ملفات PDF ١ ملف
النص المقروء
[الدَّرْسُ التَّاسِعُ وَالْأَرْبَعُونَ]
رابط الفقرة 1[كِتَابُ الزَّكَاةِ - إخراج الزَّكَاةِ]
رابط الفقرة 2الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على البشير النذير والسراج المنير نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
رابط الفقرة 3أما بعد؛ أيها الأخوة الأكارم سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وحياكم الله في الدرس التاسع والأربعون من شروح عمدة الفقه للإمام موفق الدين «ابن قدامة رحمه الله »، وقد وصلنا إلى باب إخراج الزكاة بعد أن انتهينا من الأموال الزكوية وزكاة البدن أي زكاة الفطر.
رابط الفقرة 4قال رحمه الله :
رابط الفقرة 5بَابُ إِخْرَاجِ الزَّكَاةِ
رابط الفقرة 6لا يَجُوْزُ تَأْخِيْرُها عَنْ وَقْتِ وُجُوْبِهَا إِذَا أَمْكَنَ إِخْرَاجُهَا، فَإِنْ فَعَلَ فَتَلِفَ المَالُ، لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ الزَّكاةُ، وَإِنْ تَلِفَ قَبْلَهُ، سَقَطَتْ، وَيَجُوْزُ تَعْجِيْلُهَا إِذَا كَمُلَ النِّصَابُ، وَلا يَجُوْزُ قَبْلَ ذلِكَ، فَإِنْ عَجَّلَهَا إِلَى غَيْرِ مُسْتَحِقِّهَا، لَمْ يُجْزِئْهُ، وَإِنْ صَارَ عِنْدَ الْوُجُوْبِ مِنْ أَهْلِهَا، وَإِنْ دَفَعَهَا إِلَى مُسْتَحِقِّهَا، فَمَاتَ أَوِ اسْتَغْنَى أَوِ ارْتَدَّ أَجْزَأَتْ عَنهُ، وَإِنْ تَلِفَ المَالُ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الآخِذِ، وَلا تُنْقَلُ الصَّدَقَةُ إِلَى بَلَدٍ تُقْصَرُ إليه الصَّلاةُ إِلاَّ أَنْ لا يَجِدَ مَنْ يَأْخُذُهَا فِيْ بَلَدِهَا.
رابط الفقرة 7هذه هم المسائل وأبرزها في هذا الباب، وقد اقتصر رحمه الله على النذر اليسير، فذكر أولًا أنه لا يجوز للمسلم أن يؤخر الزكاة عن وقت وجوبها إذا أمكن إخراجها، إذ الأصل في الزكاة أنها على الفور كسائر الواجبات الشرعية، فإن الأوامر إذا جُردت عن القرائن أفادت الوجوب وأفادت الفور، والله جل شأنه وتقدس اسمه أمر بإخراج الزكاة وأمر بإيتاء الزكاة، وقال جل شأنه: ﴿ وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ ﴾ [البقرة: ٤٣]، فالأمر بإيتاء الزكاة أمر بأدائها فورًا؛ ولأن حاجة المسكين والفقير ناجزة، فإن لم يمكن إخراجها فورًا لعذر شرعي كألا يجد الفقير المحتاج في بلده أو يتربص بها فقيرًا قريبًا أو فقيرًا أشد حاجة أو جارًا محتاجًا أو نحو ذلك، فإن التأجيل والتأخير يجوز لكن بشرط أن تكون المدة يسيرة، وأما أن يؤخرها بالشهر والشهران وربما السنة والسنتان، فهذا لا يجوز وسنعود لهذا بشيء من التفصيل.
