تجاوز إلى المحتوى

شرح عمدة الفقه

الدرس الثاني والثلاثون — كِتَابُ الصَّلَاَةِ، بَابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ «الْجُزْءُ الْأَوَّلُ»

ملفات PDF ١ ملف

دروس جامع الموسى كاملاعرض PDF ↗تنزيل PDF٤٫١ م.ب
الفقرة ١ من ٢٠

النص المقروء

عناوين هذا الدرس
  1. الدَّرْس الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ
  2. كِتَابُ الصَّلَاَةِ
  3. بَابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ «الْجُزْءُ الْأَوَّلُ»

[الدَّرْس الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ]

رابط الفقرة 1

[كِتَابُ الصَّلَاَةِ]

رابط الفقرة 2

[بَابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ «الْجُزْءُ الْأَوَّلُ»]

رابط الفقرة 3

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.

رابط الفقرة 4

أما بعد؛ أيها الأخوة الأحبة سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وحياكم الله في الدرس الثاني والثلاثون من دروس شرح عمدة الفقه كتاب الصلاة للإمام الموفق «ابن قدامة رحمه الله »، قد انتهينا إلى صلاة العيد هي صلاة الجمعة.

رابط الفقرة 5

قال رحمه الله : (بَابُ صَلاةِ الجُمُعَةِ) لما ذكر رحمه الله القصر في الصلاة أعقبه بصلاة الجمعة، بعض أهل العلم قال: إن المناسبة أن كلًا منهما ركعتين ركعتين، لكننا نقول: أعظم من ذلك أن صلاة الجمعة من أفرض الفرائض وآكد الصلوات، وقد فرغ من بيان أهم أحكام الصلاة العامة فناسب أن يعقد للجمعة بابًا خاصًا، والجمعة قالوا مثلثة الميم يعني يصح في ميمها الضم والفتح والكسر إلا أن الأفصح الضم، فيُقال الجمُعة، وهذا اليوم كان يسمى في الجاهلية بيوم العَروبة، وإنما سمي في الإسلام بيوم الجمعة، واختلف في هذه التسمية وسببها على أقوال: قيل لأنه يجتمع فيه الناس اجتماعًا كبيرًا ولا سيما اجتماع أهل الإسلام في مساجدهم وقت صلاة الجمُعة، وقيل لأن الله جل شأنه وتقدس اسمه جمع فيه خلق آدم وهذا أصح وأقرب، وقيل لأن أسعد بن زرارة رضي الله عنه جمع الصحابة رضي الله عنهم في يوم الجمعة وكان يسمى عندهم يوم العروبة فصلى بهم وذكرهم ووعظهم فأطلقوا عليه يوم الجمعة، وأيًا كان فإن هذا اليوم يوم عظيم، يوم مشهود، هو أفضل أيام الأسبوع بالإجماع، واختلف في تفضيله على يوم عرفة على قولين هما وجهان للإمام الشافعي رحمه الله ، وأما أفضل أيام الدهر وأيام العام على الإطلاق فهو يوم النحر، ويليه يوم عرفة أو يوم الجمعة على خلاف بين أهل العلم، وأعظم ما يُفعل في يوم الجمعة صلاتها، ولهذا قال: (بَابُ صَلاةِ الجُمُعَةِ) وصلاة الجمعة فرضٌ على الأعيان لمن اكتملت في حقه الشروط، وقد دل على فرضيتها الكتاب والسنة والإجماع، فمن الكتاب قول الله جل شأنه وتقدس اسمه: ﴿ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْا۟ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُوا۟ ٱلْبَيْعَ ۚ ﴾ [الجمعة: ٩] ، فأمر جل شأنه بالسعي عند النداء لها ونهى عن البيع، ويلحق بالبيع كل ما يُشغل عن الصلاة من زراعة أو صناعة أو غيرها، وأما السنة فأحاديث كثيرة منها قول النبي صلى الله عليه وسلم : «لقد هَمَمتُ أنْ آمُرَ رَجُلًا يُصلِّي بالنَّاسِ، ثُمَّ أُحرِّقَ على رِجالٍ يَتخلَّفونَ عن الجُمعةِ بُيوتَهم»() [رواه الإمام مسلم من حديث ابن مسعود]، وهذا غير حديث أبي هريرة، ذاك في صلاة الجماعة وهذا في صلاة الجمعة والوعيد واحد، حديث أبي هريرة المخرج في الصحيحين: «لقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بالصَّلَاةِ، فَتُقَامَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فيُصَلِّيَ بالنَّاسِ، ثُمَّ أَنْطَلِقَ مَعِي برِجَالٍ معهُمْ حُزَمٌ مِن حَطَبٍ إلى قَوْمٍ لا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ -أي صلاة الجماعة- فَأُحَرِّقَ عليهم بُيُوتَهُمْ بالنَّارِ»() جاء في بعض الروايات: «لَوْلا مَا فِي البُيوتِ مِنَ النِّساءِ والذُّرِّيَّةِ»()، والباعث والمانع من التحريق أن العقوبة قد تشمل من لا ذنب له من النساء اللاتي لا جمعة عليهن ولا جماعة وكذلك الذراري والصغار، وما يهم صلى الله عليه وسلم بهذه العقوبة العظيمة إلا لأن ترك الجمعة ومثلها ترك الجماعة من المحرمات، كما يدل على ذلك قول صلى الله عليه وسلم : «لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعة الجمعات أو ليطبعن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين»() [رواه الإمام مسلم وأصحاب السنن] وعزاه بعضهم للبخاري لكن ليس في البخاري، وأما الإجماع فحكاه غير واحد على وجوب الجمعة بشروطها كما سيأتي.

