تجاوز إلى المحتوى

شرح عمدة الفقه

الدرس السادس والثلاثون — كِتَابُ الجَنَائِزِ

ملفات PDF ١ ملف

دروس جامع الموسى كاملاعرض PDF ↗تنزيل PDF٤٫١ م.ب
الفقرة ١ من ٢١

النص المقروء

عناوين هذا الدرس
  1. الدَّرْسُ السَّادِسُ وَالثَّلَاثُونَ
  2. كِتَابُ الجَنَائِزِ

[الدَّرْسُ السَّادِسُ وَالثَّلَاثُونَ]

رابط الفقرة 1

[كِتَابُ الجَنَائِزِ]

رابط الفقرة 2

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك وأكرم وأنعم على خيرة خلقه وأفضل أنبيائه ورسله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.

رابط الفقرة 3

أما بعد؛ أيها الأخوة والأخوات سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وحياكم الله في الدرس السادس والثلاثون من دروس شرح عمدة الفقه للإمام موفق الدين «ابن قدامة رحمه الله »، وقد وصلنا إلى كتاب الجنائز، وذكرنا في الدرس الماضي مقدمةً بين يدي كتاب الجنائز عن المرض وأحكامه وما يكون مقدمةً للموت وما يُفعل بالمحتضر، ونحن حينما ندرس كتاب الجنائز فإنا نهدف إلى فقه هذه العبادة من حيث تغسيل الميت، وتكفينه، والصلاة عليه، وحمله، ودفنه، والتعزية فيه، وهذه عبادات جليلة بل هي من فروض الكفايات، ونهدف أيضًا إلى أن يكون الموت نصب أعيننا، لا نغفل عنه طرفة عين، ولهذا قال صلوات ربي وسلامه عليه: «أكثِروا مِن ذِكْرِ هاذمِ اللَّذَّاتِ»()، وقال في الحديث الآخر صلوات ربي وسلامه عليه: «كُنتُ نهيتُكُم عن زيارةِ القبورِ، فزُورُوهَا فإنَّها تذَكِّرُكُم الآخرةَ»()، اليوم نسمع عن الوفيات بكثرة كاثرة وما كان يحذره السلف من موت البدار وهو الموت الفجائي كثر بل أصبح هو سمة العصر، إذ أكثر وفيات الناس اليوم موت الفجأة، سواءً كان حوادث السيارات أو الطائرات أو القاطرات أو الباخرات أو الزلازل والبراكين أو الحروب أو غيرها، ويأتينا أو يأتي أكثرنا رسائل يومية في عدد الجنائز في مساجد مشهورة في البلد، كل هذا ينبغي أن يحدث عندنا توبة وإلى ربنا أوبة ورجعة، ولهذا جاء الأمر بتذكر الموت، ولهذا نُدب المسلم إذا صلى أن يصلي صلاة مودع؛ لأنه سيموت يومًا ما وحتمًا ستكون وفاته بين صلاتين، فكونه كلما وقف بين يدي الله يتذكر ولو ثانيتين أو ثلاث أن هذه الصلاة قد تكون هي الأخيرة، هذا يدفعه إلى إحسانها وإتقانها وحضور قلبه فيها وخشوعه، ولهذا كان سماحة شيخنا ابن باز رحمه الله وقدس روحه في الجنان إذا التقى بالشيخ عبد الرحمن بن عبد الله الغيث الذي أنشأ مغسلة الأموات بالدريهمية وعشرات من مغاسل الموتى في مناطق ومحافظات المملكة، كان سماحة الشيخ إذا سلم عليه واحتفى به يقول: حيا الله صاحب الموعظة المستديمة؛ لأنه كل يوم يقلب الأموات وينظر في وجوههم، ولا شك أن هذا مما يرقق القلب ويجعل العبد منيبًا أواهًا خاشعًا رجاعًا.

