ملفات PDF ١ ملف
النص المقروء
عناوين هذا الدرس
[الدَّرْسُ الخَامِسُ وَالْأَرْبَعُونَ]
رابط الفقرة 1[كِتَابُ الزَّكَاةِ]
رابط الفقرة 2الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أفضل صلاة وأتم تسليم.
رابط الفقرة 3أما بعد؛ أيها الأخوة والأخوات سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وحياكم الله في الدرس الخامس والأربعون من دروس شرح عمدة الفقه للإمام موفق الدين «ابن قدامة رحمه الله »، وقد انتهينا في الدرس الماضي من باب الزكاة بهيمة الأنعام، واليوم نأتي إلى الصنف الثاني من الأموال الزكوية وهو ما يتعلق بالخارج من الأرض.
رابط الفقرة 4قال المؤلف رحمه الله :
رابط الفقرة 5بَابُ زَكَاةِ الخَارِجِ مِنَ الأَرْضِ
رابط الفقرة 6وَهُوَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: النَّبَاتُ، فَتَجِبُ الزَّكَاةُ مِنْهُ فِيْ كُلِّ حَبٍّ وَثَمَرٍ يُكَالُ وَيُدَّخَرُ، إِذَا خَرَجَ مِنْ أَرْضِهِ، وَبَلَغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ صلى الله عليه وسلم «لَيْسَ فِيْ حَبٍّ وَلا ثَمَرٍ صَدَقَةٌ حَتَّى يَبْلُغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ»، وَالوَسْقُ: سِتُّوْنَ صَاعًا، وَالصَّاعُ: رِطْلٌ بِالدِّمَشْقِيِّ وَأُوْقِيَّةُ وَخَمْسَةُ أَسْبَاعِ أُوْقِيَّةٍ، فَجَمِيْعُ النِّصَابِ: مَا قَارَبَ ثَلاثَمِائَةٍ وَاثْنَيْنِ وَأَرْبَعِيْنَ رِطْلًا وَسِتَّةَ أَسْبَاعِ رِطْلٍ.
رابط الفقرة 7يقول رحمه الله في هذا الباب: (بَابُ زَكَاةِ الخَارِجِ مِنَ الأَرْضِ) ثم ذكر أنه على نوعين:
رابط الفقرة 8أولًا: ما الدليل على وجوب الزكاة في الخارج من الأرض؟ نقول: دل على وجوب الزكاة في الخارج من الأرض سواءً كان من الحبوب والثمار أو المزروعات، مما يكال ويدخر أو كان من المعادن، وكذلك العسل وهو ملحقٌ بالخارج من الأرض، دل على وجوب الزكاة فيها عموم قول الله جل شأنه وتقدس اسمه: ﴿ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَنفِقُوا۟ مِن طَيِّبَـٰتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ ۖ ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، قد يقول قائل: هذا فيه حث وحضٌ على النفقة وليس فيه ذكرٌ للزكاة، فنقول: إن الزكاة تسمى نفقة، ألم تسمع الله يقول: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍۢ ٣٤ ﴾ [التوبة] ؟ إذن الزكاة تطلق على النفقة، فقوله جل شأنه: ﴿ أَنفِقُوا۟ مِن طَيِّبَـٰتِ مَا كَسَبْتُمْ ﴾ [البقرة: ٢٦٧] هذا في الزكاة الواجبة وإن أُلحق بها صدقة التطوع، كما يدل على ذلك عموم قول الله جل شأنه وتقدس اسمه: ﴿ وَءَاتُوا۟ حَقَّهُۥ يَوْمَ حَصَادِهِۦ ۖ ﴾ [الأنعام: ١٤١].
