ملفات PDF ١ ملف
النص المقروء
عناوين هذا الدرس
[الدَّرْسُ السَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ]
رابط الفقرة 1[كِتَابُ الجَنَائِزِ]
رابط الفقرة 2الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
رابط الفقرة 3أما بعد؛ أيها الأخوة والأخوات سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وحياكم الله في الدرس السابع والثلاثون من شرح كتاب الجنائز من عمدة الفقه للإمام الموفق «ابن قدامة رحمه الله »، ولعلنا اليوم نكمل ما جاء في تغسيل الميت، نقرأ من أول كتاب الجنائز لنصل الحاضر بالماضي.
رابط الفقرة 4قال رحمه الله :
رابط الفقرة 5كِتَابُ الجَنَائِزِ
رابط الفقرة 6وإذا تُيُقِّنَ مَوْتُهُ، غُمِّضَتْ عَيْنَاهُ، وَشُدَّ لَحْيَاهُ، وَجُعِلَ عَلَى بَطْنِهِ مِرْآةٌ أَوْ غَيْرُهَا، كَحَدِيْدَةٍ، فَإِذَا أَخَذَ فِيْ غَسْلِهِ سَتَرَ عَوْرَتَهُ، ثُمَّ يَعْصُرُ بَطْنَهُ عَصْرًا رَفِيْقًا، ثُمَّ يَلُفُّ عَلَى يَدِهِ خِرْقَةً فَيُنَجِّيْهِ بِها، ثُمَّ يُوَضِّئُهُ، ثُمَّ يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَلِحْيَتَهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، ثُمَّ شِقَّهُ الأَيْمَنَ، ثُمَّ الأَيْسَرَ، ثُمَّ يَغْسِلُهُ كَذلِكَ مَرَّةً ثَانِيَةً، وَثَالِثَةً، يُمِرُّ فِيْ كُلِّ مَرَّةٍ يَدَهُ، فَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ، غَسَلَهُ، وَسَدَّهُ بِقُطْنٍ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَمْسِكْ، فَبِطِيْنٍ حُرٍّ، وَيُعِيْدُ وُضُوْءَهُ، فَإِنْ لَمْ يَنْقَ بِثَلاثٍ، زَادَ إِلَى خَمْسٍ أَوْ إِلَى سَبْعٍ، ثُمَّ يُنَشِّفُهُ بِثَوْبٍ، وَيَجْعَلُ الطِّيْبَ فِيْ مَغَابِنِهِ وَمَوَاضِعِ سُجُوْدِهِ، وَإِنْ طَيَّبَهُ كُلَّهُ، كَانَ حَسَنًا، وَيُجَمِّرُ أَكْفَانَهُ، وَإِنْ كَانَ شَارِبُهُ أَوْ أَظْفَارُهُ طَوِيْلَةً أَخَذَ مِنْهُ، وَلا يُسَرِّحُ شَعْرَهُ، وَالمَرْأَةُ يُضْفَرُ شَعْرُهَا ثَلاثَةَ قُرُوْنٍ، وَيُسْدَلُ مِنْ وَرَاءِهَا.
رابط الفقرة 7هذا ما ذكره رحمه الله في تغسيل الميت ثم شرع في التكفين، انتهينا من الكلام على ما يسبق التغسيل من التهيئة، وشرعنا في التغسيل وانتهينا من الكلام على تنجيته وتوضيته وغسل لحيته ورأسه بماء وسدر، وقلنا إن الشعر يُغسل بالرغوة وأن التفل وما يبقى في أسفل الإناء من بقايا السدر فإنه يُغسل به البدن؛ لأنه لو غُسل به الشعر والرأس لصعب إزالته انتهينا من هذا، ثم ذكرنا أنه يغسل شقه الأيمن ثم الأيسر، ثم يغسله كذلك مرة ثانية وثالثة وهذا هو الحد الأدنى في السنة، أن يُغسل الميت ثلاثًا بل صرح أهل العلم بأنه يُكره الاقتصار على مرةٍ واحدةٍ إذا نظف وحصل النقاء، يعني ميت ليس على جسده درن كأن يكون اغتسل ومات بعد اغتساله بمدة يسيرة، نقول: السنة أن يُغسل ثلاثًا، فإن اقتصر فيه على واحدةٍ لأن جسده نظيف، نقول: هذا خلاف السنة خلاف الأولى، أما إن كان جسده فيه درنٌ ووسخٌ وقذرٌ فإنه يجب الغسل ثلاثًا كحدٍ أدنى، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم لأم عطية ومن معها من النساء اللاتي كن يُغسلن في زمنه وغسلن بنته زينب رضي الله عنهما وعنهن، قال لهن صلوات ربي وسلامه عليه: «اغسِلنَها ثلاثًا، أو خمسًا، أو سبعًا، أو أَكْثرَ من ذلِكِ إن رأيتُنَّ»(1) فجعل الغسل درجات أقلها ثلاث ثم خمس ثم سبع، ثم قال: أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك، يعني إن رأيتن أن هذه الميتة سواءً هذه التي تحدث عنها وهي بنته زينب أو غيرها من النساء اللاتي ستغسلنهن لاحقًا، رأيتن أنها تحتاج أكثر من سبع غسلات فإنه يُزاد، إن رأيتن ذلك أي إن رأيتن الحاجة.