رابط الفقرة 4

ثمة تذكرٌ للموت مذموم يعالج منه، وهو مرض يصيب بعض الناس وربما صار كالوسواس في أنه سيموت حتمًا الآن، فيبقى جالسًا حزينًا كريبًا مريضًا بل يمرض معه أهله، ومر بي حالات من هذا وأجزم أن هذا إما تلبس أو مرض يحتاج إلى رقية وعلاج، وليس هذا هو التذكر الشرعي، التذكر الشرعي الذي يقوم الإنسان ويحسن العمل وينطمع عن السيئات وطول الأمل، وأما أن يجلس هكذا يقول الآن الموت سيدخل علي ويأتيني ولا يعمل؟ نقول: ليس هذا بمشروع.

رابط الفقرة 5

قال : رحمه الله (كِتَابُ الجَنَائِزِ) مر بنا تعريف الجنائز والجنازة وما يتعلق بهذا، قال رحمه الله : (وإذا تُيُقِّنَ مَوْتُهُ، غُمِّضَتْ عَيْنَاهُ) شرع رحمه الله في بيان ما يفعل بالميت بعد تيقن موته، مر بنا ما يفعل به إذا كان محتضرًا ونُزل به لكن إذا تيقنا موته فإن من السنة أن نُغْمض عينيه؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أغمض أبا سلمة رضي الله عنه لما مات، وقال: «إنَّ المَلائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ علَى ما تَقُولونَ»() [رواه الإمام مسلم]، ويتولى تغميض الميت من يباح له النظر إليه، فإن كان رجلًا يغمضه الرجال أو محارمه من النساء، وإذا كانت امرأة فإنه يُغَمِّضُها أو يُغْمِضُها النساء أو محارمها ممن يحل له النظر والمس، ذكر أهل العلم أنه يكره أن يتولى ذلك حائض أو جنب وأن يقرباه، واحتجوا بحديث فيه ضعف، وهو حديث علي مرفوعًا: «لَا تَدخُلُ المَلائِكةُ بَيتًا فيه صُورةٌ ولا كَلبٌ ولا جُنُبٌ»() [أخرجه أبو داود والنسائي لكن فيه ضعف] وحينئذ فإنا نقول: الصحيح أنه لو لم يوجد من يغسل ويتولى من الطاهرين والطاهرات فإنه لا حرج أن يتولى تغسيل المرأة ولو امرأة حائض أو نفساء لا سيما إذا كانت هي التي تفقه وهي التي عندها جلد وصبر على ذلك.

رابط الفقرة 6

قال رحمه الله : (وإذا تُيُقِّنَ مَوْتُهُ، غُمِّضَتْ عَيْنَاهُ) لماذا تغمض عيناه مباشرة؟ نقول: لأنه لو انتُظر فإن العين والبصر يتبع الروح، والروح تصعد إلى بارئها، فتبقى عينه مفتوحة، وهذا بلا شك يشوه منظره وربما يسيء بعض الجهلة الظن فيه، فإن بعض الناس أي شيء يراه في محيا الميت ينقدح في ذهنه أنه خاتمة سوء، نقول: هذه ليست خاتمة سوء، صعدت روحه إلى بارئها وعينه تبعتها ولم يكن عنده أحد يغمضه فبقي شاخص البصر، فتغميض عينه أول ما يموت يمنع من ذلك كله، فتبقى العين مغمضة كأنه نائم فلا يقبح منظره ولا يُساء الظن به ولا يدخل الماء أيضًا والكافور في عينيه.

رابط الفقرة 7

قال رحمه الله : (وَشُدَّ لَحْيَاهُ) فيُشد لحيه بعصابة، خرقة عريضة تربط من أسفل الحنك إلى الرأس، فإنه أيضًا لو لم يُشد لحياه يبقى فمه مفتوحًا ويقبح منظره ويُساء الظن به ويدخل الماء في فمه، والأصل أن الميت لا يُدخل الماء في فمه، ولهذا إذا غُسل لا يمضمض ولا يدخل الماء في أنفه وإنما يمسح مسحًا، فإذا شُدَّ لحياه بعصابة أو خرقة عريضة تجمع لحييه ثم تشد إلى رأسه لم ينفتح فمه ولم يقبح منظره ولم يدخل الماء في جوفه عن طريق فمه.