رابط الفقرة 6

قال رحمه الله : (بَابُ صَلاةِ الجُمُعَةِ، كُلُّ مَنْ لَزِمَتْهُ المَكْتُوْبَةُ لَزِمَتْهُ الجُمُعَةُ) أي من الرجال الأحرار عند القائلين باشتراط الحرية، المقيمين، ويشترطون أيضًا المستوطنين وستأتي شروط الجمعة عندهم رحمهم الله ، فكل من لزمته الصلاة المكتوبة، ولم يُعذر بتركها لمرض أو سفر أو خوف فإنه تلزمه الجمعة إذا كان مستوطنا ببناء، هذا قيد وشرط عندهم، يشترطون في الجمعة أن يكون مستوطنًا ببناء يعني أن يكون ساكنًا في بناءٍ، وربما نصوا بالبناء أن يكون مبنيًا بما جرت العادة به من حجر أو مدر أو قصب، ومنهم من يخرج بيوت الشعر والخيام، والصحيح ما حققه شيخ الإسلام ابن تيمية أنه ليست العبرة بمادة البناء، وإنما العبرة بالإقامة الدائمة، فمن كان ساكنا في بيت من حجر أو مدر أو من وبر وكان مقيمًا لا يطعن عن بيته صيفًا ولا شتاءً، فإنه تجب عليه الجمعة، وأما أصحاب بيوت الشعر والخيام الذين يتتبعون القطر ويرحلون صيفًا وشتاء، فإنها أولى لا تجب عليهم الجمعة لتنقلهم وترحلهم وليس لكون بيوتهم من شعر أو بيوت الخيام ونحوها.

رابط الفقرة 7

قال رحمه الله : (إِذَا كَانَ مُسْتَوْطِنًا بِبِنَاءٍ، وبَيْنَهُ وَبَيْن الجَامِعِ فَرْسَخٌ فَمَا دُوْنَ ذَلِك) نقول: لا يخلو المسلم، إما أن يكون في البلد داخل المصر، داخل البلد، فهذا تلزمه الجمعة مهما بَعُد بيته ونأت داره، ما دام أنه داخل حدود البلد فإنه لا يُنظر للمسافة، سمع النداء أو لم يسمعه، قرب بيته أو بعد، نقول: كل من كان في البلد فإنه تلزمه الجمعة، أما من كان خارج البلد فإن أهل العلم قالوا: تلزمه الجمعة إذا كان بينه وبين الجامع مقدار فرسخ، والفرسخ ثلاثة أميال وهي ما يساوي تقريبًا خمسة كيلوات، وذلك أن من كانت هذه مسافته فإنه في الغالب يسمع النداء، متى يسمع النداء؟ قالوا: إذا كان المؤذن صيتًا والرياح ساكنة، وليس ثمة ما يعني يذهب الصوت من رياح، ولا ما يلهي الناس عن السماع من مكائن أو مصانع أو غيرها، فإنه يُسمع صوت المؤذن على بعد هذه المسافة، وقد كان الناس ولا يزالون في المناطق النائية والمحافظات التي قربها مزارع وقرى يسمعون النداء على مثل هذه المسافة وربما أكثر، اليوم ربما بعض جيران المسجد ما يسمعون النداء مع وجود المكبر؛ لأنه تناءت البيوت وتوسعت ووجدت العوازل والجدر ووجدت المكيفات والأصوات التي تذهب هذا الصوت، ولهذا نقول: إذا كان المؤذن صيتًا وبدون مكبر صوت والأصوات هادئة والرياح ساكنة، فإن الصوت يذهب إلى نحو هذه المسافة، ولهذا ضبطوها بالفرسخ، قالوا: إذا كان خارج المدينة فإن الجمعة تلزمه إذا كان بينه وبين الجامع فرسخ فأقل، أما إذا كان أكثر من فرسخ فإنه لا تلزمه، ولهذا أصحاب المزارع والقرى النائية التي لا يجتمع فيها ناس، وربما نقول المزارع والاستراحات ونحوها، نقول: إذا كانوا خارج البلد وكان بينهم وبين الجامع نحوًا من خمسة كيلوات وجبت عليهم الجمعة.