رابط الفقرة 8قال رحمه الله : (فَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ، غَسَلَهُ، وَسَدَّهُ بِقُطْنٍ) يعني بعد هذه الغسلات خرج منه شيء فإنه يسده بقطن، اليوم توفرت وسائل لسد هذه الجروح والثقوب ومواضع الإبر والمغذيات لا سيما من كان مريضًا وربما طال أمده في المستشفى، قد تجد أن في كثير من مواضع بدنه من يديه وقدميه، مواضع غرزات وإبر ومغذيات ونحو ذلك، فربما يخرج منها وتبقى تنزف، قال: (فَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ، غَسَلَهُ، وَسَدَّهُ بِقُطْنٍ)، نقول: بقطن أو لاصق أو بولستر أو غيره، (فَإِنْ لَمْ يَسْتَمْسِكْ، فَبِطِيْنٍ حُرٍّ) قديمًا ما كان عندهم وسائل لإغلاقه، ثم يقول: أحيانًا ما يجدون قطن فيأتون بطين حر، هذا الطين الذي إذا وضع على المكان أغلقه، نقول: اليوم ما نحتاج لقطن ولا نحتاج إلا شيء من هذا اللاصق لكن لو لم يجدوا اللاصق فإنهم يضعون قطنًا، لكن من أهل العلم من كره وضع القطن داخل الجرح، قالوا: لأن هذا يوسعه، فإن تيسر لاصق يوضع عليه من الخارج ولا يُدخل في أثناء الجسم فهو أولى.
رابط الفقرة 9قال رحمه الله : (وَيُعِيْدُ وُضُوْءَهُ) يعني بعد هذا الخارج، نقول: ينظف المكان ويعيد الوضوء كالمغتسل إذا أحدث في حياته، فإنه إذا اغتسل غُسلًا ثم مس ذكره أثناء الغسل فيعيد الوضوء، قالوا: فكذلك الميت يُصنع به ما يُصنع بالحي، في أنه إذا خرج منه شيء بعد أن غسلوه واكتفوا بسبع غسلات ثم خرج شيء لا يلزمهم إعادة الغسل، ومن أهل العلم من قال: بل يلزمه، والصحيح أنه لا يلزمهم لكن لو تطوع المغسل، قال: أنا ما عندي إشكال أغسله ولو سبع ولو عشر ولو إحدى عشر ولو أكثر والوقت واسع، بينه وبين الصلاة وقت وليس ثمة جنائز، نقول: له ذلك، لكن إذا ضاق الوقت وكثرت الجنائز وقربت الصلاة ولا يزال هذا الميت كلما غسلوه ونظفوه ينزف، فإنا نقول: يضعون ما يمنع خروج الخارج ويعيدون توضئته، قال: (فَإِنْ لَمْ يَنْقَ بِثَلاثٍ، زَادَ إِلَى خَمْسٍ أَوْ إِلَى سَبْعٍ) هذا كما جاء في حديث أم عطية وهذا سنة متفق عليها، ولو زاد على السبع للحاجة فلا حرج، فإن في حديث أم عطية: «أو أَكْثرَ من ذلِكِ إن رأيتُنَّ».
