تجاوز إلى المحتوى

شرح عمدة الفقه

الدرس السادس والأربعون — كِتَابُ الزَّكَاةِ - زَكَاةُ الدَّيْنِ

ملفات PDF ١ ملف

دروس جامع الموسى كاملاعرض PDF ↗تنزيل PDF٤٫١ م.ب
الفقرة ١ من ١٧

النص المقروء

عناوين هذا الدرس
  1. الدَّرْسُ السَّادِسُ وَالْأَرْبَعُونَ
  2. كِتَابُ الزَّكَاةِ - زَكَاةُ الدَّيْنِ

[الدَّرْسُ السَّادِسُ وَالْأَرْبَعُونَ]

رابط الفقرة 1

[كِتَابُ الزَّكَاةِ - زَكَاةُ الدَّيْنِ]

رابط الفقرة 2

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك وأكرم وأنعم على خيرة خلقه وأفضل أنبيائه ورسله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.

رابط الفقرة 3

أما بعد؛ أيها الأخوة الأكارم سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وحياكم الله في الدرس السادس والأربعون من شرح عمدة الفقه للإمام موفق الدين «ابن قدامة رحمه الله »، ولا يزال الحديث في كتاب الزكاة، قد انتهينا من الكلام على باب الزكاة الأول وأحكامه العامة وشروطه، ثم انتهينا من الكلام على زكاة بهيمة الأنعام، ثم شرحنا زكاة الخارج من الأرض، واليوم نأتي لباب زكاة الأثمان ويعبر عنها بعض أهل العلم بزكاة النقدين، وهما أي الأثمان أو النقدان الذهب والفضة، سميت بذلك لأنها أثمانٌ كان الناس يتبايعون بهما، فهما النقدان وهما الأثمان، ولم يكن الناس في عصور متقدمة يعرفون العملات الورقية التي يتبايع الناس بها اليوم وإنما كانوا يتبايعون بالذهب والفضة فسميت أثمانًا وسميت أيضًا بالنقدين، وأحكامها في الزكاة وفي البيوعات كأحكام العملات الورقية، فالعملات الورقية التي يتبايع الناس بها اليوم من الريالات والجنيهات والدنانير والليرات والدراهم والدولارات وغيرها تابعة وملحقة بالذهب والفضة في باب الزكاة وفي باب البيوع وفي باب الربا والصرف.

رابط الفقرة 4

قال رحمه الله : (بَابُ زَكَاةِ الأَثْمَانِ، وَهِيَ نَوْعَانِ: ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ) إذ بقية المجوهرات مهما علت قيمتها لا زكاة فيها من جنسها كالألماس وكل الجواهر الثمينة، لا زكاة فيها إلا إذا أعدت للبيع والتجارة فإنها تدخل في باب زكاة عروض التجارة وستأتي، لكن الأثمان التي فيها زكاة من النقدين إنما هي في الذهب والفضة، قال: (وَلا زَكَاةَ فِي الْفِضَّةِ حَتَّى تَبْلُغَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، فَيَجِبُ فِيْهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ) فبين هنا أن الفضة وهي الورق أو الرقة نصابها مائتي درهم وسيأتي بيانها بالجرامات التي يتبايع الناس بها اليوم، فيجب فيها خمسة دراهم وهو ربع العشر اثنين ونصف في المائة واثنين ونصف المائة الثانية، فمن كان عنده مائتي درهم من الفضة فإنه يزكي خمسة دراهم (وَلا فِيْ الذَّهَبِ حَتَّى يَبْلُغَ عِشْرِيْنَ مِثْقَالًا) فنصاب الذهب عشرون مثقالًا (فَيَجِبُ فِيْهِ نِصْفُ مِثْقَالٍ) وهو ربع العشر.