رابط الفقرة 9قال رحمه الله : (وَهُوَ -أي الخارج من الأرض- نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: النَّبَاتُ) لأنه سيأتي النوع الثاني المعدن، قال: (أَحَدُهُمَا: النَّبَاتُ، فَتَجِبُ الزَّكَاةُ مِنْهُ فِيْ كُلِّ حَبٍّ وَثَمَرٍ، يُكَالُ وَيُدَّخَرُ) مثاله: الحنطة، الشعير، الأرز، الدخن، العدس، الحمص، هذه الحبوب التي تُكال وتدخر تجب فيها الزكاة بأنواعها حتى لو لم تكن قوتًا للآدميين كحب الرشاد، حب الرشاد ما أحد يأكله كطعام وقوت لكن فيه زكاة، وكذلك حب الفجل الذي يزرع وحب الأبازير كلها كالكزفرة أو الكزبرة والكمون والقثاء والخيار، حبوبها التي تبذر إذا بلغت عند أصحاب المزرعة خمسة أوسق ففيها الزكاة، إذ ليس من شرط وجوب الزكاة أن تكون مما يقتات أو يقتاته الآدميون، هذا ليس بشرط إنما الشرط كما سيأتي أن تكون مما يُكال ويُدخر، ولهذا قال رحمه الله : (النَّبَاتُ -هذا النوع الأول- فَتَجِبُ الزَّكَاةُ مِنْهُ فِيْ كُلِّ حَبٍّ وَثَمَرٍ) الحب مثل ما مثلنا، والثمر سيأتي كالتمر بأنواعه، والزبيب ونحوه، قال: (فِيْ كُلِّ حَبٍّ وَثَمَرٍ، يُكَالُ وَيُدَّخَرُ، إِذَا خَرَجَ مِنْ أَرْضِهِ) إذ لو خرج في البر مثل شعير الجبل كما يسمى، هذا ما فيه زكاة (وَبَلَغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ) هذا الشرط الأول، وإن كان بعضهم يقول أن يكون مما يكال ويدخر شرط، والشرط الثاني أن يبلغ خمسة أوسق، المقصود أنه لابد أن يكون مما يكال ويدخر، وأن يبلغ النصاب الشرعي، ما هو النصاب الشرعي؟ خمسة أوسقٍ (لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ صلى الله عليه وسلم «لَيْسَ فِيْ حَبٍّ وَلا ثَمَرٍ صَدَقَةٌ حَتَّى يَبْلُغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ» وَالوَسْقُ: سِتُّوْنَ صَاعًا، وَالصَّاعُ) يختلف أهل العلم المعاصرين في تقديره بالكيلوات، فأقل تقديرٍ في البر الجيد عند شيخنا العلامة الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله ما يبلغ كيلوين وأربعين جرام فقط، ولهذا عند الشيخ من عنده محصول من هذه المزروعات التي فيها الزكاة تبلغ ستمائة وإثني عشر كيلًا ففيها زكاة، والذين يقدرون الصاع بثلاثة كيلوات، الخمسة أوسق عندهم يكون قدرها تسعمائة؛ لأن الوسق ستون صاع في خمسة أوسق، ثلاثمائة صاع إذا ضربناه في ثلاثة كيلوات يكون الناتج تسعمائة كيلو، هذا أقل من الطن، ولهذا أصحاب المزارع الآن المشهورة بالرشاشات، هؤلاء ما يسألون ولا يحتاجون يدققون عليكم الزكاة يقينًا إذ إنتاجهم بالأطنان وليس بالكيلوات، لكن أصحاب المزارع الصغيرة، ولا يزال في بعض المناطق النائية في هذه البلاد وغيرها مزارع صغيرة، يمكن يكون محصوله ما فيه زكاة، لكنا نقول: إذا بلغ تسعمائة كيلًا ففيه زكاة عند الجميع، وأما إذا كان من البر الجيد الرزين فشيخنا محمد رحمه الله يرى أنها أقل من ذلك وأنه إلى ستمائة وإثني عشر كيلًا، أصحاب المزارع اليوم الذين يدخلون في الصوامع وفي غيرها بالأطنان، هؤلاء عليهم الزكاة بلا سؤال، مثل التاجر الذي عنده مال كثير ما يسأل، لكن إنسان ما عنده إلا مال يسير يسأل، يقول: كم النصاب؟ نقول: النصاب قرابة ألف ومائتين ريال سعودي، فالذي عنده ألف ومائتين ريال سعودي يحول عليه حول هذا فيه زكاة، وسيأتينا في الباب الذي عقب ذلك، وهو باب زكاة الأثمان وكذلك عروض التجارة.