رابط الفقرة 10قال رحمه الله : (ثُمَّ يُنَشِّفُهُ بِثَوْبٍ) وذلك مستحبٌ كما فُعل بالنبي صلى الله عليه وسلم ، مع أنه صلى الله عليه وسلم لم يجرد من ثيابه، سيأتينا أنه صلى الله عليه وسلم غُسِّل في قميصه، قد اختلف الصحابة رضي الله عنهم لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقالوا: أنجرد رسول الله كما نجرد موتانا؟ فسمعوا هاتفًا يكلمهم ولم يروه، يقول: اغسلوا رسول الله في ثوبه أو في قميصه(2)، ففعلوا رضي الله عنهم وأرضاهم، وذلك لعظم شأنه وحرمته صلوات ربي وسلامه عليه وإلا فالأصل أن الميت يجرد وهو الصحيح، خلافًا لمن قال أنه يُغسل في ثيابه كما هو مذهب الشافعية، لكن الصحيح الذي عليه جماهير أهل العلم وهو الذي يُفعل بالموتى جميعًا أنه يجرد من ثيابه قبل غسله، ويدل على هذا نفس الحديث، فإن الصحابة قالوا: أنجرد رسول الله كما نجرد موتانا؟ معناه أنهم متقرر عندهم أنهم يجردون موتاهم، (ثُمَّ يُنَشِّفُهُ) وذلك مستحب، أي تنشيفه قبل نقله على الأكفان لئلا تبتل الأكفان؛ في حديث ابن عباس في غسل النبي صلى الله عليه وسلم ، قال: «فجففوه بثوب»(3).
رابط الفقرة 11قال رحمه الله : (وَيَجْعَلُ الطِّيْبَ فِيْ مَغَابِنِهِ وَمَوَاضِعِ سُجُوْدِهِ) كما أمر صلى الله عليه وسلم ، المغابن: الأبط، والسرة، وطي الركبتين؛ لأن هذه المغابن مواضعٌ للأوساخ وأماكن السجود، فتطييبها لشرفها (وَإِنْ طَيَّبَهُ كُلَّهُ، كَانَ حَسَنًا) لقوله صلى الله عليه وسلم لأم عطية ومن معها: «واجْعَلْنَ في الآخرةِ كافُورًا أو شيئًا منْ كَافُورٍ»(4) لكن قد تعجز النفقة وتكون في بعض المغاسل شح في الطيب فما يستطيعوا أن يعموا بدنه بالطيب، فيطيبوا مواضع السجود والمغابن، لكن لو أن عندهم طيب يكفيه كله أو جاء أهل الميت بقارورة طيب مثل العود أو نحو مسك أو ورد أو غيره، فقالوا: هذا اجعلوه معه كله فلا بأس أن يطلونه كله، جسمه كله يطلى بالطيب فإن هذا أطيب، قال رحمه الله : (وَيُجَمِّرُ أَكْفَانَهُ) يعني يبخرها كما يُفعل بالحي، فإن الحي يطيب ثيابه، يغسل بدنه ويطيب بدنه ثم يقف على العود بعد أن يجعله على الجمر فيعلق في ثيابه وبدنه لا سيما إذا كانت رطبه، فيُفعل بالميت كذلك، تُجمر الأكفان وترش بماء ورد ونحوه ثم تبخر بالبخور العود المعروف، وهذا أكمل ليعلق في الكفن رائحة البخور.
