تجاوز إلى المحتوى

شرح عمدة الفقه

الدرس الرابع والأربعون — كِتَابُ الزَّكَاةِ

ملفات PDF ١ ملف

دروس جامع الموسى كاملاعرض PDF ↗تنزيل PDF٤٫١ م.ب
الفقرة ١ من ٣٢

النص المقروء

عناوين هذا الدرس
  1. الدَّرْسُ الرَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ
  2. كِتَابُ الزَّكَاةِ

[الدَّرْسُ الرَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ]

رابط الفقرة 1

[كِتَابُ الزَّكَاةِ]

رابط الفقرة 2

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أفضل صلاة وأتم تسليم.

رابط الفقرة 3

أما بعد؛ أيها الأخوة والأخوات سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وحياكم الله في الدرس الرابع والأربعون من دروس شرح عمدة الفقه للإمام موفق الدين «ابن قدامة رحمه الله »، كنا بدأنا في الدرس الماضي كتاب الزكاة، وانتهينا من الباب الأول الذي فيه الأحكام العامة وفيه شروط وجوب الزكاة.

رابط الفقرة 4

قال رحمه الله عقب ذلك: (بَابُ زَكَاةُ السَّائِمَةِ، وَهِيَ الرَّاعِيَةُ، وَهِيَ ثَلاثَةُ أَنْوَاعٍ) المراد بالسَّائِمَةِ: أي من بهيمة الأنعام، والنعم والأنعام اسمان لبهيمة الأنعام، وإن كان بعض أهل العلم يقول: إن النعم تطلق على الإبل خاصة، ومنه حمر النعم التي فضلها النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «لأَنْ يَهْدِيَ الله بكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لكَ مِن أَنْ يَكونَ لكَ حُمْرُ النَّعَمِ»() أي أشرف أموال العرب وهي الإبل، وأما الأنعام فهي تشمل الثلاثة الإبل والبقر والغنم، قال هنا: (بَابُ زَكَاةُ السَّائِمَةِ) ولم يقل بهيمة الأنعام؛ لأنه يشترط لوجوب الزكاة في بهيمة الأنعام أن تكون سائمة أي راعية ترعى من الكلأ من العشب وألا تكون معلوفة، لكن هل هذا طول الحول؟ طول السنة؟ نقول: لا، العبرة بالأكثر، إن كانت ترعى أكثر الحول فإنه تجب فيها الزكاة، وإن كانت تُعلف أكثر الحول فإنه لا تجب فيها الزكاة إلا إن كانت معدة للبيع والشراء والتجارة، فهذه فيها الزكاة مطلقًا ما دام أنها تبلغ نصابًا وحال عليه الحول، إذن عندنا بهيمة الأنعام إن كانت سيخرج الزكاة من جنسها فإنه يُشترط لها ثلاثة شروط:

رابط الفقرة 5

الشرط الأول: ما جعله المؤلف في الترجمة (بَابُ زَكَاةُ السَّائِمَةِ) فأُخذ من هذا أن تكون سائمة أي راعية أكثر الحول، لماذا لا نقول لابد أن ترعى الحول كله؟ لو قلنا إن الزكاة لا تجب إلا في الإبل والبقر والغنم التي ترعى الحول كله لكان في هذا إجحافًا بالفقراء والمساكين، ولم يحصلوا شيئًا من هذه الأموال الزكوية؛ لأنه يندر في العالم كله أن تكون المراعي طول العام، فلو قلنا إنها لا تزكى إلا إذا رعت الحول كله، معناته إن الفقراء والمساكين لن يحصلوا شيء؛ لأنها لابد أن تُعلف، ولو قلنا إنها إذا رعت ولو شيئًا يسيرًا تلزم فيها الزكاة لأجحفنا بالملاك، ولهذا اعتبرنا الأكثر، فإن كانت ترعى وتسوم الحول كله أو أكثره فإن فيها الزكاة، مثال ذلك: أن ترعى سبعة أشهر أو ثمانية أشهر أو تسعة أشهر، نقول: فيها زكاة؛ لأنها تعلف خمسة أشهر أو أربعة أشهر أو ثلاث، والعكس بالعكس لو كانت يشترى لها العلف، والشعير، والبرسيم الأخضر وغيره أكثر السنة، سبعة أشهر، ثمانية، تسعة، وفي موسم الأمطار والربيع شهرين أو ثلاثة فقط ترعى، فإن هذه لا زكاة فيها؛ لأنه تخلف شرط السوم، وقد دل على هذا الشرط السنة وهو كالإجماع.

رابط الفقرة 6

الشرط الثاني: أن تكون متخذة للدرِّ والنسل، أن تكون هذه الإبل أو البقر أو الغنم متخذة للدر أي يشرب حليبها وينتفع من ألبانها، والنسل تنسل فيأكلون من لحومها، وبعض الفقهاء أضاف أيضًا التسمين وهو داخل في المعنى الأول، إذن أن تكون متخذة للدر والنسل والتكاثر والتسمين، فإن كانت متخذة عوامل كالبقر التي يستخرج الناس قديمًا بها الماء من السواني، نقول: هذه البقر والإبل إذا اتخذت عوامل أو أخذت لنقل المتاع لا زكاة فيها، قد يكون الإنسان عنده عشرين من الإبل ينقل بها المتاع، مثل سيارات الأجرة في وقتنا الحاضر، قديمًا كان الناس هي وسائلهم هذه الإبل، فعنده عشرين مطية ينقل بها الأمتعة، نقول: لا زكاة فيها لكن الزكاة في الأجرة المحصلة، مثل الذي عنده سيارات أجرة الآن يؤجرها، نقول: لا زكاة في قيمتها إنما الزكاة في أجرتها، ومثل الذي عنده عمائر يؤجرها لا زكاة في قيمتها؛ لأنه لم يعرضها للبيع وإنما الزكاة في أجرتها، وهكذا كل مؤجر، شقق، فنادق، الصالات، معارض، محلات، دكاكين، ما أُعد للبيع والشراء ففيه الزكاة في قيمته ولو لم يباع، عرضه ومضى سنة، نقول: يزكي كم القيمة السوقية له، لكن إذا كان ما أعد هذه المعارض ولا السيارات ولا العقارات ولا الفنادق ولا الصالات، ما أعدها إلا للأجرة، نقول: يزكي الأجرة فقط، أما أصولها فهو لم يعرضها للبيع فلا زكاة فيها، فكذلك الإبل والبقر إن كانت معدة للدر والنسل والتسمين والتكاثر ففيها زكاة، وإن كانت متخذة لاستخراج الماء من الأرض أو لنقل المتاع ونحوه عوامل فلا زكاة فيها، وقد جاء ذلك في الحديث الصحيح الصريح: «لَيسَ فِي العَوامِلِ مِن البقَرِ صَدقةٌ»().