رابط الفقرة 5

قال رحمه الله : (فَإِنْ كَانَ فِيْهِمَا غِشٌّ -أي الذهب والفضة-، فَلا زَكَاةَ فِيْهِمَا حَتَّى يَبْلُغَ قَدْرُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ نِصَابًا) كانوا يصنعون بها الحلي وحينئذٍ يضيفون لها مواد تقويها من حديد أو نحاس أو غيره، وهذا يسمى غش لأنه خلط للذهب بغيره لحكمة وفائدة، فيقول رحمه الله : إنه (لا زَكَاةَ فِيْهِمَا حَتَّى يَبْلُغَ قَدْرُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ -الصافي- نِصَابًا) فلو خُلط معها مادة أخرى، فإنا نقول: هل الصافي يساوي نصابًا أو لا؟ فإن كان الصافي يساوي نصابًا وجبت الزكاة وإلا فلا، قال: (فَإِنْ شَكَّ فِيْ ذلِكَ، خُيِّرَ بَيْنَ الإِخْرَاجِ وَبَيْنَ سَبْكِهِمَا؛ لِيَعْلَمَ قَدْرَ ذلِكَ) يعني حصل عند صاحب هذا الذهب المخلوط المغشوش بشيء من النحاس أو الحديد أو الصفر أو نحوه، شك هل تبلغ نصاب أو لا تبلغ؟ نقول: فهو مخير بين الإخراج ويسلك حينئذ مسلك الاحتياط، أو يسبكهما ويصفيهما ويخرج الزكاة في الذهب الخالص.

رابط الفقرة 6

ثم قال رحمه الله : (وَلا زَكَاةَ فِي الحُلِّيِّ المُبَاحِ، المُعَدِّ لِلاِسْتِعْمَالِ، وَالْعَارِيَةِ) وهذه مسألة شهيرة سيأتي الكلام فيها مفصلًا، ثم قال رحمه الله : (وَيُبَاحُ لِلنِّسَاءِ كُلُّ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِلُبْسِهِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ) لأنه أبيح للنساء التزين، ولهذا القاعدة قال: (يُبَاحُ لِلنِّسَاءِ كُلُّ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِلُبْسِهِ) فالمرجع العادة، ما جرت عادة النساء، من مجتمع إلى مجتمع تختلف، نقول: ما جرت عادة النساء بلبسه في صدورهن ونحورهن، في آذانهن، في معاصمهن، في أقدامهن، على صدورهن، نقول: ما جرت العادة بلبسه فلا حرج في لبسه، لكن فيه الزكاة أو ليست فيه زكاة يأتي بيانها، وذلك أن الله جل شأنه اختص النساء بهذا وجعلهن ممن يتزين ﴿ أَوَمَن يُنَشَّؤُا۟ فِى ٱلْحِلْيَةِ وَهُوَ فِى ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍۢ ١٨ ﴾ [الزخرف]، وحرم صلى الله عليه وسلم الذهب والحرير على ذكور الأمة وأحلها لإناثها لكن العادة، فلو أن امرأة تطورت وتهورت وفصلت ثوبًا كاملًا من ذهب وقالت: حلال، نقول: هذا حرام؛ لأنه لم تجري العادة بتفصيل الثياب من الذهب فهو ممنوع من جهة أنه لم تجري العادة بلبسه، وممنوع أيضًا ربما من بابٍ ثانٍ وهو باب الشهرة، فإن المرأة التي ما شاء الله تدخل في الأعراس وفي المناسبات وثوبها كله ذهب يلتفت الناس إليها وينصرفون بأبصارهم لها، وقد جاء الوعيد الشديد لمن لبس ثوب شهرة، أنه يلبس ثوب مذلة ويلهب عليه نارًا، وهذا عام في كل ما يلبسه الناس ويقصدون به الشهرة.

