تجاوز إلى المحتوى

شرح عمدة الفقه

الدرس الأربعون — كِتَابُ الجَنَائِزِ

ملفات PDF ١ ملف

دروس جامع الموسى كاملاعرض PDF ↗تنزيل PDF٤٫١ م.ب
الفقرة ١ من ٢٠

النص المقروء

عناوين هذا الدرس
  1. الدَّرْسُ الْأَرْبَعُون
  2. كِتَابُ الجَنَائِزِ

[الدَّرْسُ الْأَرْبَعُون]

رابط الفقرة 1

[كِتَابُ الجَنَائِزِ]

رابط الفقرة 2

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك وأكرم وأنعم على خيرة خلقه وأفضل أنبيائه ورسله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.

رابط الفقرة 3

أما بعد؛ أيها الأخوة والأخوات سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وحياكم الله في الدرس الاربعون من شرح عمدة الفقه للإمام الموفق «ابن قدامة رحمه الله »، ولا يزال الحديث في كتاب الجنائز، وقد انتهينا إلى مسائل تتعلق بالدفن.

رابط الفقرة 4

قال رحمه الله :

رابط الفقرة 5

وَيُسْتَحَبُّ دَفْنُ المَيِّتِ فِيْ لَحْدٍ، وَيُنْصَبُ عَلَيْهِ اللَّبِنُ نَصْبًا، كَمَا صُنِعَ بِرَسُوْلِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، وَلا يُدْخِلُ الْقَبْرَ آجُرًّا وَلا خَشَبًا، وَلا شَيْئًا مَسَّتْهُ النَّارُ.

رابط الفقرة 6

هذا ما ذكره المؤلف فيما يتعلق بالدفن، ثم ذكر بعده مسائل تتعلق بالتعزية والبكاء نؤجلها للدرس القادم، إذن ذكر رحمه الله أنه يستحب دفن الميت في لحدٍ، وأن يُنصب عليه اللبن نصبًا؛ لقول سعد بن مالك رضي الله عنه : «الحَدُوا لي لَحْدًا، وَانْصِبُوا عَلَيَّ اللَّبِنَ نَصْبًا، كما صُنِعَ برَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم »()، كما ذكر رحمه الله أنه لا يُدخل القبر شيئًا مسته النار ولا خشبًا ولا آجرًا، روي عن إبراهيم النخعي قال: كانوا يستحبون اللبن ويكرهون الخشب والآجر وما مسته النار؛ من باب التفاؤل ألا يمس الميت نار، هذا ما ذكره رحمه الله وعندنا في ذلك مسائل كثيرة:

رابط الفقرة 7

أولًا: اللحد أفضل من الشق، قال ابن هبيرة رحمه الله : واتفقوا على أن السنة اللحد، وأن الشق ليس بسنة، والصحيح من قولي أهل العلم أن كلًا من اللحد والشق جائز لكن اللحد أفضل، قال النووي رحمه الله : أجمع العلماء على أن الدفن في اللحد والشق جائزان، إذن الصحيح أنه يجوز هذا وهذا، لكن اللحد أفضل إلا إذا دعت الحاجة للشق، ودليل ذلك حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم كان بالمدينة رجل يُلحد وآخر يضرح، فقالوا: نستخير ربنا ونبعث إليهما، فأيهما سبق تركناه يعني تركناه يصنع، إن تقدم وسبق الذي يلحد، يعني يجعل في القبر لحدًا فإننا نجعله يحفر للنبي صلى الله عليه وسلم قبرًا ويجعل فيه لحدًا، وإن سبق الذي يضرح أي يشق فمكناه من ذلك، فسبق صاحب اللحد فلحدوا للنبي صلى الله عليه وسلم »() [أخرجه الإمام أحمد وابن ماجة والطحاوي، وحسنه الحافظ ابن الحجر في التلخيص] فدل ذلك على أنه معروف في زمن النبي صلى الله عليه وسلم الشق واللحد لكن اللحد أفضل.