رابط الفقرة 7

الشرط الثالث: أن تبلغ النصاب، ونصاب كل نوعٍ سيأتي تفصيله من الإبل فالبقر فالغنم.

رابط الفقرة 8

قال رحمه الله : (بَابُ زَكَاةُ السَّائِمَةِ، وَهِيَ الرَّاعِيَةُ، وَهِيَ ثَلاثَةُ أَنْوَاعٍ: أَحَدُهَا: الإِبِلُ) بدأ بها؛ لأنها أغلظها وأنفسها وأعلاها ثمنًا وأكثرها نفعًا، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ بها في بيان أنصبة الزكاة كما في البخاري في كتاب أبي بكر الصديق رضي الله عنه لأنس وفيه بيان فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهذا حديث شامل لأنواع الزكاة في بهيمة الأنعام كلها تفصيلًا، فبدأ المؤلف بها اقتداء بما فعله صلى الله عليه وسلم ، ولأن أكثر أموال العرب حول المدينة في زمنه صلى الله عليه وسلم كانت البهيمة، بهيمة الأنعام.

رابط الفقرة 9

قال : رحمه الله (أَحَدُهَا: الإِبِلُ، وَلا شَيْءَ فِيْهَا حَتَّى تَبْلُغَ خَمْسًا، فَيَجِبُ فِيْهَا شَاةٌ) إذن أربع من الإبل وثلاث وثنتين وواحدة هذه لا زكاة فيها إلا أن تكون معدةً للبيع والشراء، البيع والشراء لو إنسان ما عنده إلا شاة واحدة قيمتها مثلًا ألف وخمسمائة، يقول: أنا ما عندي إلا هذه الشاة أبيع وأشتري، أبيع شاة وأشتري شاة، وأشتري شاتين، أشتري عنزة، قيمة الشاة المال النقدي الذي عنده يبيع فيه ويشتري ألف وخمسمائة ريال، نقول: عليك زكاة لأن ألف وخمسمائة تبلغ نصاب ما عنده إلا هذه الشاة، يوم يبيع شاة ويوم يشتري شاتين، المقصود أن هذا عروض تجارة، وسيأتي في باب عروض التجارة هذا فيه زكاة، لكن إن كان ما أعدها للبيع وإنما للدر والنسل والتكاثر وكانت ترعى أكثر الحول، فإنه إذا بلغت خمس من الإبل ففيها شاة، ما دون الخمس لا شيء فيها.

رابط الفقرة 10

قال : رحمه الله (وَفِي الْعَشْرِ شَاتَانِ، وَفِي خَمْسَ عَشْرَةَ ثَلاثُ شِيَاهٍ، وَفِي الْعِشْرِيْنَ أَرْبَعُ شِيَاهٍ إِلَى خَمْسٍ وَعِشْرِيْنَ، فَفِيْهَا بِنْتُ مَخَاضٍ، وَهِيَ: بِنْتُ سَنَةٍ) إذن أول نصابٍ في الإبل خمس وفيها شاة، وفي العشر شاتان، وفي الخمس عشرة ثلاث شياه، وفي العشرين أربع شياه، وفي أربع وعشرين أربع شياه، فإذا بلغت خمسًا وعشرين سواء كن صغار أو كبار حواشي أو حقاق أو جذعات، نقول: العبرة بأنه من جنس الإبل، عنده خمسة وعشرين رأس من الإبل ففيها بنت مخاض من جنسها وهي ما تم لها سنة، أنثى من بنات الإبل تم لها سنة، سُميت بنت مخاض؛ لأن أمها غالبًا تكون حاملًا ماخضًا، فسميت بالغالب وإلا قد تكون أمها ما حملت لكنهم سموها بنت محاضٍ؛ لأنها غالبًا إذا تمت سنة تكون أمها قد لقحت أو حملت، فهذه البنت هي التي تجزئ في خمس وعشرين، فإن لم يجد بنت مخاض أجزأ أن يخرج ابن لبون ذكر، كما جاء في الصحيح()، وذلك لفضل الإناث في البهائم، الإناث في البهائم أفضل من الذكور وأنفع للناس، فيها در ونسل وتكاثر، ولهذا يعوض من لم يجد بنت مخاض تمت لها سنة بابن لبون له سنتان ذكر، ولا يجزئ إخراج الذكور في بهيمة الأنعام إلا في ثلاث مسائل سيأتي التنبيه عليها.

رابط الفقرة 11

قال رحمه الله : (فَإِنْ لَمْ تَكُنْ عِنْدَهُ -أي بنت مخاض- فَابْنُ لَبُوْنٍ، وَهُوَ: ابْنُ سَنَتَيْنِ، إِلَى سِتٍّ وَثَلاثِيْنَ، فَيَجِبُ فِيْهَا بِنْتُ لَبُوْنٍ) وهذا ما بين الخمسة وعشرين إلى خمسة وثلاثين يسمى وقص، يعني الذي عنده خمسة وعشرين من الإبل مثل الذي عنده خمسة وثلاثين، كلاهما لا يجب عليه إلا بنت مخاض تم لها سنة ودخلت في السنة الثانية، وأمها غالبًا حامل، فإن لم يجد بنت مخاض أجزأ أن يخرج أعلى منها سنًا من الذكور وهو ابن اللبون، ولو أخرج حقًا أو جزعًا أجزأ أيضًا من باب أولى.

رابط الفقرة 12

قال رحمه الله : (إِلَى سِتٍّ وَثَلاثِيْنَ) فإذا بلغت الإبل عند الرجل أو عند المالك رجلًا كان أو امرأة ستًا وثلاثين من الإبل (فَيَجِبُ فِيْهَا بِنْتُ لَبُوْنٍ)، يعني أنثى تم لها سنتان وأصبحت أمها قد وضعت ولها لبن، فسُميت بنت لبون، وهذه سن التي تطلق على من أتمت سنتان بنت لبون ودخلت في السنة الثالثة (إِلَى سِتٍّ وَأَرْبَعِيْنَ، فَيَجِبُ فِيْهَا حِقَّةٌ لَهَا ثَلاثُ سِنِيْنَ) ودل هذا على أن من ست وثلاثين إلى خمس وأربعين فيها بنت لبون، فإذا بلغت ستًا وأربعين فإنها تنتقل إلى الحقة، وهي أنثى تمت لها ثلاث سنين ودخلت في الرابعة، وسميت حقة لأنها استحقت أن يركبها الفحل، وقيل لأنها استحق أن يُركب عليها وتحمل، يعني أصبحت قوية نشيطة تتحمل.