رابط الفقرة 7

قال رحمه الله : (وَيُبَاحُ لِلرِّجَالِ مِنَ الْفِضَّةِ: الخَاتَمُ، وَحِلْيَةُ السَّيْفِ، وَالْمِنْطَقَةُ، وَنَحْوُهَا، فَأَمَّا المُعَدُّ لِلْكِرَاءِ وَالاِدِّخَارِ، أَوِ المُحَرَّمُ، فَفِيْهِ الزَّكَاةُ) ذكر في هذا الباب ما يباح للرجال من الفضة ولم يذكر شيئًا من الذهب وإنما اختص ذلك بالفضة، فذكر أنه يباح للرجل الخاتم من الفضة، وقد ثبت في الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم كان يتختم بخاتم الفضة()، وهل التختم سنة أو مباح أو أنه خاص بالحكام والسلاطين والقضاة؟ هذا كلام مفصل لأهل العلم، الذي يظهر والعلم عند الله أنه للقضاة ونحوهم والحاكم، وأما عامة الناس فلا يقال بسنيته، لا ينكر على من لبسه لكن لا يقال بسنيته، ولهذا لم نجد أهل العلم والفضل من علمائنا وممن أدركناهم وغيرهم يتختمون.

رابط الفقرة 8

نعود إلى أصل الباب وهو زكاة الأثمان، فزكاة الأثمان أو النقدين واجبة بالكتاب والسنة والإجماع، فمن الكتاب قول الله جل شأنه وتقدس اسمه: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍۢ ٣٤ يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِى نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ۖ هَـٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا۟ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ ٣٥ ﴾ [التوبة]، فدلت هذه الآية العظيمة الشريفة على وجوب الزكاة وعلى وعيد من كنز الذهب والفضة ولم يخرج زكاتها وأنه يعذب بها يوم القيامة، والمراد بالكنز هنا عدم الإنفاق في سبيل الله، وأعظم الإنفاق في سبيل الله إنفاقها في الزكاة كما سيأتي مصرحًا به في السنة، وفي حديث أم سلمة رضي الله عنهما قالت: «كنتُ ألبسُ أوضاحًا من ذهبٍ، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ! أكنزٌ هوَ؟ قال :ما بلغَ أن تُؤدي زكاتَهُ فزَكِّي فليس بكنزٍ»() يعني ولو كثر، عند العامة أن الكنز المال الكثير أو أن الكنز المدفون، ليس هذا ولا ذاك، المال الذي يُعد كنزًا هو المال الذي لا تخرج زكاته وهو المتوعد عليه، أما ما أُخرجت زكاته فليس بكنز، فلا يدخل في الكنز الذي توعد صاحبه ربنا جل شأنه بهذا الوعيد العظيم، والحديث رواه الإمام أبو داود والحاكم والبيهقي والدارقطني، وصححه الحاكم على شرط مسلم وصححه الذهبي، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه ما يؤيد هذا من قول النبي صلى الله عليه وسلم : «مَا مِن صاحِبِ ذَهَبٍ ولا فِضَّةٍ لا يُؤَدِّي مِنْها حَقَّها، إلَّا إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ صُفِّحَتْ له صَفائِحُ مِن نارٍ، فَأُحْمِيَ عليها في نارِ جَهَنَّمَ، فيُكْوَى بها جَنْبُهُ وجَبِينُهُ وظَهْرُهُ، كُلَّما بَرَدَتْ أُعِيدَتْ له، في يَومٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، حتَّى يُقْضَى بيْنَ العِبادِ»() والمراد بحقها كما تفسره الرواية الثانية: زكاتها؛ لأنه في الحديث الثاني قال: «مَا مِن صَاحِبِ كَنْزٍ لا يُؤَدِّي زَكاتَهُ»()، إذن من بلغ عنده مال نصابًا ولم يزكي فهو كنز متوعد عليه.