رابط الفقرة 12قال: رحمه الله (وَإِنْ كَانَ شَارِبُهُ أَوْ أَظْفَارُهُ طَوِيْلَةً أَخَذَ مِنْهُ، وَلا يُسَرِّحُ شَعْرَهُ) قالوا: لأن ذلك سنة في حال حياته فيُفعل به بعد وفاته ويترك ذلك في كفنه لأنه من أجزائه، وكذلك كل ما يسقط منه هذا قول، وهو مذهب الشافعية والحنابلة، الأخذ من الشارب والأظفار إن طالا، وأضاف الشافعي الأخذ من العانة، وعند أبي حنيفة ومالكٍ لا يؤخذ من الميت شيء، وقال الحنابلة وهو قول وسط: تؤخذ إن فَحُشت إن كَثُرت عن الشائع، شاربه طال جدًا وآباطه ونحوه، واستدل من قال بالأخذ وهم الشافعية والحنابلة بعمومات أدلة سنن الفطرة، ووروده عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه أخذ من عانة ميت(5)، وفي صحته نظر، واحتج من منع من الأخذ بعدم وروده عن صلى الله عليه وسلم ، فإنه لم يرد عنه صلى الله عليه وسلم أنه أمر بالأخذ، ولعدم الحاجة إذ مصيره إلى البلاء وهذا هو الصحيح أنه لا يؤخذ، كون الحنابلة رحمهم الله توسطوا وقالوا إن فَحُش، ربما يُقال إن هذا وسط بين القولين وله وجه، لكن شاربه قد قُصِّر قبل مدة وأبطه ليس فيه إلا شيء يسير من شعر فلا يؤخذ منه شيء، ومن باب أولى العانة، فإن أخذها يتحتم منه النظر إليها وهو لا يحل، ويصعب أن تحلق عانته من وراء الساتر، وإن كان أهل العلم الذين قالوا: تؤخذ من العانة لا يفهم من كلامهم أنها تكشف عورته وتؤخذ من عانته، هذا المتقرر عندهم أنه يجب ستر عورته وجوبًا، قال رحمه الله : (وَالمَرْأَةُ يُضْفَرُ شَعْرُهَا ثَلاثَةَ قُرُوْنٍ، وَيُسْدَلُ مِنْ وَرَاءِهَا) لما روت أم عطية قالت: «فَضَفَرْنَا شَعَرَهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ، وأَلْقَيْنَاهَا خَلْفَهَا»(6) تعني ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأما الرجل فلا.
رابط الفقرة 13بقي عندنا مسائل تتعلق بالتغسيل والتجهيز، منها تجريد الميت عند التغسيل، وذكرنا أن هذا مندوبٌ إليه؛ لأنه أمكن في تغسيله وأبلغ في تطهيره وهو مذهب الجمهور، وفي حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنهما قالت: «لما أرادوا غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قالوا: والله ما ندري نجرد رسول الله صلى الله عليه وسلم كما نجرد موتانا، ثم كلمهم مكلم من ناحية البيت لا يدرون من هو، اغسلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه ثيابه، فغسلوه وعليه قميصه»(7) [رواه الإمام أحمد وابن ماجة وصححه الحاكم على شرط مسلم] ولأنه أشبه بغسل الحي، فإن الحي يتجرد إذا أراد أن يغتسل إن لم يكن عنده أحد، وإنما غُسِّل رسول الله صلى الله عليه وسلم في قميص من عِظَم حُرمته فهو ليس كغيره، كما أنه يُستر وجوبًا عن العيون، فلا يجرد أمام الناس ويغسل تحت ستر فلا يغسل أيضًا في مكان فضاء، بل يكون في بيت أو غرفة أو خيمة؛ لأن هذا أستر، ولأنه صار عورة، ولأنه ربما كان به عيبٌ يستره في حال حياته.