رابط الفقرة 8

ما هو اللحد؟ اللحد في اللغة الميل، وأما المراد باللحد هنا فهو أن يُحفر القبر، فإذا بلغ قرار القبر ومنتهى الحفر الذي يريده حفر في حائط القبر مما يلي القبلة ما يسع الميت، وكونه مما يلي القبلة أفضل، إذن يُحفر القبر قدر نصف القامة أو أكثر أو أقل كما سيأتي في السنة، فإذا وصل إلى القاع وإلى القرار حفر في جهة القبلة حفرًا يمكن أن يسع الميت ويدخل فيه الميت، هذا هو اللحد الذي جاءت به السنة، وأما الشق فهو أن يُحفر في وسط القبر كالنهر ويبنى جانباه باللبن أو غيره مما لا يكره إدخاله في القبر، أو يشق وسطه أي القبر فيصير كالحوض ثم يوضع فيه الميت ثم يسقف بأحجار ويرفع بحيث لا يمس الميت، قال: إن تدعو إليه الحاجة في الأرض الرملية والتراب الذي ينهار لا يستطيعون أن يحفروا لحدًا وكلما حفروا لحدًا انهال عليهم التراب يلجأون إلى الشق، فإن كانت الأرض رخوة لا يثبت فيها اللحد فإنهم يعدلون إلى الشق، وأما إذا أمكن اللحد فإنه السنة والأفضل، وربما يعالجون هذا الانهيار فيضعون لحدا مصنوعًا.

رابط الفقرة 9

قال رحمه الله : (وَلا يُدْخِلُ الْقَبْرَ آجُرًّا وَلا خَشَبًا، وَلا شَيْئًا مَسَّتْهُ النَّارُ) قال ابن هبيرة رحمه الله في الإفصاح: وأجمعوا -أي أهل العلم- على استحباب اللبن والقصب في القبر وكراهة الآجر والخشب؛ لأن الآجر مما مسته النار، فينبغي ألا يُدخل في القبر شيء مسته النار، والحجارة التي على طبيعتها لم تمس النار، لكن الخزف والآجر والخشب ونحوه مما مسته النار لا ينبغي أن يدخل في القدر؛ تفاؤلًا بسلامة هذا المقبور من النار، أسأل الله أن يجيرني وإياكم ووالدينا من النار، السنة أن يوسع ويُعمق القبر بلا حد، ويكفي ما يمنع السباع والرائحة، إذن السنة أنه يُعمق ما استطاع، لكن إذا قال ما الحد الذي لا بد منه؟ نقول: الحد الذي لا بد منه ما يمنع خروج رائحة الميت للأحياء، أو وصول السباع والكلاب إلى الميت ونبشه، وفي حديث هشام بن عامر مرفوعًا، قال النبي صلى الله عليه وسلم : «احفُروا، وأَوْسِعُوا، وأَعْمِقُوا، وأَحْسِنُوا»() [رواه الإمام أحمد وأصحاب السنن، وصححه الترمذي]، وفي الحديث الآخر قال صلى الله عليه وسلم : «أوْسِعْ مِن قِبَلَ الرَّأسِ، وأوْسِعَ مِن قِبَلَ الرِّجْلَينِ»() [رواه الإمام أحمد وأبو داود، وصححه النووي] فدل على أن السنة التوسيع والتعميق، والجمهور من أهل العلم على أنه يعمق بلا حد، قالوا: المجزئ ما يمنع الرائحة والسبع لكنه ليس ثمة حدٌ، إذ المستحب أن يوسع ويعمق كما جاء في السنة في أمره صلى الله عليه وسلم في الحديثين السابقين، بعض أهل العلم كالحنفية قالوا: يُحفر بقدر نصف قامة الرجل، وجاء عن عمر بن عبد العزيز والنخعي: أنه يُحفر إلى السرة، يعني قدر وقوف الرجل إلى سرته، وجاء عن الفاروق عمر رضي الله عنه : أنه يعمق قامة وبسطة، إلا أن الظاهر والعلم عند الله تعالى ما ذهب إليه الجمهور وهو عدم التحديد، فيُرجع إلى ما يحصل به المقصود؛ لأنه لم يرد فيه تقديرٌ شرعًا فيحقق ما يحصل به المقصود وهو أن يمنع الرائحة والسباع، والأرض تختلف فمن الأراضي ما يكون صلبًا صعب الحفر فيُتكفى فيه بأقل ما يحصل به منع رائحته ومنع السباع من نبشه، وقد تكون الأرض ترابية سهلة رخوة فربما يوسع فيها أكثر.