رابط الفقرة 8قال رحمه الله : (فَإِنْ فَعَلَ -بأن أخرها عن وقت وجوبها- فَتَلِفَ المَالُ، لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ الزَّكاةُ) لأنها تعلقت بذمته وهو لا يجوز له التأخير أصلًا لكنه أخر فتلف المال أو أخر فمات، وهذا من محاذير تأخير الزكاة، أن تجب وتتعلق بالذمة ثم يُسَوِّف ويفرط ثم يفجأه الموت أو الفقر أو الحاجة والعوز أو تلف المال فيندم ولات ساعة مندم، حتى هذا الذي تعلقت الزكاة بذمته قد يكون ورثته لا يهتمون بهذا الجانب ولا يسألون، هل زكى قبل أن يموت؟ وهل أخرج زكاته أو لم يخرجها؟ فيكون حبيس قبره ومسائلًا عن هذه الزكاة التي تعلقت بذمته ولم يخرجها، قال: (وَإِنْ تَلِفَ قَبْلَهُ، سَقَطَتْ) لو أن المال تلف قبل حولان الحول وتعلقه بالذمة فإنها تسقط.
رابط الفقرة 9قال رحمه الله : (وَيَجُوْزُ تَعْجِيْلُهَا إِذَا كَمُلَ النِّصَابُ) تعجيل الزكاة قبل الحول جائز إلى سنتين، يعني يجوز أن يعجل المسلم زكاته ويقدمها قبل حلولها بسنة أو سنتين وهذا هو الصحيح، وقال بعض أهل العلم: لا يجوز تعجيلها مطلقًا، وبعضهم قال: يجوز تعجيلها شهرًا فقط، وسيأتي تفصيل هذا، نحن نمر على عبارة المؤلف ثم نعود إلى التفصيل.
رابط الفقرة 10قال : رحمه الله (وَلا يَجُوْزُ قَبْلَ ذلِكَ) يعني إذا لم يكمل النصاب، يعني إنسان عنده نصاب كمائة ألف ريال، زكاتها ألفين وخمسمائة ريال، ربع العشر، واحد من كل أربعين، فقال: أنا أُعجل زكاتي، فأخرج زكاة هذا العام وعام آتي أو عامين آتيين، نقول: لا حرج؛ لأن عندك نصاب، وقد تعلقت الزكاة بذمتك عن هذا العام الذي انتهى ولك أن تعجلها لمصلحة، كأن يأتيه شاب محتاج للزواج وربما قريب، ويقول والله زكاتي أخرجتها لكن يمكن أني أعطيك من زكاة العام القادم، نقول: لا حرج، ولهذا الموفق المسدد الذي عنده زكاة، ما يمكن أن تأتي نهاية الحول وهو يقول والله أنا ما لقيت فقير محتاج، نقول: أصلًا أنت تستطيع أن تخرج وتقيد، تخرج وتقيد ثم إذا انتهت السنة تنظر في ماذا أخرجت طول العام، فتقول: والله أنا لما أحصيت وجدت أني اخرجت كذا، مثلًا عشرة آلاف ريال، إذا كان عنده أربعمائة ألف فزكاتها عشرة آلاف، وجد أنه أخرج تسعة آلاف مثلًا، يقول الحمد لله لم يبقى من الزكاة إلا ألف، وربما وجد أنه أخرج خمسة عشر ألفًا، وهو لا يجب عليه إلا عشرة، فيقول: الخمسة مقدمًا للعام القابل.
رابط الفقرة 11قال رحمه الله : (فَإِنْ عَجَّلَهَا إِلَى غَيْرِ مُسْتَحِقِّهَا، لَمْ يُجْزِئْهُ، وَإِنْ صَارَ عِنْدَ الْوُجُوْبِ مِنْ أَهْلِهَا) لو أنه أعطى غير فقير، أعطى غني أو قوي مكتسب يستطيع أن يعمل ويتكسب لكنه أعطاه من الزكاة قبل حلول الحول ووجوب الزكاة، ثم صار هذا الذي أخذها وهو غني فقيرًا عند مضي الحول، نقول: لا يجزيه لأنك أصلًا عند دفعها، دفعتها لمن لا يجوز الدفع إليه، فالعبرة بوقت الدفع لا بوقت الاستحقاق، إذن نقول: لو أن مسلمًا أخرج الزكاة قبل حولان الحول وأعطاها لغني وصار هذا الغني من الفقراء عند مضي الحول، فإنا نقول: لا تجزئ، وإن دفعها إلى مستحقيها يعني عجلها فمات قبل حولان الحول، يعني زكاته في رمضان وجاءه هذا المسكين في رجب فأعطاه زكاته، قدمها، ومات هذا المسكين قبل رمضان، قبل أن يحول الحول، نقول: لا حرج، قد أخرج زكاته وعجلها في وقت يجوز له التعجيل فلا حرج، أو استغنى، هذا الفقير الذي كان في رجب تحل فيه الزكاة -ما شاء الله- ورث في شعبان ملايين فاصبح هو غني عليه زكاة، ثم جاء يسأل قال: أنا عجلت الزكاة وأعطيته في رجب وهو فقير مدقع، واليوم صار أغنى مني، نقول: لا حرج، أنت دفعتها له في حال يجوز الدفع فيه.
