تجاوز إلى المحتوى

شرح عمدة الفقه

الدرس الحادي والأربعون — كِتَابُ الجَنَائِزِ

ملفات PDF ١ ملف

دروس جامع الموسى كاملاعرض PDF ↗تنزيل PDF٤٫١ م.ب
الفقرة ١ من ٢٥

النص المقروء

عناوين هذا الدرس
  1. الدَّرْسُ الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ
  2. كِتَابُ الجَنَائِزِ

[الدَّرْسُ الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ]

رابط الفقرة 1

[كِتَابُ الجَنَائِزِ]

رابط الفقرة 2

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على البشير النذير والسراج المنير نبينا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.

رابط الفقرة 3

أما بعد؛ أيها الأخوة الأحبة سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وحياكم الله في الدرس الحادي والأربعون من شرح عمدة الفقه للإمام «موفق الدين ابن قدامة رحمه الله ».

رابط الفقرة 4

قال رحمه الله في آخر كتاب الجنائز:

رابط الفقرة 5

وَيُسْتَحَبُّ تَعْزِيَةُ أَهْلِ المَيِّتِ، وَالْبُكَاءُ عَلَيْهِ غَيْرُ مَكْرُوْهٍ، إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ نَدْبٌ وَلا نِيَاحَةٌ، وَلا بَأْسَ بِزِيَارَةِ الْقُبُوْرِ لِلرِّجَالِ، وَيَقُوْلُ إِذَا مَرَّ بِهَا أَوْ زَارَهَا: سَلامٌ عَلَيْكُمْ أهْلَ دَارِ قَوْمٍ مُؤْمِنِيْنَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لاحِقُوْنَ، اللهُمَّ لا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُمْ، وَلا تَفْتِنَّا بَعْدَهُمْ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُمْ، نَسْأَلُ اللهَ لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ، وَأَيُّ قُرْبَةٍ فَعَلَهَا، وَجَعَلَ ثَوَابَهَا لِلْمَيِّتِ المُسْلِمِ، نَفَعَهُ ذلِكَ.

رابط الفقرة 6

هذا المبحث في التعزية وزيارة القبور فيه مسائل عدة:

رابط الفقرة 7

أولًا: ذكر رحمه الله أن التعزية مستحبة، واستدل عليها بما جاء عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَن عَزَّى مصابًا فله مِثْلُ أجرِه»() لكن الحديث فيه ضعف، وأصل التعزية التأسية لمن يصاب بمن يعز عليه، وهو أن يُقال لمن أصيب بمن يعز عليه تعزَّ بعزاء الله، وعزاء الله هو قوله جل شأنه وتقدس اسمه: ﴿ ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَـٰبَتْهُم مُّصِيبَةٌۭ قَالُوٓا۟ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ ١٥٦ ﴾ [البقرة]، وأصل العزاء الصبر، عزيت فلانًا أمرته بالصبر، والتعزية مشروعة لمن أصيب وإلا لم تُشرع، قد يموت ميت لإنسان لكنه ما أُصيب ولا ظهر عليه أي أثر من آثار الحزن، فهذا لا يُعزى، إذن التعزية مشروعة لمن أصيب وإلا فإنها لا تشرع.

رابط الفقرة 8

حكمها: سنة لعموم الأخبار، منها حديث ابن مسعود هذا: «مَن عَزَّى مصابًا فله مِثْلُ أجرِه»() [لكنه ضعيف جدًا، أخرجه الترمذي وابن ماجه والبيهقي وفيه ضعفٌ شديدٌ] ومنها ما رواه ابن ماجة عن عمرو بن حزم مرفوعًا: «مَا مِن مُؤمنٍ يُعزِّي أخاهُ بمُصيبةٍ، إلَّا كساهُ اللهُ مِن حُلَلِ الكرامةِ يومَ القيامةِ»()، وهذا كسابقه فيه ضعف لكنه منجبر، له شاهد من حديث أنس بن مالك وطلحة بن عبيد الله رضي الله عنهما ، ومن ثم فإن التعزية مشروعة، والنبي صلى الله عليه وسلم قد عزّى في ابن بنته وأرسل لها تعزية يأتي لفظها.