رابط الفقرة 13

قال رحمه الله : (إِلَى إِحْدَى وَسِتِّيْنَ، فَيَجِبُ فِيْهَا جَذَعَةٌ) فدل على أنها من ست وأربعين إلى ستين فيها حقة، ما تم له ثلاث سنين، فإذا زادت على الستين واحدة وأصبحت إحدى وستين (فَيَجِبُ فِيْهَا جَذَعَةٌ، وَلَهَا أَرْبَعُ سِنِيْنَ) أتمت أربع سنين ودخلت في الخامسة، سميت جذعة لأنها بدأت تجزع أسنانها تسقط أسنانها، وهذه أكبر سن تجب في الإبل، ما بعدها ما يخرج، إذن التي أتمت أربع سنين ودخلت في الخامسة سميت جذعة هذه أكبر سن، ولهذا يقول رحمه الله : (إِلَى سِتٍّ وَسَبْعِيْنَ) يعني من إحدى وستين إلى خمس وسبعين فيها جذعة، فإذا بلغت ستًا وسبعين (فَفِيْهَا ابْنَتَا لَبُوْنٍ) ثنتين من بنات اللبون اللاتي أتممن السنتين ودخلن في الثالثة (إِلَى إِحْدَى وَتِسْعِيْنَ، فَفِيْهَا حِقَّتَانِ) يعني إلى التسعين فيها بنتا لبون، فإذا بلغت إحدى وتسعين ففيها حقتان، أنثيان أتمتا ثلاث سنين ودخلتا في الرابعة (إِلَى عِشْرِيْنَ وَمِائَةٍ) يستمر هذا من إحدى وتسعين إلى مائة وعشرين فيها حقتان (فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً) على المائة والعشرين (فَفِيْها ثَلاثُ بَنَاتِ لَبُوْنٍ، ثُمَّ فِيْ كُلِّ خَمْسِيْنَ حِقَّةٌ، وَفِيْ كُلِّ أَرْبَعِيْنَ بِنْتُ لَبُوْنٍ) تستقر الفريضة حينئذ، فنقول له: ما عندك؟ قال: أنا عندي مائتين، عندي ثلاثمائة، عندي ما شاء الله، نقول: استقرت الفريضة، أخرج عن كل خمسين حقة، وعن كل أربعين بنت لبون، فلو قال: عندي مائة وثلاثين، كم يكون فيها؟ هذا اختبار لكم على وجه السرعة، مائة وثلاثين كم فيها؟ حقتان؟ هذه خمسين خمسين، والثلاثين ضاعت علينا، أو نقول: فيها بنتا لبون، ثمانين، أربعين أربعين، وحقة، طيب مائة وأربعين؟ مائة وأربعين فيها حقتان وبنت لبون، مائة وخمسين؟ ثلاث حقاق خمسين خمسين خمسين، مائة وستين؟ أربع بنات لبون، مائة وسبعين؟ أربع بنات لبون وحقة()، مائة وعشرين وخمسين، مائة وثمانين؟ بنتا لبون وحقتان، خمسين خمسين، أربعين أربعين، مائة وتسعين؟ ثلاث حقاق مائة وخمسين، وبنت لبون أربعين، مائة وتسعين، مئتان؟ مخير بين أربع حقاق أو خمس بنات لبون؛ لأن المائتين تقبل القسمة على أربعين وعلى خمسين، وهذا أمر سهل ويدركه الذين يعملون في هذا من العاملين عليها، هم يذهبون ويعرفون ما القدر الواجب ولا يلبس عليهم ذلك البتة.

رابط الفقرة 14

قال رحمه الله : (إِلَى مِائَتَيْنِ، فَيَجْتَمِعُ فِيهَا الْفَرْضَانِ، فَإِنْ شَاءَ أَخْرَجَ أَرْبَعَ حِقَاقٍ، وَإِنْ شَاءَ خَمْسَ بَنَاتِ لَبُوْنٍ) يعني نخيره، نقول: أنت الآن عندك مائتين رأس ما شاء الله من الإبل، أنت الآن أعطنا إما خمس بنات لبون، إما تم له سنتان أو أعطنا أربع حقاق مما تم له ثلاث سنين.

رابط الفقرة 15

قال رحمه الله : (وَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ سِنٌّ فَلَمْ يَجِدْهَا، أَخْرَجَ أَدْنَى مِنْهَا وَمَعَهَا شَاتَانِ، أَوْ عِشْرُوْنَ دِرْهَمًا، وَإِنْ شَاءَ أَخْرَجَ أَعْلَى مِنْهَا وَأَخَذَ شَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِيْنَ دِرْهَمًا) هذا جاء في الحديث الصحيح أيضًا()، وهذا دليل على عظم شأن الزكاة، أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر فيها التفصيل الدقيق في المقادير والواجب والمجزئ، وما الذي يجزئ، إذا إنسان وجبت عليه حقة فلم يجد حقة ووجد بنت لبون، وجب عليه حقة وهي ما تم له ثلاث سنين؛ لأن عنده خمسين، قلنا: الواجب عليك حقة، قال: ما عندي حقة، عندي بنت لبون أو جذعة، نقول: أنت مخير الآن، إما أنك تعطينا بنت اللبون وتعوض النقص، وتدفع مع بنت اللبون شاتين أو عشرين درهمًا أو تدفع الأعلى الجذعة وتأخذ من المصدق صاحب الصدقة العامل عليها، تأخذ منه شاتين أو عشرين درهمًا، طبعًا هذه المقادير في زمنه صلى الله عليه وسلم ، تلحظون أن الفارق بين بنت اللبون والحقة أو بين الحقة والجذعة ما يكاد يذكر اليوم في القيم، لكن في زمنه صلى الله عليه وسلم له قيمة عظيمة، ولهذا جعل الفارق شاتين أو عشرين درهم، وهذا يدل أيضًا أن الشاة في زمنه تساوي عشرة دراهم، عشرة دراهم يعني قليلة جدًا، لكن هذا يقدر ويختلف من زمن إلى زمن أعني التقدير، أن السعاة الذين يجلبون الزكاة عندهم الآن بيان ما الذي يلزم في التعويض في حال النقص أو الزيادة.