رابط الفقرة 9

وتجب الزكاة في الذهب والفضة مطلقًا على الصحيح من قولي أهل العلم، سواءً كانت نقود كما كان الناس يتبايعون بها أو تبرًا أو حليًا، وسواءً كان هذا الحلي يُلبس أو يُعار أو يؤجر أو يحفظ للقنية أو للنفقة أو لغير ذلك، فالظاهر والعلم عند الله من نصوص الكتاب والسنة عموم وجوب الزكاة فيها، والخلاف قوي جدًا، والأئمة الثلاثة يرون عدم وجوب الزكاة في الحلي المعد للبس، والحنفية ورواية عن الإمام أحمد يرون الوجوب وسيأتي ذكر الخلاف، والقائلون بالوجوب يستدلون بأدلة عامة منها الآية والحديث السابقين، فإنهم يقولون: عمومها يشمل الحلي بأنواعه، كما يشمل ما أُعد للبيع والشراء والأجرة والكراء، قالوا: فعموم الأدلة يدل على وجوبها، كما استدلوا بأدلة صحيحة صريحة من السنة، منها حديث عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما : «أنَّ امرأةً مِن أهْلِ اليمنِ أتَتْ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وبنتٌ لَها، في يدِ ابنتِها مسَكَتانِ غليظَتانِ مِن ذَهَبٍ -أي سواران غليظان-، فقالَ: أتؤدِّينَ زَكاةَ هذا؟ قالت: لا، قالَ: أيَسرُّكِ أن يُسوِّرَكِ الله عز وجل بِهِما يومَ القيامةِ سِوارَينِ مِن نارٍ، قالَ: فخلَعتْهُما فألقَتْهُما إلى رسولِ الله فقالَت: هُما لله ولرسولِهِ»() [الحديث رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي، قال ابن حجر في البلوغ: وإسناده قوي]، وعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: «دخَلَ عليَّ رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فرأى في يَدي فَتَخاتٍ مِن وَرِقٍ -تعني من فضة- فقال: ما هذا يا عائِشةُ؟ فقُلتُ: صنَعْتُهنَّ أتزَيَّنُ لك يا رَسولَ اللهِ، قال: أتؤَدِّينَ زكاتَهنَّ؟ قلتُ: لا، أو ما شاء اللهُ، قال: هو حَسْبُكِ مِنَ النَّارِ»() [أخرجه أبو داود والدارقطني والبيهقي والحاكم وصححه وقال: هو على شرط الشيخين، قال ابن حجر في التلخيص: على شرط الصحيح، وقال ابن دقيق العيد: على شرط مسلم] فهذه نصوص عامة تدل على وجوب الزكاة، ومنها ما هو خاص كما في حديث أم سلمة وأم المؤمنين عائشة، والعجيب أن كثيرًا من النساء يسألن ويُكثرن السؤال والإلحاح في معرفة الصواب ويتتبعن الخلاف في المسألة، وربما هذه أكثر مسألة مشهورة عند النساء الخلاف فيها، ومنهن من هي باذلة منفقة محسنة، تجدها تنفق في وجوه البر والإحسان وتفطر الصائمين وتكفل الأيتام، لكن إذا جاءت للزكاة سألت وقالت: فيه قول، نقول: نعم، فيه قول جمهور العلماء، أكثر الأئمة على أنه لا زكاة فيه لكن القول الثاني هذه أدلتهم وهي أدلة صحيحة وصريحة، وبه تفتي اللجنة الدائمة في زمن سماحة شيخنا ابن باز، وهو فتوى سماحة شيخ ابن باز وابن عثيمين وفيها احتياطٌ عظيمٌ، فكون المرأة تخرج زكاة حليها، نقول: لا شك أنها تبرأ بها الذمة وتحتاط لدينها وتسلم من مغبة السؤال، وإن أخذت بقول ثانٍ على فتوى وعلم فلا حرج عليها ولا تثريب، وإذا كانت سنين مضت لا تخرج الزكاة بناءً على هذا العلم الذي وصلها أو الفتوى التي عندها ثم تبين لها أن الراجح وجوب الزكاة فإنها تزكي من حين العلم.