رابط الفقرة 8

ذكر الموفق «ابن قدامة رحمه الله » في كتابه المغني بدون سند، أن الفاروق عمر قال لابنه: «إذا مت فادن مني»، قبل هذا قال: «إذا حضرتني الوفاة، وبلغت روحي لهاتي، فادن مني وشد لحيي» لكن هذا الأثر ما جاء في سند، ولهذا نقول: هذا مما يستأنس به، وقد جاء في الحديث السابق فأغمض البصر فإن البصر يتبع الروح وجاء في الصحيح قريبًا منه، أي جاء في الحديث الصحيح الأمر بتغميض العينين وشد اللحيين().

رابط الفقرة 9

قال : رحمه الله (فَإِذَا تُيُقِّنَ مَوْتُهُ، غُمِّضَتْ عَيْنَاهُ، وَشُدَّ لَحْيَاهُ، وَجُعِلَ عَلَى بَطْنِهِ مِرْآةٌ أَوْ غَيْرُهَا) هذا أيضًا ذكروه رحمهم الله ، وقبل هذا نقول: يُسن أيضًا أن تُلَيَّن مفاصله، لم يذكرها المؤلف وهذا مما يسن، مثل تغميض العينين وشد اللحيين تلين مفاصله ليسهل تغسيله، فترد ذراعه إلى عضده ثم تمد إلى جانبه، وكذلك قدمه تلين هكذا، ترخى ثم تمد حتى يكون مسدول اليدين والرجلين، وإن لم يُفعل ذلك مباشرة فإنه يبرد جسمه ويصعب تليينه حينئذ، ويصعب أيضًا تغسيله وتكفينه، لكننا نقول: إذا مات وليس عنده من يقوم بذلك، وأتينا وقد بردت أعضاؤه وانعكفت يداه أو رجليه، فإنه لا يجوز لنا ان أن نسويها بالقوة فإن هذا يحرم، والمسلم حرمته ميتًا كحرمته حيًا لا يجوز كسره ولا إيلامه لو كان حيًا، ولهذا نقول: يغسل ويكفن ولو كانت قدمه مثنية أو يده.

رابط الفقرة 10

قال : رحمه الله (وَجُعِلَ عَلَى بَطْنِهِ مِرْآةٌ أَوْ غَيْرُهَا) ذكروا ذلك واستحبوه، قالوا: حَدِيْدَةٍ أو مِرْآةٌ أو غَيْرُهَا؛ لئلا ينتفخ بطنه، وذكروا في ذلك آثار، لكن الصحيح أنه لم يصح في ذلك شيء عن المعصوم صلى الله عليه وسلم ، قالوا: يُجعل مرآة ونحوها كحديدٍ على بطن الميت، قال ابن المنذر: وليس في وضع السيف أو الحديد على بطن الميت سنة مضت، قال الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله : وهذا -أي قولهم تُجعل على بطن الميت حديدة أو مرآة أو نحوها لئلا ينتفخ- قال: وهذا فيه نظر؛ فإن وضع الحديدة أو نحوها لا يمنع الانتفاخ، ولأن السنة الإسراع بتجهيز الميت وإن احتيج إلى تأخير دفنه وُضع في ثلاجة في وقتنا فلا يحصل انتفاخ، إذن نقول: ما عندهم ثلاجة وكانوا يبادرون بالتغسيل والتكفين والتجهيز لكن ربما تأخروا فخشوا لا سيما مع حرارة الجو أن ينتفخ بطنه فاستحبوا وضع شيء مثقل على بطنه، الصحيح أننا لا نحتاج إلى هذا، وفي وقتنا الحاضر إذا كان سيتأخر حتمًا وإلا فالسنة الإسراع وسيأتي بيانها، فإنه يُوضع في مكان بارد أو في ثلاجة تمنع انتفاخ بطنه.