رابط الفقرة 16

هذه الأنصبة كلها مذكورة في حديث أنس، روى البخاري عن أنس أن أبا بكر كتب له حين وجهه إلى البحرين: «بسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هذِه فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ الَّتي فَرَضَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ علَى المُسْلِمِينَ، والَّتي أمَرَ الله بهَا رَسولَهُ صلى الله عليه وسلم ، فمَن سُئِلَهَا مِنَ المُسْلِمِينَ علَى وجْهِهَا، فَلْيُعْطِهَا ومَن سُئِلَ فَوْقَهَا فلا يُعْطِ في أرْبَعٍ وعِشْرِينَ مِنَ الإبِلِ، فَما دُونَهَا مِنَ الغَنَمِ مِن كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ إذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وعِشْرِينَ إلى خَمْسٍ وثَلَاثِينَ، فِيهَا بنْتُ مَخَاضٍ أُنْثَى، -فإن لم تكن بنت مخاض فابن لبون ذكر- فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وثَلَاثِينَ إلى خَمْسٍ وأَرْبَعِينَ فَفِيهَا بنْتُ لَبُونٍ أُنْثَى، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وأَرْبَعِينَ إلى سِتِّينَ فَفِيهَا حِقَّةٌ طَرُوقَةُ الجَمَلِ، فَإِذَا بَلَغَتْ واحِدَةً وسِتِّينَ إلى خَمْسٍ وسَبْعِينَ، فَفِيهَا جَذَعَةٌ فَإِذَا بَلَغَتْ يَعْنِي سِتًّا وسَبْعِينَ إلى تِسْعِينَ، فَفِيهَا بنْتَا لَبُونٍ، فَإِذَا بَلَغَتْ إحْدَى وتِسْعِينَ إلى عِشْرِينَ ومِائَةٍ، فَفِيهَا حِقَّتَانِ طَرُوقَتَا الجَمَلِ، فَإِذَا زَادَتْ علَى عِشْرِينَ ومِائَةٍ، فَفِي كُلِّ أرْبَعِينَ بنْتُ لَبُونٍ وفي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ، ومَن لَمْ يَكُنْ معهُ إلَّا أرْبَعٌ مِنَ الإبِلِ، فليسَ فِيهَا صَدَقَةٌ إلَّا أنْ يَشَاءَ رَبُّهَا -أي صاحبها- فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا مِنَ الإبِلِ، فَفِيهَا شَاةٌ»()، وهذا أمر مجمع عليه [الحديث رواه البخاري] إلى أن تبلغ عشرين ومائة.

رابط الفقرة 17

قال رحمه الله : (النَّوْعُ الثَّانِيْ: الْبَقَرُ، وَلا شَيْءَ فِيْهَا حَتَّى تَبْلُغَ ثَلاثِيْنَ) سميت البقر بقرًا، قالوا: لأنها تبقر الأرض أي تحرثها، ونصابها أسهل الأنصبة، قال رحمه الله : (وَلا شَيْءَ فِيْهَا حَتَّى تَبْلُغَ ثَلاثِيْنَ) يعني واحد عنده تسع وعشرين من البقر، نقول: ما عندك نصاب، المال هذا الذي عندك دون النصاب فلا زكاة عليك، مع أنك تلحظ أن التسعة وعشرين مالًا عظيمًا لكن الشارع جعلها كأنه لا يملك مالًا زكويًا.

رابط الفقرة 18

قال رحمه الله : (الْبَقَرُ، وَلا شَيْءَ فِيْهَا حَتَّى تَبْلُغَ ثَلاثِيْنَ، فَيَجِبُ فِيْهَا تَبِيْعٌ، أَوْ تَبِيْعَةٌ، لَهَا سَنَةٌ) إذن أول نصابٍ في البقر ثلاثين، وهو مخير أن يخرج تبيع يتبع أمه، أتم سنة ودخل في الثانية، يسمى تبيع لأنه يتبع أمه ولم يُفطم بعد أو تبيعة، ويلحظ هنا أن الشارع سوّى بين التبيع والتبيعة يعني جعله مخير، والأصل في جميع أنصبة الزكاة كما سبق الإناث؛ لأنها أنفع للفقراء والمساكين، لكن في الثلاثين من البقر أوجب تبيع أو تبيعة، قال: (إِلَى أَرْبَعِيْنَ، فَفِيْهَا مُسِنَّةٌ، لَهَا سَنَتَانِ) إذا بلغت البقر عند المسلم أربعين ففيها مسنة وليس مسن، مسنة أنثى أتمت سنتان ودخلت في الثالثة، قال: (إِلَى سِتِّيْنَ، فَفِيْهَا تَبِيْعَانِ) لأن من الأربعين إلى تسع وخمسين هذه ليس فيها إلا مسنة، فإذا بلغت ستين نقول: نعود إلى الثلاثين والثلاثين، تبيعان، أو تبيعتان، أو تبيع وتبيعة، المقصود أنه يخرج في الستين تبيعان، أو تبيعتان، أو تبيع وتبيعة (إِلَى سَبْعِيْنَ فَفِيْهَا تَبِيْعٌ -أو تبيعة- وَمُسِنَّةٌ) ثم تستقر الفريضة (ثُمَّ فِيْ كُلِّ ثَلاثِيْنَ تَبِيْعٌ، وَفِيْ كُلِّ أَرْبَعِيْنَ مُسِنَّةٌ) فإذا بلغت ثمانين؟ نقول: فيها مسنتان، في التسعين؟ ثلاثة أتبعة، في المائة؟ مسنة وتبيعان وهكذا، وكما قلت البقر من أسهلها وأيسرها، ولم يذكرها صلى الله عليه وسلم في حديث أبي بكر؛ لأنها لم تكن معروفةً بكثرة عند العرب في الجزيرة، لكن لما بعث معاذًا إلى اليمن، وكان اليمن يكثر فيه البقر أرشده إلى زكاة البقر، لما روى الإمام أحمد بإسناده عن يحيى بن الحكم أن معاذًا قال: «بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أصدق أهل اليمن -يعني آخذ صدقتهم- فَأَمَرَنِي أَنْ آخُذَ مِنْ كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعًا وَمِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً، وَمِنْ السِّتِّينَ تَبِيعَيْنِ، وَمِنْ السَّبْعِينَ مُسِنَّةً وَتَبِيعًا، وَمِنْ الثَّمَانِينَ مُسِنَّتَيْنِ، وَمِنْ التِّسْعِينَ ثَلَاثَةَ أَتْبَاعٍ، وَمِنْ الْمِائَةِ مُسِنَّةً وَتَبِيعَيْنِ، وَمِنْ الْعَشَرَةِ وَمِائَةٍ مُسِنَّتَيْنِ وَتَبِيعًا، وَمِنْ الْعِشْرِينَ وَمِائَةٍ ثَلَاثَ مُسِنَّاتٍ أَوْ أَرْبَعَةَ أَتْبَاعٍ، وَأَمَرَنِي الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم أَنْ آخُذَ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ سِنًّا إلَّا أَنْ يَبْلُغَ مُسِنَّةً أَوْ جَذَعًا»() [الحديث أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارمي والحاكم والبيهقي والدارقطني، وهو حديث صحيح].