رابط الفقرة 12قال : رحمه الله (وَإِنْ دَفَعَهَا إِلَى مُسْتَحِقِّهَا، فَمَاتَ أَوِ اسْتَغْنَى أَوِ ارْتَدَّ-نسأل الله السلامة- أَجْزَأَتْ عنه؛ -لأنه وقت الدفع كان من أهل الزكاة-، وَإِنْ تَلِفَ المَالُ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الآخِذِ) دفع الزكاة مائة ألف معجلة، زكاته في رمضان ودفعها من رجب، ثم إنه في شعبان جاءه جائحة أتلفت ماله، احترق متجره وضاع ماله كله، وأصبح ممن تحل فيه الزكاة، فإنا نقول: برأت ذمته ولا يرجع إلى الآخذ، لا يقول أنا أعطيتك قبل أن يحول الحول، ولما حال الحول صرت من أهل الزكاة.
رابط الفقرة 13قال : رحمه الله (وَلا تُنْقَلُ الصَّدَقَةُ إِلَى بَلَدٍ تُقْصَرُ إليه الصَّلاةُ) يعني لا ينقلها من البلد الذي هو فيه المال إلى بلد سفر (إِلَى بَلَدٍ تُقْصَرُ إليه الصَّلاةُ -إلى بلد سفر- إِلاَّ أَنْ لا يَجِدَ مَنْ يَأْخُذُهَا فِيْ بَلَدِهَا) هذا أيضًا مما اختلف فيه أهل العلم خلافًا كبيرًا، والصحيح أنه يجوز نقل الزكاة من البلد الذي المال فيه إلى بلد آخر إذا دعت الحاجة أو المصلحة لذلك، كأن يكون الفقير المحتاج قريبًا له يسكن في بلد آخر، نقول: هذه حاجة ومصلحة، والصدقة على القريب صدقة وصلة، أو يكون أشد حاجة، أو نحو ذلك من الأعذار الشرعية، هذا جملة ما ذكر المؤلف.
رابط الفقرة 14نعود إلى بعض المسائل التي ربما اختصر الكلام فيها، فأولًا نقول: إنه يجب على المسلم إخراج زكاة على الفور مع إمكانه، قالوا: كالنذر المطلق، لو أنه نذر وقال: لله عليَّ أن أصلي ركعتين ولم يعين وقتًا فإنه يجب عليه أن يصلي فورًا، وكالكفارة فإنها تقتضي الفورية، وكما لو طالب بها الساعي، لو أن الساعي الذي يجبي الزكاة جاء يطالب بها، فإنه يجب دفعها إليه فورًا بلا خلاف بين أهل العلم؛ ولأن حاجة الفقير ناجزة، والتأخير يخل بالمقصود، وربما أدى إلى الفوات إما بإفلاسٍ أو موت ونحو ذلك؛ ولأن إخراج الزكاة إذا حال الحول أسرع في إبراء الذمة وأرضى للرب وأمحى للذنب إلا لضرورة كخوف، خوف ماذا؟ قالوا: يمكن هذا المسلم يخرج الزكاة إذا حال الحول ثم بعد أسبوع أو أسبوعين يأتيه الساعي، يقول: هات الزكاة، يقول: أنا أخرجتها، فما يصدقه؟ ولهذا نقول: إذا كان يخشى أن الساعي يأتي، يقول: الآن أنا زكاتي حالّه وموجودة معي لكني أخشى اليوم أخرجها وغدًا يأتيني الساعي، هذا يصدق على أصحاب المحلات التجارية ونحوهم ممن تُجمع منهم الزكاة عبر مصلحة الزكاة والدخل ونحوه، فيقول: أنا أعرف فقراء ولو أخرجتها الحمد لله أعرفهم وقد حال الحول لكني قد أخرجها اليوم وغدًا يأتوني ويطالبون بالزكاة مرة ثانية، فنقول حينئذ: هذا سبب يقتضي أن يؤخرها، قالوا: أو يخاف على نفسه أو ماله، إنسان عنده مال ويخشى لو نقله ليبحث عن الفقراء والمساكين ويسلمها لهم مباشرة أن يسطو عليهم ظالم معتد سارق قاطع طريق، فيقول: أنا والله ما آمن على نفسي ولا على مالي، الحول تم اليوم لكني ما آمن أن أذهب بها وأفرقها على المساكين فيؤخرها حتى يأمن، نقول: لا حرج، وكذلك لو كان التأخير لأشد حاجة أو لقريب أو لجار أو لتعذر إخراجها من المال لغيبة المحتاج ونحوه، فإن هذه الأعذار تبيح التأخير.