رابط الفقرة 10

حمل الميت ودفنه فيه مسائل، أولًا: حمل الميت الذي يسبق الدفن، نقول: سنة، فرض كفاية مثل الدفن؛ لأنه لا يتم الدفن إلا به، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فيجب على المسلمين بعد الصلاة على الميت أن يحملوا ميتهم، ويجب عليهم أن يدفنوه، والأصل في الدفن ومشروعيته قول الله جل شأنه وتقدس اسمه: ﴿ أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلْأَرْضَ كِفَاتًا ٢٥ أَحْيَآءًۭ وَأَمْوَٰتًۭا ٢٦ ﴾ [المرسلات]، وقوله جل شأنه وتقدس اسمه: ﴿ ثُمَّ أَمَاتَهُۥ فَأَقْبَرَهُۥ ٢١ ﴾ [عبس]، كما دل على ذلك السنة والإجماع.

رابط الفقرة 11

من المسائل المتعلقة بدفن الميت، أنه يستحب تغطية نعش المرأة بمكبة من خشب أو جريد أو قصب كالقبة تجعل فوق ثوبها، وقيل: إن أول من غُطي بهذه المكبة فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنها، وقيل: بل أول من وُضعت لها المكبة زينب بنت جحش أم المؤمنين رضي الله عنهما ، وعلى كلٍ نقول: هذه سنة، وهذا من كمال الصيانة للمرأة ألا يرى الرجال تقاطيع جسمها وهي جثة، وهي قد كُفنت بخمسة أثواب كما تقدم، ومع ذلك يُجعل على النعش ما يرفع عن جسمها الغطاء، فلا يدري الرجال وهم يحملونها عن طولها ولا عرضها ولا سمنها ولا خفتها ولا أي شيء في جسمها، وهذا من كمال الرعاية والصيانة للمرأة وهي ميتة، فكيف يكون حال المرأة وهي حية وهي أشد فتنة حينما تلبس الملابس الضيقة وتخرج في الأسواق، ويمشي معها محرمها ولا يبالي من هذه الألبسة الفاتنة المشققة والمزخرفة والمزركشة والعبايات التي تحتاج إلى عبايات، لا شك أن هذا لباس فتنة لم تأتِ به الشريعة ولا تقره، إذا كانت الميتة وهي ميتة يوضع على نعشها مكبة لا يرى الرجال تقاطيع جسمها، فالحية أولى ثم أولى، وسيأتي عند الدفن أيضًا أن السنة أن يغطى قبر المرأة حتى يُلحد، ينزل محارمها إن تيسروا ويُجعل على القبر قماشًا يستر في فترة نقلها فقط من سرير النعش إلى وضعها في اللحد، ما يرى الرجال الذين عند القبر ويشيعونه ما يرون جسمها وهو مغطى، وهذا كله من تمام الصيانة للمرأة المسلمة.

رابط الفقرة 12

كما يسن الإسراع بالمشي بالجنازة وهذه سنة متفق عليها، قال النووي رحمه الله : اتفق العلماء على استحباب الإسراع بالجنازة إلا أن يُخاف من الإسراع انفجار الميت أو تغيره ونحوه فيتأنى، لكن لا يكون الإسراع الشديد الذي يشق على ضعفة من يتبعها، إذن السنة جاءت بالإسراع، فلا يسرعون ويهرولون فربما تسقط الجنازة من شدة الإسراع، وربما يصعب على الضعيف في المشي أن يتبعها، فنقول: يسرع لكن بقدر، ولا يمشي مشي الهوينا، الدبيب الذي هو من فعل أهل الكتاب، قال ابن القيم رحمه الله : وأما دبيب الناس اليوم خطوة فبدعة مكروهة مخالفة للسنة متضمنة للتشبه بأهل الكتاب اليهود، وفي الصحيحين يقول صلى الله عليه وسلم : «أَسرعِوا بالجنازةِ، فإن تكُ صالحةً فخَيرٌ تُقدِّمونها إليه، وإن تكُ سوى ذلك فشرُّ تضعَونه عن رِقابِكم»()، إذن السنة الإسراع مع التوسط، مع عدم المشقة على المشيعين، وأيضًا الميت له حرمة فينبغي الحفاظ عليه حتى يصل بدون أن يسقط أو يتأثر وكأنه حي.