رابط الفقرة 8

قال رحمه الله : (إِلاَّ المَرْأَةَ) هذا بالإجماع أن المرأة لا تلزمها جمعة كما أنها لا تلزمها جماعة هذا محل إجماع، وهذا كله صيانةٌ للمرأة المسلمة أن تخرج من بيتها حتى لما هو فرض في حق الرجال، أسقط عنها الشارع حضور الجمع والجماعات، وإذا كان الشارع قد أسقط عنها حضور الجمع والجماعات فمن باب أولى ألا تخرج للاختلاط بالرجال في الأسواق والشركات والمؤسسات والمحلات ونحوها، نقول: فرض الله، الصلاة، الجماعة التي توعد صلى الله عليه وسلم من تخلف عنها أن يحرق عليه بيته، والجمعة التي هي آكد ما يُفعل يوم الجمعة، بالإجماع المرأة لا تلزمها، لا يلزمها جمعة ولا جماعة، تصلي في بيتها لكن إن حضرت أجزأتها، إن حضرت الجمعة أجزأتها بشرط الحضور المتقدم لحضور صلاة الجماعة، من الستر وعدم التعطر والتطيب، وأن تكون تفلة لا تلفت الأنظار، وأن تبتعد عن الرجال في طريق مشيها وفي جلوسها في المسجد.

رابط الفقرة 9

قال رحمه الله : (وَالْعَبْدَ) أي الرقيق، وهذا محل خلاف والصحيح أن الرقيق تجب عليه الجمعة والجماعة، وهو ما حققه جمع من المحققين كالشيخ عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله ، فإن الرقيق كالحر إلا في العبادات المالية من الزكاة والحج ونحوها، أما العبادة البدنية فإنه كالحر يصلي مع المسلمين جماعة ويصلي الجمعة، ويلزم سيده أن يمكنه من هذه العبادات.

رابط الفقرة 10

قال رحمه الله : (وَالمُسَافِرَ) فإن المسافر لا تلزمه الجمعة ولا الجماعة، ولهذا لما حج صلى الله عليه وسلم ووقف بعرفة يوم الجمعة صلاها ظهرًا، ولم يجهر بالقراءة، وصلاها ركعتان مقصورتان مع جمع العصر معها، وهذا كالإجماع على أن المسافر لا تلزمه الجمعة لكن لو صلاها مع أهل البلد أجزأته وبرأت ذمته وأثيب عليها، إذن المسافر لا تلزمه الجمعة ولا تلزمه الجماعة، لكنه في الجماعة لا يجوز له أن يجلس في البيت والناس يصلون، إذا كان يسمع النداء وبين ظهراني المسلمين وبين مساجدهم فإنه يصلي الجماعة مع المسلمين، أما الجمعة فإننا نقول: لا تلزمه إذا كان مسافرًا.