رابط الفقرة 9

ما وقت التعزية؟ قال ابن هبيرة في الإفصاح: واختلفوا في وقتها، فقال أبو حنيفة: وقت الدفن ولا يسن بعده، وقال الشافعي وأحمد: يُسن قبله وبعده وهذا هو الظاهر والصحيح، أن الأمر في ذلك واسع، فتشرع التعزية من وقوع المصيبة، ولا يضيق على الناس فيقال لهم: لا تُعزون إلا بعد الدفن، نقول: أول ما يبلغك مصيبة حلت بأخيك المسلم فلك أن تعزيه سواءً قبل الدفن، قبل الغسل، قبل الصلاة أو بعد الصلاة فالأمر واسع.

رابط الفقرة 10

هل للتعزية وقت محدد؟ عند الشافعية والحنابلة رحمهم الله ، لا تعزية بعد ثلاث، وهذا اشتهر حتى عند العوام، وأصبحوا ربما يستغربون من يعزي بعد ثلاثٍ، فالشافعية والحنابلة يقولون: لا تعزية بعد ثلاثٍ ما لم يكن غائبًا، فإذا حضر عزى ما لم تُنسى المصيبة، وقال بعض الشافعية وبعض الحنابلة: ليست محددة وهذا هو الأقرب، أنه يُعزى ما دامت المصيبة قائمة وباقية؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، فما دام المسلم مصابًا ومتأثرًا ولا يزال يتذكر مصيبته في فقيده فإنه يعزى ولو مضى على ذلك أسبوع أو أكثر، لا سيما مع العذر الذي منع المسلم من تعزية أخيه فور المصيبة، كسفر أو مرض أو لم يعلم بذلك إلا بعد مدة، وجاءه ووجده لا يزال متأثرًا والحزن يعلوه فإنه يعزيه، إذ لم يرد في السنة ما يدل على توقيتها بثلاث، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام رحمه الله .

رابط الفقرة 11

صيغة التعزية؟ أصح ما ورد في صيغتها، تعزية النبي صلى الله عليه وسلم لابنته في ابنها، حيث قال صلى الله عليه وسلم : «إنَّ للهِ ما أخَذ ولَهُ مَا أعْطَى، وكُلُّ شَيءٍ عِنْدَه بِأَجَلٍ مُسَمًّى، فلْتصبِرْ ولْتحتسِبْ»() [الحديث متفق عليه من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه ] وإن قال المسلم لمصاب بمسلم، أعظم الله أجرك وأحسن عزاءك وغفر لميتك، فهذا حسن وهو الدارج عند الناس، لكن تعزية النبي صلى الله عليه وسلم أعظم وأفضل وحفظها سهل ميسور، وأما لو كان المتوفى كافر فإنه يُقال للمسلم من قرابته أعظم الله أجرك وأحسن عزاءك، ويرد المُعزَّى باستجاب الله دعائك ورحمنا وإياك أو نحو ذلك مما ورد.

رابط الفقرة 12

مر بنا أن التعزية من حين وقوع المصيبة، لكن هل يعزى في المقبرة؟ أو عند القبر؟ قال الإمام أحمد رحمه الله : أكره التعزية عند القبر إلا لمن لم يعزي فيعزي إذا دُفن الميت أو قبله، وقال رحمه الله أيضًا: إن شئت أخذت بيد الرجل في التعزية وإن شئت فلا، وكأنه يشير إلى المصافحة ومثل ذلك المعانقة، نقول: يكفي أن يدعو لاسيما إذا كان حديث عهد، لكن إذا رأى أن من تسليته معانقته والدعاء له وتثبيته وتصبيره، فإن ذلك كله سائغ، لكن لا ينبغي الانشغال بالتعزية عن الدفن والدعاء للميت لا سيما من أهله المقربين، إذ وجد في بعض المواضع وفي بعض المقابر أن أهل الميت يصفون وينتظرون أهل العزاء يعزونهم، ولا يشاركون في الدفن ولا في الدعاء لميتهم، ولا شك أن هذا تفريطٌ عظيمٌ، إذ هو أحوج الآن للدعاء والوقوف على قبره والدعاء له والمشاركة في دفنه، ثم بعد الفراغ من الدفن لا بأس أن يعزون في المقبرة أو في المسجد قبل أو في بيوتهم أو في مساجدهم أو نحو ذلك.