رابط الفقرة 13

كما أن من السنة أن يكون المشاة الذين يشيعون الجنازة أمام الجنازة يتقدمونها، وأما الركبان فيكونون خلفها هذا هو السنة، وإن كان الصحيح كما سيأتي أن المشاة يمشون أمامها وخلفها وعن يمينها وشمالها، المقصود أنهم يكونون محيطين بها، قال ابن المنذر: «ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر رضي الله عنهما كانوا يمشون أمام الجنازة»() [أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة] لكن الأمر في ذلك واسع، إذ ينبغي أن يكون الماشين قريبين منها؛ لحديث المغيرة بن شعبة مرفوعًا: «الرَّاكِبُ يسيرُ خلفَ الجَنازةِ، والماشي -حيث شاء منها-، خلفَها، وأمامَها، وعن يمينِها، وعن يسارِها قريبًا مِنها»() [رواه الإمام أحمد وأصحاب السنن، وصححه الترمذي والحاكم على شرط البخاري ووافقه الذهبي] إذن نقول: المشاة لا حرج يمشون من أي جهة كانوا، لكن الراكب ينبغي أن يكون خلفها.

رابط الفقرة 14

حكم الركوب في تشييع الجنائز؟ ومثل ذلك أيضًا إركاب الجنازة في وسائل النقل، مثل السيارات اليوم والدواب قديمًا، ما حكم ذلك؟ قالوا: يكره الركوب لغير حاجة، هذا مذهب جمهور العلماء، المالكية والشافعية والحنابلة يقولون: يكره الركوب لغير حاجة، يعني إذا كانت المقبرة قريبة مثل ما كان في مقبرة جامع الملك خالد، مقبرة مجاورة للمسجد فالسنة للجميع أن يمشي، وبعض المقابر مثلها تكون قريبة نصف كيلو أو كيلو أو دون ذلك، فالسنة تشييعها على الرقاب والمشي وعدم إركابها، وفي حديث ثوبان رضي الله عنه قال: «إنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، أُتِيَ بدابَّةٍ وَهوَ معَ الجَنازةِ فأبى أن يركبَها، فلمَّا انصرفَ أُتِيَ بدابَّةٍ فرَكِبَ، فقيلَ لَهُ، فقالَ: إنَّ الملائِكَةَ كانت تمشي، فلم أَكُن لأركبَ وهو يمشونَ، فلمَّا ذَهَبوا رَكِبْتُ»() [الحديث أخرجه أبو داود والحاكم والبيهقي، وصححه الحاكم على شرطهما، ووافقه الذهبي وصححه الألباني] لكن إن دعت الحاجة للركوب فلا كراهة، فضلًا أن يُوصف الركوب أو حمل الجنازة بالبدعة كما فعل بعضهم -عفا الله عنه وغفر له ورحمه- وهو إمام من أئمة السنة الألباني رحمه الله يرى أن ركوب الجنازة في السيارات ونقلها بدعة، نقول: سبحان الله، كيف يكون بدعة؟ يقال: السنة المشي إذا تيسر، لكن إذا كانت المقبرة مثل مقابر الناس اليوم في المدن، تكون أحيانًا خارج المدينة ربما كيلوات بين أقرب مسجد، فنقول: لا حرج ولا يُقال بالكراهة فضلًا أن يقال بالبدعة، فالبدعة أمرٌ عظيمٌ ومنكرٌ شنيعٌ، هي أكبر من كبائر الذنوب، فكيف نصف مثل هذا الفعل الذي يحتاجه الناس اليوم بالبدعة، نقول: لا بدعة في هذا، إنما إن تيسر المشي فهو أفضل، وإن لم يتيسر فيركبون، ومثل ذلك الجنازة إذا كان المشي بها على الأعناق يشق على الناس، إما لبعد المسافة وإما لحرارة الجو كما يكون في الصيف، وإما لثقل الميت أو لغير ذلك من الاعتبارات، فالصحيح أنه لا حرج في الركوب للمشيعين، وكذلك نقل الجنازة في سيارة ونحوها.