رابط الفقرة 10قال رحمه الله : (خَمْسَةَ أَوْسُقٍ، وَالوَسْقُ: سِتُّوْنَ صَاعًا) ثم جاء بالمقادير المعروفة والمكاييل عندهم، ويُفهم من قوله: (فِيْ كُلِّ حَبٍّ وَثَمَرٍ، يُكَالُ وَيُدَّخَرُ) أنه لا تجب الزكاة في الخضروات والبقول والزهور، هذا لا زكاة فيها لكن لو أدخلها عروض تجارة تُزكى زكاة عروض التجارة، إذن الفواكه بأنواعها والخضروات بأنواعها الكوسة والباذنجان والقرع والطماطم كل هذا لا زكاة فيه، لماذا؟ لأنه لا يُدخر، قد يُكال أو يوزن لكنه لا يدخر، ومثله البقول، ومثله الورقيات، ومثله الزهور، فهذه التي لا تدخر لا زكاة فيها إلا إذا بيعت، حولها من زكاة الخارج من الأرض إلى عروض تجارية، نقول: يزكيها زكاة مال، مثل بهيمة الأنعام كما سبق، قلنا في بهيمة الأنعام إن الذي عنده دون الأربعين رأس من الغنم ما فيها زكاة لكن لو كانت للبيع والشراء، نقول: فيها زكاة ربما لو لم يملك إلا شاة واحدة تبلغ قيمتها ألف ومائتين أو ألف وخمسمائة ففينا زكاة إذا كانت معدة للبيع والشراء، إذن تخرج من زكاة الخارج من الأرض إلى زكاة عروض التجارة إذا كانت من الخضروات والبقلويات والزهور والفواكه بأنواعها.
رابط الفقرة 11قال رحمه الله في مقدار ما يخرج من هذه الحبوب والثمار: (وَيَجِبُ الْعُشْرُ فِيْمَا سُقِيَ مِنَ السَّمَاءِ وَالسُّيُوْحِ) وهو ما يسمى البعلي الذي يشرب بعروقه، فهذا الذي منّ الله على أهله أنهم فقط يبذرون، يجهزون الأرض ويبذرون ثم ينزل المطر تلو المطر فينبت، أوجب فيه الشارع أعظم النصاب وأكثره وهو العشر، فإذا أنتجت مزرعته طن يخرجه مائة كيلًا لأن الطن ألف، وهذا لأنه استمتع وتمتع ولم يتعب؛ لأن أكبر جهد يبذله المزارع في استخراج الماء، لا في حفر البئر ولا في المكائن التي تستخرج سواء كانت مكائن تقليدية أو السواني أو بالإبل أو البقر أو كان بالغطاسات أو بالرشاشات هذا كلفة عالية، ولهذا إذا سقط هذا كله فإن الشارع يوجب عليه العشر كله.
رابط الفقرة 12قال رحمه الله : (وَنِصْفُ الْعُشْرِ فِيْمَا سُقِيَ بِكُلْفَةٍ، كَالدَّوَالِيْ وَالنَّوَاضِحِ) الذي يسقى بكلفة ومؤونة والماء يستخرج بجهد جهيد مثل السواني السابقة والنواضح من الإبل والبقر، واليوم المكائن التي تكلف مئات الآلاف أحيانًا، حفر الآبار تجاوز الكيلو ونصف يحفرون في الأرض ثم يستخرجون هذا الماء بكلفة عالية ووقود وجهد عظيم لم يوجب عليه الشارع إلا نصف العشر، فلو كان عنده طن عليه خمسين كيلًا وإذا كان بين بين، نصف إنتاجه يسقى بمؤونة ونصفه بدون مؤونة، نقول: فيه ثلاثة أرباع العشر (وَإِذَا بَدَا الصَّلاحُ فِيْ الثَّمَرِ، وَاشْتَدَّ الحَبُّ، وَجَبَتِ الزَّكَاةُ) يعني متى تجب الزكاة؟ نقول: إذا بدأ الصلاح في الثمار، في التمر بدأ يحمر أو يصفر وهو عروس النخل ومثل العنب، واشتد الحب في سنبله وجبت الزكاة، ولهذا الخارص الذي يقدر الزكاة يأتي في هذا الوقت ويقدر كم في رؤوس النخل هذه من زكاة، وكم في السنبل من زكاة، قال: (وَلا يُخْرَجُ الحَبُّ إِلاَّ مُصَفًّى، وَلا الثَّمَرُ إِلاَّ يَابِسًا) إذن تجب الزكاة بمجرد بدو الصلاح واشتداد الحب في السنبل لكنه لا يخرجه للفقراء والمساكين والمحاويج إلا وقد صفاه إذا كان مما يحتاج إلى تصفية، وكذلك الثمر لا يخرجه إلا وقد يبس، يعني ما يخرج التمر إلا قد أصبح ضميدًا لا يخرج رطب، ومثله العنب لا يخرجه إلا إذا صار زبيبًا، لو كان هذا التمر مما لا يصلح تمرًا يعني رطب يؤكل رطب، ما يقبض مثله أو نوع من العنب ما يتحول إلى زبيب، فنقول: يخرج من جنسه.