رابط الفقرة 13

من المسائل التي يكثر السؤال عنها الجلوس للتعزية، قال ابن هبيرة: فأما الجلوس للتعزية، فقال الإمام مالك والشافعي وأحمد: هو مكروه، ولم نجد عن أبي حنيفة نصًا في هذا، يقول ابن هبيرة في الإفصاح: إني ما وجدت لأبي حنيفة نصًا في مسألة الجلوس للعزاء، لكن سبق أن بيّنا أن أبا حنيفة يرى أن التعزية وقت الدفن ولا تُسن بعده، ولهذا هو لا يرى الجلوس لها كما هو مذهب الأئمة الأربعة، قال النووي رحمه الله : وأما الجلوس للتعزية فنص الشافعي والمصنف وسائر الأصحاب على كراهته، قالوا: يعني بالجلوس لا أن يجتمع أهل الميت في بيت فيقصدهم من أراد التعزية، قالوا: بل ينبغي أن ينصرفوا في حوائجهم فمن صادفهم عزاهم ولا فرق بين الرجال والنساء في كراهة الجلوس لها، انتهى كلامه أي النووي رحمه الله ، وقال ابن القيم رحمه الله : وكان من هديه صلى الله عليه وسلم تعزية أهل الميت، ولم يكن من هديه أن يجتمع للعزاء ويقرأ له القرآن، لا عند قبره ولا غيره، وكل هذا بدعة حادثة مكروهة، لكن نقول: ينبغي هنا أن يُفرق بين إقامة السرادقات وجلب الرقاة والقراء فإن هذا بدعة منكرة، سواءً من مال المتوفى أو مِنْ مَنْ تبرع به، وبين أن يُحضر طعامٌ لمن قدم من بُعْدٍ، فإن أهل الميت قد يقدمون ويقيمون في بيت أهل الميت، فمثل هؤلاء إذا صُنع لهم طعام واجتمعوا للعزاء لا يمكن أن يوصف هذا بالبدعة، ولعلنا إن شاء الله في الدرس القادم نحقق القول في هذا وننقل نقولًا عن سماحة شيخنا ابن باز وغيره ممن كثر السؤال لهم؛ لأن بعض الناس يصف كل ما يفعله الناس اليوم بالبدعة، ومنهم من يتوسع في هذا، ونقول: فرق بين الاجتماع وتعطيل العمل وتعطيل الدراسة والحزن والنياحة والندب لا سيما من النساء، وبين أن يجتمع قرابة الميت المتناثرين في الأحياء أو في المدن والمحافظات، فيجتمعون لأجل ميتهم ويأتي الناس فيجدونهم مجتمعين ويعزونهم، وصف هذا بالبدعة فيه نظر ولعل الحديث عنه يكون في الدرس القادم مفصلًا بإذن الله تعالى.

