تجاوز إلى المحتوى

شرح عمدة الفقه

الدرس الثامن والأربعون — كِتَابُ الزَّكَاةِ - زَكَاةُ الفِطْر

ملفات PDF ١ ملف

دروس جامع الموسى كاملاعرض PDF ↗تنزيل PDF٤٫١ م.ب
الفقرة ١ من ٣٠

النص المقروء

عناوين هذا الدرس
  1. الدَّرْسُ الثَّامِنُ وَالْأَرْبَعُونَ
  2. كِتَابُ الزَّكَاةِ - زَكَاةُ الفِطْر
  3. أسئلة الدرس

[الدَّرْسُ الثَّامِنُ وَالْأَرْبَعُونَ]

رابط الفقرة 1

[كِتَابُ الزَّكَاةِ - زَكَاةُ الفِطْر]

رابط الفقرة 2

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.

رابط الفقرة 3

أما بعد؛ أيها الأخوة الأكارم سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وحياكم الله في الدرس الثامن والأربعون من شرح عمدة الفقه للإمام موفق الدين «ابن قدامة رحمه الله »، وقد انتهينا من زكاة الأموال، واليوم حديثنا عن زكاة البدن، عن زكاة الفطر، وهذه الزكاة تدرس كثيرًا وتذكر كثيرًا في كل رمضان عبر الدروس والخطب، أسأل ربي ان أن يبلغنا رمضان وأن يعيننا فيه على الصيام والقيام، لكن الفقهاء يذكرونها ضمن كتاب الزكاة لأنها زكاة.

رابط الفقرة 4

قال رحمه الله : (بَابُ زَكَاةِ الْفِطْرِ) الفطر اسم مصدر من أفطر، وهي منسوبة للفطر من رمضان لأنه وقت وجوبها، فإنها تجب بالفطر من رمضان، والفطر من رمضان لا يكون إلا بغروب شمس آخر أيامه، فتعلق الحكم بذلك وسميت كذلك، وأما المُخرج فإن الفقهاء يطلقون عليه فِطرة، وهذه كلمة ليست عربية ولا معربة وإنما هي كلمة مولدة، وهي أعني الفطرة من الخلقة، فكأنهم يشيرون إلى أنها زكاة البدن أو الخلقة.

رابط الفقرة 5

قال رحمه الله :

رابط الفقرة 6

بَابُ زَكَاةِ الْفِطْرِ

رابط الفقرة 7

وَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، إِذَا مَلَكَ فَضْلًا عَنْ قُوْتِهِ وَقُوْتِ عِيَالِهِ، لَيْلَةَ الْعِيْدِ وَيَوْمَهُ، وَقَدْرُ الْفِطْرَةِ: صَاعٌ مِنَ الْبُرِّ أَوِ الشَّعِيْرِ، أَوْ دَقِيْقِهِمَا أَوْ سَوِيْقِهِمَا، أَوْ مِنَ التَّمْرِ أَوِ الزَّبِيْبِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ، أَخْرَجَ مِنْ قُوْتِهِ أَيَّ شَيْءٍ كَانَ، صَاعًا، وَمَنْ لَزِمَتْهُ فِطْرَةُ نَفْسِهِ، لَزِمَتْهُ فِطْرَةُ مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ لَيْلَةَ الْعِيْدِ، إِذَا مَلَكَ مَا يُؤَدِّيْ عَنْهُ فَإِنْ كَانَتْ مُؤْنَتُهُ تَلْزَمُ جَمَاعَةً، كَالْعَبْدِ المُشْتَرَكِ، وَالمُعْسِرِ الْقَرِيْبِ لِجَمَاعَةٍ، فَفِطْرُتُهُ عَلَيْهِمْ عَلَى حَسَبِ مُؤْنَتِهِ، فَإِنْ كَانَ بَعْضُهُ حُرًّا، فَفِطْرَتُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى سَيِّدِهِ، وَيُسْتَحَبُّ إِخْرَاجُ الْفِطْرَةِ يَوْمَ الْعِيْدِ قَبْلَ الصَلاةِ، وَلا يَجُوْزُ تَأْخِيْرُهَا عَنْ يَوْمِ الْعِيْدِ، وَيَجُوْزُ تَقْدِيْمُهَا عَلَيْهِ ِبيَوْمٍ أو يَوْمَيْنِ، وَيَجُوْزُ أَنْ يُعْطَى الْوَاحِدُ مَا يَلْزَمُ الجَمَاعَةَ، وَالجَمَاعَةُ مَا يَلْزَمُ الْوَاحِدَ.