رابط الفقرة 15من المسائل التي ذكرها الفقهاء في باب إخراج الزكاة، حكم منع الزكاة، قالوا: إن مانع الزكاة لا يخلو من حالتين:
رابط الفقرة 16الحالة الأولى: أن يكون منعه جحدًا لوجوبها -نسأل الله السلامة والعافية- يقول: هذه ضريبة وهذه ليست زكاة وليست من دين الله في شيء، نقول: هذا كافر؛ لأنه مكذب لله ورسوله وإجماع المسلمين، فتؤخذ منه ويقتل كافرًا مرتدًا؛ لحديث ابن عمر في الصحيحين: «أُمِرتُ أنْ أُقاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشهَدوا أنْ لا إلهَ إلَّا الله، وَأنَّ مُحَمَّدًا رَسولُ الله، وَيُقيموا الصَّلاةَ، وَيُؤتُوا الزَّكاةَ»(1) [الحديث متفقٌ عليه] حتى لو أداها، لو قال: أنا أؤدي الزكاة لكن هذه ضريبة ليست زكاة، نقول: سبحان الله، أنت الآن تجحد أن الزكاة فريضة وركن من أركان الإسلام، ترى تمرق من الدين، مثل الذي يصلي، يقول: أنا أصلي لأنها عادة، ومثل الذي يحج ويقول أنا أحج لأنها من عادات قومي فعلها الآباء والأجداد، نقول: هذا كفرٌ مخرج من الملة، فيبين له إن كان جاهلًا ويعرف، قد يكون أسلم حديثًا فهو ما يدري ما الزكاة الواجبة، لكن مسلم نشأ في بلاد المسلمين ويسمع كلام الله يُتلى ومع ذلك يصر ولا يقبل التعليم، تُكشف له الشبهة وتُزال ويُعلم حدود ما أنزل الله فيصر، نقول: هذا كافرٌ، فتؤخذ منه الزكاة ويُقتل مرتدًا، نسأل الله السلامة والعافية.