رابط الفقرة 14

بعد هذا ذكر رحمه الله البكاء على الميت وأنه غير مكروه، إلا أنه قيده بما لم يكن معه ندب، إذن البكاء على الميت غير مكروه إذا لم يكن معه ندبٌ ولا نياحة، قال ابن هبيرة: واختلفوا في كراهة البكاء على الميت قبل الموت وبعده، فقال مالك والشافعي: يجوز قبل الموت ويُكره بعده، وقال أبو حنيفة: لا يُكره قبل الموت ولا بعده، والصواب أن البكاء على الميت منه ما هو مباح وهو الذي لا يتضمن محظورًا من ندب أو نياحة أو إكثار، وبكاء منهيٌ عنه وهو ما تضمن محظورًا مما تقدم من النياحة والندب، أو الإطالة، دهر ما يرقى دمعه ولا بكاؤه ويحزن كل من زاره، يمضي على ميته شهور وهو يبكي يبكي، نقول: لعل هذا مما نُهي عنه، ويدل على جواز البكاء أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على سعد بن عبادة فوجده في غاشية يعني في الاحتضار، فبكى وبكى معه أصحابه، فقال: «أَلَا تَسْمَعُونَ؟ إنَّ الله لا يُعَذِّبُ بدَمْعِ العَيْنِ، ولَا بحُزْنِ القَلْبِ، ولَكِنْ يُعَذِّبُ بهذا، وأَشَارَ إلى لِسَانِهِ»() [الحديث متفق عليه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما ]، ولقول أنس بن مالك رضي الله عنه : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وعيناه تدمعان، وقال: «إنَّ الله لا يُعَذِّبُ بدَمْعِ العَيْنِ، وَلَا بحُزْنِ القَلْبِ، وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بهذا، وَأَشَارَ إلى لِسَانِهِ، أَوْ يَرْحَمُ»() [الحديث متفق عليه] في قصة دفنه صلى الله عليه وسلم بنته، إذن جاء عنه صلى الله عليه وسلم وهو أعظم الخلق عبودية وصبرًا ورضًا بالمقدور جاء عنه البكاء، ولما مات ابنه إبراهيم وهو في الشهر السادس عشر أو السابع عشر بكى، وقال: «إنَّ العَيْنَ لتَدْمَعُ، وإِنَّ القَلْبَ ليَحْزَنُ، وإنَّا لفِرَاقِكَ يا إبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ»()، قال شيخ الإسلام -وانظر إلى فقه هذا الإمام العظيم- يقول: ويستحب البكاء على الميت رحمةً له، وهو أكمل من الفرح؛ لأنه جاء في زمن شيخ الإسلام بعض العارفين يزعمون أن من الرضا أن يفرح وأن يضحك، عنده مصيبة ويضحك على موت ولده، ويحسب أن هذا من تمام الرضا، ولهذا قال شيخ الإسلام: إن البكاء مستحب ما دام أنه رحمةً للميت، قال: وهو أكمل من الفرح؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : «هذِه رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ في قُلُوبِ عِبَادِهِ»()، قال ابن القيم رحمه الله : ولما ضاق هذا المشهد والجمع بين الأمرين على بعض العارفين، يوم مات ولده جعل يضحك، فقيل له: كيف تضحك في هذه الحالة؟ قال إن الله تعالى قضى بقضاء فأحببت أن أرضى بقضائه، فأشكل هذا على جماعة من أهل العلم، فقالوا: كيف يبكي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم مات ابنه إبراهيم وهو أرضى الخلق عن الله ويبلغ الرضى بهذا العارف إلى أن يضحك، هذا إشكال، قال ابن القيم: فسمعت شيخ الإسلام أي ابن تيمية يقول: هدي نبينا صلى الله عليه وسلم أكمل من هدي هذا العارف، فإنه أي النبي صلى الله عليه وسلم أعطى العبودية حقها فاتسع قلبه للرضى عن الله ولرحمة الولد والرقة عليه، وهذا العارف ضاق قلبه عن اجتماع الأمرين فشغلته عبودية الرضا عن عبودية الرحمة والرأفة، وهذا هو الجواب الفصل، أن نقول: ليس هذا موضع الضحك، قلبك يمتلئ رضا ويقين لكن ليس هذا موضع من مواقع الضحك ولا يعبر عن تمام الرضا، بل ترضى وتوقن وتجزم وتعلم أن هذا مقدور، مؤلمٌ لقلبك ومحزنٌ له وتذرف الدمع، لا حرج في ذلك.