رابط الفقرة 10

قال رحمه الله في بيان النصاب في الفضة والذهب، أن نصاب الذهب مائتي درهم ونصاب الفضة عشرون مثقالًا، والمراد بالمثقال: الدينار الإسلامي الذي يبلغ وزنه مثقالًا، وزنته بالغرامات التي يزن الناس بها اليوم أربعة غرامات وربع، فيكون نصاب الذهب خمسة وثمانين غرامًا من الذهب الصافي الخالص الذي هو عيار أربعة وعشرين، لكن عيار واحد وعشرين وعيار ثمانية عشر وعيار ستة عشر، نقول: يختلف النصاب باختلافهم، فإن العيار كلما نزل صار فيه زيادة من غير الذهب، ولهذا الذهب الخالص الصافي الذي ما فيه خلط، هذا السبائك الذهبية ما يلبسها النساء اليوم ولا يعرفونها ولا تُصنع منها حلي للبس، إذ هي سبائك يحفظون بها المال، فنقول: من كانت عندها نصاب ذهب يبلغ خمسة وثمانون جرام من الذهب الخالص فإنه بلغ النصاب فتزكيه، ويعادل أحد عشر جنيهًا سعوديًا وثلاثة أسباع الجنيه، وأما الفضة فلا تجب الزكاة فيها حتى تبلغ نصابًا وهو خمس أواقٍ، كما قال صلى الله عليه وسلم في الصحيحين: «لَيسَ فِيما دُونَ خَمْسِ أواقٍ صَدَقةٌ»()، والأوقية أربعون درهمًا إسلاميًا، فيكون النصاب مائتي درهم إسلامي، والدرهم سبعة أعشار مثقال فيبلغ مائة وأربعين مثقالًا، مائة وأربعين مثقال إذا ضربناها في أربعة وربع صار نصاب الفضة خمسمائة وخمسة وتسعون غرامًا، إذن نصاب الفضة بالغرامات خمسمائة وخمسة وتسعين غرام، بينما نصاب الذهب خمسة وثمانين من الذهب الخالص، وهو ما يساوي بالفضة ستة وخمسين ريالًا عربيًا من الفضة، عربيًا وليس من الورق، وهذا يلبس على بعض الناس، فإذا قرأ في كتب الفقهاء هذا، قال: يعني من عنده ستة وخمسين ريال سعودي من الورق المعروف اليوم فيه زكاة؟ نقول: لا، هذا فقير مسكين ما عنده إلا هذا المبلغ لا تجب عليه الزكاة، لكن لو كان عنده ستة وخمسين من الريالات الفضية فإنه فيه زكاة، ومقدار الزكاة في الذهب والفضة ربع العشر فقط، لم يكلف المسلم بالإخراج أكثر من هذا وهو أقل القليل، واحد من كل أربعين أو اثنين ونصف في المائة أو ربع العشر والمؤدى واحد، وتجب الزكاة في الأوراق النقدية التي يتبايع الناس بها اليوم ويشترون ويستلمون بها المكافآت والرواتب ونحوها، نقول: هي ملحقة بالذهب والفضة وتقوم مقامها، فإذا بلغت الأوراق النقدية نصاب الفضة أو نصاب الذهب وجبت الزكاة فيها، ولهذا أصحاب الرواتب والدخولات، نقول: تأمل، عندك مال يحول عليه الحول؟ قال: نعم، نقول: اسأل الصاغة إذا كنت تشك في المال لقلته، كم نصاب الذهب والفضة؟ كم قيمة؟ كم قيمة خمسة وثمانين جرام من الذهب الخالص الذي هو عيار أربعة وعشرين أو كم نصاب الفضة التي وزنها خمسمائة وخمسة وتسعين جرام، فإذا بلغ المال الذي عندك وحال عليه الحول نصاب ذهب أو فضة ففيه زكاة، وبالمثال يتضح المقال، لو أن الذهب الخالص قيمة الجرام منه مائة ريال طبعًا نحن نضرب مثال وإلا هو أعلى، الآن واحد وعشرين في المائة وخمسين ويزيد، فكيف بالذهب الخالص؟ يمكن مائة وسبعين أو مائة وثمانين أو يزيد، لكن لنفرض أنه مائة ريال فقط للجرام، معناته أن النصاب ثمانية آلاف وخمسمائة لأننا نضرب خمسة وثمانين جرام ضرب مائة يساوي ثمانية آلاف وخمسمائة، لكن نأتي للفضة تكون منحطة قيمتها ضعيفة جدًا، فخمسمائة وخمسة وتسعين جرام، يمكن قيمة الجرام ريالين فقط ما يزيد عن ثلاثة، ما يصل ثلاثة هذه السنين، فلو ضربنا ريالين في خمسمائة وخمسة وتسعين سيكون النصاب ألف ومائة وتسعين ريال يزيد أو ينقص قليلًا، ولهذا لو أن مسلمًا عنده ألف ومائتين ريال حال عليها الحول، نقول: عليه الزكاة؛ لأنها تبلغ نصابًا بالفضة ولا تبلغ نصاب بالذهب ونحن نراعي الحق للفقراء، لو قال أنا ما عندي ثمانية آلاف وخمسمائة، نقول: صحيح ما عندك ثمانية آلاف وخمسمائة ولا تجب عليك الزكاة لو أن النقدين مرتبطة بالذهب فقط لكنها مرتبطة بالذهب أو الفضة فأيهما بلغ فتحتاج، لكن إنسان عنده عشرة آلاف أو عشرين أو ثلاثين أو مائة أو أكثر من ذلك، نقول: ما تحتاج تسأل، أنت عندك زكاة بدون سؤال، مثل ما قلنا في الخارج بالأصل الذين عندهم أطنان ما يحتاج يسأل، لكن من مزرعته محدودة وإنتاجه محدود بالكيلوات وبالمئات، نقول: يتأكد ويسأل لأنه قد تجب عليه الزكاة وقد لا تجب.