رابط الفقرة 8

حكم زكاة الفطر، زكاة الفطر فريضة فرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بل قد دل عليها الكتاب والسنة والإجماع، فمن الكتاب قول الله جل شأنه: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ ١٤ وَذَكَرَ ٱسْمَ رَبِّهِۦ فَصَلَّىٰ ١٥ ﴾ [الأعلى]، وقد جاء عن سعيد بن المسيب وعمر بن عبدالعزيز رحمهما الله أنها زكاة الفطر أي المشار إليها في قوله: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ ١٤ ﴾ ، ذكر ذلك عنهما الطبري رحمه الله في تفسيره، وأما السنة فحديث ابن عمر المشهور في الصحيحين، وفيه بيان فريضتها وبيان مقدارها وبيان على من تجب، فقد خرَّج الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: «فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير، على العبد والحر والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين»() [الحديث متفق عليه]، وإذا فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا فقد فرضه الله، فإن الله جل شأنه قال في محكم تنزيله وآي قيله: ﴿ مَّن يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًۭا ٨٠ ﴾ [النساء]، وقال سبحانه: ﴿ وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ ٱلْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِۦ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِۦ جَهَنَّمَ ۖ وَسَآءَتْ مَصِيرًا ١١٥ ﴾ [النساء]، وقال تعالى: ﴿ وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُوا۟ ۚ ﴾ [الحشر: ٧]، وهذا أمر مقرر عند أهل الإسلام، أن ما ثبت في السنة فهو دين، وأن السنة مصدر ثانٍ من مصادر التشريع، لكن ثمة من ضل في هذا سواء السبيل وخرف وهرف وهذى بما لم يأتِ به دين، وهذه فرقة موجودة اليوم تنادي بالعمل بما في القرآن دون ما في السنة، وهؤلاء والله كذبة وقد مرقوا من الدين، فإن من يقول نحن قرآنيون ويقصد بذلك ألا نأخذ إلا بما في الكتاب العزيز، نقول: كذبت، لو أخذت بما في الكتاب فها هي آيات الله تبين وجوب اتباع الرسول، وأن من أطاع الرسول فقد أطاع الله، ومن ثم فمن قال نحن نأخذ بما في القرآن، نقول: يلزمك أن تأخذ بما في السنة فإن النبي صلى الله عليه وسلم أوتي القرآن ومثله معه، وهو صلوات ربي وسلامه عليه لا ينطق الهوى إن هو إلا وحي يوحى.

رابط الفقرة 9

هل تجب على الحبل الذي في البطن؟ نقول: هذا مستحبٌ إخراجها عنه وليس بواجب، فمن تطوع بإخراجها عن الحمل فلا بأس، قد جاء ذلك عن أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه بسندٍ فيه مقال، أنه كان يخرجها عن الحمل()، يلزم المسلم أن يخرجها عن نفسه وعمن تلزمه مؤونته ونفقته، من زوجةٍ وقريبٍ إذا لم يستطيعوا إخراجها عن أنفسهم لكن إن استطاعوا إخراجها عن أنفسهم فالأولى أن يخرجوها عن أنفسهم لأنهم المخاطبون بها أصلًا، ولهذا إذا أخرجت الزوجة أو الولد زكاة الفطر ولو بدون إذن الولي فإنها تجزئ وتبرأ الذمة ولا حرج عليهم ولا تثريب؛ لأنهم هم المخاطبون وقد أدوا ما أوجب الله، لكن الذي جرت عليه عادة الناس أن رب الاسرة يخرج عن أهل البيت كلهم ولو كان فيهم قادر، نقول: هم مخاطبون وهم المكلفون وهو متعلق بذمتهم فإذا أخرجها الولي برئت ذممهم، وإن أخرجها أحدهم فإنه هو الأصل وحينئذ لا يلزمه أن يستأذن، لا يلزمه شرعًا أن يستأذن، لكن لو أن مسلمًا أخرج زكاة فطرٍ عمن لم تلزمه نفقته، نقول هنا: لا تجزئ إلا إذا استأذن وأذن، يعني أخ قال أنا سأخرج عن أخي وهو في بيت آخر أو في بيت معه لكنه متزوج وعنده أسرة، فقال: أنا ظروفي أحسن وأخرجها عن نفسي وعن أخي، نقول: لا تجزئ إلا إذا علم وأذن.

رابط الفقرة 10

ولا تلزم زكاة الفطر إلا على من وجد صاعًا من طعام فأكثر أو وجد ما يفضل عن حاجته وقوته يوم العيد، فإن وجد عددًا من الآصع تكفي عنه وعمن تلزمه النفقة أخرج عن الجميع وإلا فإنه يبدأ بنفسه، لو لم يجد إلا صاعًا فاضلًا عن نفقته وقوته يوم عيده، نقول: أخرج عن نفسك، قال: عندي صاعان، نقول: أخرج عن نفسك وزوجك، قال: عندي ثلاثة، نقول: أخرج عن نفسك وزوجك وأمك، قال: عندي أربعة، نقول: نفسك وزوجك وأمك وأبوك، قال: عندي خمسة، نقول: ابدأ بالأولاد، وإذا تساووا ولم يجد ما يكفي الجميع فإنه يقرع بينهم، هذه معاني موجودة ومقررة في الفقه، لكن عامة المسلمين الحمد لله اليوم في يسار وغنى وقدرة مالية فهم يخرجون عن الجميع بدون هذا الترتيب، إن لم يجد إلا بعض صاع فإنه يخرجه؛ لعموم قول الله تعالى: ﴿ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ ﴾ [التغابن: ١٦]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم : «إذا أمرتُكم بأمرٍ فأتوا مِنْه ما اسْتَطعْتُم»().

رابط الفقرة 11

ما حكمة هذه الفِطرة؟ حكمتها ظاهرة بينه ففيها طهرة للصائم من اللغو والرفث، وفيها إغناء وإحسان للفقراء وكف لهم عن السؤال يوم العيد فيشاركوا الأغنياء فرحتهم وسرورهم ويكون عيدًا للجميع، كما أن فيها الكرم والجود والمواساة وإظهار شكر نعمة الله تعالى بإتمام الشهر، وما أنعم على العبد من صيام وقيام وفعل ما تيسر من الأعمال الصالحة، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: «فرض رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم زكاةَ الفطرِ طُهرةً للصائمِ من الَّلغوِ والرفثِ وطعمةً للمساكينِ، من أدَّاها قبلَ الصلاةِ فهي زكاةٌ مَقبولةٌ، ومن أدَّاها بعد الصلاة فهي صدقةٌ من الصَّدقاتِ»() [رواه أبو داود وابن ماجة والدارقطني والحاكم وصححه، وهو على شرط الصحيح]، إذن نقول: هذه حكم مجتمعة وفضل الله واسع، تجتمع هذه الخيرات الحسان وهذه الأجور العظيمة وهذا التكفير والتطهير والإحسان وسد جوعة الجائعين في صاع من طعام.