رابط الفقرة 15

مما يحرم الندب والنياحة، فما المراد بالندب والنياحة؟ الندب تعداد محاسن الميت، كقوله: وا سيداه، وانقطع ظهراه، قال المجد ابن تيمية جد شيخ الإسلام: لا بأس بيسير الندب إن كان صدقًا ولم يخرج مخرج النوح ولا قصد نظمه، كقول فاطمة رضي الله عنهما لما مات النبي صلى الله عليه وسلم : «يا أبَتَاهُ، أجَابَ رَبًّا دَعَاهُ، يا أبَتَاهْ، مَن جَنَّةُ الفِرْدَوْسِ مَأْوَاهْ، يا أبَتَاهْ، إلى جِبْرِيلَ نَنْعَاهْ»() [الحديث رواه البخاري] فمثل هذا ليس متكلف، وليس فيه شيء من تعداد المحاسن ولا فيه شيء من النياحة، وأما النياحة فهي رفع الصوت بالندب، قال القاضي عياض: النوح والنياحة اجتماع النساء للبكاء على الميت متقابلات، والتناوح التقابل، ثم استعمل في صفة بكائهن بصوتٍ ورنة وندبة.

رابط الفقرة 16

كما يحرم مع الندب والنياحة لطم الخد، وشق الثوب، والصراخ، ونتف الشعر، ونشره وتسويده، وخبش الوجه؛ لما في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ليسَ مِنَّا مَن لَطَمَ الخُدُودَ، وشَقَّ الجُيُوبَ، ودَعَا بدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ»() وهذا يدل على أن هذه من أفعال الجاهلية، وفيه ما في الصحيحين: «أنه صلى الله عليه وسلم بَرِئَ مِنَ الصَّالِقَةِ والحَالِقَةِ والشَّاقَّةِ»()، قالوا: الصالقة التي ترفع صوتها بالمصيبة، والحالقة التي تحلق شعرها عند المصيبة، والشاقة التي تشق جيبها عند المصيبة، فبرئ صلى الله عليه وسلم من هذه الأفعال التي تنبئ عن عدم الرضا بالمقدور والضجر والاعتراض، وفي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم : «لعَنَ النَّائحةَ والمُسْتمِعةَ»() [رواه بعض أصحاب السنن].

رابط الفقرة 17

من المسائل التي أوردها أهل العلم، أنه ورد في الحديث في الصحيحين قول النبي صلى الله عليه وسلم : «إنَّ الميِّتَ يعذَّبُ ببُكاءِ أَهلِهِ عليْهِ»()، هذا لا شك محل إشكال، مر بنا أن من البكاء ما هو جائز ومشروع وأن النبي بكى، فكيف يُجاب عن هذا الحديث؟ قال شيخ الإسلام رحمه الله : وقد أنكر ذلك طوائف من السلف والخلف واعتقدوا أن ذلك من باب تعذيب الإنسان بذنب غيره، فقالوا: إن هذا الحديث مخالف لقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌۭ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۚ ﴾ [الأنعام: ١٦٤]، ثم اجتهدوا في الجواب عن هذا الحديث، فمنهم من غلّط الرواة، قال: هذا الحديث غلط، وهذه طريقة عائشة والشافعي وغيرهما، ومنهم من حمل ذلك على ما إذا أوصى به، وهو قول طائفة من أهل العلم كالمزني، قالوا: إن الذي يُعَذَّب هو من أوصى، يقول: إذا مت فابكوا وصيحوا ولا تنسوني، هذا يعذب بأنه أوصى، ومنهم من حمل ذلك على ما إذا كانت عادتهم ذلك فيعذب حيث لم ينهاهم عن هذا المنكر، قال شيخ الإسلام: وهذا اختيار طائفة منهم جدي أبو البركات، ثم قال رحمه الله : وكل هذه الأقوال ضعيفة، لماذا؟ لأن الحديث صحيح لكنه ليس العذاب الذي فهمه أهل العلم، قال شيخ الإسلام في بيان معنى هذا الحديث: وأما تعذيب الميت، فهو لم يقل إن الميت يعاقب ببكاء أهله عليه بل قال يعذَب، والعذاب أعم من العقاب فإن العذاب هو الألم، وليس كل من تألم بسبب كان عقابًا له على ذلك السبب، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «السَّفَرُ قِطعةٌ مِنَ العَذابِ»() فسمى السفر عذابًا وليس هو عقابًا على ذنبٍ، والإنسان يعذب بالأمور المكروهة التي يشعر بها مثل الأصوات الهائلة والأرواح الخبيثة، والإنسان في قبره يعذب بكلام بعض الناس ويتألم لرؤية بعضهم وبسماع كلامهم هذا هو الصحيح، إذن ليس العذاب العقاب، يعني نقول: معنى إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه يعني يتألم، فمن كان يريد رحمة ميته فلا يكثر من البكاء عليه.