رابط الفقرة 19

قال رحمه الله : (النَّوْعُ الثَّالِثُ: الْغَنَمُ، وَلا شَيْءَ فِيْهَا حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعِيْنَ) وهي أكثر وجودًا ونصابها أيضًا يسير معلوم، وهي التي لا تدفع عن نفسها، ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم من وجدها أن يلتقطها لأنها له أو لأخيه أو للسبع()، بخلاف الإبل فإنها تدفع عن نفسها، وهذا قول في سبب تسميتها بالغنم؛ لأنها غنيمة تُغنم، يعني لوجدها الإنسان وليس لها صاحب فإنه يغنمها، قال رحمه الله : (وَلا شَيْءَ فِيْهَا حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعِيْنَ) يعني تسعة وثلاثين من الغنم؟ نقول: لا زكاة فيها (فَفِيْهَا شَاةٌ) إذا بلغت أربعين (إِلَى عِشْرِيْنَ وَمِائَةٍ) وهذا وقص عظيم طويل، يعني من أربعين إلى مائة وعشرين شاة، من عنده أربعين، ومن عنده سبعين، ومن عنده مائة، ومن عنده مائة وعشرين ليس عليه إلا شاة واحدة (فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً) عن المائة وعشرين صارت مائة وواحد وعشرين (فَفِيْهَا شَاتَانِ، إِلَى مِائَتَيْنِ) من مائة وعشرين إلى مئتين شاتين (فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً) عن المائتين (فَفِيْهَا ثَلاثُ شِيَاهٍ) ثم تستقر الفريضة (ثُمَّ فِيْ كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ) إذن نصاب الغنم سهل، أربعين فيها شاة، مائة وواحد وعشرين شاتين، مائتين وواحد ثلاث شياه، طيب مائتين وتسعة وتسعين؟ ثلاث شياه، ثلاثمائة؟ ثلاث شياه، ثلاثمائة وتسعة وتسعين؟ ثلاث شياه على الصحيح، في رواية عن الإمام أنها أربع لكن الصحيح أن من مائتين وواحد إلى ثلاثمائة وتسعة وتسعين هذا أكبر وقص في بهيمة الأنعام، يعني الذي عنده مائتين وشاة مثل الذي عنده ثلاثمائة وتسعة وتسعين شاة فيها ثلاث، فإذا بلغت أربعمائة صار أربع شياه، هذا وقص الذي هو بين الفريضتين يسمى وقص، من مائتين وواحد إلى ثلاثمائة وتسعة وتسعين ثلاث شياه على الصحيح.

رابط الفقرة 20

قال رحمه الله : (وَلا يُؤْخَذُ فِي الصَّدَقَةِ تَيْسٌ) يعني ذكر، طبعًا المستثنى من بهيمة الأنعام الذي يجوز فيه إخراج الذكور، ما هو؟ مر بنا، بنت المخاض إذا عدمها له أن يخرج بدلها ابن لبون ذكر أكبر منها سن، يعوض عدم الإناث بأن يكون الذكر أكبر سنتين وبنت المخاض سنة، ما عنده سنة بنت مخاض، نقول: هات ابن لبون أو لو جاب حق أو جذع ذكر –كلمة غير مفهومة--، طيب هذا المستثنى الأول، الثاني: التبيع في البقر، من عنده ثلاثين قلنا مخير بين تبيع أو تبيعة، فالذكر في البقر يجزئ مثل الأنثى إذا كان عنده ثلاثين، لكن لو عنده أربعين نقول مسنة ولا يجزي مسن، الأمر الثالث: إذا كانت البهائم كلها عنده ذكور، واحد ما شاء الله زريبته كلها ذكور وحال عليها الحول وهي تبلغ نصاب، نقول: يخرج من جنسها، ولا نقول له: اذهب وبع واشتر لك أنثى وأعطناها، نقول: لا يكلف، فإذا كانت بهائمه كلها ذكور فإنه يخرج منها.

رابط الفقرة 21

قال رحمه الله : (وَلا يُؤْخَذُ فِي الصَّدَقَةِ تَيْسٌ، وَلا ذَاتَ عَوَارٍ-يعني مريضة معيبة-، وَلا هَرِمَةٌ) لهذا تلحظون في الإبل أكبر سن أربع وفي البقر سنتان، قال: (وَلا هَرِمَةٌ، وَلا الرُّبَّى) الرُّبَّى التي تربي ولدها ؛لأن هذا يجحف بصاحب المال، إذا أخذها وهي ترضع، قال بعض أهل العلم: أو التي تُربى للأكل، وهي الأكولة السمينة، التي يعدها صاحبها لنفسه ما يأتي -ما شاء الله- المصدق فيضع عينه عليها ويأخذها، نقول: اتق الله وإياك وكرائم أموالهم، فكما أننا لا نأخذ الضعاف والهزيلة والمريضة والذكر، لا نأخذ أيضًا كرائم الأموال وأحسنها، قال: (وَلا الرُّبَّى، وَلا المَاخِضُ -الحامل-، وَلا الأَكُوْلَةُ) الأكولة قالوا التي تعد للأكل أو التي تأكل بشراهة، وهي تسمن غالبًا (وَلا يُؤْخَذُ شِرَارُ المَالِ) يعني ينتقي صاحبه أسوأ ما عنده، نقول: اتق الله في نفسك، تعطي الله الضعيف والهزيل والمريض، والله جل شأنه يقول: ﴿ لَن تَنَالُوا۟ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا۟ مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ ﴾ [آل عمران: ٩٢]، ويقول: ﴿ وَلَا تَيَمَّمُوا۟ ٱلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِـَٔاخِذِيهِ ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، فنحن نعدل، لا نأخذ الهزيل والضعيف ولا أيضًا كرائم الأموال، قال: (وَلا يُؤْخَذُ شِرَارُ المَالِ، وَلا كَرَائِمُهُ، إِلاَّ أَنْ يَتَبَرَّع بِهِ أرْبَابُ المَال) واحد يجود نفسه، يقول: أنا علي بنت مخاض، خذوا حقة كما حصل في زمنه صلى الله عليه وسلم ، ويقول أنا كيف أعطي الله الضعيفة التي لا تُركب ولا تحلب فتجود نفسه، نقول: هذا كرم منه، والله يأجره عليه، لكن المصدق لا يجوز له أن يقول: تعال يا فلان أنت عندك خمسة وعشرين وما عندك ما شاء الله كلهم كبار إلا هالماخض تعطينها؟ لا أعطنا أكبر منها، نقول: لا، ليس لك إلا ما حدده الشارع بنت مخاض، ما دام عنده بنت مخاض يعطيه، حتى لو ما عنده يشتري بنت مخاض، ما يلزم أنه يعطيك إذا كان كل رؤوس ماله كبار.