رابط الفقرة 15

من المسائل أنه يُكره جلوس تابع الجنازة حتى توضع في الأرض للدفن، بعض الناس يسبق وهم ركبان أحيانًا، يسبقون ويصلون قبل وصول الجنازة، فالسنة لمن وصل قبل أن تصل الجنازة أن يقف ينتظرها حتى تصل إلا إذا شق عليه ذلك، فإن كان يسير وتعب من المسير والمشقة، فنقول حينئذ: لا حرج أن يجلس، في الحديث الصحيح المتفق عليه: «مَن تَبِعَ جِنازةً فلا يَجلِسْ حتى تُوضَعَ»() [الحديث متفق عليه] لكن إذا دعت الحاجة بأن تعب أو شق عليه أو كان رجلًا ثقيلًا أو مريضًا أو كبير سن، أو هو أصلًا أتى ربما محمولًا على كرسي ونحوه، فنقول: لا حرج على هذا كله، في حديث البراء قال: «خَرَجْنا معَ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم في جِنازةِ رَجُلٍ مِن الأنْصارِ، فانْتَهَيْنا إلى القَبْرِ ولمَّا يُلحَدْ بَعْدُ -يعني ما جهز القبر- فجَلَسَ رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مُسْتقبِلَ القِبْلةِ، وجَلَسْنا معَه»() [الحديث رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي، وصححه الحاكم على شرطهما ووافقه الذهبي وصححه ابن القيم] فدل ذلك على أنه يجوز إذا دعت الحاجة أن يجلس ينتظر الوصول، لكن السنة لمن كان شبابًا نشيطًا ووصل، نقول: انتظر وأنت قائم لأن السنة دلت على هذا، وجاء فيها النهي عن الجلوس لمن وصل.