رابط الفقرة 11

كما يُسن أن يوضع على مكان مرتفع فور موته، هذا عندما كانوا رحمهم الله أراضيهم فيها دواب وهوام وحشرات والأرض ندية، قالوا: يُعجل إليه الفساد، فقالوا: يستحب أن يجعل على سرير غسله ليبعد عن الهوام ونداوة الأرض، لكننا نقول: اليوم الحمد لله الأمور متيسرة والناس في بيوتهم ما يمنعوا هذه الحشرات والهوام وتلفه، والأصل أنهم يبادرون بنقله مباشرة بعد موته إن لم يكن في المستشفى إلى المغسلة ونحوها، وأن يكون حال وضعه على السرير بعد موته متوجهًا للقبلة، كما جاء في الحديث: «قِبْلَتِكم أحياءً وأمواتًا»()، والصحيح أنه يكون مستلقيًا على قفاه منحدرًا نحو رجليه، مرتفعًا صدره عن رجليه ليسهل عند التغسيل نزول الماء، والسنة الإسراع بتجهيزه إن مات غير فجأة، أما موت الفجأة عند المتقدمين مثل الذي يكون في الغرق والحرق والهدم، كانوا ما عندهم طبيب شرعي يشخص حالته ويبين أنه مات، فيقولون: إذا مات فجأة يُنتظر حتى يتبين ويتحقق من موته، اليوم الطبيب الشرعي يحدد بالدقة متى خرجت الروح من الجسد، إذن إذا مات غير فجأة فإنه يُسن الإسراع بتجهيزه، نقول: اليوم حتى لو مات فجأة يمكن أن يُحدد وفاته من غيرها ولا يحبس إلا لمصلحة مثل التشريح، وأن يكون في وفاته سبب جنائي غير معلوم ونحو ذلك، قال صلى الله عليه وسلم : «لَا يَنْبَغي لجيفةِ مُسلِمٍ أن تُحبَسَ بَيْنَ ظَهْرانَي أهْلِه»() [رواه أبو داود والبيهقي وفيه ضعف] لكن أصح من ذلك قول صلى الله عليه وسلم : «أَسْرِعُوا بالجِنَازَةِ، فإنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا، وإنْ يَكُ سِوَى ذلكَ، فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عن رِقَابِكُمْ»() [الحديث متفق عليه] وإذا كان صلى الله عليه وسلم أمر المشيعين بالإسراع مع وجود شيء من المشقة عليهم، فالإسراع في التجهيز من باب أولى، نقول: الآن هو قد غُسل وكُفن وصُلي عليه وما بقي إلا نقلة من المسجد أو المصلى إلى الدفن، أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالإسراع، فمن باب أولى أن يؤمر بالإسراع قبل ذلك، في التغسيل، وفي التكفين، وفي التجهيز، والأمر يدل على وجوب الإسراع فلا تؤخر الجنازة أيامًا، بل لا يجوز تأخيرها من الصباح إلى المساء ولا من المساء إلى الصباح، لكن يسوغ ويجوز التأخير اليسير لاجتماع الناس أو حضور قريب غير بعيد أو انتظار فريضة، كما لو مات من الضحى فانتظروا به الظهر، أو بين الظهر والعصر فانتظروا به العصر فلا بأس إن شاء الله تعالى، وانتظار حضور وليِّه من ذلك، إن كان قريبًا ولن يُخشى على الجنازة التغير أو يشق على الحاضرين؛ لما يؤمل من الدعاء له إذا صُلي عليه، قال الموفق «ابن قدامة رحمه الله » في المغني: ولا بأس أن يُنتظر لها مقدار ما يجتمع لها جماعة؛ لما يؤمل من الدعاء له إذا صُلي عليه ما لم يُخف عليه -أي التغير- أو يشق على الناس، نص عليه -يعني الإمام أحمد-، اليوم واقع الناس بعيد عن هذا كل البعد في الأعم الأغلب، يموت الميت ويُحبس في الثلاجة يوم ويومين أحيانًا وثلاثة، لا لعذر شرعي وإنما لانتظار قرابته، وربما كانوا خارج البلاد ولم يتيسر لهم حجز، فيقول: حتى يجي ولده فلان وأخوه فلان وابن عمه فلان، نقول: كل هذا ليس من السنة في شيء بل هو محرم، لا يجوز حبس جيفة المسلم بين ظهراني أهله أو في المستشفى في الثلاجة إلا لعذر شرعي وليس هذا من العذر الشرعي، مات يبادر بتغسيله وتكفينه والصلاة عليه، وقريبه يأتي إذا له رغبة وقدرة على المجيء، يأتي ويصلي على قبره ويُحصل أجر الصلاة ويعزي أهله، أما أن تُحبس الجنازة يوم أو أكثر لأجل أن يجتمع كل قرابته فهذا ليس من السنة في شيء بل هو من البدعة، وأقبح من هذا أن يموت الميت مثلًا الليلة ويحبس إلى صلاة العصر من يوم غدٍ، فيصلون عليه في وقت نهي وهم مختارين، وهذه مسألة نادر من ينتبه لها، نقول: مات الآن وما استطاعوا يصلون الفجر يصلون الظهر، كيف تأخرون الجنازة إلى بعد العصر والأصل بعد العصر أنه وقت نهي وأنتم غير مضطرين، إنما يصلى على الجنازة بعد العصر لمن مات بعد الظهر أو مات الضحى ولم يتمكنوا من الصلاة عليه الظهر، أما أن يؤخر هذه الساعات الطوال ثم يُختار وقت العصر رفقًا بالمصلين لأنها أخف حرارة، يقولون هذا وهذا ليس بصحيح، معلوم أنه في شدة الحر، العصر أشد من الظهر؛ لأنه كل ساعة يشتد الحر حتى تنكسر حدة الشمس في آخر النهار، على كلٍ حتى ولو كان حر فلا ينبغي أن يؤخروه لأجل أن تنكسر حدة الحر.