رابط الفقرة 22

قال رحمه الله : (إِلاَّ أَنْ يَتَبَرَّع بِهِ أرْبَابُ المَال) فإذا تبرعوا جاز، وقد جاء في الحديث حديث معاذ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِيَّاكَ وكَرَائِمَ أمْوَالِهِمْ»() يعني اتقها [الحديث متفق عليه]، وقال صلى الله عليه وسلم : «إنَّ اللهَ لم يسألْكم خيرَه ولم يأمُرْكم بشرِّه»() [الحديث أخرجه أبو داود بسند حسن] «إنَّ اللهَ لم يسألْكم خيرَه» يعني ما طلب منكم أحسن أموالكم، ولا يرضى «ولم يأمُرْكم بشرِّه»، ألا تأتوا تدفعون السيء منه، وقال الزهري: إذا جاء المصدق قسم الشاء أثلاثًا، ثلثًا خيارًا، وثلثًا شرارًا، وثلثًا وسطًا، ويأخذ المصدق من الوسط، يعني هذا حل يعني إذا وجد عنده طيب ورديء ووسط، يؤخذ من الوسط.

رابط الفقرة 23

قال رحمه الله : (وَلا يُخْرِجُ إِلاَّ أُنْثَى صَحِيْحَةً، إِلاَّ فِيْ ثَلاثِيْنَ مِنَ الْبَقَرِ) ففيها تبيع أو تبيعة كما تقدم (وَابْنَ لَبُوْنٍ مَكَانَ بِنْتِ مَخَاضٍ إِذَا عَدِمَهَا) هذه ذكرها التي ذكرناها آنفا، يقول: (لا يُخْرِجُ إِلاَّ أُنْثَى صَحِيْحَةً، إِلاَّ فِيْ ثَلاثِيْنَ مِنَ الْبَقَرِ) فإنه يخرج فيها التبيع (وَابْنَ لَبُوْنٍ مَكَانَ بِنْتِ مَخَاضٍ إِذَا عَدِمَهَا إِلاَّ أَنْ تَكُوْنَ مَاشِيَتُهُ كُلُّهَا ذُكُوْرًا) هذه الحالة الثالثة، (أَوْ مِرَاضًا، فَيُجْزِئُ وَاحِدٌ مِنْهَا) لو كانت كلها عليلة مريضة، عنده أربعين شاة كلها فيها مرض، حل بها المرض وليس فيها صحيحة، فإنا نقول: يخرج منها، فإن الصدقة مواساة، يواسي مما يملك ولا يُقال له: اذهب واشتري لنا أطيب مما عندك وأعطنا، نقول: يؤخذ مما عنده، الجود من الموجود.

رابط الفقرة 24

قال رحمه الله : (إِلاَّ أَنْ تَكُوْنَ مَاشِيَتُهُ كُلُّهَا ذُكُوْرًا أَوْ مِرَاضًا، فَيُجْزِئُ وَاحِدٌ مِنْهَا، وَلا يُخْرِجُ إِلاَّ جَذَعَةً مِنَ الضَّأْنِ، أَوْ ثَنِيَّةً مِنَ المَعْزِ) مثل الأضحية والهدي والعقيقة، ما يجزئك من الغنم إلا الثني من المعز الذي تم له سنة أو الجذع من الضأن الذي تم له ستة أشهر، قال: (أَوِ السِّنَّ الْمَنْصُوْصَ عَلَيْهَا) يعني مما جاء سابقًا (إِلاَّ أَنْ يَخْتَارَ رَبُّ المَالِ إِخْرَاجَ سِنٍّ أَعْلَى مِنَ الْوَاجِبِ) فهذا له، جاء في حديث أُبي بن كعب: «أن رجلًا قدم على النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال: يا نبي الله، أتاني رسولك ليأخذ مني صدقة مالي فزعم -يعني قال، زعم تستعمل بمعنى قال- أن مالي فيه بنت مخاض -يقول زعم يعني المصدق جاء وقال ما عليك واجب إلا بنت مخاض- فعرضت عليه ناقة فتية ثمينة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ذلك الذي وجب عليك فإن تطوعت بخير آجرك الله فيه وقبلناه منك، فقال: ها هي ذه يا رسول الله، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبضها ودعا له بالبركة»() [أخرجه أبو داود بسند حسن] إذن تبرع وجادت نفسه، وجاء مستغرب للنبي صلى الله عليه وسلم ، يقول: جاء صاحب الصدقة العامل وقال: ما يجب عليك إلا بنت مخاض، فما طابت نفسه أن يُخرج بنت مخاض؛ لأن بنت المخاض فعلًا لا ظهر يركب ولا ضرعٌ يُحلب، فما فيها فائدة كبيرة للفقراء والمساكين، فهو أراد رضي الله عنه وأرضاه أن يعطي ناقة فتية سمينة يُستفاد منها.

رابط الفقرة 25

قال رحمه الله : (إِلاَّ أَنْ يَخْتَارَ رَبُّ المَالِ إِخْرَاجَ سِنٍّ أَعْلَى مِنَ الْوَاجِبِ، أَوْ تَكُوْنَ كُلُّهَا صِغَارًا، فَيُجْزِئُ صَغِيْرَةً) كلها مراض يخرج مريضة، كلها ذكور يخرج ذكورًا (وَإِنْ كَانَ فِيْهَا صِحَاحٌ وَمِرَاضٌ، وَذُكُوْرٌ وَإِنَاثٌ، وَصِغَارٌ وَكِبَارٌ، أَخْرَجَ صَحِيْحَةً كَبِيْرَةً، قِيْمَتُهَا عَلَى قَدْرِ قِيْمَةِ المَالَيْنِ، فَإِنْ كَانَ فِيْهَا بَخَاتِيُّ وَعِرَابٌ) هذه مسألة الإبل البخاتي والعراب نأتي إليها، يقول رحمه الله : إن كان في بهائم هذا الرجل صحاح ومراض مخلوطة، وذكور وإناث، وصغار وكبار، فإن المصدق يختار صحيحة كبيرة لكن قيمتها وسط، يعني لو فرضنا أن عنده عشرين شاة صغار وعشرين كبار، أو عشرين مريضة وعشرين صحيحة، نقول: يختار من الصحاح ما قيمتها بين قيمة الثنتين، لو فرضنا أن المريضات هذه قيمة الواحدة منها مائة ريال، والصحيحات قيمتها مائتين، نقول: له اخرج واحدة قيمتها مائة وخمسين لأن هذه الوسط بين الثنتين، نقول: أنت عندك نصف النصاب صحاح ونصفها مراض، لا نأخذ أطيب الطيب، ولا نأخذ من هذه المريضات، ما دام عندك صحاح أعطنا صحيح لكن أيضًا هذه الصحيحة لا تكون أطيبهن قيمة إلا أن تطيب نفسك، وهذا من تمام العدل، أن يؤخذ منه بقدر ما عنده، فلو كانت بعضها صحاح أو ربما ربع مريضة وثلاثة أرباع صحاح يؤخذ بقيمة ثلاثة أرباع الصحيحة.