رابط الفقرة 11

قال رحمه الله : (وَالمَعْذُوْرَ بِمَرَضٍ، أَوْ مَطَرٍ، أَوْ خَوْفٍ) هذه من الاعذار التي تُسقط الجمعة والجماعة، إذا كان مريضًا لا يستطيع أن يصل إلى المسجد فإنه لا تجب عليه الجمعة ولا الجماعة، بعض أهل العلم شدد في الجمعة وقال: إذا كان له من يحمله على عربية أو نحوها أو يأخذه فيهاديه إلى الجمعة تعينت، قالوا: لأن الجمعة لا تتكرر بخلاف الجماعة، إذن نقول: قد يُعذر في الجماعة، والجمعة تتعين عليه إذا كان عنده من يستطيع إيصاله إلى المسجد بلا مشقة عليه، يعني عنده أبناء أو سائق أو جار يقول له أنا ما عندي مانع أذهب بك، فإنه يتعين عليه ذلك، وإن كانت الجماعة لا تجب عليه للمرض، قال رحمه الله : (أَوْ مَطَرٍ) مر بنا الجمع لأجل المطر، وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في الليلة أو يأمر المؤذن في الليلة المطيرة شديدة الريح أن يقول: «صَلُّوا في رِحَالِكُمْ»()، فلو اشتد المطر ولم يستطع الناس الوصول للمساجد صلوا في رحالهم جمعة أو جماعات، قال رحمه الله : (أَوْ خَوْفٍ) كذلك لو خاف من عدو ظالم جائر، أو من سبع، أو خاف على ولده، أو على ماله لو خرج لصلاة الجمعة أن يصيبهم ضرر، أو كان عنده مريض يحتاج إلى رعاية دائمة مستمرة، لو خرج يصلي الجمعة ربما تضرر هذا المريض واحتاج شيئًا من العلاج أو الدواء أو الماء أو الانتقال فلم يجد، نقول: هذا معذور، ومثله قال أهل العلم الطباخ الذي أوقد النار على طعامه وخشي إن خرج لصلاة الجمعة أو الجماعة أن يتلف الطعام أو يحترق، فإننا لا نقول لهؤلاء أصحاب المطابخ كلهم إذا أذن المؤذن للصلوات إلى الخمس، اخرجوا كلكم واتركوا المطبخ ولو كان موقدًا على الطعام والنيران تحت هذه القدور، نقول: يخرج من لا حاجة له، ويبقى ولو واحدًا ثم إذا عادوا يصلون معه جماعة، ومثل ذلك الجمعة؛ لأن في خروجهم جميعًا ربما تلف هذا المال وربما احتراقه، وربما يحصل في المطبخ في غيابهم شيء يضرهم ويضر طعام الناس كله، ومن ثم فإنا نقول: هذا يُلحق بالحالات التي تبيح ترك الجمعة والجماعة.

رابط الفقرة 12

قال رحمه الله : (وَإِنْ حَضَرُوْهَا أَجْزَأَتْهُمْ، وَلَمْ تَنْعَقِدْ بِهِمْ) يعني لو حضرت المرأة أو الرقيق أو المسافر أو المريض أو الممطور أو الخائف، فإنها تجزيهم وتصح منهم لكن لم تنعقد بهم، هذا مبنيٌ على قول الشافعية والحنابلة إنه لابد في حضور الجمعة من أربعين، قالوا: لابد أن يكون الأربعون من أهل الوجوب، والصحيح كما سيأتي أنه لا يشترط هذا العدد، قالوا: (إِلاَّ المَعْذُوْرَ إِذَا حَضَرَهَا، وَجَبَتْ عَلَيْهِ) يقول المعذور لمطر أو مرض أو خوف، فإنها تجب عليه إذا حضر ويعتد به (وَانْعَقَدَتْ بِهِ) بخلاف من سقطت عنهم ولم يكلفوا بها كالمرأة والعبد ونحو ذلك، الصحيح أن الجميع ممن لم يكلف بها أو من عُذر فيها أنه إذا حضر أجزأته وصحت منه وانعقدت منه، وصح أن يكون إمامًا فيها خلافًا لمن منع ذلك من أهل العلم.