رابط الفقرة 18

أخيرًا ذكر رحمه الله أنه يُسن زيارة القبور، مر بنا في الدرس الماضي نهي النساء عن زيارتها وأمر الرجال بزيارتها، وقول النبي صلى الله عليه وسلم : «كُنتُ نهيتُكُم عن زيارةِ القبورِ، فزُورُوهَا»() [رواه الإمام مسلم وأصحاب السنن] وجاء في زيادة عند الترمذي: «فإِنَّها تُذَكِّرُكُمُ الآخِرَةَ»()، وحكى النووي رحمه الله أن زيارة القبور سنة، والحكمة من زيارة القبور انتفاع الزائر بالاتعاظ وتذكر الآخرة والموت وانتفاع المزور بدعاء الزائر له، ويشترط لهذه الزيارة أي زيارة المقبرة أو زيارة قبرٍ معينٍ المشروعة شرطان:

رابط الفقرة 19

أولهما: إلا يقول باطلًا من دعاء الأموات أو الاستغاثة بهم أو قصد القبور للعبادة عندها، هي بدع ودركات، قد يزور القبور فيدعو الأموات، نقول: هذا شرك أكبر مخرج من الملة نسأل الله السلامة والعافية أو يستغيث بهم سواءً كانوا أولياء أو صالحين أو غير ذلك، أو يقصد القبر فيتعبد عنده، يقول: أنا والله ما أقصد صاحب القبر إنما اقصد الله، لكني أعلم أن هذا المكان أرجى قبول، والدعاء فيه مسموع، نقول: هذه بدعة منكرة، ففي حديث أنس مرفوعًا، قال : صلى الله عليه وسلم «كُنتُ نَهَيتُكُم عنْ زِيارةِ القُبورِ، ألَا فزُوروها؛ فإنَّه يُرِقُّ القَلبَ، وتُدمِعُ العَينَ، وتُذكِّرُ الآخِرةَ، ولا تَقولوا هُجْرًا»() يعني لا تقولوا منكرًا من القول [الحديث خرّجه الحاكم بسند حسن].

رابط الفقرة 20

الشرط الثاني: ألا تتضمن هذه الزيارة شد الرحل؛ لحديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِي، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى»() [الحديث متفق عليه وهذا لفظ البخاري] وحينئذ فإنه لا يجوز للمسلم أن يشد الرحل، يعني أن يسافر لأجل أن يزور قبرًا حتى قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لا يحل أن يسافر لأجل زيارة قبره صلى الله عليه وسلم وإنما يشد الرحل لزيارة مسجده، فإذا زار المسجد له أن يزور القبر ويسلم على النبي صلى الله عليه وسلم ، قال شيخ الإسلام: أما زيارة القبر فهي على وجهين: شرعية، وبدعية، فالشرعية: مثل الصلاة على الجنازة والمقصود بها الدعاء للميت كما يُقصد بذلك الصلاة على جنازته، وأما البدعية: فهي زيارة أهل الشرك الذين يقصدون دعاء الميت والاستغاثة وطلب الحوائج عنده، فيصلون عند قبره.