رابط الفقرة 17الحالة الثانية: أن يكون امتناعه ومنعه للزكاة بخلًا، وهذا حال كثير ممن يبخلون اليوم بالزكاة، إما ما يخرجونها -نسأل الله السلامة والعافية- بالكلية أو يخرجوا جزءًا ويمنعوا جزءًا، أو يخرجها أيضًا في غير مخرجها كأن يخرجها في الدعاية لمؤسسته أو شركته أو يعطيها من لا يحتاج إليها وليس من أهلها وكأنها شرة يصرفها كل سنة على من يعرفه ويوزعها على قرابته وبعض من يطلبه وليس منها، فنقول: هذا فاسق عاصي مرتكب لكبيرة من كبائر الذنوب وتؤخذ منه قهرًا لكنه لا يكفر، وقد اختلف أهل العلم هل يؤخذ شطر ماله تعزيرًا أو لا يؤخذ؟ والصحيح أنه لا يؤخذ شطر ماله، وإنما تؤخذ الزكاة مع تعزيره، وقد يعزره ولي الأمر بأخذ مال أكثر من الزكاة لكن الصحيح أنه لا يؤخذ شطر ماله؛ لعموم قول الله تعالى: ﴿ وَلَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَكُم بَيْنَكُم بِٱلْبَـٰطِلِ ﴾ [البقرة: ١٨٨]، فنحن نقول هذا ظلم نفسه وبخل بالزكاة فتؤخذ منه قهرًا، في حديث أبي بكرة عند الشيخين البخاري ومسلم: «إنَّ دِمَاءَكُمْ وأَمْوَالَكُمْ وأَعْرَاضَكُمْ علَيْكُم حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَومِكُمْ هذا، في بَلَدِكُمْ هذا، في شَهْرِكُمْ هذا»(2)، ولم ينقل عن الصحابة أخذ زيادة على الزكاة ممن منعها، لكن جاء في الحديث وهذا الذي جعل بعض أهل العلم يقول أنه يؤخذ شطر ماله، جاء في حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده مرفوعًا: «ومَن أعطاها -أي الزكاة- مُؤتَجِرًا فله أجرُها ، ومَن منَعها فإنَّا آخِذوها وشطرَ مالِه عَزْمَةً مِن عَزَماتِ ربِّنا»(3) [رواه أبو داود والنسائي وصححه الحاكم] لكن الجمهور يقولون النصوص المحكمة البينة في عدم أخذ مال المسلم إلا بحق تنفي ذلك، وقالوا: إن هذا الحديث لم يثبت وعلى فرض ثبوته فهو منسوخ، وقال بعضهم: إن قوله: «وشَطرَ مَالِه» يعني وشُطِر ماله، ومعناه جعل ماله شطرين يأخذ المصدق الصدقة من أي الشطرين أراد، وعلى كلٍ فيكفي أنه يؤخذ ماله قهرًا ويعزر إن علم تحريم ذلك، ويقاتل إن احتيج إلى قتاله ولا يكفر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه: «ما مِن صاحِبِ كَنْزٍ لا يُؤَدِّي زَكاتَهُ، إلَّا أُحْمِيَ عليه في نارِ جَهَنَّمَ، فيُجْعَلُ صَفائِحَ فيُكْوَى بها جَنْباهُ، وجَبِينُهُ حتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بيْنَ عِبادِهِ، في يَومٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، ثُمَّ يَرَى سَبِيلَهُ، إمَّا إلى الجَنَّةِ، وإمَّا إلى النَّارِ»(4) [رواه الإمام مسلم] فدل على أنه لا يكفر، ما دام أنه لم يجحد فرضيتها، نقول: هو فاسق، عاصي، مرتكب كبيرة، تؤخذ منه قهرًا، يعذر، يقاتل إن احتاج إلى قتالٍ حتى تؤخذ منه، لكنه لا يكفر ولو كفر لم يكن له سبيل إلى الجنة.
رابط الفقرة 18من المسائل التي مرت بنا، وجوب الزكاة في مال الصبي والمجنون وهذا واضح بين، من المسائل في إخراج الزكاة أنه لا يجوز إخراج الزكاة إلا بنية من المكلف، أما الصبي والمجنون فإن الزكاة تجب في مالهما وينويها وليهما، أما المكلف فلابد أن ينوي؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم : «إنَّما الأعْمالُ بالنِّيّاتِ، وإنَّما لِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوَى»(5)، والأولى أن يقرن النية بالدفع، فيكون ينوي عند دفعها وله تقديم النية على الدفع بزمن يسير كالصلاة، وينوي حينئذ الزكاة الواجبة أو الصدقة الواجبة ونحو ذلك، وإذا أُخذت منه قهرًا فإنها تجزئ في الظاهر، بمعنى أننا لا نطالبه بها مرةً ثانيةً ولكنه في الباطن لا تجزئ؛ لعدم النية فلا يثاب عليها، يعني الذي بخل وأخذها ولي الأمر منه، نقول: ترى فقط أنت تجزئ منك في الظاهر، يعني ما نطالبك ثانية لكن عند الله لا تنفعك ولا تجزيك ما دام أنك لم تخرجها بطيبة نفس وإنما أُخذت منك قهرًا ولم تنوي ولم تتب وتستغفر وتندم وتخرجها طيبة نفسك، إذا تعذر الوصول إلى مالك الزكاة لأنه غائب غيبةً ما يُعلم متى يرجع أو محبوس فأخذها الإمام أو نائبه أجزأت في الظاهر والباطن؛ لأن هذا لم يمتنع لكنا ما وجدناه، إنسان عنده أموال عظيمة لكنه مختفي ما ندري أين هو، أو محبوس ولم يستطع هو أن يخرج فيفرق زكاته، فإذا أخذت الزكاة من ماله أجزأته ظاهرًا وباطنًا مع أنه يثاب إذ لم يمتنع.