رابط الفقرة 12

جنس ما يخرج في زكاة الفطر، أولًا: لابد أن يكون من طعام الآدميين فلا يجزئ طعام البهائم ولا تجزئ من النقود ولا تجزي من الملابس ولا غير ذلك مما يحتاجه الفقراء، إذ حددها صلى الله عليه وسلم من طعام للآدميين، وقد كان الشعير في زمنه صلى الله عليه وسلم من طعام الآدميين، واليوم في بعض البلدان لا يزال الشعير طعامًا للآدميين، وفي بعض البلدان الشعير يقدم للبهائم علفًا، ومن ثم فإذا كان في بلد لا يطعم الشعير فإنه لا يجزئ، إذا كان الشعير طعام للبهائم فإنه لا يجزئ، قد ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر المتقدم قال: «فرضَ صلى الله عليه وسلم زَكاةَ الفطرِ من رمضانَ صاعًا من تمرٍ -في بعض الطبعات وينسب للصحيحين من بر، والصحيح أنه بالتاء وليس من بر وإنما من تمر- أو صاعًا مِن شعيرٍ»()، وكان الشعير يوم ذاك من طعامهم كما قال أبو سعيد رضي الله عنه ، قال: «كُنَّا نُخْرِجُ في عَهْدِ رَسولِ الله صلى الله عليه وسلم يَومَ الفِطْرِ صَاعًا مِن طَعَامٍ، وقالَ أبو سَعِيدٍ: وكانَ طَعَامَنَا الشَّعِيرُ والزَّبِيبُ والأقِطُ والتَّمْرُ»() [رواه البخاري]، إذن لا يجزئ أن يخرجها من طعام البهائم؛ لأنه صلى الله عليه وسلم فرضها طعامًا للآدميين لا لبهائمهم، كما أنه لا يجزئ من باب أولى إخراجها من الثياب أو الأواني أو الفرش أو الأمتعة وغير ذلك مما لا يُعد طعامًا؛ لأنه صلى الله عليه وسلم فرضها من الطعام فلا يتعدى ما عينه النبي صلى الله عليه وسلم ، كما أنه لا يجزئ إخراج القيمة على الصحيح وهو مذهب الأئمة الثلاثة، مالك والشافعي وأحمد خلافًا للحنفية؛ لأن إخراجها من النقدين خلاف ما أمر به صلى الله عليه وسلم ، وقد قال صلوات ربي وسلامه عليه: «مَن عَمِلَ عَمَلًا ليسَ عليه أمْرُنا فَهو رَدٌّ»()، وفي رواية: «مَن أحدثَ في أمرِنا هذا ما لَيسَ فيهِ فَهوَ رَدٌّ»() [الحديث رواه مسلم وأصله في الصحيحين]، ومعنى رد مردود، فمن أخرج النقدين عن زكاة الفطر، نقول: عملك مردود؛ لأنه مخالف لسنة النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد كثر السؤال عن هذا ووجد من يفتي بإخراج النقدين لكنهم محجوجون بسنة النبي صلى الله عليه وسلم ، فإنه عيّن الطعام فتعين، وبعضهم يقول: إنا نرى الفقراء يسألون ويشحذون ولو أعطيناهم نقدًا لأغنيناهم، نقول: سبحان الله، هؤلاء يسألون مهما أُعطوا وليس سؤالهم عن حاجة، ولهذا يُعطوا من الطعام ما يكفي قبل العيد بيوم أو يومين، ويأتون يوم العيد وفي الطرقات وعند مصليات العيد يسألون ليس لحاجة في الأعم الأغلب أو عنده حاجة لكنه ليس محتاجًا لقوت يومه، على كلٍ نقول: لا يجوز إخراج النقدين؛ لأنه مخالف لفعل النبي صلى الله عليه وسلم وأمره ودينه وشرعه، ولأن إخراج القيمة أيضًا مخالف لعمل الصحابة رضي الله عنهم حيث كانوا يخرجونها صاعًا من طعام، ولم يوجد في عصرهم من يخرج نقدًا، وقد قال صلى الله عليه وسلم : «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاءِ الرَّاشدِينَ المَهديِّينَ من بَعدي»() [رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجة والترمذي، وقال: حسن صحيح]، ولأن زكاة الفطر عبادة مفروضة من جنس معين فلا يجزئ إخراجها من غير هذا الجنس المعين، كما أنه لا يجزئ إخراجها في غير الوقت المعين، إذن نقول للمسلم أنت تلتزم بإخراجها في وقت معين فالتزم أيضًا بإخراجها من جنس معين، والذي يدل على أن الطعام مراد، أنه صلى الله عليه وسلم قدرها بصاع من أجناس مختلفة وأقيام مختلفة غالبًا، فلو كانت القيمة معتبرة أو مجزية لكان الواجب صاعًا من جنس وما يقابله من قيمة من الأجناس الأخرى، إذن حدد أصناف؛ لأن الناس يتفاوتون، ولأن هذه المذكورة في الحديث كلها من أقوات الناس، إن لم يجد مما ورد في الحديث أو كان الناس يقتاتون غيره فإنه يجزي، كالدخن والذرة والأرز، اليوم الأرز عند الناس أكثر حاجة وأكثر أكلًا ويُعد قوتًا فيخرج منه، وإخراج الأرز يقوم مقام هذه وربما كان أنفع للفقراء، ولأن إخراج النقدين الأموال النقدية عن زكاة الفطر يخرجها عن كونها شعيرة ظاهرة بينة يعلمها الصغير والكبير ويرون كيلها وتوزيعها إلى صدقة خفية، والصدقة مفتوحٌ بابها سواءً كانت من زكاة المال أو صدقة التطوع، كل وقت وحين يتصدق بمسلم والله يحب المحسنين، لكننا نقول: هذه زكاة فطر مقدرة من طعام الآدميين، فإن إخراجها صاعًا من طعام يجعلها ظاهرة بين المسلمين معلومة للصغير والكبير يشاهدون كيلها وتوزيعها ويتعارفونها بينهم بخلاف ما إذا كانت ريالات تخرج بين الإنسان وبين الآخذ فإنه لا يطلع عليها أحد، وهذه كلها معاني شرعية، ومثل ذلك يقال في الأضحية، إن الأضحية وذبحها وإراقة دمها وتوزيعها للفقراء أنفع وأقرب للسنة من إخراج أضعاف أضعاف قيمتها.