رابط الفقرة 13قال رحمه الله : (وَلا زَكَاةَ فِيْمَا يَكْسِبُهُ مِنْ مُبَاحِ الحَبِّ وَالثَّمَرِ، وَلا فِيْ اللَّقَاطِ) يقول إن الزكاة تجب وتتعلق بالذمة إذا بدا صلاح الثمر واشتداد الحب، فما يكسبه اللقاط الذي يشتغل عند الناس يجني الثمار ويحصد لهم القمح أو الشعير أو يجني لهم التمر قد يكسب أجرة يعني يعطونه أجرة على ما يعمله، قد يكون عنده أطنان من مجموع ما جمعه من عمله، هل فيه زكاة؟ نقول: لا، لا زكاة عليه هو؛ لأنه لم يكسبه إلا بعد بدو الصلاح، والزكاة وجبت وتعلقت بذمة المالك لما بدا صلاح هذا الثمر فيخرج الزكاة المالك، أما الذي أخذه مقابل أجرة أو عمل، وكذلك ما حصله من مباح الحب والثمر، تساقط وأخذه أو قال للفقراء والمساكين ما يسقط في الأرض لكم خذوه وجمع فإنه لا زكاة فيه، ومثل ذلك أيضًا لو أنه بعد بدو الصلاح والثمر ملك هذا المال ببيع أو شراء.
رابط الفقرة 14قال رحمه الله : (وَلا مَا يَأْخُذُهُ أُجْرَةً لِحَصَادِهِ -كذلك لا زكاة فيه- وَلا يُضَمُّ صِنْفٌ مِنَ الحَبِّ وَالثَّمَرِ إِلَى غَيْرِهِ) هذه مسألة مهمة، فلا يضم البر للشعير، واحد عنده مثلًا خمسمائة كيلو بر وخمسمائة كيلو شعير، نقول: هذا طن، تسعمائة تعد نصاب، إذا كان ما عنده إلا هذا وهذا فلا يضم هذا مع هذا، ولا تمرٌ لزبيب، لا يضم هذا في تكميل النصاب، مثل من كان عنده خمسة عشر رأسًا من البقر وعشرين رأس من الغنم، عنده نصف نصاب غنم ونصف نصاب بقر، نقول: ما عليك زكاة، فلا يضم هذا مع هذا كالمواشي.
