تجاوز إلى المحتوى

شرح عمدة الفقه

الدرس السابع والأربعون — كِتَابُ الزَّكَاةِ - زَكَاةُ الدَّيْنِ

ملفات PDF ١ ملف

دروس جامع الموسى كاملاعرض PDF ↗تنزيل PDF٤٫١ م.ب
الفقرة ١ من ١٥

النص المقروء

عناوين هذا الدرس
  1. الدَّرْسُ السَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ
  2. كِتَابُ الزَّكَاةِ - زَكَاةُ الدَّيْنِ

[الدَّرْسُ السَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ]

رابط الفقرة 1

[كِتَابُ الزَّكَاةِ - زَكَاةُ الدَّيْنِ]

رابط الفقرة 2

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أفضل الصلاة وأتم التسليم.

رابط الفقرة 3

أما بعد؛ فحياكم الله وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته في الدرس السابع والأربعون من دروس شرح عمدة الفقه للإمام موفق الدين «ابن قدامة رحمه الله »، انتهينا في الدرس الماضي من زكاة النقدين أي الذهب والفضة، وبقي عندنا مسألة جعلها المؤلف في باب وهي مسألة واحدة.

رابط الفقرة 4

قال : رحمه الله

رابط الفقرة 5

بَابُ حُكْمِ الدَّيْنِ

رابط الفقرة 6

وَمَنْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى مَلِيْءٍ، أَوْ مَالٌ يُمْكِنُ خَلاصُهُ، كَالمَجْحُوْدِ الَّذِيْ لَهُ بِهِ بَيِّنَةٌ، وَالمَغْصُوْبِ الَّذِيْ يَتَمَكَّنُ مِنْ أَخْذِهِ، فَعَلَيْهِ زَكَاتُه إِذَا قَبَضَهُ، لِمَا مَضَى، وَإِنْ كَانَ مُتَعَذِّرًا كَالدَّيْنِ عَلَى مُفْلِسِ، أَوْ جَاحِدٍ، وَلا بَيِّنَةَ لَهُ بِهِ، وَالمَغْصُوْبِ، وَالضَّالِّ الَّذِيْ لا يُرْجَى وُجُوْدُهُ، فَلا زَكَاةَ فِيْهِ، وَحُكْمُ الصَّدَاقِ حُكْمُ الدَّيْنِ، وَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُ النِّصَابَ الَّذِيْ مَعَهُ، أَوْ يَنْقُصُهُ، فَلا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيْهِ.

رابط الفقرة 7

إذن ذكر رحمه الله حكم الدين سواءً كان للإنسان أو عليه، وبدأ بحكم الدين الذي للإنسان الذي عنده مال يبلغ النصاب وحال عليه الحول، لكن هذا المال ليس في حوزته ولا قبضته وإنما هو في ذمم الآخرين سواءً كان ثمنًا لمبيع أو قرضًا حسنًا أو نحو ذلك، فذكر رحمه الله : (أنَّ مَنْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى مَلِيْءٍ) يعني على إنسان عنده مال وعنده قدرة مالية وكفاءة يستطيع بها أن يسدد (أَوْ مَالٌ يُمْكِنُ خَلاصُهُ، كَالمَجْحُوْدِ الَّذِيْ لَهُ بِهِ بَيِّنَةٌ، وَالمَغْصُوْبِ الَّذِيْ يَتَمَكَّنُ مِنْ أَخْذِهِ) وهو بحوزته إذا أراد حرك القضية وأخذ حقه (فَعَلَيْهِ زَكَاتُه إِذَا قَبَضَهُ، لِمَا مَضَى) بمعنى أنه يلزمه أن يزكي كأن المال في حسابه أو في جيبه أو في صندوقه، إذا كان الدين على مليء باذل ليس معسرًا ولا جاحدًا، فاعتبره كالمال في حوزتك تزكيه كل سنة في حينها إلا أنه رحمه الله قال: (فَعَلَيْهِ زَكَاتُه إِذَا قَبَضَهُ، لِمَا مَضَى) والصحيح أنه لا ينتظر حتى يقبض، فإن حاجة الفقراء ناجزة ومن ثم فلا يجوز لهذا الإنسان الذي في ذمم الناس له ديون متى طلبها سددوها إذ ليسوا معسرين ولا جاحدين ولا مماطلين، لا يجوز له أن يؤخر إعطاء الفقراء حقهم من هذا المال حتى يقبضه.