رابط الفقرة 12

من المسائل أيضًا هنا، مسألة النعي: وهي الإخبار عن موت الميت، هذا النعي قد كثر اليوم وأصبح الناس يتفننون فيه، فهل هو جائز؟ نقول: النعي ينقسم إلى قسمين:

رابط الفقرة 13

نعي محرم مذموم: وهو ما كان فيه تشبهًا بنعي أهل الجاهلية، وهو أنهم كانوا يعلنون عن موت ميتهم على أبواب الدور والأسواق، يقفون في الأسواق وعند الدور وينادون بأن فلانًا مات ويمدحونه ويثنون عليه ويتكلمون عن محاسنه، وهذا بلا شك نعي مذموم ومن ذلك ما يقع الآن في وسائل الإعلام، في الصحف صفحتين، في كثير من الصحف ويبجلونه ويمدحونه، ويقولون فيه القصائد التي هم يعلمون أنها كذب وليست فيه، وليس كل ما قيل فيه صحيح، فهذا مع كذبه فيه تشبهٌ بصنيع أهل الجاهلية، وقد جاء عن حذيفة رضي الله عنه : «أنَّه كان إذا ماتَ له ميِّتٌ قال: لا تُؤذِنوا به أحَدًا؛ إنِّي أخافُ أنْ يكونَ نَعْيًا، إنِّي سَمِعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَنْهى عن النَّعْيِ»() [رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه، وحسنه الترمذي وحسنه الحافظ ابن حجر في الفتح] لاحظوا ورع حذيفة، يقول: لا تعلمون أحد أنه مات لي ميت، أخشى أن يكون هذا نعي، الصحيح أنه ليس بنعي؛ لأنه سيأتينا القسم المباح لكنه ورع منه، ومن ذلك قول جرير -وهذا سيأتينا في التعزية-: «كنا نعد صنعة الطعام والاجتماع عند أهل الميت من النياحة»() هذا ورعٌ وهو كما قال جرير، أن يصنع أهل الميت الطعام للناس هذا نياحة، وهذا بدعة ولا يجوز ولا يسوغ، وسيأتينا بيانه في محله، فجرير فهم أن من النياحة أن يصنع أهل الميت الطعام للمعزين، وحذيفة خشي أن يكون إعلام الناس بموت قريبه من النعي المنهي عنه، وهذا من تمام الورع -رضي الله عنهم وارضاهم-.