رابط الفقرة 11

ذكر المؤلف رحمه الله في آخر مسألة مسألة الدين، لكننا سنؤجل الكلام في الدين ونعود إلى مسألة الحلي بشيء من البسط؛ لأن بعض الناس يقول أنتم تذكرون قول واحد وتتركون القول الثاني مع أن عليه فتوى كثير، أشرنا إلى الخلاف لكني أقول مرة ثانية إن الخلاف في الحلي خلاف قديم، وقد ألّف جمع من الفضلاء والفقهاء مؤلفات خاصة ورسائل خاصة في زكاة الحلي وذكروا الأقوال وبسطوها، نحن نقول: إن القول بعدم الزكاة في الحلي هو قول الأئمة الثلاثة، وحجتهم في هذا حديث: «لَيسَ في الحليِّ زَكاةٌ»() لكن هذا الحديث ضعيف، ويستدلون أيضًا بحديث زينب امرأة ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا معشرَ النساءِ تصدَّقْنَ ولو من حلِيِّكنَّ»() [والحديث متفق عليه] قالوا: فلو كانت الصدقة فيه واجبة لما ضُرب به المثل في صدقة التطوع وهذا فهم بعيد، ثم إنهم قاسوا الحلي المعد للاستعمال على الثياب المعدة للاستعمال والسيارات والأواني والمراكب ونحوها، وقالوا: ما دام أنها لم تعد للنماء والتجارة فإنه لا زكاة فيها.