رابط الفقرة 15قال رحمه الله : (وَلا يُضَمُّ صِنْفٌ مِنَ الحَبِّ وَالثَّمَرِ إِلَى غَيْرِهِ فِيْ تَكْمِيْلِ النِّصَابِ، فَإِنْ كَانَ صِنْفًا واحدًا، مُخْتَلِفَ الأَنْوَاعِ، كَالتُّمُوْرِ، فَفِيْهِ الزَّكَاةُ) عنده ما شاء الله أطنان أو عنده حتى طن واحد من التمور لكن عنده سكري وخلاص وشيشي وغيره من الأنواع، نقول: يضم بعضها إلى بعض، قال رحمه الله : (وَيُخْرِجُ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ زَكَاتَهُ، وَإِنْ أَخْرَجَ جَيِّدًا عَنِ الرَّدِيْءِ، جَازَ، وَلَهُ أَجْرُهُ) لو كان كل إنتاجه فيه غبير أو فيه مرض من أمراض التمور أو الحبوب ونحوها لكن عنده ما شاء الله القدرة أنه يستبدله أو عنده قليل طيب والباقي رديء فأخرج الجيد عن الردي لا شك أن هذا أعظم أجرًا له لكنه لا يكلف بهذا، إذا كان كل إنتاجه فيه مرض فإنه لا يكلف بشراء طيب ليعطيه، كما سبق في بهيمة الأنعام تمامًا، يلحق بذلك قبل أن ننتقل للنوع الثاني العسل، ففيه زكاة على الصحيح وهو مذهب الحنفية والحنابلة إذا بلغ مائة وستين رطلًا وفيه العشر؛ لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: «أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أخَذَ منَ العَسَلِ العُشْرَ»(1) [رواه ابن ماجة] وهو نعمة ويباع ويشترى، نقول: إذا كان ما يبيع فيه ويشتري أخرجه، نقول: يخرج العشر لكن لو أنه دون المائة وستين رطل لكنه حوله إلى تجارة بيع وشراء فيزكيه زكاة عروض التجارة.
رابط الفقرة 16قال رحمه الله : (النَّوْعُ الثَّانِيْ:) لأنه قال في البداية إن الخارج من الأرض نوعان أحدهما النبات، ثم قال: (النَّوْعُ الثَّانِيْ: المَعْدِنُ، فَمَنِ اسْتَخْرَجَ مِنْ مَعْدِنٍ نِصَابًا مِنَ الذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ، أَوْ مَا قِيْمَتُهُ نِصَابًا مِنَ الجَوَاهِرِ، أَوِ الْكُحْلِ أَوِ الصُّفْرِ، أَوِ الحَدِيْدِ، أَوْ غَيْرِهِ فَعَلَيْهِ الزَّكَاةُ) لأن هذه تدخل في عموم قوله جل شأنه: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ ﴾ [التوبة: ٣٤]، ويدخل أيضًا في عموم قوله تعالى: ﴿ أَنفِقُوا۟ مِن طَيِّبَـٰتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ ۖ ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، فإذا استخرج من الأرض نوعًا من هذه الأنواع التي لها قيمة فإن فيها زكاة، قال: (وَلا يُخْرَجُ إِلاَّ بَعْدَ السَّبْكِ وَالتَّصْفِيَةِ، وَلا شَيْءَ فِيْ اللُّؤْلُؤِ وَالمَرْجَانِ، وَالْعَنْبَرِ وَالسَّمَكِ) على الصحيح، قال: (وَلا فِيْ شَيْءٍ مِنْ صَيْدِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) أولًا: نقول المعادن التي قد يستخرجها الإنسان من أرضه فيها زكاة، إلا ما كان اختصاص استخراجها لولي الأمر مثل البترول الآن حتى لو اكتشف الإنسان أن في أرضه بترول فإن ولي الأمر يأخذه ويعوضه، لكنه يأخذ الأرض ويعوضها حينئذ تخرج من ملك الأفراد إلى ملك الدولة.
رابط الفقرة 17ثم ختم الباب بقوله رحمه الله : (وَفِي الرِّكَازِ الخُمُسُ، أَيَّ نَوْعٍ كَانَ مِنَ المَالِ، قَلَّ أَوْ كَثُرَ، ومَصرِفُه مَصرِفُ الْفَيْءِ، وَبَاقِيْهِ لِوَاجِدِهِ)، أولًا قوله: (وَلا شَيْءَ فِيْ اللُّؤْلُؤِ وَالمَرْجَانِ، وَالْعَنْبَرِ وَالسَّمَكِ) جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: «لا شيء في العنبر إنما هو شيءٌ ألقاه البحر»(2)؛ ولأنه كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه فلم تسبق فيه سنة وعلى قياسه اللؤلؤ والمرجان، وجاء الإمام أحمد رحمه الله أنه قال فيه زكاة لكن الصحيح الأول، وكذلك صيد البر والبحر لا زكاة فيه لأنه مباح فأشبه اللقاط وما يلتقطه الذين قلنا لا تجب الزكاة عليهم مما يجنونه سواء أجرة أو مما تركه أصحاب المزارع لهم.