رابط الفقرة 14

القسم الثاني من النعي ما ليس بمذموم: وذلك الذي لا يتشبه فيه بأهل الجاهلية، وإنما يُعلم أهل الميت وقرابته وزملاءه وجيرانه وما أشبه ذلك بدون مديحٍ وإطراء، وإنما يقول: أحسن الله عزاكم في فلان، جيرانه، زملائه في العمل، زملاءه في الدراسة إن كان طالبًا، بطريقة يسيرة وبدون تكلف وإعلان في وسائل الإعلام، يمكن رسائل جوال لا حرج، الواتساب لا حرج، لكن إخبار فقط، إخبار مجرد أنه مات فلان وأنه سيصلى عليه في المكان الفلاني، هذا إخبار لا حرج فيه، ويدل عليه حديث أبي هريرة رضي الله عنه : « أنَّ رَسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَعَى النَّجَاشِيَّ في اليَومِ الذي مَاتَ فيه»() [الحديث متفق عليه]، قد يقول بعض الناس أن النجاشي ما صُلي عليه ولهذا صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم ، نعاه للصحابة وصلى عليه صلاة الغائب، نقول: لكنه أخبر أصحابه بموته وقبل أن يصلي عليه، وحديث أنس أيضًا في قوله صلى الله عليه وسلم : «أخذ الرَّايةَ زيدٌ فأُصِيب ثمَّ أخذها جعفرٌ فأُصِيب ثمَّ أخذها عبدُ اللهِ بنُ رواحةَ فأُصِيب»() [الحديث رواه البخاري] فدل على أن الإخبار المجرد لا إشكال فيه، وإنما الإشكال هو أن يكون في وسائل الإعلام أو في السكك والطرقات أو في الأسواق أو عند الدور، ويتضمن المديح والإطراء والقصائد التي تُتْلى في مدح فلان الذي مات وليس فيه ربما شيء من ذلك، فيجمعون بين الكذب والنعي المذموم.

رابط الفقرة 15

إذا مات فجأة أو شُك في موته فإنه يُنتظر حتى يُتحقق، قديمًا يقولون: يُتحقق ويُعلم من موته بانخساف صدغيه وميل أنفه وانفصال كفيه واسترخاء رجليه، الصدغ هو ما بين العين والأذن، يقولون: هذا ينزل ينخفض، فإذا انخفض لكن هذا يأخذ وقت ليس فوري، وكذلك انفصال الكفين كانخلاعهما من الذراعين، فتسترخي عصبة اليد وتبقى تتحرك كأنها منفصلة، وكذلك استرخاء الرجلين، تلين وتسترسل بعد خروج الروح وقد كانت صلبة قبل ذلك، ومن العلامات أيضًا غيبوبة سواد العين، فيغيب السواد ويبقى البياض في البالغين، وامتداد جلدة الوجه، هذه علامات اليوم يغني عنها الطب الشرعي الذي يُحدد أن فلانًا مات وحينئذٍ يُبادَر بتغسيله ولا يُنتظر.

رابط الفقرة 16

نقول أيضًا: مما ينبغي الإسراع فيه والتعجيل، الإسراع بتنفيذ وصيته مباشرة وهذا مسنون، وهذه الوصية قد تقوم بواجب، في ذمته ديون لله، كزكاة، كفارة، نذر، حج، عمرة، أو للآدميين من ثمن مبيع أو دين أو غيره، فهذا واجب التنفيذ لكن السنة الإسراع؛ لأن هذه الوصية إن كانت واجبة فالإسراع بها يبرئ ذمته، «و نَفْسُ المؤمنِ معلقةٌ بدَيْنِه حتى يُقضى عنه»()، وإن كانت الوصية تبرع وتطوع فهو من باب الإسراع بنيله هذا الأجر والثواب، كذلك يجب الإسراع في قضاء الدين وذلك واجب قبل الوصية والنظر فيها.

رابط الفقرة 17

قال رحمه الله : (فَإِذَا أَخَذَ فِيْ غَسْلِهِ سُتِرت عَوْرَتَهُ) اذ لا يحل للمُغَسِّل أن ينظر إلى عورة المُغَسَّل إذا كان ممن لا يحل له النظر إليه، وعورته ما بين سرته وركبته، ولهذا فإنه يجرد من ملابسه مع الستر، كيف يُجرد؟ نقول: التجريد ذكروا أنه يُسن من حين الموت، قديمًا كل ما يمكن أن يُحمي الجسم ويُسخنه يبادرون بإزالته، فيقول: إذا تُحقق موته يُجرد من ملابسه، اليوم يُجرد غالبًا إذا نقل للمغسلة، والأمر واسع، جُرد قبل أو لم يُجرد، الواجب ستر عورته وأن يُغطى بقماش قبل خلع الملابس، فلا يرى الذي يجرده ويخلعه شيئًا من عورته ولا يمسها.