رابط الفقرة 8

قال رحمه الله : (وَإِنْ كَانَ مُتَعَذِّرًا كَالدَّيْنِ عَلَى مُفْلِسِ) دين لكنه على معسر مفلس ما عنده شيء سواءً أخرج صك إفلاس أو إعسار أو لم يخرج لكن ليس عنده شيء (أَوْ عَلَى جَاحِدٍ) منكر ولا بينة لصاحب الحق، أعطاه مالًا ولم يقيد ذلك ولم يشهد عليه، ومثل ذلك المال (المَغْصُوْبِ، وَالضَّالِّ -الضائع- الَّذِيْ لا يُرْجَى وُجُوْدُهُ، فَلا زَكَاةَ فِيْهِ) حتى يقبضه لعام واحد على الصحيح، المؤلف قال: (فَلا زَكَاةَ فِيْهِ) والصحيح أن فيه زكاة لكن لعام واحد ولو بقي في ذمة هذا المعسر أو المماطل أو الجاحد أو هذا المال المغصوب أو الضال الذي لا يُرجى وجوده، لو بقي سنون طويلة، متى ظفر به وحصله فإنه يزكيه عن عام واحد، ثم قال: (إنَّ حُكْمُ الصَّدَاقِ حُكْمُ الدَّيْنِ) يعني في وجوب الزكاة إن كان هذا الزوج معسرًا أو واجدًا، مماطلًا أو جاحدًا.

رابط الفقرة 9

قال رحمه الله : (وَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُ النِّصَابَ الَّذِيْ مَعَهُ، أَوْ يَنْقُصُهُ، فَلا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيْهِ) هذه في الدين الذي يكون على الإنسان نفسه، مثاله: إنسان عنده مليون ريال في رصيده وعليه دين مليون ريال، يقولون: لا زكاة عليه سواءً كان هذا في الأموال الظاهرة أو الباطنة، ومنهم من قال: تجب عليه الزكاة في الأموال الظاهرة وهي الحبوب والثمار الخارج من الأرض، والبهيمة من بهيمة الأنعام، وأما الأموال الباطنة فلا تجب فيها الزكاة، والقول الثالث في المسألة وهو الصحيح أن الزكاة تجب عليه ولو كان عليه دينًا إلا أن يخرج الديون لأصحابها، يعني نقول لهذا الإنسان: عليك دين الآن، في ذمتك مليون ريال وفي رصيدك مليون، مضى الحول وهذا المال في رصيدك يجب عليك أن تزكيه، إن قال: أنا مدين، نقول: أخرج الدين قبل أن يحول الحول، سدد الديون لأصحابها وأعطي الناس حقوقهم فلا زكاة عليك، أما أن تمسك الدين ثم يحول الحول ثم تقول ليس علي زكاة لأني مدين، فالصحيح أن عليه زكاة سواءً كانت أمواله ظاهرة كمزارع والخارج من الأرض والحبوب والثمار وبهيمة الأنعام أو كانت أموالًا باطنة كالنقدين والعملات الورقية، هذا هو الصحيح من أقوال أهل العلم، وهو اختيار شيخنا سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله ، هذه خلاصة ما يمكن أن يقال في هذه المسألة، بقي عندنا باب زكاة العروض.

