم عرفة الضحى اكتمل، كان مسلمًا بالغًا عاقلًا حرًا مستطيعًا لبدنه وليس عنده مال، فلما جاء ظهر يوم عرفة جاءه مال هبة أو هدية أو إنسان كان يطلبه مال فرد له المال، ثم قال الآن الحمد لله الناس في عرفة وهو بعيد، قالوا: لو عزم على الحج وقال إن وقفت أصلي الصلوات في وقتها ربما يطلع فجر يوم النحر وأنا ما وصلت، قالوا: فله أن يصلي ولو على دابته ولو كان متجهًا لغير القبلة ليدرك الوقوف بعرفة فيدرك الحج، هذه من الصور التي ذكرها أهل العلم مما يلحق بصلاة الخائف، إذن صلاة الخوف لم تنسح وإذا وجد سببها جاز فعلها، وهي إن كانت في الحضر تامة تغير في الهيئات فقط، وإن اجتمع سفر وخوف فإنها تقصر لأجل سفر وتغير هيئتها لأجل الخوف.
رابط الفقرة 17وفق الله الجميع لما يحب ويرضى وأخذ بنواصينا للبر والتقوى، ورزقنا جميعًا الفقه بالدين أنه قريب مجيب، وبالله التوفيق وصلى الله وسلم وبارك وأكرم وأنعم على خيرة خلقه وأفضل أنبيائه ورسله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
رابط الفقرة 18الحواشي
(1)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه البخاري (722).
(2)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه البخاري (4298) بمعناه، ومسلم (688) باختلاف يسير، وأحمد (1862) عن موسى بن سلمة أنه قال: «كنَّا معَ ابنِ عباسٍ بمكةَ فقلتُ إنَّا إذا كنَّا معَكم صلَّينا أربعًا وإذا رجعنا إلى رِحَالِنَا صلَّينا ركعتينِ قال تلكَ سُنَّةُ أبي القاسمِ صلى الله عليه وسلم »، والحديث بهذا اللفظ صحح إسناده الألباني في إرواء الغليل (3/21).
(3)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه مسلم (694) أن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما «كانَ إذَا صَلَّى مع الإمَامِ صَلَّى أَرْبَعًا، وإذَا صَلَّاهَا وَحْدَهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ».
(4)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه البخاري (350)، ومسلم (685) عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: «فَرَضَ اللَّهُ الصَّلَاةَ حِينَ فَرَضَهَا، رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، في الحَضَرِ والسَّفَرِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ، وزِيدَ في صَلَاةِ الحَضَرِ».
(5)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه مسلم (686)، وأبو داود (1199)، والترمذي (3034)، والنسائي (1433)، وابن ماجه (1065).