رابط الفقرة 16

من المسائل أيضًا، حكم القيام للجنازة إذا جاءت أو مرت به وهو جالس، هل السنة أن يقوم حتى تمر الجنازة أو السنة أن يبقى جالسًا، ذهب الأئمة الأربعة إلى كراهة القيام إذا مُر بالجنازة، وقالوا: إن الأمر بالقيام منسوخ، واستدلوا بحديث علي رضي الله عنه قال: «قام رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم للجِنازةِ، فقُمْنا، ثُم جلَس فجلَسْنا»() [رواه الإمام مسلم]، وفي لفظٍ عند الإمام أحمد والطحاوي وابن حبان في صحيحه: «كانَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أمَرَنا بالقِيامِ في الجِنازةِ، ثُمَّ جَلَسَ بَعْدَ ذلك، وأمَرَنا بالجُلوسِ»()، إذن ذهب الجمهور الأئمة الأربعة إلى أن السنة عدم القيام، وذهب الإمام أحمد في رواية ثانية: أن القيام لها مستحب وليس بمنسوخ، وبه قال النووي من الشافعية، وشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم من الحنابلة وغيرهم من المحققين، واستدلوا على ذلك بجملة من السنة من الأحاديث الواردة الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقالوا: إن هذا لا يدخله النسخ؛ لأن المعنى موجود، مما استدلوا به حديث عامر بن ربيعة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا رَأَيْتُمُ الجَنازَةَ فَقُومُوا لَها، حتَّى تُخَلِّفَكُمْ أوْ تُوضَعَ»() [الحديث متفقٌ عليه] هذا أمر، وفي الصحيحين، «إذا رَأَيْتُمُ الجَنازَةَ فَقُومُوا لَها، حتَّى تُخَلِّفَكُمْ أوْ تُوضَعَ»، يعني حتى توضع على الأرض أو تتجاوزكم؛ ولحديث سهل بن حنيف وقيسٍ: «إنَّ رَسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَرَّتْ به جِنَازَةٌ، فَقَامَ فقِيلَ: إنَّه يَهُودِيٌّ، فَقالَ: أَليسَتْ نَفْسًا»() [الحديث متفق عليه] يعني فقام مع أنها جنازة يهودي، فمن باب أولى جنازة أهل الإسلام، وفي حديث أبي هريرة عند ابن ماجة: «إِنَّ للموتِ فَزَعًا»()، وهذا هو القيام، سببه الفزع من الموت وهول الموت، وفي حديث ابن عمر عند أحمد وابن حبان والحاكم: «إنَّما تَقومون إعظامًا لِلَّذي يَقبِضُ النُّفوسَ»() يعني مو بتعظيم للميت نفسه وإنما تعظيم لمن يقبض النفوس، وأيضًا فزع من الموت، وتعليله صلى الله عليه وسلم يدل على بقاء مشروعيته وأنها غير منسوخة وهذا هو الصحيح، اليوم يندر أن تُمر أو يمر بالجنازة والناس جلوس، لكن بعد الصلاة بعد صلاة الفرائض في المساجد التي يكون فيها الجنائز يُفتح الباب للصلاة، فبعض الناس يجلس حتى يكبر الإمام، نقول: السنة أن تقوم، إذا فُتح الباب الفاصل بين المصلين وبين الجنائز وهي مصفوفة فإن السنة أن تقوم؛ تعظيمًا للموت وفزعًا له، وتُطبق هذه السنة التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم كأنه مُرَّ بالجنازة، الآن الجنازة كنا نصلي والباب مغلقًا، أما وقد فتح الباب فنقوم ولا ينتظر الإنسان حتى يقول الإمام: الله أكبر أو يقول الصلاة على كذا وكذا، نقول: قم، متى فُتح الباب فقم تطبيقًا لهذه السنة.

رابط الفقرة 17

من المسائل أيضًا أنه يحرم على النساء اتباع الجنائز، وعندنا مسألة زيارة القبور ستأتي، واتباع الجنائز مسألة وهي أنه يحرم على المرأة أن تتبع الجنازة، يعني تمشي إلى الدفن ولو لم تدخل المقبرة، لو قالت: أنا أتبع الجنازة حتى أقف عند سور المقبرة، فجمهور العلماء على تحريم ذلك كما قال ذلك الآجري والمرداوي وأبو المعالي، قال أبو حفصٍ: هو بدعة أي اتباع الجنائز من قبل النساء، يطردن يطردن فإن رجعن وإلا رجع الرجال بعد أن يحثوا على أفواههن التراب، هذا هو منهج السلف في الإنكار على هذه البدعة واتباع النساء الجنائز، ومما يدل على التحريم حديث عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة بنته رضي الله عنهما : «لو بلغتِ معَهُمُ الكُدى ما رأيتِ الجنَّةَ حتَّى يراها جدُّ أبيكِ»() [أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي] فهذا انكار عظيم، يقول: لو أنت اتبعتِ حتى تصلين لهذه المنطقة اتباعًا للجنائز «مَا رأيتِ الجنَّةَ حتَّى يراها جدُّ أبيكِ»، وجد أبيها لن يرى الجنة؛ لأنه مات على غير الملة، وفي حديث علي رضي الله عنه قال: «خرج رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فإذا نِسوةٌ جُلوسٌ قال: ما يُجلِسُكنَّ؟ قلن: ننتظرُ الجِنازةَ، قال: هل تُغسِّلن؟ قلن: لا، قال : هل تحمِلن؟ قلن: لا، قال: هل تُدلين فيمن يُدلي؟ قلن: لا، قال: فارجِعْن مأزوراتٍ غيرَ مأجوراتٍ»() [رواه ابن ماجة]، إذن هذه أحاديث وإن كان في بعضها شيء من الضعف لكن مجموعها يقوي المنع البات من اتباع النساء للجنائز، فضلًا عن دخول المقبرة أو زيارة المقبورين، وأما حديث أم عطية الذي يحتج به بعض من يبيح ذلك، وهو قولها رضي الله عنها : «نُهِينَا عَنِ اتِّبَاعِ الجَنَائِزِ، ولَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا»() [الحديث متفق عليه] إذن أم عطية رضي الله عنهما وكانت من المغسلات في زمن النبي كما تقدم، تقول: نهينا عن أتباع الجنائز، من هو الناهي؟ هو الرسول صلى الله عليه وسلم ، وهذا يأخذ حكم المرفوع، ثم قالت: ولم يعزم علينا، نقول: هذا اجتهادٌ منها رضي الله عنهما ، فهل نترك النهي لقول أم عطية أنها لم يعزم علينا فإنه يعني ليس النهي الشديد؟ نقول: لا، بل نأخذ بأصل النهي نهينا، والأصل في النهي إذا جُرِّد عن القرائن أنه يفيد التحريم، فظاهره التحريم، وأما قولها رضي الله عنهما : ولم يعزم علينا فهو اجتهاد منها رضي الله عنها تثاب عليه لكن لا يقتدى بها فيه.