رابط الفقرة 13

قال رحمه الله : (وَمِنْ شَرْطِ صِحَّتِهَا: فِعْلُهَا فِيْ وَقْتِهَا، فِيْ قَرْيَةٍ) الوقت شرط متفق عليه، والجمعة لها وقت ابتداء ووقت انتهاء، أما وقت النهاية فاتفق عليه أهل العلم وهو أنه وقت انتهاء صلاة الظهر، فإذا انتهى وقت صلاة الظهر فقد خرج وقت صلاة الجمعة، وحينئذ لو خرج وقت الظهر وهم لم يصلوا صلوها ظهرًا مع الإثم، إذا كانوا مفرطين غير معذورين، ولا تصح بعد خروج وقتها إجماعًا، إذا صار ظل الشيء مثله فإنه ينتهي وقت الظهر ويدخل وقت العصر، فلا تصح صلاة الجمعة حينئذ، أما وقت البدء فقد اختلف أهل العلم فيه، فجمهور الأئمة يرون أنه كوقت الظهر وأنها لا تصح إلا بعد الزوال، والحنابلة رحمهم الله انفردوا من بين الأئمة فقالوا: إنها تصح من أول النهار كصلاة العيد، إذا ارتفعت الشمس قيد رمح صحت صلاة الجمعة عندهم، ويستدلون بحديث عبد الله بن سيدان وهو حديث ضعيف، والصحيح الذي عليه العمل من زمن النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء من بعده والأئمة وأهل الأمصار في جميع الأعصار أنه ما أحد صلى الجمعة يومًا من الدهر أول النهار بعد ارتفاع الشمس كصلاة العيد أبدًا، ما سُجل هذا ولا حصل، لكن لو صلاها قبل الزوال، فإن هذا هو الأقرب للأدلة التي استدل بها الحنابلة، ومع ذلك نقول: إذا كان الإمام في بلد فيه أتباع المذاهب كلهم يصلي معه الحنفي والمالكي والشافعي فلا يحرج الناس ولا يوقع الصلاة إلا بعد زوال الشمس، لهو أن يتقدم بالخطبة يسيرًا فإذا فرغ من خطبته يكون وقت الظهر قد دخل، وهذا الذي تؤكد عليه وزارة الشؤون الإسلامية في هذه البلاد، تؤكد على الأئمة في الجمعة ألا يصلوا الجمعة قبل دخول وقت صلاة الظهر؛ خروجًا من هذا الخلاف المعتبر ولئلا يشق على الناس، فإن من الناس من يعتقد عدم صحتها إذا صُليت قبل الظهر، وقد نشأ في بلده على هذا القول ودرسه وتعلمه وربما عنده من الأدلة ما يجعله مقتنعًا بهذا القول دون غيره، فمثل هذا إذا صلى بعد زوال الشمس، بعد دخول وقت الظهر صحت جمعته بلا خلاف.

رابط الفقرة 14

قال رحمه الله : (وَأَنْ يَحْضُرَهَا مِنَ المُسْتَوْطِنِيْنَ بِهَا أَرْبَعُوْنَ مِنْ أَهْلِ وُجُوْبِهَا) هذا شرط عندهم، عند الشافعية والحنابلة، يشترطون أن يحضرها أربعون ويستدلون على ذلك بأدلة كلها وقائع عين إلا حديث جابر: «مضت السنة أن في كل أربعين جمعة وعيد»() لكن أكثر ما يحتجون به فعل الصحابة، أن أسعد بن زرارة رضي الله عنه جمّع بالصحابة وكان عددهم أربعون، وأن مصعب بن عمير رضي الله عنه جمّع بالصحابة وكان عددهم أربعون، نقول: هذه قضايا عين وقعت اتفاقًا، ما الذي يمنع لو أن عددهم دون الأربعين؟ هل عندنا علم أنهم لن يصلوا؟ فالصحيح أن اشتراط الأربعين يحتاج إلى دليل أقوى من هذه الأدلة ولا دليل، الحنفية قالوا: أربعة يعني كأنهم حذفوا الصفر، قالوا: تصح من أربعة، واحتجوا بحديثٍ فيه ضعف، وشيخ الإسلام ابن تيمية وجمع من المحققين ورواية عن الإمام أحمد، قال: تصح بثلاثة، والظاهرية يقولون: بإثنين بل جاء عنهم قولًا أنها بدون عدد، لكن ما في أحد يمكن يقول بأقل من إثنين، الراجح والعلم عند الله تعالى أنها تصح بثلاثة، إمام يخطب ويصلي، واثنان يستمعان؛ لأن هذا أقل الجمع لا سيما في الجمعة، وإلا في الجماعة فإن أقل الجمع اثنان، ومن ثم فالصحيح أن الثلاثة تصح وتنعقد بهم الجمعة بل تلزمهم، يعني إذا كانوا في قرية مستوطنين مقيمين لا يرحلون صيفًا ولا شتاءً فإنه تلزمهم الجمعة، ولا يحل لهم أن يصلوا ظهرًا وهم مقيمون لكن كما هو المعمول به في هذه البلاد، يلزمهم أخذ الإذن بإقامة الجمعة سواءً كانوا أربعين أو دون أو أكثر.