رابط الفقرة 19ما الأفضل في إخراج الزكاة؟ أن يفرقها المسلم بنفسه أو يوكل؟ الأفضل قالوا أن يفرقها بنفسه ليكون على يقين من وصولها إلى مستحقها وهذه فائدة عظيمة، الوجه الثاني: أنه ينال أجر تفريقها والتعب الذي يصيبه؛ لأن تفريق الزكاة والبحث عن المحاويج عبادة، الثالث من الوجوه التي تدل على استحباب تفريق المسلم الزكاة بنفسه أنه يدفع عن نفسه المذمة إن كان غنيًا مشهورًا ولا يعرف الناس له وكلاء، فإنه ربما تكلموا في عرضه وقالوا فلان بخيل وما شفنا منه شيء وهو يوكل ولا يعرفوا وكيله، لكن التجار الكبار الذين لهم مؤسسات وموظفين يفرقون زكاتها هؤلاء يقومون بالواجب عليهم ولا يستطيعون بأنفسهم أن يفرقوا زكواتهم لكثرتها، لكن إنسان عنده زكاة ولا يُعرف له وكيل، نقول: إذا فرقها بنفسه، أولًا: علم وتيقن وصولها إلى مستحقها، ثانيًا: أنه يؤجر على الجهد الذي يقوم به في البحث عن الفقراء والمحاويج وتفريج كربهم، ثالثًا: أنه يدفع عن نفسه ظن الناس، إذا جاء الساعي ودفعها إليه برأت ذمته، وهل يُسن إظهارها أو إخفاؤها؟ نقول: يُسن إظهارها لا سيما الزكاة الواجبة؛ لتنتفي عنه التهمة ويدخل في عموم قول الله تعالى: ﴿ إِن تُبْدُوا۟ ٱلصَّدَقَـٰتِ فَنِعِمَّا هِىَ ۖ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا ٱلْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۚ ﴾ [البقرة: ٢٧١]، وهذا محمولٌ على صدقة التطوع أي الإخفاء، أما الزكاة الواجبة يظهرها، وبعض أهل العلم قالوا الأقرب أن يخفيها إلا لمصلحة، ومن المصالح التي يكون في إظهار الصدقة، أن يُقتدى به أو ينفي التهمة ونحو ذلك عنه.