رابط الفقرة 21

قالوا: يُسن أن يقف الزائر أمام القبر قريبًا منه كزيارته في حياته، يكون قريبًا منه ويكون حال السلام مستقبلًا وجهه مستدبر القبلة، يعني يأتي من جهة وجه الميت، والميت وجهه للقبلة، فيكون ظهره للقبلة ووجهه للميت، لكن إذا أراد أن يدعو يستقبل القبلة، قال شيخ الإسلام: ومذهب الأئمة مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم من أئمة الإسلام، أن الرجل إذا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم وأراد أن يدعو لنفسه فإنه يستقبل القبلة، واختلفوا في وقت السلام عليه، فقال الثلاثة مالك والشافعي وأحمد: يستقبل الحجرة ويسلم عليه من تلقاء وجهه، وقال أبو حنيفة: لا يستقبل الحجرة وقت السلام كما لا يستقبلها وقت الدعاء، وقال رحمه الله : وهذا أصلٌ مستمرٌ، لا يُستحب للداعي أن يستقبل إلا ما يستحب أن يصلي إليه، يعني أنه كما أنه يصلي إلى القبلة فكذلك إذا أراد أن يدعو يستقبل القبلة، وإن رفع يديه حال الدعاء فقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم في حديث أم المؤمنين عائشة: «أنه خرج ذات ليلة فسلك نحو بقيع الغرقد، فوقف في أدنى البقيع ثم رفع يديه»() [أخرجه الإمام أحمد ومالك في الموطأ، وهو حديث حسن كما صححه وحسنه غير واحد من أهل العلم المتقدمين، والألباني في أحكام الجنائز].

رابط الفقرة 22

ويُسن أخيرًا إذا زار المقبرة أو مر بها، أن يقول السلام الذي أورده المؤلف رحمه الله ، «السَّلامُ عليْكم دارَ قومٍ مؤمنينَ، وإنَّا إنْ شاء اللهُ بكم لَلاحقونَ، يَرْحَمُ اللهُ المُستقدِمينَ مِنَّا والمُستأخِرينَ، نسألُ اللَّهَ لنا ولَكمُ العافيةَ، اللَّهُمَّ لا تَحرِمْنا أَجْرَهم ولا تَفْتِنَّا بَعْدَهم وَاغْفِرْ لَنا ولَهمْ»() [رواه الإمام مسلم] قوله: «وإنَّا إنْ شاء اللهُ بكم لَلاحقونَ» قالوا: هذا الاستثناء للتبرك، من باب قول الله تعالى: ﴿ وَلَا تَقُولَنَّ لِشَا۟ىْءٍ إِنِّى فَاعِلٌۭ ذَٰلِكَ غَدًا ٢٣ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ۚ ﴾ [الكهف]، أو أنه راجعٌ للحوق لا للموت؛ لأن الموت واقعٌ لا محالة، أو إلى البقعة أو البقاع، أو أن المراد اللحوق على الإيمان، فيكون لحوقًا معنويًا لا حسيًا.

رابط الفقرة 23

نسأل المولى جل شأنه أن يتغمد أموات المؤمنين والمسلمين برحمته وأن يلحقنا بهم غير مفتونين، وأن يجمعنا بهم في دار كرامته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، بقي مسائل يسيرة ونختم كتاب الجنائز إن شاء الله تعالى في الدرس القادم.

رابط الفقرة 24

نسأل المولى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، أن يرزقنا الفقه في دينه والعمل به إنه قريب مجيب، وبالله التوفيق وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

رابط الفقرة 25

الحواشي

  1. (1)

    أخرجه الترمذي (1073)، وابن ماجه (1602)، والحديث قال عنه الخطيب البغدادي في تهذيب التهذيب: مرفوع منكر، وقال عنه ابن الجوزي في الموضوعات: لا يصح.

    العودة إلى موضع الحاشية
  2. (2)

    أخرجه الترمذي (1073)، وابن ماجه (1602)، والحديث قال عنه الخطيب البغدادي في تهذيب التهذيب: مرفوع منكر، وقال عنه ابن الجوزي في الموضوعات: لا يصح.