رابط الفقرة 18قال رحمه الله : (وَفِي الرِّكَازِ الخُمُسُ، أَيَّ نَوْعٍ كَانَ مِنَ المَالِ، قَلَّ أَوْ كَثُرَ، ومَصرِفُه مَصرِفُ الْفَيْءِ، وَبَاقِيْهِ لِوَاجِدِهِ) هذا الركاز ما هو؟ نقول: الركاز ما وجد من دفن الجاهلية، فإن كان عليه علامة كفر كأسماء الكفار أو أسماء ملوكهم أو صور كفار أو صور ملوكهم أو صور صلبانهم أو صور أصنامهم، فإنا نقول: هذا دفن فيه الزكاة، وهو أعلى مخرج في الزكاة فيه الخمس، يعني إنسان يحفر في أرضه ووجد ما شاء الله كنز عظيم من الذهب يقدر بالكيلوات في أرضه التي ملكها واشتراها، نقول: هذا الذي استخرجته من الأرض فيه الخمس تلاحظون الخارج من الأرض فيه العشر أو نصف العشر، هذا فيه الخمس يعني عشرين في المائة؛ لأنه حصله بدون جهد جهيد لا زرع ولا شيء، ما دام أن عليه علامة من علامات الكفر وجد عليه أصنام مرسومة منحوتة أو أسماء ملوك كفار أو صلبان، يعني علمنا أن هذا من دفن الجاهلية موجود أو مرت عليه قرون لكن هذا الإنسان وجده، فنقول: أخرج منه الخمس؛ لما جاء في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «فِي الرِّكازِ الخُمُسُ»(3) [الحديث متفق عليه] ولأنه مال مظهور عليه بالإسلام فوجب فيه الخمس كالغنيمة، وتجب في قليله وكثيره، ولهذا ليس له نصاب، نقول: أي شيء استخرجته من الأرض ركاز عليه علامات الجاهلية قليل أو كثير أخرج خمسه، ولا يلزم أن يمضي عليه الحول فمن حين إخراجه (ومَصرِفُه مَصرِفُ الْفَيْءِ) بمعنى أنه يصرف في مصالح المسلمين، هذا الخمس يوضع في بيت مال المسلمين لمصالح المسلمين؛ لما جاء عن عمر رضي الله عنه أنه رد بعض خمس الركاز على واجده ولا يجوز ذلك في الزكاة، وعنه أنه زكاة وهو الصحيح فمصرفه مصرفها، اختار ذلك الخرقي لأن عليًا رضي الله عنه أمر واجد الركاز أن يتصدق به على المساكين، ولأنه حق تعلق بمستفاد من الأرض فأشبه صدقة المعدن، لكن المشهور في المذهب أن مصرفه مصرف الفيء ويصرف في مصالح المسلمين.
رابط الفقرة 19قال رحمه الله : (وَبَاقِيْهِ لِوَاجِدِهِ) يعني الأربعة الأخماس لمن وجده، لكن لو كان عليه علامة من علامات المسلمين كأن يوجد عليه مكتوب لا إله إلا الله محمد رسول الله أو اسم خليفة من خلفاء المسلمين أو ملك من ملوك المسلمين، فإنا نقول: هذا لقطة تجري عليه أحكام اللقطة في التعريف ولا يتملك ولا يخرج الخمس حتى يمضي عليه الحول.