رابط الفقرة 26

قال رحمه الله : (فَإِنْ كَانَ فِيْهَا بَخَاتِيُّ وَعِرَابٌ) هذه الإبل، العراب الإبل المعروفة التي لها سنم واحد وهي جرد حسان ملاح الأشكال، الإبل المعروفة عندنا، والبخاتي هي الإبل الغلاظ ذات السنامين، (وَبَقَرٌ وَجَوَامِيْسُ) البقر المعروفة أيضًا العربية الملاح الحسان، والجواميس الكبيرة ضخمة الأجسام كثيرة الألبان، هذه كلها فيها الزكاة سواء جواميس أو بقر أو إبل ذات سنامين أو ذات سنام، كلها تدخل في الإبل والبقر (وَمَعْزٌ وَضَأْنٌ، وَكِرَامٌ وَلِئَامٌ -يعني من أحسن ومن أضعف-، وَسِمَانٌ وَمَهَازِيْلُ، أُخِذَ مِنْ أَحَدِهِمَا بِقَدْرِ قِيْمَةِ المَالَيْنِ) ممكن عنده -ما شاء الله- أربعين بقرة وعشرين جواميس قيمتها أضعاف وعنده عشرين من البقر العربية، ما نيجي نأخذ أحسن الجواميس واحدة مسنة، نقول: لا، نأخذ بوسط بين بين، ولهذا يقول رحمه الله : إن كان عنده هذه وهذه مشكلة، فإننا نجمع الإبل ذات السنامين وذات السنام يكمل بعضها بعضًا، فعنده مخلوطة من القدر عشرين فيها أربع شياه، فلا نختار من الشياه أطيبها وإبله متفاوتة، إما بكبر وصغر، أو مرض وصحة، أو بخاتي وعراب، ومثله البقر والجواميس، ومثله المعز والضأن، قد تكون بعضها أكرم وبعضها كرام ولئام، يعني جميلة وحسنة ولها قيمة عند صاحبها، ربما رأس واحد عن عشر رؤوس، وسمان ومهازيل أخذ من أحدهما بقدر قيمة المالين.

رابط الفقرة 27

قال رحمه الله : (وَإِنِ اخْتَلَطَ جَمَاعَةٌ فِيْ نِصَابٍ مِنَ السَّائِمَةِ حَوْلًا كَامِلًا، وَكَانَ مَرْعَاهُمْ وَفَحْلُهُمْ، وَمَبِيْتُهُمْ وَمِحْلَبُهُمْ، وَمَشْرَبُهُمْ واحدًا، فَحُكْمُ زَكَاتِهِمْ حُكْمُ زَكَاةِ الْوَاحِدِ، وَإِذَا أُخْرِجَ الْفَرْضُ مِنْ مَالِ أَحَدِهِمْ، رَجَعَ عَلَى خُلَطَائِهِ بِحِصَصِهِمْ مِنْهُ، وَلا تُؤَثِّرُ الْخِلْطَةُ إِلا فِيْ السَّائِمَةِ) هذه الخلطة لها أحكام خاصة ببهيمة الأنعام، يقول رحمه الله : (وَإِنِ اخْتَلَطَ جَمَاعَةٌ فِيْ نِصَابٍ مِنَ السَّائِمَةِ حَوْلًا كَامِلًا، وَكَانَ مَرْعَاهُمْ وَفَحْلُهُمْ، وَمَبِيْتُهُمْ -المكان الذي تبيت فيه البهيمة- وَمِحْلَبُهُمْ، وَمَشْرَبُهُمْ واحدًا، فَحُكْمُ زَكَاتِهِمْ حُكْمُ زَكَاةِ الْوَاحِدِ) سواءً كانت هذه الخلطة خلطة أعيان، بأن تكون مشاعًا بينهم، يعني ورثة نفرضها بالورثة مات أبوهم وعندهم أربعين رأس غنم وهم أربعة ذكور، كل واحد يملك من هذه الأربعين شاة عشر شياه، أبقوها ما باعوها واستمرت، نقول فيها زكاة، ليس لواحد منهم عشر معينة، العشر هو يملك ربع الجميع، يعني له من كل رأس ربعها، فنقول: هذه مشاعة بينهم، لكن هذا له ربعه، وهذا له ربعه، وهذا له ربعه، وهذا له ربعه، فإذا جاء المصدق يأخذ شاة واحدة في الأربعين، ولا يقولون له الأربعين بيننا الأربعة، كل واحد له عشر وما في زكاة، نقول: لا، أنتم مجتمعين ولا تفرقتم فالأربعين كأنها حلال لشخص واحد؛ لأنها مجتمعة لكن لو أن كل واحد أخذ عشر تقاسموها قبل وانفصل عن أصحابه بمسرح ومبيت ومأوى وفحل ومرعى، نقول: استقلوا، كل واحد أصبح دون النصاب فلا زكاة عليه، هذه هي خلطة الأوصاف.

رابط الفقرة 28

وكذلك خلطة الأعيان بأن كان لكل واحد مجموعة معروفة، يعني أربعين رجل كل واحد بمقابلة شاة عند الراعي، كل واحد يعرف شاته بوسمها، يجون يأخذون منها ما تيسر من حليب، هذه الأربعين شاة لو أنها لكل واحد شاة منفصلة ما فيها زكاة، لكن لما جمعوها واتفقوا على المرعى والفحل والمبيت والمشرب واحد فإن فيها زكاة، ولهذا إذا جاء المصدق يأخذ شاة واحدة من هذه الأربعين، يجي صاحب الشاة التي أُخذت فيقول عوضوني، نقول: كم قيمة شاتك؟ قال مثلًا: قيمة الشاة أربعمائة ريال، نقول: إذن كل واحد يدفع عشرة، فإذا دفعوا لك عشرة صار عندك ثلاثمائة وتسعين ريال القيمة والعشرة نصيبك أنت، يعني بمعنى أنه ما دام أنه أُخذت شاتك، فالبقية يدفعون لك سهمًا من قيمته؛ لأن الأصل أنه يأخذ شاة واحدة وأنتم تصلحون فيما بينكم.