رابط الفقرة 20الأفضل إخراج زكاة كل مال في فقراء بلده، وهذا بلا خلاف بين أهل العلم لكن نقلها لبلد قريب دون مسافة القصر هذا أيضًا يجوز كما عبر المؤلف لأنه في حكم البلد الواحد، لكن نقلها إلى بلد تقصر بينه وبين البلد الصلاة هذا فيه خلاف بين أهل العلم على أقوال: فمن أهل العلم من كره نقلها إلا لقرابة أو محاويج أو قوم هم أمس حاجة من أهل البلدة وهذا مذهب الحنفية، وقال الإمام مالك: لا يجوز نقلها إلا أن يقع بأهل بلد حاجة فينقلها الإمام إليهم على سبيل النظر والاجتهاد، وعند الشافعية لا يجوز ولا يجزئ نقلها، والحنابلة صريح مذهبهم أنه لا يجوز النقل لبلد تقصر فيه الصلاة، من قال بعدم النقل وهم الجمهور احتجوا بأدلة كثيرة، منها قول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ في الزكاة: «تُؤْخَذُ مِن أغْنِيَائِهِمْ وتُرَدُّ علَى فُقَرَائِهِمْ»(6)، قالوا: هذا في فقراء البلد وأغنياء البلد، تؤخذ من أغنياء البلد فترد على فقرائهم، والحديث متفق عليه، وحديث أبي جحيفة قال: «قَدِمَ علينا مُصَدِّقُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم -أي الساعي- فأخذ الصدقةَ من أغنيائِنا فجعلها في فقرائِنا وكنتُ غلامًا يتيمًا فأعطاني منها قَلُوصًا»(7) [رواه الترمذي وحسنه] وهذا مثل حديث معاذ، وقال عمر رضي الله عنه في وصيته للخليفة بعده: «وأُوصِيهِ بالأعْرَابِ خَيْرًا؛ فإنَّهُمْ أصْلُ العَرَبِ، ومَادَّةُ الإسْلَامِ؛ أنْ يُؤْخَذَ مِن حَوَاشِي أمْوَالِهِمْ، ويُرَدَّ علَى فُقَرَائِهِمْ»(8) [رواه أبو عبيد في الأموال]، وكذلك قول عمر لما سُئل عما يؤخذ من صدقات الأعراب: «والله لأردن عليهم الصدقة حتى تروح على أحدهم مائة ناقة» [رواه ابن أبي شيبة]، وجاء عن عمران بن حصين رضي الله عنه : «إنَّهُ وُليَّ عاملًا علَى الصَّدقةِ مِن قِبلِ زيادِ بنِ أبيهِ أو بعضِ الأُمراءِ في عهدِ بَني أُمَيَّةَ، فلمَّا رجعَ قالَ لهُ: أينَ المالُ قالَ: وللمالِ أرسَلتَني؟ أخذْنا مِن حَيثُ كنَّا نأخذُهُ علَى عهدِ رسولِ اللهِ وَوضعْناهُ حَيثُ كنَّا نضعُهُ»(9) [رواه أبو داود وابن ماجة] يعني أخذناه من أغنياء البلد ودفعناه إلى فقرائهم، ولأن المقصود بالزكاة إغناء الفقراء بها، فإذا نُقلت أفضى إلى بقاء فقراء ذلك البلد محتاجين، أما الذين يرون الجواز لا سيما عند الحاجة فإنهم أيضًا يستدلون بأدلة منها: قول الله جل شأنه: ﴿ ۞ إِنَّمَا ٱلصَّدَقَـٰتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَـٰكِينِ ﴾ [التوبة: ٦٠]، قالوا: عمومه يشمل فقراء المسلمين ومساكين المسلمين في كل مكان، ويستدلون أيضًا بحديث قبيصة بن مخارق الهلالي رضي الله عنه ، وفيه قول النبي صلى الله عليه وسلم لقبيصة: «أقِم يا قَبيصةُ حتَّى تأتيَنا الصَّدقةُ فَنَأْمرَ لَكَ بِها»(10) [رواه الإمام مسلم]، وقد كانت تؤتى بالصدقات والزكوات إلى النبي صلى الله عليه وسلم من الأمصار، وكذلك قول معاذ رضي الله عنه لأهل اليمن: «ائْتُوني بخَميسٍ أو لَبيسٍ آخُذْه مِنكم مَكانَ الصَّدَقةِ، وإنَّه أَهوَنُ عليكم، وخَيْرٌ للمُهاجِرينَ بالمَدينةِ»(11) [رواه البخاري معلقًا والبيهقي وفيه انقطاع]، وكذلك حديث عبدالله بن هلال الثقفي قال: «جاءَ رجُلٌ إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، فقالَ: كِدتُ أُقتَلُ بعدَكَ في عنَاقٍ، أو شاةٍ منَ الصَّدَقةِ، فقالَ :لولا أنَّها تعطَى فقراءَ المُهاجرينَ، ما أخذتُها»(12) [رواه النسائي]، وكذلك جاء في حديث عدي بن حاتم: «أنه حمل صدقات قومه بعثوا للنبي صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر أيام الردة» [رواه أبو عبيد في الأموال]، وقول عمر لابن أبي ذياب وقد بعثه عام الرمادة بعد المجاعة: «اعقل عَلَيْهِم عِقالين، -العقال صدقة العام- فاقسمْ فيهم عِقالًا وائتني بِالْآخرِ»، هذه نصوص عامة تدل على جواز النقل إذا دعت الحاجة وهذا هو الصحيح، لكن إذا لم تدعو الحاجة، نقول: ينبغي للمسلم أن يخرج من خلاف أهل العلم وهو خلافٌ معتبر ولا يخرج الزكاة من بلده؛ فإن الفقراء في البلد يترقبون هذا المال وينظرون إليه وينتظرون ساعة زكاة هذا الغني ويتلهفون إليها ويترقبونها، فلا ينبغي أن ينقل وفي فقراء ولم تدعو الحاجة إلى ذلك، لو نقلها إلى مسافة قصر، قالوا: تجزئ لأنه دفع الحق إلى مستحقه فتبرأ ذمته، ويأثم عند القائمين بعدم النقل إلا ألا يكون له في البلد فقراء فهذا باتفاق الجميع، هذه أهم المسائل.