رابط الفقرة 14ولهذا يأتينا الآن مسألة وهو أنه يُكره وقيل يَحرُم أن يحضر تغسيل الميت من لا يُحتاج إليه بالصب والتقليب والتغسيل، بمعنى أنه يُقتصر على المغسل ومن يعينه، صرحوا رحمهم الله بالكراهة، ومنهم من صرح بالتحريم، قالوا: يُكره لغير المعين في غسله حضوره؛ لأنه ربما كان في الميت ما لا يحب اطلاع أحد عليه، والحاجة غير داعية إلى حضوره بخلاف المعين، إذن نقول: الميت في حياته، هل نرى من يغتسل يغتسل أمام الآخرين؟ أبدًا، هو يدخل في مغتسل ويغلق على نفسه، ولا يسمح لأحد البتة أن يطلع عليه إلا أن يكون مغتسل في مكان عام في المسابح ونحوه، فإنه يلبس ما يستر عورته من سرته إلى ركبته، إذن لما مات يراعوا هذه الحرمة عنده، وحرمة الميت كحرمة الحي، ولهذا جاء: «كَسْرُ عظمِ الميِّتِ كَكسرِ عَظْمِ الحَيِّ»(8)، فلا يحل أن يجتمع أناس لأجل الموعظة أو لأجل التعلم، يقولون: نحن نريد أن نتعلم أو نريد أن نتعظ، نقول: سبحان الله، تريدون أن تتعظون على حساب هذا الميت الذي هو لو كان حيًا ما أقركم أن تطلعوا عليه وتقلبونه كلكم، يُقتصر على المغسل والمعين، المعين أحيانًا واحد وربما احتيج إلى اثنين، اجتمع عند المغسلة قرابته كلهم، وكلهم يريد التغسيل، سيأتينا من هو الأولى بتغسيله ويُقتصر، هذا إذا اجتمعوا وكلهم يقدر على التغسيل ويحسنه ويريده لكن -الله المستعان- السنين هذه المتأخرة، يجتمع عند المغسلة خلق من قرابته ما يريدون التغسيل ولا يحسنونه وربما لا يتحملونه، سيأتينا من هو الذي يغسل إذ اجتمعوا وكلهم يريد التغسيل، إذن نقول: المعين فقط، اختار ابن عقيل من الحنابلة: تحريم الحضور غير المعين في غسله، إذن نقول: هو يدور بين التحريم والكراهة، والتحريم له وجه، أن هذا مسلمٌ لا يريد حال حياته أن يطلع الناس عليه، فكيف يجتمعون؟ قالوا: موعظة، نقول: موعظة؟ تعال إذا كنت تريد الموعظة أو تعلم التغسيل تعال عند المغسلة وقل: أريد أن أُغسل وانتظر، تأتي الجنازة أحيانًا ما معها أحد، وتأتي أحيانًا الجنازة ومعها قرابة لكن لا يريدون التغسيل فغسل، قد جربت هذا مع طلابي في الكلية سنين عددًا، أكلفهم بالتغسيل وأجعله من ضمن مشاركتهم لأنهم يدرسون كتاب الجنائز فيذهبون، منهم من يذهب مرة مرتين وثلاث حتى يجد فرصة، أقول لهم: إذا كنت تريد اصبر وانتظر وليس كل جنازة تستطيع أن تغسل، فإنه أحيانًا يجتمع أهل الميت ولا يريدون أحدًا، يعني هم ما يستطيعون فضلًا أن يدخل غيرهم، لكن تأتي الجنائز أحيانًا ليس معها أحد البتة، بعض المقيمين وغيرهم، وأحيانًا يأتي قرابة لكنهم لا يحسنون التغسيل أو لا يريدونه، فيدخل من يريد التغسيل ويشارك، ومثل ذلك الموعظة، واحد يقول: أنا فقط قلبي فيه قسوة أريد أن أقلب الميت لعل قلبي ينتبه ويتعظ، نقول: لا حرج، ادخل بنية الإعانة والموعظة.
رابط الفقرة 15من المسائل أنه يُجعل في الغسلة الأخيرة كافورًا؛ لحديث أم عطية المتقدم: «واجْعَلْنَ في الآخرةِ كافُورًا»(9) [متفق عليه]، قال الشوكاني رحمه الله : والحكمة في الكافور كونه طيب الرائحة، وذلك -أي وقت التغسيل- وقتٌ تحضره الملائكة، وفيه أيضًا تبريد وقوة نفوذ وخاصية في تصلب بدن الميت، وطرد الهوام عنه وردع ما يتحلل من الفضلات وإسراع الفساد إليه، وإذا عُدم الكافور فإنه يقوم غيره مقامه مما فيه هذه الخواص، اليوم مغاسل الموتى متوفر فيها الكافور والحانوط والسدر والأكفان، وهي تبذل في هذه البلاد خاصة مجانًا تبرعًا من المحسنين الذين قاموا على هذه المغاسل أجزل الله مثوبتهم وضعّف أجرهم.
رابط الفقرة 16هل للمغسل أن يأخذ الأجرة؟ كره الإمام أحمد للغاسل أن يأخذ أجره، قال: إلا إذا دعت الحاجة، يعني إن كان فقيرًا معدمًا لا يجد مالًا وقد تفرغ لتغسيل موتى المسلمين، فإنه يعطى بقدر حاجته لكن إذا وجد من يغسل تبرعًا فهو أولى، فإن هذه من القربات التي ينبغي أن يتولاها الأتقياء الصالحون المحتسبون.