رابط الفقرة 13

ما المقدار؟ صاع، ما مقدار الصاع؟ اختلف المتأخرون في تقديره ما بين كيلوين ونصف إلى ثلاثة، والأكثر يرون أنه ثلاثة إلا شيخنا العلامة الشيخ محمد بن عثيمين قدس الله روحه في الجنان فإنه يرى أن مقدار الصاع كيلوين وأربعين جرامًا لكنه قال من البر الجيد، وهذا يتفاوت من الموزون سواءً كان برًا جيدًا أو وسطًا أو كان أرزًا أو دخنًا أو ذرة، وعلى هذا فمن أخرج ثلاثة كيلوات من أي شيء من أقوات البلد فإنه يجزيه.

رابط الفقرة 14

وقت وجوب الفطرة كما ذكر المؤلف غروب الشمس ليلة العيد، فمن كان من أهل الوجوب حينذاك وجبت عليه وإلا فلا، وعلى هذا من مات قبل غروب الشمس فلا فطرة عليه ولا يخرجها أهله، وكذلك لو وُلد شخص بعد الغروب ولو بدقائق لم تجب عليه الفطرة، لكن سبق أنه يُسن إخراجها عن الجنين، وكذلك لو تزوج قبل الغروب بلحظة أو عُقد له قبل الغروب تجب عليه الفِطرة، وإن كان من أهل العلم من يقول إن الفطرة لا تلزم إلا إذا استلم الزوجة، وانتقلت إلى بيت الزوجية لكنا نقول: هي فطرتها سيخرجها هو أو وليها، وإنما كان وقت الوجوب غروب الشمس لأنه الوقت الذي يكون به الفطر كما تقدم، فإنه يقال زكاة الفطر، وأما زمن دفعها فله وقتان: وقت فضيلة، ووقت جواز، وقت الفضيلة: صباح يوم العيد بين صلاة الفجر وصلاة العيد؛ لما في الصحيح من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: «كُنَّا نُخْرِجُ في عَهْدِ رَسولِ الله صلى الله عليه وسلم يَومَ الفِطْرِ صَاعًا مِن طَعَامٍ»() [رواه البخاري] وفيه أيضًا من حديث ابن عمر: «أنَّ رَسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ بزَكَاةِ الفِطْرِ، أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إلى الصَّلَاةِ»() [رواه مسلم وغيره] ولذلك مر بنا في باب صلاة العيدين أن السنة تأخير صلاة العيد يوم الفطر ليتسع الوقت لإخراج الفطرة، عامة الناس اليوم يخرجونها من الليل وربما قبل العيد بيوم أو يومين؛ وذلك توسعة عليهم وخوفًا أن يضيق الوقت لا سيما إن كان الفقراء الذين سيأخذونها خارج الحي وربما ما يتسع الوقت له أن يخرجها بعد صلاة الفجر، لكن إذا كان يعرف فقراء ويتيسر له أن يوصلها إليهم بعد الفجر قبل صلاة العيد فهذا أكمل وأفضل وإلا فإنه يجوز أن يخرجها قبل العيد بيوم أو يومين، وقيل ثلاثة ولكن اليومين أقرب، والدليل جاء باليومين وهو صحيح ثابت، ومن ثم فإنا نقول: من اليوم الثامن والعشرون من رمضان يجوز الإخراج سواءً كان الشهر تامًا أو ناقصًا، إذن وقت الجواز قبل العيد بيوم أو يومين كما في صحيح البخاري عن نافع قال: «كانَ ابنُ عُمَرَ يُعْطِي عَنِ الصَّغِيرِ، والكَبِيرِ، حتَّى إنْ كانَ لِيُعْطِي عن بَنِيَّ، وكانَ ابنُ عُمَرَ رضي الله عنهما يُعْطِيهَا الَّذِينَ يَقْبَلُونَهَا، وكَانُوا يُعْطُونَ قَبْلَ الفِطْرِ بيَومٍ أوْ يَومَيْنِ»()، إذن هذا هو الثابت وأما ثلاثة ففيه كلام، وأما إخراجها من أول الشهر كما هو قول عند الشافعية فهذا قول مرجوح، وكذلك قول الحنفية يخرجها أي وقت من السنة، نقول: هذا أيضًا بعيد عن الصواب، إذن الصواب أنها تخرج قبل العيد بيوم أو يومين، لو أخرجها قبل العيد بثلاثة أيام جاهلًا أو حاسبًا أن هذا مجزئ لا حرج، وأما تأخيرها عن صلاة العيد فإنه لا يجوز، وعلى هذا من أخرها حتى تمت صلاة العيد بلا عذر فإنها لا تقبل منه، بمعنى أنها لا تقع موقعها زكاة فطر، وإنما تكون صدقة من الصدقات لأنه خلاف ما أمر به صلى الله عليه وسلم ، وقد سبق من حديث ابن عباس رضي الله عنهما : «أن من أدَّاها قبلَ الصلاةِ فهي زكاةٌ مَقبولةٌ، ومن أدَّاها بعد الصلاة فهي صدقةٌ من الصَّدقاتِ»()، مثل الأضحية، من ذبح قبل الصلاة فهي شاة قدمها لأهله، شاة لحم يأكلها لكن ليست أضحية لابد أن تقع الأضحية عقب الصلاة، عقب الفراغ من صلاة العيد ولو مسجد واحد في البلد صلى يجوز أن يذبح، فكذا هنا الشارع وسع، قبل العيد بيومين أو ثلاثة، ضاق الوقت ما أخرج، نقول: يخرج قبل صلاة العيد وهو أكمل وأفضل إذا اخرها حتى فرغ الناس من صلاة العيد فإن كان غير معذور ما تقع موقعها، وإن كان معذورًا فلعل الله يقبلها منه، وذلك أنه قد يصادفه العيد في مكان ما يجد فيه فقراء مثل أصحاب البر، أحيانًا يتعب يبحث ما يجد، أو ليس عنده القوت أو يأتي خبر العيد مفاجئًا كما حصل قبل سنين، صام الناس ثمانية وعشرين يومًا ثم هل شهر شوال والناس لم يستعدوا من قبل، فارتبك بعضهم وأخرج وبعضهم ما تيسر له أن يخرج فحينئذ نقول لا حرج، ومثله لو وكل آخر يخرجها عنه فنسي هذا الموكل ولم يشعر إلا بعد العيد، نقول: يخرجها ولو بعد العيد وهو معذور في ذلك، والواجب أن تصل زكاة الفطر إلى مستحقها أو وكيله في وقته قبل صلاة العيد، وحينئذ لو نواها المسلم لفقير معين ولم يجده ولم يجد وكيله وقت الإخراج فإنه يدفعها إلى مستحق آخر ولا يؤخرها عن وقتها، وهذه مسألة يقع فيها بعض الناس في جهل، يقول: أنا ناويها لفلان، طيب نويتها لفلان، وجدته؟ أو أن فلان هذا مسافر وقال يا فلان استقبل زكاة الفطر عني من جيرانه أو قرابته لا حرج، لكن ما وجدته ولا وجدت وكيله اصرفها إلى غيره ولا تحبسها عندك وهو لم يوكل.