رابط الفقرة 15

قال رحمه الله : (وَأَنْ تَتَقَدَّمَهَا خُطْبَتَانِ) هذا شرط فلا تصح الجمعة بدون أن يتقدمها خطبتان، والخطبتان شرط لصحة الجمعة ولم تقصر لأجل الخطبتين، ولو قيل بهذا كما يقول بعض أهل العلم للزم المسلم أن يحضر الخطبتين، لكننا نقول حضورهما سنة مؤكدة ولا ينبغي التأخر عنهما، لكن لو جاء وقد فاتت الخطبة ولحق الركعتين فإنه يصليهما جمعة، قال رحمه الله : (وَأَنْ تَتَقَدَّمَهَا خُطْبَتَانِ، فِيْ كُلِّ خُطْبَةٍ حَمْدُ اللهِ تَعَالَى، وَالصَّلاةُ عَلَى رَسُوْلِهِ صلى الله عليه وسلم ، وَقِرَاءَةُ آيَةٍ، وَالمَوْعِظَةُ) هذه أربعة أركان، يعتبرونها أركان لا تصح الخطبة بدونها، يقولون: لا بد أن يحمد الله تعالى، وهل يتصور خطيب يصعد المنبر فلا يحمد الله؟ هذا نادر جدًا وربما يعني إخلال عظيم، وأن يصلي على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأن يقرأ آية، وأن يعظ الناس، بعض أهل العلم يضيف أيضًا الجهر والمولاة بين الصلاة والخطبة، يعتبر أنها ستة أركان، هذه الأربعة المنصوص عليها هنا، ويضيف عليها الجهر في الخطبة، وأن يوالي بين بين الخطبة والصلاة، الشيخ عبدالرحمن بن سعدي رحمه الله يقول: هذه التي تسمونها أركان مهمة جدًا وعظيمة لكن أن نقول بركنيتها وبطلان خطبة من أخل بشيء منها يحتاج إلى دليل، ولهذا يقول: لو أن خطيبًا حمد الله وصلى على رسوله وقرأ آية وقال اتقوا الله ونزل، هل يتحقق مقصود الشارع من الخطبة بمثل هذا؟ نقول: لا يتحقق، لابد أن يعظ الناس وأن يذكرهم وأن ترق قلوبهم وأن يتأثروا وتجلي القلوب، هذا مطلب ومقصد الشارع ليس المقصود أن يقرأ أي آية، وأن يقول الحمد لله وصلى الله على رسول الله، ثم يقرأ كما قال بعضهم: مدهامتان واتقوا الله وينزل، نقول: هذه ليست خطبة شرعية ولم يأتِ على النبي صلى الله عليه وسلم مثل هذا، ولهذا نقول: التوسط أن نقول للأئمة انتبهوا واحذروا أن تتركوا هذه الأركان العظيمة لكن لو ترك واحدًا من هذه الأركان، هل نقول ببطلان خطبته؟ نقول: يحتاج إلى دليل ولا دليل.