رابط الفقرة 17ويجب على المغسل أن يستر ما يراه من الميت لا سيما إن كان سيئًا، أما الحسن فينشره ويبشر أهله بأنه رأى فيه ما يسر من خفته أثناء تقليبه، ومن ابتسامته، ومن رفع سبابته، وغير ذلك مما يحسن، يُقال: هذه بشائر خير ولعل الله ختم له بخير ونحو ذلك مما يُقال، لكن إن رأى فيه غير ذلك، نقول: يجب عليه أن يستر وألا يتكلم فيه، لا باسمه ولا بوصفه، فإن بعض المغسلين أو بعض الناس عنده غفلة أحيانًا، يقول: ما ذكرت اسمه لكن يذكر صفه يعرفه الناس أنه يقصد فلانًا فإنه لا يجوز، وقد جاء في الحديث الصحيح عند الحاكم والبيهقي وصححه الحاكم، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَن غسَّلَ مسلِمًا فَكَتمَ علَيهِ غفرَ لهُ اللهُ أربعينَ مرَّةً»(10)، ««مَن غسَّلَ مسلِمًا» هذا في فضل التغسيل، وفي فضل الكتم عليه، يرى شيئًا لا يصوغ، يرى أحيانًا شيء خلقي، هذا عاش ما حد يدري عنه هذا، وهذا اطلع عليه، أو يرى في وجهه ما لا يسر، أو يرى فيه ثقل، أو يرى شيئًا علاه أثناء التغسيل من قتر أو نحو ذلك، نقول: لا ينشر ذلك، فإذا كتم حصل هذا، «مَن غسَّلَ مسلِمًا فَكَتمَ علَيهِ غفرَ لهُ اللهُ أربعينَ مرَّةً»، «ومَن حفرَ لهُ فأجنَّهُ أُجرِيَ علَيهِ كأَجرِ مسكنٍ أسكنَهُ إيَّاهُ إلى يومِ القيامَةِ»(11)، هذا في أجر الأول في التغسيل، والثاني في أجر حافر القبر، إذا احتسب ولم يأخذ على ذلك أجرًا، أو أنه أخذ شيئًا يكفيه لكن في قلبه احتساب ونفع للمسلمين، «فإِنَّه إِذَا حَفرَ لهُ فأجنَّهُ يجرِيَ علَيهِ كأَجرِ مسكنٍ أسكنَهُ إيَّاهُ إلى يومِ القيامَةِ» «ومَن كفَّنَهُ كساهُ اللَّهُ يومَ القِيامةِ مِن سُندسِ وإستبرقِ الجنَّةِ»(12) [الحديث رواه الحاكم والبيهقي وصححه الحاكم على شرط مسلم، ووافقه الذهبي]، قال المنذري في الترغيب، وتبعه الهيثمي في المجمع: رواته محتجٌ بهم في الصحيح، وقال ابن حجر: إسناده قوي، إذن الحديث صحيح وفيه فضل عظيم لمن غسل مسلمًا، ومن كفنه، ومن حفر قبره، والأجر العظيم في التغسيل ومغفرة أربعين مرة، جاء في رواية: «أربعينَ كبيرةٍ»(13)، هذا كله على الإتقان في التغسيل مع الكتم.
رابط الفقرة 18من المسائل المتعلقة بالتغسيل أن المحرم إذا مات يُغَسَّل بماء وسدر ولا يُجعل فيه كافور ولا يُقَرَّب طيبًا مطلقًا، ولا يُلبس إن كان ذكرًا مخيطًا من قميص ونحوه، ولا يغطى رأسه ولا وجهه، رأسه مشهور عند الناس لكن الوجه، جاء في صحيح مسلم: «وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ وَلَا وَجْهَهُ»(14)، وهي زيادة صحيحة، ولهذا نقول المحرم الحي والمحرم الميت لا يغطي وجهه، بعض المحرمين إذا نام أو قبل أن ينام يغطي وجهه باللحاف، يقول: رأسي كاشف، نقول: الصحيح أنه يحرم على المحرم أن يغطي رأسه أو أن يغطي وجهه بقصد، أما كونه نام وسحب اللحاف وهو ما يدري هذا معذور.
رابط الفقرة 19المعتدة لوفاة لو ماتت في العدة؟ هل تُجنب الطيب؟ نقول: لا، فرق بين المحرم فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا، أما هذه مُنعت من الزينة حال حياتها، إذا ماتت انقطعت عدتها فيُفعل بها هذا التغسيل من الطيب والكافور ونحوه، كما يُفعل بغير المعتدة.