رابط الفقرة 29

إذن لابد أن يختلطوا في هذه الأمور كلها الستة: في المراح، والمسرح، والمحلب، والمشرب، والراعي، والفحل، فإن اختل شرط منها أو ثبت لها حكم الانفراد في بعض الحول، زكيا زكاة المنفردين، والأصل في الخلطة ما ثبت في الصحيح من حديث أنس في الصدقات: «وَلَا يُجمَعُ بَينَ مُتفَرِّقٍ، ولا يُفرَّقُ بَينَ مُجتَمِعٍ خَشيةَ الصَّدَقةِ، وما كان مِن خَليطَيْنِ فإنَّهما يَتراجَعانِ بَينَهما بالسَّويَّةِ»()، يقول صلى الله عليه وسلم في حديث أبي بكر وهو في الصحيح، يقول: «وَلَا يُجمَعُ بَينَ مُتفَرِّقٍ»، يعني ما يأتي إنسان يقول: فلان أنت عندك عشرين وأنت يا فلان عندك عشرين، نضمهم مع بعض حتى نأخذ الزكاة، نقول: ما يجوز، لا تجمع بين متفرق، ولا تفرق بين مجتمع، يأتي أناس عندهم مائة وعشرين شاة وهم ثلاثة، كل واحد أربعين، فيقول: لا، أنا باخذ ثلاثة شياه، لماذا يا فلان أراك تأخذ ثلاث شياه؟ قال له: أربعين، أربعين، أربعين، نقول: لكنهم مجتمعين، إذا اجتمعوا ما يجوز لك أن تفرق لتزيد عليهم في الزكاة، كما أنه لا يجوز لهم هم أن يجتمعوا ليسقطوا الزكاة، قال: «وَلَا يُجمَعُ بَينَ مُتفَرِّقٍ، ولا يُفرَّقُ بَينَ مُجتَمِعٍ خَشيةَ الصَّدَقةِ، وما كان مِن خَليطَيْنِ فإنَّهما يَتراجَعانِ بَينَهما بالسَّويَّةِ»؛ لأن المالين صارا كالمال الواحد.

رابط الفقرة 30

هذه أهم مسائل زكاة بهيمة الأنعام، بقي عندنا أن بقية الأموال ما تدخلها الخلطة، يعني لو أناس مشتركين في تجارة، نقول: الزكاة ستؤخذ بالنسبة، سيقسم قيمة المال وقيمة العروض التجارية على أربعين وستخرج الزكاة، وكلٌ يعرف نسبته، لا تؤثر الخلطة في أموال الزكاة الأخرى، لو كان عند إنسان غنم في الرياض، أربعين شاة، وعنده في القصيم أربعين شاة، وعنده في عسير أربعين شاة، فهل نطبق عليه الخلطة؟ نقول: عليه أربعين شاة في الرياض، وهذه أربعين شاة، وهذه أربعين أو نقول ما دام مالك واحد فمائة وعشرين ما فيها إلا شاة واحدة؟ قولان لأهل العلم: أصحهما أن المال للمالك الواحد يعد مالًا واحدًا ولو اختلفت بلدانهم، فلا نقول: ما دام نزكي التي في القصيم أربعين هات شاة، والتي في الرياض هات شاة، نقول: لا، ماله جميعًا نزكيه ولا يلزمه ما دام أن عنده مائة وعشرين إلا شاة واحدة.

رابط الفقرة 31

أسأل ربي التوفيق والتسديد والإعانة، وأن يرزقنا جميعًا العلم النافع والعمل الصالح إنه قريبٌ مجيبٌ، وبالله التوفيق وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

رابط الفقرة 32

الحواشي

  1. (1)

    أخرجه البخاري (4210)، ومسلم (2406).

    العودة إلى موضع الحاشية
  2. (2)

    أخرجه الطبراني (11/40) (10974)، وابن عدي في الكامل في الضعفاء (3/455)، والدارقطني (2/103) عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس في البَقَرِ العوامِلِ صدَقَةٌ»، والحديث ضعفه الألباني في ضعيف الجامع (4905).

    العودة إلى موضع الحاشية
  3. (3)

    أخرجه البخاري (1454).

    العودة إلى موضع الحاشية
  4. (4)

    الصواب: ثلاث بنات لبون وحقة.

    العودة إلى موضع الحاشية
  5. (5)

    أخرجه البخاري (1453).

    العودة إلى موضع الحاشية
  6. (6)

    أخرجه البخاري (1454).

    العودة إلى موضع الحاشية
  7. (7)

    لم أجد من خرجه بلفظه هذا كاملًا.

    العودة إلى موضع الحاشية
  8. (8)

    أخرج البخاري (6112) الحديث الذي يدل على هذا المعنى عن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل عن ضالة الغنم فقال: «خُذْهَا، فإنَّما هي لكَ أوْ لأخِيكَ أوْ لِلذِّئْبِ».

    العودة إلى موضع الحاشية
  9. (9)

    أخرجه البخاري (1496) واللفظ له، ومسلم (19).

    العودة إلى موضع الحاشية
  10. (10)

    أخرجه أبو داود (1582)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (4528)، والبيهقي (7525) باختلاف يسير، وقال عنه المنذري في الترغيب والترهيب (2/7) أن الحديث لا ينزل عن درجة الحسن وقد يكون على شرط الصحيحين أو أحدهما.

    العودة إلى موضع الحاشية
  11. (11)

    أخرجه أبو داود (1583) عن أبي بن كعب رضي الله عنه أنه قال جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا نبيَّ اللهِ أتاني رسولُكَ لِيأخذَ مني صدقةَ مالي وايمُ اللهِ ما قام في مالي رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ولا رسولُه قطُّ قبلَه فجمعتُ له مالي فزعم أنَّ ما عليَّ فيه ابنةُ مَخاضٍ وذلك ما لا لبنَ فيه ولا ظهرَ وقد عرضت عليه ناقةً فتيَّةً عظيمةً لِيأخذَها فأبى عليَّ وها هي ذِهْ قد جئتُك بها يا رسولَ اللهِ خُذْها فقال له رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ذاك الذي عليك فإن تطوَّعتَ بخير آجَركَ اللهُ فيه وقبِلْناه منك قال فها هي ذِهْ يا رسولَ اللهِ قد جئتُك بها فخُذْها قال فأمر رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بقبضِها ودعا له في ماله بالبركةِ»، والحديث حسنه الألباني في صحيح أبي داود (1583).

    العودة إلى موضع الحاشية
  12. (12)

    أخرجه النسائي (2447)، وأحمد (72)، والحديث صححه الألباني في إرواء الغليل (3/264).

    العودة إلى موضع الحاشية