رابط الفقرة 10

قال رحمه الله : (بَابُ زَكَاةِ الْعُرُوْضِ) العروض جمع عَرْض بإسكان الراء، ما يعرض ليباع ويشترى، كل ما يُعد للبيع والشراء فيسمى عروضًا، وأما العَرَض بالفتح فهو متاع الدنيا، قال رحمه الله : (وَلا زَكَاةَ فِيْها حَتَّى يَنْوِيَ بِهَا التِّجَارَةَ، وَهِيَ نِصَابٌ حَوْلًا كَامِلًا، ثُمَّ يُقَوِّمُهَا، فَإِذَا بَلَغَتْ أَقَلَّ نِصَابٍ مِنَ الذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ، أَخْرَجَ الزَّكَاةَ مِنْ قِيْمَتِهَا، وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ ذَهَبٌ أَوْ فِضَّةٌ، ضَمَّهُمَا إِلَى قِيْمَةِ الْعُرُوْضِ فِيْ تَكْمِيْلِ النِّصَابِ، وَإِذَا نَوَى بِعَرْضِ التِّجَارَةِ الْقُنْيَةَ، فَلا زَكَاةَ فِيْهِ، ثُمَّ إِنْ نَوَى بِهِ بَعْدَ ذلِكَ التِّجَارَةَ، اسْتَأْنَفَ لَهُ حَوْلًا) هذا النوع الأخير من أنواع المال، الأموال الزكوية وهو عروض التجارة وهو أوسعها اليوم، أوسع أموال الزكاة التي تجب فيها الزكاة عروض التجارة، وهي كل ما يعرض ويباع، كل شيء يُعد للبيع والشراء ففيه زكاة، فيقول الفقهاء: كل ما أُعد للتكسب والتجارة، من عقار وحيوان وطعام وشراب وسيارات وأثاث وغيرها، فكل أصناف المال التي تُعد للبيع والشراء فيها زكاة، بمعنى أنه يقومها كل سنة بما تساوي عند رأس الحول ويخرج ربع العشر مثل زكاة النقدين، في نصابها أي الذهب، وفي المخرج وهو ربع العشر، فيخرج ربع العشر من قيمتها سواءً كانت قيمتها بقدر ثمنها الذي اشتراها به أم أقل أم أكثر، وعلى هذا فيجب على كل أصحاب التجارات كأصحاب البقالات والتموينات والأسواق والمواد الغذائية وقطع الغيارات أن يحصوها إحصاءً دقيقًا شاملًا للصغير والكبير ويخرجوا زكاتها، فإن شق عليهم ذلك فإنهم يحتاطون ويخرجون ما تبرأ به ذممهم، وأما ما أعده المسلم لحاجته من طعام وشراب وفرش ومسكن ومركوب ونحو ذلك فلا زكاة فيه، إذن لا تجب الزكاة فيما أُعد للاستعمال، وأما ما سوى ذلك ففيه الزكاة، وقد دلت النصوص في الكتاب والسنة على وجوب الزكاة في عروض التجارة وأنها من أعظم وأوسع أموال الزكاة، والله جل شأنه يقول: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ صَدَقَةًۭ تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا ﴾ [التوبة: ١٠٣] فيدخل في ذلك عروض التجارة إذا ملكها بفعله كالبيع والنكاح والخلع ونوى بها التجارة، ويدل على ذلك عموم قول الله جل شأنه: ﴿ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَنفِقُوا۟ مِن طَيِّبَـٰتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ ۖ ﴾ [البقرة: ٢٦٧] وعلى هذه الآية بوب البخاري رحمه الله : باب صدقة الكسب والتجارة، كما يدل على وجوب الزكاة في عروض التجارة قول الله جل شأنه وتقدس اسمه: ﴿ وَٱلَّذِينَ فِىٓ أَمْوَٰلِهِمْ حَقٌّۭ مَّعْلُومٌۭ ٢٤ ﴾ [المعارج]، وقوله سبحانه: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ صَدَقَةًۭ تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا ﴾ [التوبة: ١٠٣] فأموال التجارة من أعم الأموال وأكثرها وأنفعها للناس فتدخل في هذا العموم، كما يدل على ذلك عموم حديث الفاروق عمر: «إنَّما الأعْمالُ بالنِّيّاتِ»()، فمن نوى بهذه السلع التجارة وجبت فيها الزكاة، ومن نوى الاستعمال فلا زكاة فيها، لو اشترى المسلم أرضًا ليبنيها ثم بدا له أن يبيعها ليشتري أرضًا ثانيةً ليبنيها، فعرضها في السوق ثم باعها، فهل فيها زكاة؟ نقول: لا، هو لم يرد تجارة، لم ينوِ بها تجارة وإنما نوى أن يبيع هذه الأرض ويشتري بها أرضًا ثانيةً ليبني عليها دارًا يسكنها، كما يدل على وجوب الزكاة في عروض التجارة باختلاف أنواعها حديث سمرة رضي الله عنه قال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يأمُرُنا أنْ نُخرِجَ الصَّدقةَ ممَّا نَعُدُّ للبيعِ»() [رواه أبو داود والدارقطني وسكت عنه أبو داود، والمنذر في مختصر السنن وهو تحسين منهم]، كما يدل على ذلك وروده عن الصحابة من غير خلاف بينهم، فقد جاء عن الفاروق عمر رضي الله عنه ما رواه عبد القاري، قال: «كُنتُ على بَيتِ المالِ زَمَنَ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، فكانَ إذا خَرَجَ العَطاءُ جَمَعَ أموالَ التُّجَّارِ، ثم حَسَبَها، شَاهِدَها وغائِبَها، ثم أخَذَ الزَّكاةَ»() [رواه ابن أبي شيبة وابن حزم]، ومن ذلك أيضًا ما رواه أبو عمرو بن حماس عن أبيه قال: «مرَّ بي عُمرُ بنُ الخطَّابِ فَقال: يا حِماسُ، أدِّ زَكاةَ مالِكَ، فقُلتُ: ما لي مالٌ إلَّا جِعابٌ وأُدْمٌ، فَقال: قوِّمْها قيمةً ثُمَّ أدِّ زَكاتَها»() [رواه الإمام أحمد والشافعي وابن أبي شيبة وعبد الرزاق] وكذا ورد عن ابن عمر رضي الله عنهما ، ثم إن هذه العروض المتخذة للتجارة مال مقصود به التنمية فأشبه الحرث والماشية والذهب والفضة، وإنما أطلنا الكلام في هذا؛ لأن من أهل العلم من المتقدمين أيضًا والمتأخرين من خالف في هذا، لكن خلافه لا يعتد به لأن النصوص واضحة صريحة بينة في وجوب الزكاة في عروض التجارة وهي أكثر أموال الناس اليوم، أما ما يعد للتأجير كالفنادق والأسواق والمعارض والشقق والاستراحات والورش ونحوها فلا زكاة في عينها، وإنما الزكاة في أجرتها متى بلغت نصابًا، وهل تلزم الزكاة فيها بمجرد القبض؟ أو بعد حولان الحول؟ قولان لأهل العلم، جمهورهم على أنه لا تجب الزكاة فيها إلا إذا بلغت نصابًا وحال عليها الحول، والقول الثاني وهو اختيار شيخ الإسلام وهو الصحيح والعلم عند الله أنها تجب فيها الزكاة فور قبضها، وهذا الذي يستقيم مع مقصد الشارع من الزكاة التي فيها إحسان ومواساة للفقراء والمساكين وتكون حينئذ كالخارج من الأرض، فأول ما يستلم المسلم الأجرة يزكيها، أما على القول بأنه لا يزكيها حتى يمضي الحول فإن كثيرًا من أموال المؤجرين تذهب بمعنى أنه إذا قبض الأجرة أكلها وصرفها واستهلكها وتوسع في الكماليات وفي السفريات فما يحول الحول إلا وقد استنفذ هذا المال فتذهب مصلحة الفقراء والمساكين، فشيخ الإسلام رحمه الله ولم أره لغيره يرى أنها كالخارج من الأرض وأنه بمجرد قبض الأجرة يزكي وإذا زكى عند قبض الأجرة فإنه لا يلزمه غير ذلك، حتى لو كانت الأجرة تقبض أقساطًا، في السنة مرتين أو شهرية، نقول: كلما قبضت أخرج زكاته وتكون حينئذ قد أبرأت ذمتك وأديت ما أوجب الله عليك، ما يكون في يد الصناع من أصحاب الورش مثلًا، عندهم عدد ورافعات والنجارين والحدادين والدهانين وغيرهم، وأصحاب البقالات عندهم الثلاجات والدواليب وهذه الأشياء التي لا يُراد بيعها، نقول: هذه لا تجب فيها الزكاة ولا تقوم إلا أن ينوي البيع جملة فيزكي كل ما عرضه، لكن تاجر يبيع وعنده أرفف وعنده ثلاجات، نقول: فقط قوم السلعة التي تباع وتشترى، وأما ثلاجات العرض وغيرها فلا زكاة فيها، ومثل ذلك الورش، عنده ورش فيها معدات يمكن تسوى مائتين ألف ثلاثمائة ألف، نقول: لا زكاة فيها، وإنما الزكاة في الأجرة التي تحصلها وتدخلها من وراء هذا التأجير، ومثل ذلك ما مثلنا بالفنادق والاستراحات وغيرها، فإنا نقول: الزكاة في ريعها وأجرتها وليس في رقبتها؛ لأنها لم تعد للبيع والشراء.