رابط الفقرة 18

قال رحمه الله : (ثُمَّ يَعْصُرُ بَطْنَهُ عَصْرًا رَفِيْقًا) هذا محل خلاف العصر، لكن الصحيح الوارد هو إمرار اليد، قد نهى بعض السلف عن العصر، قالوا: إنه يُرفع ظهره حتى يكون كالجالس بين في حضن المغسل، نقول: يُرفع رفعًا يسيرًا وتمر اليد إمرارًا يسيرًا؛ ليخرج ما هو متهيئٌ من فضلات لم يخرجها، ويكون حينئذٍ صب الماء كثيرًا مع تنجيته، وأيضًا يُجعل شيءٌ من الطيب والبخور لئلا تخرج رائحة كريهة تؤذي المغسل ومن حضر.

رابط الفقرة 19

قال رحمه الله : (ثُمَّ يَلُفُّ عَلَى يَدِهِ خِرْقَةً فيُنَجِّيْهِ بِهَا) إذ لا يحل له أن يباشر عورته وسوءته، فيكون على يده خرقة ويقوم مقام الخرقة اليوم القفاز، فيجعل المغسل قفازًا في يده ينجيه بها، وقفازًا آخر يدلك به جسمه، فلا يغسل جسمه بالقفاز الأول، نقول: القفاز الأول الأصل فيه أن يكون متسخًا؛ لأنه أزال به ما خرج من فضلات نجسة (ثُمَّ يَلُفُّ عَلَى يَدِهِ خِرْقَةً فيُنَجِّيْهِ بِهَا، ثُمَّ يُوَضِّئُهُ) وضوء الصلاة؛ لما روت أم عطية رضي الله عنهما ، وقد كانت من المغسلات في زمنه صلى الله عليه وسلم ، كانت متفرغة ومتخصصة مع جملة من النساء في تغسيل من مات من النساء الصحابيات رضي الله عنهن ، فقالت لما غسلنا ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب، قال صلى الله عليه وسلم : «ابْدَأْنَ بمَيَامِنِهَا ومَوَاضِعِ الوُضُوءِ منها»() [الحديث متفق عليه]، ولأن الحي إذا أراد أن يغتسل فإنه يتوضأ، فكذلك الميت ولهذا يوضأ، كيف يوضأ؟ قلنا الآن ينجى ثم يدخل في فمه ومنخريه الأصبع مبلولتين فينظف أسنانه بدون أن يفتح فكه؛ لأن فتح الفك معناه أن الماء سيدخل، فتبقى أسنانه الأصل أنها مغلقة فينظف أسنانه بأصبعه وهي مبلولة وفيها قفاز، وكذلك يدخل أصبعيه في منخريه، ثم يغسل وجهه، ثم يغسل يده اليمنى ثم اليسرى، ثم يمسح رأسه وأذنيه، ثم يغسل رجليه كما يفعل المتوضئ أو المغتسل، والسنة في الغسل الكامل أن يتوضأ قبله، وقبل ذلك ينوي، والنية للمُغَسِّل؛ لأنها غير متصورة من المغَسَّل الميت، فينوي ويسمي وينجيه ويوضئه، ثم يغسل رأسه ولحيته بماء وسدر، يكون عنده السدر، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم به كما في حديث الذي وقصته راحلته، قال: «اغسِلوهُ بماءٍ وسِدرٍ، وكَفِّنوهُ في ثوبَيْهِ»() [الحديث متفق عليه]، وفي السدر خاصية غير النظافة، تصليب الجسم وتقويته، فيُجعل من السدر في الماء ويُحرَك ثم يُغسَل رأسه بالرغوة وجسده ببقيته؛ لأنه يكون في أسفل هذا السدر المخلوق التفل، البقايا المترسبة هذه لو وقعت في الرأس يصعب إخراجها، فلا يُغسل الرأس بشيء من التفل والرواسب، وإنما يغسل بالرغوة، ثم يُغسل شقه الأيمن، ثم الأيسر، ثم يغسله كذلك مرةً ثانية وثالثة يمر في كل مرة يده، إذن بعد أن ينجيه ويوضئه يغسل رأسه ثلاثًا، ثم يغسل شقه الأيمن ثم الأيسر مرة ثانيةً وثالثةً، ويدلكه مع الغسل، نقف عند هذا وسنعيد آخر ما في هذا الدرس ليكون الغسل متصلًا.