رابط الفقرة 15

وأما مكان دفعها فتدفع إلى فقراء المكان الذي هو فيه وقت الإخراج سواءً كان محل إقامته أو كان من بلاد المسلمين لا سيما إذا كان هذا المكان فاضلًا كمكة والمدينة أو كان فقراؤه أشد، فإن كان في بلد ليس فيه من يُدفع إليه كأن يكون في بلاد الكافرين أو كان لا يعرف المستحقين فيه فإنه يوكل من يدفعها عنه في مكان فيه مستحق، وعلى هذا إذا كان الإنسان مغتربًا في بلد وأهله في بلد، نقول: له أن يخرجها عنه وعنهم أو يوكلهم يخرجون عنه وعنهم أو يقول سأخرج عن نفسي وأنتم أخرجوا عن أنفسكم، وهذا كله سائغ جائز لا سيما إذا كان المغترب الفقراء في بلده أشد وأكثر، فإنا نقول: يوكل أهله يخرجون زكاة الفطر عنه وعنهم، والمستحقون لزكاة الفطر هم الفقراء ومن عليهم ديون لا يستطيعون وفاءها فيعطون منها بقدر حاجتهم، وسيأتينا في الباب الذي عقب هذا إخراج الزكاة وبيان أيضًا أهل الزكاة.

رابط الفقرة 16

ويجوز توزيع الفطرة على أكثر من فقير، كما يجوز دفع عدد من الفطر إلى مسكين واحد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قدر الواجب ولم يقدر من تُدفع إليه، وعلى هذا فلو جمع أهل بيت من أسر أو جيران زكاة فطرهم في وعاء واحد بعد أن كالوها وصاروا يدفعون منها بلا كيل أجزأ ذلك، لكن ينبغي حينئذ أن يقال للفقير إننا لم نكل ذلك، يعني كل ما أخذته فإن عليك أن تكيله قبل أن تخرجه، يعني يقولون ترى ما ندري المقدار الذي أعطيناك لئلا يغتر بهذا المعطى إليه فيدفعه عن نفسه أو عن أحد من عائلته لكن له أن يكيلها ثم يخرجها؛ لأنه يجوز له إذا ملكها أن يخرجها عن نفسه وعن أهل بيته، ولا يلزمه أن يشتري فِطرة لأن بعض الناس يتحرج من إخراج زكاة الفطر من القوت الذي عنده في البيت يحسب أنه لابد أن يشتري.