رابط الفقرة 18

قال ابن الحاج في المدخل: ونختم بهذا النقل العظيم الذي يدل على عظم المسألة وشأنها، وأنه لا يجوز لأهل الإسلام أن يقروا النساء على اتباع الجنائز ولا زيارة القبور، وأن من يقول بذلك ليس فيه غيرة إيمانية، قال ابن الحاج رحمه الله : واعلم أن الخلاف المذكور في نساء ذلك الزمان، نساء الصحابة والتابعين، وأما خروجهن في هذا الزمان فمعاذ الله أن يقول أحد من العلماء أو من له مروءة أو غيرة في الدين بجواز ذلك، عجيب هذا الكلام كأنه يرى أنه سيأتي بعض طلاب العلم أو أدعياء العلم حقيقة، نقول: أدعياء العلم، الذين ينادون الآن ويطالبون وكأنهم يطالبون بسنة، يقول: يجب إقرار النساء على حضور الجنائز واتباع الجنائز وزيارة القبور ولا يمنعن، نقول: سبحان الله، هذا إفكٌ مفترى وهذا بهتان عظيم، وهذا كذب على الشريعة وادعاء أن ذلك سنة، والنصوص واضحة في منعه والزجر عنه، ولهذا ابن الحاج يقول: إن وجد خلاف قديم فهو في نساء الصحابة والتابعين الذين هم أقرب النساء إلى التدين والصيانة والبعد عنه النياحة، يقول: وأما خروجهن في هذا الزمان قبل قرون فمعاذ الله أن يقول أحد من العلماء أو من له مروءة أو غيرة في الدين بجواز ذلك، يعني يقول ما يمكن أن يصدر عن عالم معتبر وله مروءة أو غيره في الدين يقول بجواز ذلك، ولأن اتباع النساء الجنائز وسيلة إلى المحظور من النياحة ونحوها، والشارع الحكيم أغلق الباب وسد الذرائع، فإن المرأة إذا شيعت دخلت، وإذا دخلت بكت وناحت وولولت، وهذا أمر معروف، ولهذا يوصد الباب ويُلتزم بالسنة.

رابط الفقرة 19

نسأل ربنا أن يوفقنا لما يحب ويرضى، وأن يأخذ بنواصينا للبر والتقوى، وأن يرزقنا الفقه في دينه والعمل به إنه قريب مجيب ودود وبالله التوفيق، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

رابط الفقرة 20

الحواشي

  1. (1)

    أخرجه مسلم (966).

    العودة إلى موضع الحاشية
  2. (2)

    أخرجه ابن ماجه (1557)، وأحمد (12415) عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: «لمَّا توفِّيَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كانَ رجلٌ يَلحَدُ وآخرُ يَضرَحُ، فقالوا: نستخيرُ ربَّنا، ونبعثُ إليهِما، فأيُّهما سبَقَ ترَكناهُ، فأُرسِلَ إليهما، فسبقَ صاحبُ اللَّحدِ، فلحدوا لَه»، والحديث صححه الألباني في صحيح ابن ماجة (1274).