    العودة إلى موضع الحاشية
  3. (3)

    أخرجه الديلمي في الفردوس (6081) باختلاف يسير، والحديث حسنه لغيره الألباني في صحيح الترغيب (3508).

    العودة إلى موضع الحاشية
  4. (4)

    أخرجه البخاري (7377)، ومسلم (923).

    العودة إلى موضع الحاشية
  5. (5)

    أخرجه البخاري (1304)، ومسلم (924).

    العودة إلى موضع الحاشية
  6. (6)

    لم أجد من خرجه عن أنس بن مالك رضي الله عنه ولكن أخرجه البخاري (1304)، ومسلم (924)عن عبدالله بن عمر رضي الله عنه .

    العودة إلى موضع الحاشية
  7. (7)

    أخرجه البخاري (1303)، ومسلم (2315) عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ، والقَلْبَ يَحْزَنُ، ولَا نَقُولُ إلَّا ما يَرْضَى رَبُّنَا، وإنَّا بفِرَاقِكَ يا إبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ».

    العودة إلى موضع الحاشية
  8. (8)

    أخرجه البخاري (7377)، ومسلم (923).

    العودة إلى موضع الحاشية
  9. (9)

    أخرجه البخاري (4462).

    العودة إلى موضع الحاشية
  10. (10)

    أخرجه البخاري (1294)، ومسلم (103).

    العودة إلى موضع الحاشية
  11. (11)

    أخرجه البخاري (1296)، ومسلم (104).

    العودة إلى موضع الحاشية
  12. (12)

    أخرجه أبو داود (3128)، والحديث ضعفه الألباني في ضعيف الجامع (4690).

    العودة إلى موضع الحاشية
  13. (13)

    أخرجه البخاري (1304)، ومسلم (924).

    العودة إلى موضع الحاشية
  14. (14)

    أخرجه البخاري (1804)، ومسلم (1927).

    العودة إلى موضع الحاشية
  15. (15)

    أخرجه أحمد (1236)، وابن أبي شيبة (24239)، وأبو يعلى (278) باختلاف يسير، والحديث صححه لغيره شعيب الأرناؤوط في تخريج المسند (1236)، وقال عنه الألباني في النصيحة (157): صحيح بشواهده.

    العودة إلى موضع الحاشية
  16. (16)

    أخرجه الترمذي (1054) واللفظ له، وأحمد (23016) مطولًا، وهذا اللفظ صححه الألباني في صحيح الجامع (4379).

    العودة إلى موضع الحاشية
  17. (17)

    أخرجه أحمد (13487)، وأبو يعلى (3707) مطولًا، والحاكم (1393) واللفظ له، والحديث صححه الألباني في صحيح الجامع (4584).

    العودة إلى موضع الحاشية
  18. (18)

    أخرجه البخاري (1864)، ومسلم (827) جزء منه.

    العودة إلى موضع الحاشية
  19. (19)

    أخرجه النسائي (2038)، وأحمد (24612) عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: «خرَجَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ذاتَ ليلةٍ، فأرسَلْتُ بَريرةَ في أثَرِه، لِتَنظُرَ أين ذهَبَ، قالت: فسلَكَ نحوَ بَقيعِ الغَرقَدِ، فوقَفَ في أَدْنى البَقيعِ، ثُم رفَعَ يدَيْه، ثُم انصرَفَ»، والحديث قال الألباني عنه في السلسلة الصحيحة (4/376): إسناده لا بأس به في الشواهد، وقال عنه أيضًا في أحكام الجنائز (246): ليس فيه رفع اليدين، وإسناده حسن. وقد ثبت رفع اليدين في قصة أخرى.

    العودة إلى موضع الحاشية
  20. (20)

    لم أجد من خرجه كاملًا بهذا اللفظ ولكن هو بمجمله صحيحٌ في مواضع عدة.

    العودة إلى موضع الحاشية