رابط الفقرة 20قال رحمه الله : (وَبَاقِيْهِ لِوَاجِدِهِ) يعني لصاحبه إذا أخرج الخمس، إذا كان عليه علامة من علامات الجاهلية من علامات الكفر فهو ركازٌ فيه الخمس والباقي له، وإن كان عليه علامة للمسلمين فقط فلقطة، قالوا: ولو وجد عليه علامة كفر وإسلام فإنه أيضًا يغلب جانب تملك المسلمين له فيعد لقطة، وكذلك إن لم توجد عليه علامة، قد نجد شيء مدفون من دفن ما ندري هو من تاريخ المسلمين أو قبل المسلمين، ما عليه أي علامة لا تدل على الكفر أو على الإسلام، نقول: هذا لقطة يغلب جانب أنه للمسلمين فيكون لقطة يبحث عن صاحب، قوله رحمه الله : (وَبَاقِيْهِ لِوَاجِدِهِ) قال الفقهاء: ولو أجيرًا لغير طلبه، يعني لو أن إنسان عنده مزرعة أو عنده أرض أتى بعمال وقال احفروا لي هنا، لا للبحث عن هذا الكنز، لم يرى في منام ولا أحد قال له فيه كنز ولا شيء، إنما هو أراد أن يحفر بئرًا يستخرج الماء أو نحو ذلك، فوجد العمال هذا الدفن، فهو لمن؟ قالوا: هو لواجده، العامل الذي جاء ليحفر هو له؛ لأن صاحب الأرض ما يملك إلا الأرض، ما يملك ما في جوفها، ما دام أنه استأجره لعمل وهو الحفر لكن لو أنه يقول: تعال، أنا عندي هنا كنز، أنا أبيك تحفر لي معناته أنه محدد أن في شيء فهو لمالك الأرض، قال: (وَبَاقِيْهِ لِوَاجِدِهِ) ولو أجيرًا لغير طلبه، كمن استأجر شخصًا لحفر بئر فوجده العامل فهو له لا لمن استأجره، إذا كان الاستئجار لحفر الأرض فقط ما يقصد به، إن إنسان يبني بنيان في الأرض الزراعية حقته يبني له بيت، وقال: احفروا لنا قواعد أو احفروا لي خزان، فلما حفروا وجدوا هذا الكنز العظيم من الذهب، نقول: هو لمن حصله لا لصاحب الأرض إلا أن يكون قد اتفق وإياه على الحفر للبحث عن مثل هذا؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قال: «فِي الرِّكازِ الخُمُسُ» فدل على أن باقيه للواجد، والواجد هو من حفر لا من ملك.
رابط الفقرة 21هذه أهم مسائل زكاة الخارج من الأرض، بقي عندنا زكاة الدين ومسائل تتعلق بالدين، وكذلك زكاة الأثمان وزكاة الفطر وإخراج الزكاة، ومن يجوز دفع الزكاة إليهم، ومن لا يجوز دفع الزكاة إليهم ثم نبدأ إن شاء الله كتاب الصيام، لعل هذا الدرس هو الأخير في هذا الفصل لأن الأسبوع القادم هذا القريب ستبدأ الاختبارات عندنا في الجامعة وأرى الطلاب أيضًا يعني مشغولون بالاختبارات وإن كان قليل الذين يحضرون منهم لكن حتى الذي يتابعون عن طريق القناة أو اليوتيوب، ربما يشغلهم الطلب والجد والاجتهاد بالتحصيل هذه الأيام عن متابعة مثل هذه الدروس، وأسأل الله أن ينفعنا بما علمنا وأن يرفعنا عنده كما قال جل شأنه: ﴿ يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ دَرَجَـٰتٍۢ ۚ ﴾ [المجادلة: ١١]، وأن يجعل ما تعلمناه وسمعناه حجة لنا لا حجة علينا.
رابط الفقرة 22نسأل المولى جل شأنه بأسمائه الحسنى وصفاته العلي أن يوفقنا جميعًا لما يحب ويرضى وأن يأخذ بنواصينا للبر والتقوى، وأن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح وأن يجعل ما تعلمناه حجة لنا لها حجة علينا إنه ولي ذلك والقادر عليه، وبالله التوفيق وصلى الله وسلم وبارك وأكرم وأنعم على خيرة خلقه وأفضل أنبيائه ورسله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
رابط الفقرة 23الحواشي
(1)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه ابن ماجه (1824)، والحديث قال عنه الألباني في صحيح ابن ماجة (1489) أنه حسنٌ صحيحٌ.
(2)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه النووي وصححه في المجموع (6/7)، وأيضًا أخرجه وصححه ابن الملقن في البدر المنير (5/579) عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: «ليس في العنبَرِ زكاةٌ، إنما هو شيءٌ دَسَرَه البحرُ».
(3)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه البخاري (2355)، ومسلم (1710) مطولًا.