رابط الفقرة 12

وأما القول الثاني: وهو القول بالوجوب فقد ذكرت آنفًا أنه قول الحنفية ورواية عن الإمام أحمد واختيار جمع من الأئمة، القول الأول جمع أيضًا من الصحابة، كثير من الصحابة والتابعين واختار ابن القيم وقبله شيخه شيخ الإسلام والشيخ محمد بن إبراهيم والشيخ عبدالله بن حميد، لكن القول بوجوب الزكاة أيضًا اختاره جمع من المحققين كما ذكرت آنفًا من قول ابن باز وابن عثيمين، واللجنة الدائمة في زمن الشيخ ابن باز كانت تفتي بوجوب الزكاة فيه وهو الأحوط والأبرأ للذمة.

رابط الفقرة 13

ذكر المؤلف رحمه الله أنه لا زكاة فيه وهو المذهب إذا كان معدًا للاستعمال والعارية لكن لو كان معدًا للبيع والشراء بلا خلاف، وكذلك لو كان معدًا للكراء والأجرة لا خلاف، وسواءً كان هذا الذهب عند رجل أو امرأة، قد يكون رجل يشتري ذهب، يقول: أنا أعيره لنساء قريباتي وضعهم ما يتحمل فأنا أشتري ذهب، ومن كانت عندها مناسبة تستعيره، نقول: يدخل في الخلاف، هذا عند القائلين بأن الذهب المعد الاستعمال والعارية لا زكاة فيه لا يوجبون عليه الزكاة، وأما القول الثاني فلا يفرقون، يقولون كل ذهب حال عليه الحول وبلغ نصابًا ففيه الزكاة.

رابط الفقرة 14

ما يباح للرجال من الفضة، ذكر المؤلف الخاتم فقط وحلية السيف الذي يكون في مقبضه، والمنطقة وهي التي تربط في وسط الرجل فيزينونها بالفضة وما احتيج إليه كالأسنان قديمًا، اليوم تطور الطب فأصبحت أسنان من المرمر ونحوها أحسن شكلًا وأعلى قيمةً من الذهب، وكذلك ما احتيج إليه مثل الأطراف، لو احتيج إليه كما جاء في حديث عرفجة بن أسعد أنه قُطع أنفه يوم الكلاب فاتخذ من حديد فأنتن فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يتخذ من ذهب() فلا حرج أن يتخذ لكن اليوم الأعضاء الاصطناعية يمكن يحتاج إليها وتنفذ من غير الذهب.

رابط الفقرة 15

قال: (فَأَمَّا المُعَدُّ لِلْكِرَاءِ وَالاِدِّخَارِ، أَوِ المُحَرَّمُ، فَفِيْهِ الزَّكَاةُ) يعني الذهب المحرم مثل الرجل يقتني خواتم يلبسها، نقول: محرم، والنبي صلى الله عليه وسلم حرم ذلك تحريمًا باتًا وألقى خاتمًا من ذهب لبسه رجل، وقال: أيعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيضعها في أصبعه، حتى إنه قيل للرجل بعد أن ذهب صلى الله عليه وسلم : خذه وأعطه أهلك، قال: كيف آخذه وقد ألقاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟()، إذن ما اتخذ الرجل من ذهب محرم من خاتم ذهب أو طوق أو سلسال، نقول: محرم ويأثم وفيه الزكاة، ولا يجوز له أن يقتنيه ولا أن يبقيه على هيئته وهو يُلبس يعني كالخاتم، إما أن يعطيه نساء أو يكسره حتى يبقى ذهبًا فقط، وكذلك المرأة لو اقتنت ذهبًا محرمًا مثل ما لو اتخذت آنية من ذهب أو فضة، فإنه يحرم إبقاؤه على هيئتها، ومثله أيضًا التماثيل، بعض الناس ابتلي بالتماثل هذه المحرمة المجسمة، المحرمة بالإجماع، ومع ذلك لا يزال ناس يمارسونها يأتون بتماثيل على شكل فرس وربما حمام وربما دببة وربما كلاب -نسأل الله أن يكرم المسجد والحاضرين- نقول: هذا محرم، وإن كان من ذهب فهو أشد تحريمًا وفيه الزكاة مع وجوب إتلافه على هيئة، لا يبقيه كما هو، ومن الصور المحرمة بالإجماع ما كان تمثالًا، هذا محرم بالإجماع، وما كان رسمًا باليد، وما كان معلقًا، إذا اجتمعت هذه الأوصاف الثلاثة أو واحدٌ منها فهذا التصوير المحرم بالإجماع، سورة معلقة أو صورة على شكل تمثال أو صورة مرسومة باليد، هذا لا خلاف بين أهل العلم في تحريمه.