رابط الفقرة 20كذلك من المسائل التي تُلحق بهذا، أن شهيد المعركة لا يُغسل ولا يُكفن ولا يُصلى عليه، وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم في شهداء أحد: «أَمَرَ بدَفْنِهِمْ بدِمَائِهِمْ ولَمْ يُغَسِّلْهُمْ»(15) [رواه البخاري]، وفي حديث أبي برزة وفيه قول النبي صلى الله عليه وسلم : «ولكني أفقد جليبيبًا فاطلبوه فقده صلوات ربي وسلامه عليه فسأل الصحابة أن يطلبوه، فطُلب في القتلى فوُجد رضي الله عنه إلى جنب سبعة قتلهم ثم قتلوه، فحُفر له ووضع في قبره ولم يُذكر غسلًا»(16) [رواه الإمام مسلم]، هذا الحديث دليل على فضل هذا الصحابي ورضي الله عنه وأرضاه، وحُق له أن يفقده المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه، أبلى بلاءً حسنًا، قتل سبعًا من المشركين ثم قتلوه، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بدفنه ولم يأمر بغسله، فدل على أن الشهيد في المعركة لا يُغسل، ألحق الحنابلة رحمهم الله بشهيد المعركة كل من قُتل ظلمًا وعدوانًا، فاستدلوا بحديث: «من قُتل دون دينه، دون ماله، دون عرضه فهو شهيد»(17)، والصحيح أنه يُغسل ويُكفن ويُصلى عليه إلا شهيد المعركة، قد جاء في السنة أكثر من أربعين سماهم النبي صلى الله عليه وسلم شهداء، نقول: هؤلاء شهداء في الآخرة من حيث الأجر والثواب، أما في الدنيا فإنها تُجرى عليهم أحكام أهل الحياة الدنيا من حيث التغسيل والتكفين والصلاة.
رابط الفقرة 21من المسائل أن السقط الذي سقط من بطن أمه قبل أن يستكمل إذا بلغ أربعة أشهر، أو نقول: إذا نفخت فيه الروح غُسِّل وصُلي عليه وإن لم يستهل؛ لحديث ابن مسعود: «إنَّ أحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ في بَطْنِ أُمِّهِ أرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذلكَ، ثُمَّ يَكونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذلكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ مَلَكًا فيُؤْمَرُ بأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ»(18) [الحديث متفق عليه]، وفي الحديث الآخر: «والسِّقطُ يُصلَّى عليه، ويُدعى لوالدَيه بالمَغفِرةِ والرَّحمةِ»(19) [رواه الإمام أحمد وأبو داود] وهذه المسألة يكثر سؤال الناس عنها والنساء خاصة، حينما يسقط سقطٌ قبل أن يُستكمل فيرد السؤال في تغسيله وتكفينه وفيما تراه أمه من دم، نقول: هذا السقط إذا نُفخت فيه الروح وتبين فيه خلق آدمي فإنه يجرى عليه أحكام الآدميين من حيث التغسيل والتكفين والصلاة، ويسمى، وإن كانت لم تنفخ فيه الروح ولم يتبين فيه خلق إنسان فإنه لا يفعل له شيء من ذلك، لا يُغسل ولا يُكفن ولا يُصلى عليه ولا يُدفن، إنما يُدفن في أي مكان؛ لأنه لم يتعلق به أحكام الآدميين، ما دام أنه لم يتبين فيه خلق إنسان ولم تنفخ فيه الروح، والدم الذي تراه أمه يعد دم فساد، دم استحاضة فتصلي وتصوم وتفعل ما تفعله الطاهرات، أما السقط الذي نُفخت فيه الروح وتبين فيه خلق إنسان فإن الدم الذي تراه أمه دم نفاس.
رابط الفقرة 22لعلنا نكتفي بهذا القدر، بقي عندنا في الغسل مسألة من يغسل، لكن المؤلف رحمه الله ذكرها عقب التكفين، من أحق بتغسيل الميت، وكذلك سيأتي من أحق بالصلاة عليه.
رابط الفقرة 23وفق الله الجميع لما يحب وأخذ بنواصينا جميعًا للبر والتقوى، ورزقنا الفقه في دينه إنه ولي ذلك والقادر عليه، وبالله التوفيق وصلى الله وسلم وبارك وأكرم وأنعم على خيرة خلقه وأفضل أنبيائه ورسله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
رابط الفقرة 24الحواشي
(1)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه البخاري (1263)، ومسلم (939)، والترمذي (990)، والنسائي (1888) واللفظ له، ولفظ النسائي صححه الألباني في صحيح النسائي (1888).