    العودة إلى موضع الحاشية
  3. (3)

    أخرجه الترمذي (1713)، والنسائي (2011) واللفظ له، وأحمد (16254)، والحديث صححه الألباني على شرط الشيخين في أحكام الجنائز (181).

    العودة إلى موضع الحاشية
  4. (4)

    أخرجه أبو داود (3332) مطولًا بنحوه، وأحمد (23465) واللفظ له، والحديث صححه الألباني في إرواء الغليل (744).

    العودة إلى موضع الحاشية
  5. (5)

    أخرجه البخاري (1315)، ومسلم (944).

    العودة إلى موضع الحاشية
  6. (6)

    أخرجه أبو داود (3179)، والترمذي (1007)، وابن ماجه (1482) عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: «رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، وأبا بكرٍ وعمرَ يمشونَ أمامَ الجنازةِ»، والحديث صححه الألباني في صحيح الترمذي (1007).

    العودة إلى موضع الحاشية
  7. (7)

    أخرجه أبوداود (3180)، والترمذي (1031)، والنسائي (1942)، وابن ماجة (1031) باختلاف يسير، والحديث صححه الألباني على شرط البخاري في إرواء الغليل (3/170).

    العودة إلى موضع الحاشية
  8. (8)

    أخرجه أبو داود (3177)، وصححه الألباني في صحيح أبي داود (3177).

    العودة إلى موضع الحاشية
  9. (9)

    أخرجه البخاري (1310)، ومسلم (959)، والترمذي (1043)، والنسائي (1917)، وأحمد (11810) واللفظ له.

    العودة إلى موضع الحاشية
  10. (10)

    أخرجه أبو داود (4753)، وأحمد (18557) باختلاف يسير، والنسائي (2001)، وابن ماجه (1549)، وهذا اللفظ صححه الألباني في أحكام الجنائز (198).

    العودة إلى موضع الحاشية
  11. (11)

    أخرجه مسلم (962)، وأبو داود (3175)، والترمذي (1044)، والنسائي (1999)، وابن ماجه (1544) باختلاف يسير، وأحمد (1094) واللفظ له.

    العودة إلى موضع الحاشية
  12. (12)

    أخرجه مسلم (962)، وأبو داود (3175)، والترمذي (1044)، والنسائي (1999) بمعناه، وأحمد (623) واللفظ له.

    العودة إلى موضع الحاشية
  13. (13)

    أخرجه البخاري (1307)، ومسلم (958).

    العودة إلى موضع الحاشية
  14. (14)

    أخرجه البخاري (1312)، ومسلم (961).

    العودة إلى موضع الحاشية
  15. (15)

    أخرجه البخاري (1311)، ومسلم (960).

    العودة إلى موضع الحاشية
  16. (16)

    أخرجه أحمد (6573) واللفظ له، وعبد بن حميد في المسند (340)، والحارث في المسند (271)، وحسن إسناده أحمد شاكر في تخريج المسند (10/79)، وصححه شعيب الأرناؤوط في تخريج المسند (6573).

    العودة إلى موضع الحاشية
  17. (17)

    أخرجه أبو داود (3123)، والنسائي (1880)، وأحمد (7082)، والحديث صححه الحاكم على شرط الشيخين في المستدرك (1401)، وحسنه ابن القطان في الوهم والإيهام (5/618)، وحسن إسناده أحمد شاكر في تخريج المسند (12/35).

    العودة إلى موضع الحاشية
  18. (18)

    أخرجه ابن ماجه (1578) واللفظ له، والبزار (653)، وابن شاهين في ناسخ الحديث (311) باختلاف يسير، والحديث ضعف إسناده النووي في خلاصة الأحكام (2/1004)، وضعفه الألباني في ضعيف ابن ماجة (308).

    العودة إلى موضع الحاشية
  19. (19)

    أخرجه البخاري (1278)، ومسلم (938).

    العودة إلى موضع الحاشية