رابط الفقرة 11

هل يلزم إخراج الزكاة من العروض نفسها؟ أو هل يجوز إخراج الزكاة من العروض نفسها؟ أو يلزمه أن يخرجها نقدًا؟ يعني الإنسان عنده الآن ملابس تجارته ملابس، هل يجوز أن يخرج من الملابس ما يكسو به الفقراء والمساكين ويحتسبه من الزكاة؟ قولان لأهل العلم، وإن شئت قل ثلاثة، منهم من يمنعه مطلقًا، ومنهم من يجيزه مطلقًا، ومنهم من توسط وهو الصحيح، فقال: يجوز إذا دعت لذلك حاجة أو مصلحة راجحة، وهو اختيار شيخ الإسلام وهو الصحيح، بمعنى أن عندنا تاجر تقي يخشى الله ويتقهِ ويعلم أن الفقير محتاج لمثل هذه الملابس فيكسوه مثلًا في الشتاء بأكسية يحتاجها وأغطية يستدفئ بها ويحسب هذا بسعر السوق وربما أقل ويحسبه من الزكاة، نقول: لا حرج لكن تاجرٌ، السلعة هذه لم تمشِ عنده، بارت وتأخرت وأصبحت كاسدة وتحايل فأخرجها للفقراء وربما هم لا يحتاجونها، فيضطر الفقير إلى بيعها بأقل من قيمتها، نقول: هذا لا يجوز، إذن يُراعي التاجر مصلحة الفقير لا مصلحته هو، فإن كان الفقير ينتفع من هذه العين سواءً ملبوسات أو مواد غذائية ولا يبيعها بل هو محتاج إليها وحينئذ هو وفر عليه العناء في البحث والشراء والمماكسة، قال: أنا أعطيه بسعر سوقها أو دون وأحتسبه من الزكاة ولا أزيد فيها ولا أعطيه شيئًا من السلع التي كسدت ولم تشترى بل أعطيه يختار ما شاء من ملبوس أو مأكول أو مطعوم أو مشروب، نقول: لا حرج؛ لأنه حينئذ راعى مصلحة الفقير ولم يراعي مصلحته هو، أما من يراعي مصلحته ويرفع الأسعار ويبيع السلع التي كسدت ويصرفها على الفقراء والمساكين بنية الزكاة، فإنا نقول: هذا يطبق عليه قول جمهور أهل العلم أنه لا يجوز، وأن الزكاة متعلقة بالقيمة لا بالعين.

رابط الفقرة 12

هذه أهم المسائل المتعلقة بزكاة عروض التجارة والدين التي يكثر فيها سؤال الناس، ولعلني ألخص مسألة الدين، أن الإنسان إذا كان عليه دين هو، وعنده مال حال عليه الحول، فالصحيح من قولي أهل العلم وهو اختيار سماحة شيخنا ابن باز أن عليه الزكاة، ما دام أنه بلغ النصاب وحال عليه الحول، حتى لو كان مدينًا سواءً كانت أمواله باطنة أو ظاهرة لا فرق، إذ نقول له: قبل أن يحول الحول أخرج ما في ذمتك للناس، سدد للناس حقوقهم لئلا يضيع هذا المال، لا أخرجت زكاته وربما صاحبه أيضًا ما يخرج زكاته لأنه يقول هذا المال عند معسر ومماطل ومتعطل فأنا ما أزكيه، فيضيع هذا المال لا تزكيه أنت ولا هو، نقول: أعطه صاحبه ليزكيه، فإن حبسته وحال الحول وهو عندك، فالواجب عليك أن تزكيه، هذا فيما يتعلق بالدين الذي على الإنسان.

رابط الفقرة 13

أما الدين الذي له، فخلاصته أنه إن كان على مليء، يعني عنده سعة وقدرة مالية وباذل لا يماطل ولا يجحد، بل يقول: متى طلبت حقك وجدته، فنقول: هذا يعتبره صاحبه كالمال الذي في حسابه أو في صندوقه أو في جيبه، يزكيه وجوبًا كل سنة في حينه، وإن أخره وجب عليه أن يزكي بعدد السنين التي تأخر مع الاستغفار عن التأخير؛ لأن التأخير يضر الفقير فالفقير حاجته ناجزة، وأما إذا كان هذا المال الذي في ذمم الاخرين على معسرين فقراء أو على مليء لكنه مماطل أو جاحد وليس عنده بينة يحصل بها حقه، فهذا لا يزكى على الصحيح إلا إذا قُبض عن سنة واحدة فقط.

رابط الفقرة 14

وفق الله الجميع لما يحب ويرضى وأخذ بنواصينا جميعًا للبر والتقوى ورزقنا العلم النافع والعمل الصالح، وجعل ما تعلمناه حجة لنا لا حجة علينا إنه قريب مجيب ودود، وبالله التوفيق وصلى وسلم وبارك وأكرم وأنعم على خيرة خلقه وأفضل أنبيائه ورسله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

رابط الفقرة 15

الحواشي

  1. (1)

    أخرجه البخاري (1)، ومسلم (1907).

    العودة إلى موضع الحاشية
  2. (2)

    أخرجه أبو داود (1562)، وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود (1562).

    العودة إلى موضع الحاشية
  3. (3)

    رواه القاسم بن سلام في الأموال (887)، وابن زنجويه في الأموال (1686)، وصححه ابن حزم في المحلى (5/234).

    العودة إلى موضع الحاشية
  4. (4)

    أخرجه الألباني وضعف إسناده في إرواء الغليل (3/311).

    العودة إلى موضع الحاشية