(2)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه أبو داود (3141)، وابن ماجه (1464) مختصرًا، وأحمد (26306) باختلاف يسير، ولفظ أبي داود أخرجه عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: «لما أرادوا غُسْلَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم قالوا: واللهِ ما ندري، أَنُجَرِّدُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم من ثيابِه كما نُجَرِّدُ موتانا، أم نَغْسِلُه وعليه ثيابُه؟ فلما اختلفوا أَلْقَى اللهُ عليهِم النومَ، حتى ما منهم رجلٌ إلا وذَقْنُه في صَدْرِه، ثم كلمهم مُكَلِّمٌ من ناحيةِ البيتِ، لا يَدْرُون مَن هو: أَنِ اغْسِلُوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم وعليه ثيابُه، فقاموا إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فغَسَّلُوه، وعليه قميصُه يَصُبُّون الماءَ فوق القميصِ ويُدَلِّكُونه بالقميصِ، دون أَيْدِيهِم ، وكانت عائشةُ تقولُ: لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ ما غسله إلا نساؤُه»، والحديث بهذا اللفظ صحح إسناده الألباني في أحكام الجنائز (66).
(3)
العودة إلى موضع الحاشيةلم أجد من خرج هذا اللفظ.
(4)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه البخاري (1254)، ومسلم (939).
(5)
العودة إلى موضع الحاشيةلم أجد من خرجه.
(6)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه البخاري (1263).
(7)
العودة إلى موضع الحاشيةتم تخريجه سابقًا.
(8)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه أبو داود (3207)، وابن ماجه (1616)، وأحمد (24739) باختلاف يسير، والبيهقي (7329) مختصرًا، والحديث صححه الألباني في إرواء الغليل (763).
(9)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه البخاري (1254)، ومسلم (939).
(10)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه الألباني وصححه على شرط مسلم في أحكام الجنائز (69).
(11)
العودة إلى موضع الحاشيةنفس المرجع السابق.
(12)
العودة إلى موضع الحاشيةنفس المرجع السابق.
(13)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه ابن حجر في الدراية تخريج أحاديث الهداية (1/230) وقال عنه: إسناده قوي ونحوه لكن خرج من خطيئته، وإسناده واه، وقال عنه المنذري في الترغيب والترهيب (4/257): رواته محتج بهم في الصحيح، ولكن قال عنه الألباني في السلسلة الضعيفة (6781): شاذ بلفظ كبيرة.
(14)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه البخاري (1265)، ومسلم (1206).
(15)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه البخاري (1347).
(16)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه مسلم (2472) عن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَكِنِّي أَفْقِدُ جُلَيْبِيبًا؛ فَاطْلُبُوهُ، فَطُلِبَ في القَتْلَى، فَوَجَدُوهُ إلى جَنْبِ سَبْعَةٍ قدْ قَتَلَهُمْ، ثُمَّ قَتَلُوهُ، فأتَى النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم فَوَقَفَ عليه، فَقالَ: قَتَلَ سَبْعَةً، ثُمَّ قَتَلُوهُ، هذا مِنِّي وأنا منه، هذا مِنِّي وأنا منه، قالَ: فَوَضَعَه علَى ساعِدَيْهِ ليسَ له إلَّا سَاعِدَا النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، قالَ: فَحُفِرَ له وَوُضِعَ في قَبْرِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ غَسْلًا».
(17)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه أبو داود (4772)، والترمذي (1421) عن سعيد بن زيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قُتِلَ دونَ مالِهِ فَهوَ شَهيدٌ ومن قتلَ دونَ دينِهِ فَهوَ شَهيدٌ ومن قتلَ دونَ دمِهِ فَهوَ شَهيدٌ ومن قتلَ دونَ أَهلِهِ فَهوَ شَهيدٌ»، والحديث صححه الألباني في صحيح الترمذي (1421).
(18)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه البخاري (3208)، ومسلم (2643) باختلاف يسير.
(19)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه أبو داود (3180)، والترمذي (1031)، والنسائي (1942)، وابن ماجة (1031)، والحديث صححه الألباني على شرط البخاري في إرواء الغليل (3/170).