رابط الفقرة 17

هذه أهم المسائل التي ذكرها المؤلف رحمه الله ونحن نمر عليها مرًا سريعًا فإنه رحمه الله ذكر أن وجوب الزكاة على كل مسلم إذا ملك فضلًا عن قوته، قالوا: قوته وقوت من يمون من مأكل ومشرب ومسكن وخادم، فكل من يحتاج إليهم لا بد أن يؤمن نفقتهم، فما زاد عن قوت يوم العيد فإنه يلزمه أن يخرج إذا فضل عن قوته وقوت عياله ليلة العيد ويوم العيد، وذكر رحمه الله أنها تُخرج من البر أو الشعير أو الدقيق أو السويق، الدقيق يعني المطحون، والسويق المطبوخ المعد، وذلك أن هذا ربما كان أنفع للفقراء لا سيما الطحن، لكن إذا قال قائل: لا إذا طحنت مدتها وتخزينها يقل، فإنا نقول: الأولى إخراجها حب، إخراجها حبًا غير مطحون أولى من إخراجها دقيق لا سيما وفي إخراجها من الدقيق خلاف وكذلك السويق، وأما إخراجها خبزًا فلا يجزئ، يعني لو قال: أريد أن أخبزه وأعطيه للفقراء مرة واحدة، طحنته وعجنته وخبزته، نقول: لا، هذا ما يجزيه؛ لأنه ليس قوت، الخبز لا بد أن يؤكل في وقت وجيز فلا ينتفع منه الفقير مدة أطول، ذكر أنه من تلزمه الفطرة يلزمه أيضًا فطرة من تلزمه مؤونته ليلة العيد.

رابط الفقرة 18

ذكر أهل العلم أن من صام عنده مسلم رمضان كله وجب عليه أن يفطر عنه وهذا قول، والصحيح أنه لا يلزم لكن هذا من أكمل ما يكون، يعني نزل عندك ضيف، قريب جاء وصام رمضان عندك أخرج عنه وأخبره بذلك، لكن أن يصل للوجوب يحتاج إلى دليل، والصحيح أنه لا دليل على ذلك.

رابط الفقرة 19

ذكر إذا كانت المؤونة تلزم جماعة كالعبد المشترك والقريب المعسر الذي نفقته على مجموعة، مثل أخ معسر وعنده ثلاثة إخوة كلهم موسرون، نفقته عليهم، نفقة هذا المعسر عليهم، وهذا معنى يغيب عند بعض الناس، تجد محتاج يمكن تحل فيه الزكاة ويعطونه الناس زكاتهم مع أن إخوته قادرون وموسرون، نقول: يجب عليكم أن تنفقوا عليه من حر مالكم، فلو جاء في زكاة الفطر، من الذي يخرج عنه؟ نقول: لو ما أخرجوا أو تبرع أحد منهم، فإنها واجبة على الجميع أثلاثًا، يعني لو كانوا ثلاثة إخوة والرابع فقير معسر، نقول: صاعه عليكم، صاعه الذي يخرج عنه عليكم، هذه مما ذكر رحمه الله في العبد المشترك بين مجموعة وكذلك من تلزمه النفقة وهم جماعة.

رابط الفقرة 20

[أسئلة الدرس]

رابط الفقرة 21

سائل يقول: الوالدة عندي -طال عمرك- هل يجوز أن أخرج عنها الزكاة رغم أن راتب الوالد -الله يرحمه- ينزل لها، لكن بعض الأحيان ينزل بعد العيد؟

رابط الفقرة 22

الجواب: يجوز وهو أكمل وفيه بر إذا أنت قمت به بطوعها، لكن لو قالت: لا يا وليدي أنا بخرج من مالي، هي المكلفة لكن عادة الناس اليوم أنهم يخرجوا عن آبائهم وأمهاتهم ومن في بيوتهم ويفرحون بهذا ويعتبرونه من البر والصلة وهذا جائز، لكن لو قال قائل من المخاطب؟ نقول: المكلف، الوالدة أو الوالد أو الزوجة أو الولد.

رابط الفقرة 23

سائل يسأل عن خراج زكاة الفطر عن الخادم والعامل في المسجد؟

رابط الفقرة 24

الجواب: الخادم والعامل في المنزل، نقول: إن كان طعامه على أهل البيت فيلزمهم فطرته، وإن كان اتفاقهم معه على أنه يأخذ راتب وأنه يدبر حاله في الأكل والشرب ويشتري قوته ويطبخ ويأكل من ماله فلا تلزمهم، فإن أخرجوها عنه بطيبة خاطر منه ورضا فلا بأس لكنه لا يلزمهم، أما خادم وعامل منزلي مثل الخادمات في البيوت، فالغالب أنها تأكل من قوت أهل البيت، فيطبخون ويعطونها، نقول: يلزمهم أن يُفَطِّروا عنها ويزكوا عنها، أدوا الزكاة عمن تمونون، هم يمونونها وهم مكلفون بطعامها بشرط أن تكون مسلمة، من أعجب الاسئلة أن الناس يسألون عن خدم في البيوت غير مسلمين، نقول: زكاة الفطر لأهل الإسلام لأنها تطهرهم وتزكيهم، والكافر ليس محلًا للزكاة ولا للتطهير ولا تنفعه ﴿ وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَـٰتُهُمْ إِلَّآ أَنَّهُمْ كَفَرُوا۟ بِٱللَّهِ ﴾ [التوبة: ٥٤]، فالكافر البعيد ما ينتفع ولا يُخرج عنه، لا يعطى زكاة الفطر ولا تعطى عنه، ولا يجوز أصلًا استقدامه وإبقاؤه في بلاد الإسلام لكن إذا استأجر عامل لعمل، ويقول له: الأجرة إشباعك مثل ما كان الناس أول، نقول: هل هذه نفقة واجبة أو أنها مقابل عمل؟ يقولون: نفقة مقابل عمل فزكاة فطره عليه هو، هذا نادر اليوم، الآن الناس تعمل بأجر محدد ومبلغ لكن قديم مر بالناس زمن من الجوع والحاجة أن الإنسان يشتغل بمليء بطنه فقط.