رابط الفقرة 21تعجيل الزكاة، ذكر المؤلف رحمه الله أنه يجوز تعجيلها، والحنابلة يرون ذلك لحولين فأقل، ويستدلون بما جاء في الحديث: «أن النبي صلى الله عليه وسلم تَعَجَّلَ مِنَ الْعَبَّاسِ صدقةَ سنتينِ»(13) [رواه أبو عبيد في الأموال]، وفي رواية لمسلم: «فهِيَ عليَّ ومِثلُها»(14)، وإنما يجوز ذلك إذا كَمُل النصاب كما تقدم، وتعجيل الزكاة لمصلحة أمر مشروع وهو أولى من الاعتذار، فإن بعض الأغنياء اليوم يوزع زكاته في رمضان ثم يأتيه محاويج وربما فقراء وربما شباب من قبيلته أو عائلته تحل فيهم الزكاة يريدون الزواج، فيقول: والله ما عندي شيء، نقول: إذا عندك قدرة إنك تعطي الزكاة مقدمة عن سنة أو سنتين للحاجة فلا حرج وفيه تفريج كربة، وهذه الزكاة واجبة متعلقة بذمتك بعد سنة أو سنتين، فإذا عجلتها برأت ذمتك ونفعت هذا القريب المحتاج.
رابط الفقرة 22أسأل ربي بمنه وكرمه وجوده وإحسانه أن يوفقنا جميعًا لما يحبه ويرضى، وأن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
رابط الفقرة 23الحواشي
(1)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه البخاري (25)، ومسلم (22).
(2)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه البخاري (4406)، ومسلم (1679).
(3)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه أبو داود (1575)، والنسائي (2444)، وأحمد (20016) باختلاف يسير، والحديث حسنه الألباني في صحيح أبي داود (1575).
(4)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه مسلم (987) مطولًا.
(5)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه البخاري (1).
(6)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه البخاري (1395)، ومسلم (19).
(7)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه الترمذي (649) وحسنه، ولكن ضعفه الألباني في ضعيف الترمذي (649).
(8)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه البخاري (3700).
(9)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه أبو داود (1625)، وابن ماجة (1812)، وحسنه الألباني في تخريج مشكلة الفقر (90).
(10)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه مسلم (1044).
(11)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه البيهقي في الخلافيات (3224) وقال: هذا مرسل؛ طاووس لم يدرك معاذًا.
(12)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه النسائي (2466) واللفظ له، والبخاري في التاريخ الكبير (5/26)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (1608)، والحديث ضعفه الألباني في ضعيف النسائي (2465).
(13)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه أبو داود (1624) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه : «أنَّ العبَّاسَ سألَ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم في تَعجيلِ صدقتِهِ قبلَ أن تَحلَّ، فرخَّصَ لَهُ في ذلِكَ، قالَ مرَّةً: فأذنَ لَهُ في ذلِكَ»، والحديث حسنه الألباني في صحيح أبي داود (1624).
(14)
العودة إلى موضع الحاشيةأخرجه البخاري (1468)، ومسلم (983) واللفظ له.