رابط الفقرة 16

قال : رحمه الله (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَخْطُبَ عَلَى مِنْبَرٍ) لأن النبي صلى الله عليه وسلم خطب على منبر، وكان يخطب على الجذع فلما صُنع له المنبر نزل وخطب على المنبر، فحنَّ الجذع كما تحن العشار صلوات ربي وسلامه عليه (فَإِذَا صَعِدَ، أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ) وإن كان قد دخل من باب يدخل معه الناس، فإنه يسلم إذا دخل، وإذا صعد المنبر سلم وهذا هو الصحيح وهو السنة، خلافًا لمن قال: إنه يكتفي بالتسليم إذا دخل المسجد، نقول: إذا صعد المنبر فإن السنة أن يستقبل الناس فيسلم عليهم (ثُمَّ يَجْلِسُ إِلَى فَرَاغِ المؤَذِّنْ) هذه سنة ولا يكون واقفًا، والسنة أن يأتي الإمام وقت دخوله، وليس من السنة أن يتقدم ويجلس مع الناس فإذا جاء وقت الخطبة صعد المنبر، ليس هذا من فعله صلى الله عليه وسلم ولا فعل الخلفاء من بعده (ثُمَّ يَقُوْمُ الإِمَامُ، فَيَخْطُبُ بِهِم، ثُمَّ يَجْلِسُ) يعني خطبة قائمًا (ثُمَّ يَجْلِسُ، ثُمَّ يَخطُبُ الخُطْبَةَ الثَّانِيَّةَ، ثُمَّ تُقَامُ الصَّلاةُ، فَيَنْزِلُ، فَيُصَلِّيْ بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ، يَجْهَرُ فِيْهِمَا بِالْقِرَاءَةِ) قد جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقرأ فيهما بسبح والغاشية، وربما قرأ بسورة الجمعة والمنافقين، ولا شك أن القراءة بهذه السور سنة وفيها منافع عظيمة وتذكير للعباد بما ينبغي أن يكونوا عليه، من التذكير بالجمعة وحضورها والتبكير إليها والترغيب فيها والتشويق إليها، والتأسي بأهل الإيمان والصدقة والإحسان، وكذلك الحذر من أهل النفاق ومن النفاق وغير ذلك مما تضمنته صورة الجمعة والمنافقين، قال: (فَمَنْ أَدْرَكَ مَعَهُ مِنْهَا رَكْعَةً، أَتَمَّهَا جُمُعَةً، وَإِلاَّ أَتَمَّها ظُهْرًا) يعني إذا جاء والإمام في الركعة الثانية قبل الركوع أو أثناء الركوع فركع معه فقد أدرك ركعة وهذه الركعة جعلته يدرك الجمعة، فإن رفع الإمام صلبه من الركعة الثانية قبل أن يلحقه في الركوع فقد فاتته الجمعة فيصليها ظهرًا وجوبًا، قال: (وَكَذلِكَ إِذَا نَقَصَ الْعَدَدُ، أَوْ خَرَجَ الْوَقْتُ) أما نقص العدد، فالصحيح أن العدد كما قلنا يصح ولو من ثلاثة (أَوْ خَرَجَ الْوَقْتُ) قبل أن يكبروا لكن لو صلوا ركعة ثم خرج الوقت فإنهم يتمونها جمعة، قال: (أَوْ خَرَجَ الْوَقْتُ وَقَدْ صَلَّوْا رَكْعَةً، أَتَمُّوْهَا جُمُعَةً، وَإِلاَّ أَتَمُّوْهَا ظُهْرًا) يعني لو كبر للإحرام فانتهى وقت الظهر، نقول: هذا تفريط عظيم وعليهم أن يستغفروا الله ويتوبوا إليه ويصلوها ظهرًا ولا يعودوا لمثل هذا أبدًا.

رابط الفقرة 17

قال رحمه الله : (وَلا يَجُوْزُ أَنْ يَصَلَّى فِي الْمِصْرِ أَكْثَرُ مِنْ جُمُعَةٍ، إِلاَّ أَنْ تَدْعُوَ الحَاجَةُ إِلَى أَكْثَرَ مِنْهَا) هذه مسألة شهيرة، والخلاف فيها عند الأئمة كبير وبنوا عليها مسائل عظيمة، قالوا: إنه لا يجوز بحال أن يُصلى في الْمِصْرِ الواحد أي البلد الواحد إلا جمعة في مسجد واحد كما كان فعل النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء من بعده إلا إذا دعت الحاجة، إذا دعت الحاجة يمكن يصلى في الْمِصْرِ في ألف مسجد وجامع ما في حرج لكن بدون حاجة، قالوا: لا تجوز، لا تصح، حتى إنهم قالوا: لو صُلي في مسجدين جامعين؟ فالصحيحة الأولى أو ما باشرها الإمام أو أذن فيها أي الإمام الأعظم، والثانية لا تصح لأن الجمعة تنعقد بالأولى ولا يحل للمسجد الثاني أن يقيم جمعة، هذا الكلام وتفصيلات الفقهاء يدل على عظم شأن الجمعة وأن الشارع رغب في اجتماع أكبر عدد ممكن، وهذا يدل أيضًا على أنه لا ينبغي لمن بنى جامعًا أو جماعة الجامع أن يسعوا في الجمعة مع عدم الحاجة أو يلحوا في الطلب أو يوسطوا أو يشفعوا الناس ويبحثون عن الواسطات والمحاولات ليصلى في مسجدهم، نقول هذا للمحسنين لأن بعض الناس إذا بنوا جامع بمرافقه يستميت حتى يصلى فيه الجمعة كأن أجره لا يتم إلا إذا صلى الناس جمعة، نقول: سبحان الله، أنت احسنت وبنيت، وهذا الجامع مهيأ ومتيسر متى دعت الحاجة صُلي فيه، ما دام أن المساجد القريبة لا تمتلئ، لا يحل أن يجتمع الناس في جمعة لا حاجة إليها ولا ضرورة، ومن ثم فإن وزارة الشؤون الإسلامية في هذه البلاد قد أوكلت الإذن بإقامة الجمعة إلى رئاسة الإفتاء، فأي مسجد في هذه البلاد بطولها وعرضها وشرقها وغربها وشمالها وجنوبها يتقدم أهل الحي أو من بنى المسجد للوزارة للإذن بالجمعة تُحال معاملته إلى الإفتاء بعد استيفاء الشروط، ينظرون في المسجد من حيث المساحة ومن حيث أقرب مسجد له وكم يبعد عن أقرب مسجد؟ وهل المسجد الثاني ممتلئ أو يمتلئ؟ وهل المسجد هذا أيضًا مهيأ بمواقف أو مرافق تخدم المصلين؟ فيكتبون ما لديهم، وهذه إجراءات إدارية روتينية ثم يُرفع للإفتاء، فتصدر فتوى خاصة برقمها وتاريخها بالإذن في الصلاة في هذا الجامع من الجمعة الفلانية، ومن ثم تقام الجمعة، إذن المسألة تحتاج إلى ضبط وإن تسامح الناس وتوسعوا وصلوا الجمعة بدون الحاجة، فإن صلاتهم صحيحة على الصحيح لكن هذا أمر منكر لا يسوغ للناس أن يحرصوا على إقامة الجمعة لئلا يذهبوا للمسجد الذي في طرف الحي وهو مقدور الوصول إليه حتى ربما على الأقدام أو على السيارات وهي متيسرة، لكنا نقول: تشدد الفقهاء بأنها لا تصح، نقول: ما دام أُذن لهم فذممهم بريئة وربما هم عوام من الناس يسعون، ما يدرون عن هذا الكلام الذي يقرره الفقهاء، فإذا أُذن للجامع بإقامة الجمعة فيه صحت جمعتهم ولا حرج عليهم.