رابط الفقرة 25

سائل يقول: هل يجوز إعطاء الخادمة زكاة الفطر، لأنها ممكن تبيعها وتستفيد منها؟

رابط الفقرة 26

الجواب: إذا كانت تأكل معكم مما تطبخون فما يحتاج تعطيها إلا أن تكون فقيرة وعليها ديون مثل زكاة المال، كثير ما يسأل الناس عن إعطاء الزكاة للعمالة المنزلية من سائق وخدم، نقول: إن كانوا فقراء، بعض الناس يقول: أكيد فقراء، ما الذي أتى بهم؟ نقول: ليس صحيحًا، ليس كلهم فقير تحل فيه الزكاة حتى لو أنه مغترب وجاء هنا هذا أمر، الأمر الثاني أن منهم من هو أحسن من أهل البيت حالًا، فبعض السائقين أو الخدم في البيوت يتقاضى راتب ولنفرض نقول ألف وخمسمائة ريال، هذا الراتب ألف وخمسمائة هذا كله وفر، ما يصرف منه أحيانًا ولا ريالًا واحدًا لا سيما العاملات في البيوت فتأكل مما يأكل أهل البيت ويكسونها ويعطونها هدايا أحيانًا والراتب موفر، ثم الراتب بفارق الصرف في بلدها هي غنية ثرية، هذا المال الذي هو ألف وخمسمائة أنت قليل عندك لأن دخلك أضعافه عشر مرات أو تزيد لكن هو عندها شيء، ولهذا بعض العمالة المنزلية جاءت فقيرة ثم اغتنت وبنت بيت وربما عندها محل استثماري أو مكان تبيع فيه وتشتري، وبعضهم جاء وهو سائق وبنى بيت واشترى وسيلة نقل يتكسب بها، فالله يغنيهم بهذا العمل ويصيرون أحيانًا أحسن من البيت، أنت الآن لك سنين وأنت تكد ولا بنيت لك دار أحيانًا مستأجر وهم اشتغلوا أربع سنين أو خمس أو ست، ملكوا بيتًا، ففارق الصرف الألف وخمسمائة هذه تشكل عندهم مبالغ كبيرة على اختلاف الجنسيات والعملات لكنهم ليسوا أو ليس كلهم فقير، إنما بعضهم ما جاء هنا إلا وقد تدين، فأصبح المال الذي يحصله جزء منه ينفق على أهله وجزء يسدد الدين، وقد يكون الدين كبيرًا، فهذا يُعطى من الزكاة ما يسدد دينه إذا كان الدين حالًا ولا يستطيع أن يسدده مع نفقته على من يمون في بلده، إذن يفرق بين هؤلاء العمالة والسائقين والخدم، بين مسكين منهم أو فقير عليه ديون ودخله لا يكفي سداد ديونه والنفقة على أهله، وبين واحد ما عليه ديون أو دين يسير شهر شهرين يسدده، ثم الباقي كله وفر يصرف منه على أسرته ربما ربعه أو ثلثه والباقي يوفره ويبني به دار ويحسن وضعه، نقول: الله يرزقه، لكن هل يعطى من الزكاة؟ لا، الآن أصبح بهذا الراتب عنده الكفاف وزيادة، عنده ما يكفيه ويكفي أسرته وزيادة، فخرج عن الفقر والمسكنة إلى الغنى.

رابط الفقرة 27

سائل يقول: هناك مكاتب يريدون أن يأخذوا الزكاة ولكن لا يريدوا أن يأخذ أرز ولا غيره، يريدون مال، هل يجوز؟