رابط الفقرة 20

وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، وأخذ بنواصينا جميعًا للبر والتقوى، وأعاننا على الموت وجعلنا ممن يتعظ فيعمل، ويكون الموت نصب عينيه فلا يغفل ولا يطول أمله بل يكون دائمًا على أهبة الاستعداد، متى نزل به الموت يكون قد استعد وأحسن العمل وتاب وإلى ربه أناب، وبالله التوفيق وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

رابط الفقرة 21

الحواشي

  1. (1)

    أخرجه الترمذي (2307)، والنسائي (4/4) مع اختلاف يسير عنده، وابن ماجه (4258)، والحديث صححه الألباني في صحيح الترمذي (2307).

    العودة إلى موضع الحاشية
  2. (2)

    أخرجه أحمد (1236)، وابن أبي شيبة (24239)، وأبو يعلى (278) باختلاف يسير، والحديث صححه لغيره شعيب الأرناؤوط في تخريج المسند (1236)، وقال عنه الألباني في النصيحة (157) أنه صحيح بشواهده.

    العودة إلى موضع الحاشية
  3. (3)

    أخرجه مسلم (919).

    العودة إلى موضع الحاشية
  4. (4)

    أخرجه أبو داود (227)، والنسائي (261)، وأحمد (1290)، والحديث ضعفه الألباني في ضعيف أبي داود (4152).

    العودة إلى موضع الحاشية
  5. (5)

    لم أجد من خرج حديث شد اللحيين وقال بصحته.

    العودة إلى موضع الحاشية
  6. (6)

    أخرجه أبو داود (2875)، والنسائي (4012)، والحديث حسنه الألباني في صحيح أبي داود (2875).

    العودة إلى موضع الحاشية
  7. (7)

    أخرجه أبو داود (3159)، والبيهقي في السنن الكبير (6240)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (2099).

    العودة إلى موضع الحاشية
  8. (8)

    أخرجه البخاري (1315)، ومسلم (944).

    العودة إلى موضع الحاشية
  9. (9)

    أخرجه الترمذي (986)، وابن ماجه (1476)، وأحمد (23455) واللفظ له، والحديث حسن إسناده ابن حجر في الفتح (3/140)، وأيضًا حسنه الألباني في صحيح ابن ماجة (2/13).

    العودة إلى موضع الحاشية
  10. (10)

    أخرجه ابن ماجة (1318) عن جرير بن عبدالله رضي الله عنه قال: «كنَّا نرى الاجتماعَ إلى أَهلِ الميِّتِ وصنعةَ الطَّعامِ منَ النِّياحة»، والحديث صححه الألباني في صحيح ابن ماجة (1318).

    العودة إلى موضع الحاشية
  11. (11)

    أخرجه البخاري (1245) واللفظ له، ومسلم (951).

    العودة إلى موضع الحاشية
  12. (12)

    أخرجه البخاري (1246).

    العودة إلى موضع الحاشية
  13. (13)

    أخرجه الترمذي (1078)، وابن ماجه (2413) واللفظ لهما، وأحمد (9679) باختلاف يسير، والحديث حسنه البغوي في شرح السنة (4/352)، وأيضًا صححه الألباني في صحيح الجامع (6779).

    العودة إلى موضع الحاشية
  14. (14)

    أخرجه البخاري (167)، ومسلم (939).

    العودة إلى موضع الحاشية
  15. (15)

    أخرجه البخاري (1849)، ومسلم (1206).

    العودة إلى موضع الحاشية