رابط الفقرة 18

بقي عندنا في صلاة الجمعة مسائل لعلنا إن شاء الله تعالى ننهيها في الدرس القادم، واليوم تلحظون أننا نحاول أن نستعجل لأنه أزف الفصل على النهاية، ونحن في كتاب الصلاة لنا عامان، من السنة الماضية أولها وهذا نحن في آخر هذه السنة الدراسية ولا نزال في كتاب الصلاة، بقي عندنا صلاة الجمعة وصلاة العيدين، ثم ننهي كتاب الصلاة لأن كتاب الجنائز مستقل بنفسه، يعني إذا أكملنا بتوفيق الله وعونه وتيسيره صلاة الجمعة وصلاة العيدين نكون قد أنهينا كتاب الصلاة في عامين دراسيين، وهذا جهد يسير وجهد مقل، قليل مع قليل يكون بإذن الله كثير.

رابط الفقرة 19

أسأل الله أن يكتب أجركم وأن يعظم ثوابكم، وأن ينفعنا جميعًا بما نقول وما نسمع وأن يرزقنا الفقه في الدين إنه ولي ذلك والقادر عليه، وبالله التوفيق وصلى الله وسلم وبارك وأكرم على خيرة خلقه وأفضل أنبيائه ورسله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه يوم الدين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

رابط الفقرة 20

الحواشي

  1. (1)

    أخرجه مسلم (652)، وأحمد (4398) واللفظ له.

    العودة إلى موضع الحاشية
  2. (2)

    أخرجه البخاري (657)، ومسلم (651) واللفظ له.

    العودة إلى موضع الحاشية
  3. (3)

    أخرجه هذا اللفظ أحمد (8796)، والحديث أصله في الصحيحين أخرجه البخاري (644)، ومسلم (651) بنحوه.

    العودة إلى موضع الحاشية
  4. (4)

    أخرجه مسلم (865) عن عبدالله بن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهما : «أنَّهُما سَمِعا رَسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقولُ علَى أعْوادِ مِنْبَرِهِ: لَيَنْتَهينَّ أقْوامٌ عن ودْعِهِمُ الجُمُعاتِ، أوْ لَيَخْتِمَنَّ اللَّهُ علَى قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ لَيَكونُنَّ مِنَ الغافِلِينَ».

    العودة إلى موضع الحاشية
  5. (5)

    أخرجه البخاري (632)، ومسلم (697)، وأبو داود (1061)، وابن ماجه (937)، وأحمد (4478).

    العودة إلى موضع الحاشية
  6. (6)

    أخرجه ابن حبان في المجروحين (2/64)، والدارقطني (2/3)، والبيهقي (5815) عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه بلفظ: «في كلِّ أربعين فما فوقَها جمعةٌ وأضحًى وفِطرٌ»، وهذا الحديث ضعفه العظيم آبادي في عون المعبود (3/232)، وضعفه ابن عثيمين في شرح بلوغ المرام (2/363).

    العودة إلى موضع الحاشية