رابط الفقرة 28

الجواب: إذا كانوا يأخذون الفلوس ويشترون به طعامًا فلا حرج لأنك وكلته، المكتب هذا أو جمعية بر أو إمام مسجد أو إنسان أراد الإحسان، فقال: من يريد أن أشتري له أنا يعطيني المال وأذهب وأشتري ومثله كفارات الإيمان وغيرها من الكفارات، الآن جمعيات البر تستقبل، فيأتي ويقول لهم: كم الكفارة؟ قالوا: الكفارة إطعام عشرة مساكين والمسكين كيلو ونصف يعني خمسة عشر كيلو، فقدروا مثلًا سبعين أو خمسين أو قالوا: مائة وأخذوها واشتروا طعامًا وأعطوا الفقراء، نقول: لا حرج، لأن المؤدَّى أنهم دفعوها طعامًا، فكذلك زكاة الفطر، لو أن المكتب الفلاني أو جمعية البر أخذت مبلغ واشترت به طعامًا حتى لو قالوا: الصاع مثلًا بعشرين، والصاع يكلف سبعة عشر أو خمسة عشر، وقالوا: هذه الثلاث ريالات الزائدة للفقراء والمساكين ننفقها بطوع الموكل فلا حرج؛ لأنهم يأخذون المبلغ وربما يزيدون فيه قليلًا يكون صدقة مال أو أحيانًا لرواتب وأجرة العاملين في هذه الجمعية ونحوها، فالواجب أن يدفع للفقير طعامًا لا مالًا، كون الوكيل يأخذ المال ويشتري الطعام لا حرج، جمعية البر مثلًا عندنا هنا تأخذ المال وتشتري الطعام، ثم نظموها تنظيمًا أعلى فجعلوها أيضًا بطاقات تعطى للفقير والفقير يذهب لمحلات بيع الأرز، المحلات الكبيرة هذه ويأخذ بموجب البطاقة قدر ما قدرت له الجمعية، ثم عندهم أيضًا فتوى من سنين لسماحة شيخنا الشيخ عبد الله بن جبرين قدس الله روحه في الجنان في أنهم وكلاء عن الفقراء وهذه فائدة عظيمة للجمعيات إذا أخذوا بها، بمعنى أن الجمعية وكيلة عن الفقير؛ لأن الفقير مقيد، عندهم بياناته واسمه وقد وكلهم، فإذا استلموا عنه فإن لهم أن يحفظوها عندهم ويعطونه إياها تدريجًا لو طول السنة، قالوا: أنت أيها الفقير، عندنا لك مثلًا عشرة أكياس أرز، لو أعطوه إياه كلها دفعة ربما غدًا باعها بأبخس الأثمان لكن يعطونه كل شهر مثلًا كيس أو نحوه لا حرج، وهذه فتوى وسع بها سماحة شيخنا الشيخ عبدالله بن جبرين -غفر الله له- للمكاتب وجمعيات البر توسيعًا عظيمًا بأن جعلهم وكلاء، والوكيل يحفظ المال أو الزكاة ويعطيها الفقراء في وقت الحاجة، كان بعضهم يأتي في ليلة العيد فيأخذ أحيانًا عشرين كيس وعشرة أكياس لأنه يأتيهم كمية كبيرة والفقراء المقيدين عندهم دون، فيعطونهم من كيسين ثلاثة إلى عشرة وربما تزيد، فبعضهم يبيعها بأبخس الأثمان، الكيس الذي يُباع بمائتين وخمسين يمكن يباع بمائة أو دون ذلك، هذا لأنه يريد مال ثم بعد شهر وشهرين يأتي يبحث عن الأرز وعمن يعطيه مالًا أو يعطيه طعامًا، فحفظ جمعيات البر لهذا الكم الكبير والمخزون العظيم من زكاة الفطر وتوزيعه طول السنة على الفقراء المدونين والمسجلين عندهم لا شك أن هذا فيه إحسان.

رابط الفقرة 29

ونسأل الله أن يجعلنا من عباده المحسنين ومن حزبه المفلحين ومن الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وأن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح وأن يجعل ما تعلمناه حجة لنا لا حجة علينا إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم وبارك وأكرم وأنعم على خيرة خلقه وأفضل أنبيائه ورسله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

رابط الفقرة 30

الحواشي

  1. (1)

    أخرجه البخاري (1504)، ومسلم (984) عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: «فَرَضَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم زَكَاةَ الفِطْرِ مِن رَمَضَانَ علَى كُلِّ نَفْسٍ مِنَ المُسْلِمِينَ حُرٍّ، أَوْ عَبْدٍ، أَوْ رَجُلٍ، أَوِ امْرَأَةٍ، صَغِيرٍ، أَوْ كَبِيرٍ صَاعًا مِن تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِن شَعِيرٍ».

    العودة إلى موضع الحاشية
  2. (2)

    أخرجه القسطلاني وقال عنه أنه منقطع في إرشاد الساري (3/91) عن بكر بن عبدالله المزني وقتادة: «أنَّ عُثمانَ رضي الله عنه كان يُعطي صَدَقةَ الفِطرِ عنِ الصَّغيرِ والكَبيرِ، حتى عنِ الحَمْلِ في بَطنِ أُمِّه».

    العودة إلى موضع الحاشية
  3. (3)

    خرجه البخاري (7288)، ومسلم (1337) باختلاف يسير.

    العودة إلى موضع الحاشية
  4. (4)

    أخرجه أبو داود (1609)، وابن ماجه (1827)، والحديث حسنه الألباني في صحيح أبي داود (1609).

    العودة إلى موضع الحاشية
  5. (5)

    أخرجه البخاري (1504)، ومسلم (984) باختلاف يسير.

    العودة إلى موضع الحاشية
  6. (6)

    أخرجه البخاري (1510).

    العودة إلى موضع الحاشية
  7. (7)

    أخرجه البخاري (2697) بنحوه، ومسلم(1718) .

    العودة إلى موضع الحاشية
  8. (8)

    أخرجه البخاري (2697) واللفظ له، ومسلم (1718).

    العودة إلى موضع الحاشية
  9. (9)

    أخرجه أبو داود (4607)، والترمذي (2676)، وابن ماجه (42)، وأحمد (17145) مطولًا، والحديث صححه ابن تيمية في مجموع الفتاوى (493/28)، وأيضًا صححه الألباني في صحيح ابن ماجة (40).

    العودة إلى موضع الحاشية
  10. (10)

    أخرجه البخاري (1510).

    العودة إلى موضع الحاشية
  11. (11)

    أخرجه البخاري (1509)، ومسلم (986).

    العودة إلى موضع الحاشية
  12. (12)

    أخرجه البخاري (1511)، مسلم (984) باختلاف يسير.

    العودة إلى موضع الحاشية
  13. (13)

    أخرجه أبو داود (1609)، وابن ماجه (1827)، والحديث حسنه الألباني في صحيح أبي داود (1609).

    العودة إلى موضع الحاشية