رابط الفقرة 16

نقف عند قوله باب حكم الدين، ونسأل ربنا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يوفقنا جميعًا لما يحب يرضى، وأن يأخذ بنواصينا للبر والتقوى، وأن يرزقنا الفقه في الدين والعمل به، إنه قريب مجيب، وبالله التوفيق وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

رابط الفقرة 17

الحواشي

  1. (1)

    أخرجه البخاري (6651)، ومسلم (2091).

    العودة إلى موضع الحاشية
  2. (2)

    أخرجه أبو داود (1564) واللفظ له، والطبراني (23/281) (613)، والدارقطني (2/105)، والحديث جود إسناده ابن باز في فتح الباري (3/320)، وقال عنه الألباني في صحيح أبي داود (1564): حسن المرفوع منه فقط.

    العودة إلى موضع الحاشية
  3. (3)

    أخرجه البخاري (2371) مختصرًا، ومسلم (987) واللفظ له.

    العودة إلى موضع الحاشية
  4. (4)

    أخرجه مسلم (987).

    العودة إلى موضع الحاشية
  5. (5)

    أخرجه أبو داود (1563) باختلاف يسير، والنسائي (5/38) والفظ له، والدارقطني في السنن (2/112) باختلاف يسير، والحديث حسنه الألباني في صحيح النسائي (2478).

    العودة إلى موضع الحاشية
  6. (6)

    أخرجه أبو داود (1565)، والدارقطني (2/105) باختلاف يسير، والحاكم (1437) بنحوه، والحديث صححه الألباني في صحيح الترغيب (769).

    العودة إلى موضع الحاشية
  7. (7)

    أخرجه البخاري (1405)، ومسلم (979)، وأبو داود (1558)، والترمذي (626)، والنسائي (2445)، وابن ماجه (1793)، وأحمد (11030).

    العودة إلى موضع الحاشية
  8. (8)

    أخرجه الدارقطني (2/107)، والديلمي في الفردوس (5200) واللفظ لهما، وابن الجوزي في التحقيق (981) باختلاف يسير، والحديث ضعفه الألباني في ضعيف الجامع (4906).

    العودة إلى موضع الحاشية
  9. (9)

    أخرجه البخاري (1466)، ومسلم (1000).

    العودة إلى موضع الحاشية
  10. (10)

    أخرجه أبو داود (4232)، والترمذي (1770)، والنسائي (5161)، وأحمد (19028)، والحديث حسنه الألباني في صحيح أبي داود (4232).

    العودة إلى موضع الحاشية
  11. (11)

    أخرجه مسلم (2090) عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال: «رَأَى رسول الله صلى الله عليه وسلم خَاتَمًا مِن ذَهَبٍ في يَدِ رَجُلٍ، فَنَزَعَهُ فَطَرَحَهُ، وَقالَ: يَعْمِدُ أَحَدُكُمْ إلى جَمْرَةٍ مِن نَارٍ فَيَجْعَلُهَا في يَدِهِ، فقِيلَ لِلرَّجُلِ بَعْدَ ما ذَهَبَ رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : خُذْ خَاتِمَكَ انْتَفِعْ به، قالَ: لا وَاللَّهِ، لا آخُذُهُ أَبَدًا وَقَدْ طَرَحَهُ رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ».

    العودة إلى موضع الحاشية